101 :تتمة فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
باب بيان الإيمان والإسلام والاحسان
(قَالَ) الرجل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الايمَانِ) قال الطيبيّ: الإيمان: إفعالٌ من الأمن، وهو طمأنينة النفس عن إزالة خوف وشكّ، يقال: آمنه: إذا صدّقه، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة. انتهى [«الكاشف» ٢/ ٤٢٤].
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه لا يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، والرضا، والمحبّة، وغيرها، وأنه منزّه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات، وعن صفات الأجسام، والمتحيّزات، وأنه واحد، صمد، فردٌ، خالق جميع المخلوقات، متصرّف فيها بما يشاء من التصرّفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في «العقيدة الواسطيّة» حينما يصف اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يُحرّفون الكلم عن مواضعه، ولا يُلحدون في أسمائه، وآياته، ولا يكيّفون، ولا يمثّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه وتعالى لا سميّ له، ولا كفء له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى، فإنه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من خلقه، ثم رسله صادقون، مصدّقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ – ١٨٢]، فسبّح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلّم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو قد جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنّة والجماعة عمّا جاء به المرسلون، فإنّه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين. انتهى كلامه مختصرًا.
وقال في «الفتح»: قوله: «قال: الإيمان: أن تؤمن بالله …» إلخ: دل الجواب أنه عَلِم أنه ساله عن متعلقات الإيمان، لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق. وقال الطيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإن قوله: «أن تؤمن بالله»، مُضَمَّن معنى أن تعترف به، ولهذا عدَّاه بالباء: أي: أن تصدق، معترفًا بكذا.
قال الحافظ: والتصديق أيضًا يُعَدَّى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. وقال الكرماني: ليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي.
قال الحافظ: والذي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه، تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]: يعني أن قوله: «أن تؤمن» ينحل منه الإيمان، فكأنه قال: الإيمان الشرعي: تصديق مخصوص، وإلا لكان الجواب الإيمان: التصديق، والإيمان بالله: هو التصديق بوجوده، وأنه متصف بصفات الكمال، مُنَزَّهٌ عن صفات النقص. انتهى كلامه، وهو نفيسٌ. والله تعالى أعلم.
(وَمَلَائِكَتِهِ) قال ابن الأثير: جمع مَلأَكٍ في الأصل، ثم حُذفت همزته؛ لكثرة الاستعمال، فقيل: مَلَكٌ، وقد تحذف الهاء، فيقال: ملائك، وقيل: أصله مَأْلَكٌ بتقديم الهمزة، من الألوكة، وهي الرسالة، ثم قدّمت الهمزة، وجُمع. انتهى [«النهاية» ٤/ ٣٥٩].
وقال الفيّوميّ: أَلَكَ بين القوم أَلْكًا، من باب ضَرَبَ، وأُلُوكًا أيضًا: تَرَسَّل، واسم الرسالة مَأْلُكٌ بضم اللام، ومَأْلُكةٌ أيضًا بالهاء، ولامها تُضمّ وتُفتح، والملائكة مشتقّة من لفظ الأُلُوكة، وقيل: من الْمَأْلَك، الواحد مَلَكٌ، وأصله مَلأَكٌ، ووزنه مَفْعَلٌ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسَقَطت، فوزنه مَعَلٌ، فإن الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأَكَ: إذا أرسل، فملأَكٌ مَفْعَل، فنُقلت الحركة، وسَقَطت الهمزة، وهي عينٌ، فوزنه مَفَلٌ، وقيل فيه غيرُ ذلك. انتهى [«المصباح المنير» ١/ ١٨ – ١٩].
ومعنى الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، و﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم سفراء الله بينه وبين رسله، والمتصرّفون كما أذن لهم في خَلْقه.
وقَدَّم الملائكة على الكتب والرسل، نظرًا للترتيب الواقع؛ لأنه سبحانه وتعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتَمَسَّك لمن فَضَّل الملك على الرسول. قاله في «الفتح».
قال الإتيوبي عفا الله عنه: مسألة تفضيل الملك على البشر، أو العكس طويلة الذيل، قليلة النيل، قد استوفيت بحثها في «شرح النسائي»، وسيأتي هنا أيضًا في المحل المناسب له – إن شاء الله تعالى -.
(وَكُتُبِهِ) معنى الإيمان بكتب الله تعالى: التصديق بأنه كلام الله تعالى، وأن ما تضمّنته حقّ وصدق.
[تنبيه]: زاد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعد قوله: «وكتابه»: قولَهُ: «ولقائه»: قال في «الفتح»: كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين، ولم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنَّها داخلة في الإيمان بالبعث، والحقّ أنَّها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث القيامُ من القبور، والمراد باللقاء ما بعد ذلك، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك، ويدل على هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها: «وبالموت، وبالبعث بعد الموت»، كذا في حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم، وقيل: المراد باللقاء رؤية الله، ذكره الخطابي.
وتعقبه النووي بأنّ أحدًا لا يقطع لنفسه برؤية الله، فإنها مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بمَ يختم له، فكيف يكون ذلك من شروط الإيمان؟
وأجيب: بأن المراد الإيمانُ بأن ذلك حقّ في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية؛ لأهل السنة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، إِذْ جُعِلت من قواعد الإيمان. انتهى [راجع: «الفتح» ١/ ١٦١].
(وَرُسُلِهِ) ووقع في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ عند النسائيّ «وملائكته، والكتاب، والنبيين»، وكل من السياقين في القرآن، في البقرة، والتعبير «بالنبيين» يشمل «الرسل»، من غير عكس.
ومعنى الإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيّدهم بالمعجزات الدّالّة على صدقهم، وأنهم بلّغوا عن الله تعالى رسالاته، وبيّنوا للمكلّفين ما أمرهم الله تعالى ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وألا يُفرَّق بين أحد منهم. قاله القرطبيّ.
وقال في «الفتح»: ودَلّ الإجمال في الملائكة، والكتب، والرسل على الاكتفاء بذلك، في الإيمان بهم، من غير تفصيل، إلَّا من ثبت تسميته، فيجب الإيمان به على التعيين، وهذا الترتيب مطابق للآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ومناسبة الترتيب المذكور، وإن كانت الواو لا تُرَتِّب، بل المراد من التقديم، أن الخير، والرحمة من الله، ومن أعظم رحمته، أن أنزل كتبه إلى عباده، والمتلقِّي لذلك منهم الأنبياء، والواسطة بين الله وبينهم الملائكة. انتهى.
(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي يوم القيامة، سُمِّي به؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد الإيمان به، وبما فيه من البعث والحساب، ودخول أهل الجنّة الجنّةَ، وأهل النار النارَ إلى غير ذلك، مما ورد النصّ القاطع به. قاله الطيبيّ [«الكاشف» ٢/ ٤٢٦].
وقال القرطبيّ: معنى الإيمان باليوم الآخر: هو: التصديق بيوم القيامة، وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت، والنشر، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وأنهما دار ثوابه، وجزائه للمحسنين، والمسيئين، إلى غير ذلك، مما صحّ نصّه، وثبت نقله. انتهى [«المفهم» ١/ ١٤٥].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي: «وتؤمن بالبعث»، زاد عند البخاريّ في «التفسير»: «الآخر».
قال في «الفتح»: فأما البعث الآخر، فقيل: ذُكر «الآخر» تأكيدًا، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة، والْعَلَقَة إلى الحياة الدنيا، والثانية البعث من بطون القبور، إلى محل الاستقرار، وأما اليوم الآخر، فقيل له: ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة. انتهى.
(وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ) – بفتحتين، أو بفتح، فسكون -: القضاء، والحكم، ومعنى الإيمان بالقدر أنه تعالى علم مقادير الأشياء، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَث في العالم العلويّ والسفليّ إلَّا وهو صادرٌ عن علمه تعالى، وقدرته وإرادته، وهذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كان السلف من الصحابة، وخيار التابعين، إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة رضي الله عنهم، كما سيأتي تمام البحث فيه في المسائل – إن شاء الله تعالى -.
ولما كثر من ينكر القدر من الكفّار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وتنويهًا بذكره، ليحصل الاهتمام بشأنه أكّده بقوله (خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) بالجرّ بدلٌ من «القدر»، وفي رواية: «بالقدر كُلِّهِ خيره وشره»، وزاد في رواية: «حُلْوه، ومرّه»، وزاد في أخرى «من الله».
[تنبيه]: ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان، لا يُطلق إلَّا على من صَدَّق بجميع ما ذُكر، وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله تعالى، ورسوله ﷺ، ولا اختلاف أن الإيمان برسول الله ﷺ المراد به الإيمان بوجوده، وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذلك. والله تعالى أعلم [راجع: «الفتح» ١/ ١٦٣].
(قَالَ) الرجل (صَدَقْتَ، قَالَ) الرجل أيضًا (فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ) قال في «الفتح»: هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ولتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنت كذا: إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد؛ لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلًا محسن بإخلاصه إلى نفسه، وإحسانُ العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع وفراغ البال حالَ التلبس بها، ومراقبة المعبود.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الإحسان هو مصدر أحسن يُحسن إحسانًا، ويقال على معنيين:
[أحدهما]: متعدّ بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، وفي كذا: إذا حسّنته، وكمّلته، وهو منقول بالهمزة من حسُن الشيءُ.
[وثانيهما]: متعدّ بحرف جرّ، كقولك: أحسنت إلى كذا: أي أوصلت إليه ما ينتفع به، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني، إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها، ومراقبته، واستحضار عظمته، وجلاله حالةَ الشروع، وحالة الاستمرار فيها.
وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين:
[أحدهما]: غالب عليه مشاهدة الحقّ، فكأنه يراه، ولعلّ النبيّ ﷺ أشار إلى هذه الحالة بقوله: «وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة» [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى في حاشية البحر معلقا: “كان في نسخة القرطبيّ: «وجعلت قرة عيني في عبادة ربي»، والذي في مسند أحمد ٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥، و«سنن النسائي» ٧/ ٦٢ بلفظ: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، فليُتنبّه”. انتهى.]، رواه أحمد، والنسائيّ.
[وثانيهما]: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أن الحقّ سبحانه وتعالى مطّلع عليه، ومشاهد له، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٨ – ٢١٩]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وهاتان الحالتان ثمرة معرفة الله تعالى وخشيته، ولذلك فسّر الإحسان في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بقوله: «أن تخشى الله كأنك تراه»، فعبّر عن المسبب باسم السبب توسّعًا، والألف واللام اللذان في «الإحسان» المسئول عنه للعهد، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الآية [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ولَمّا تكرّر الإحسان في القرآن، وترتّب عليه هذا الثواب العظيم، سأل عنه جبريل النبيّ ﷺ، فأجابه ببيانه؛ ليعمل الناس عليه، فيحصل لهم هذا الحظّ العظيم. انتهى كلام القرطبيّ [«المفهم» ١/ ١٤٣ – ١٤٤].
وقال الخطّابيّ: إنما أراد بالإحسان ها هنا الإخلاص، وهو شرط في صحّة الإيمان والإسلام معًا، وذلك أن من تلفّظ بالكلمة، وجاء بالعمل من غير نيّة الإخلاص لم يكن مُحسنًا، ولا كان إيمانه صحيحًا، قال ﷺ: «أن تعبُد الله كأنك تراه»، أي في إخلاص العبادة لوجه الله الكريم، ومجانبة الشرك الخفيّ، والعبادة لله الذي لا تنبغي العبادة إلا له على نعت الهيبة والتعظيم، حتى كأنه ينظر إلى الله تعالى خوفًا منه، وحياءً، وخُضُوعًا له.
وقال الراغب الأصبهانيّ: الإحسان يقال: على وجهين:
[أحدهما]: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.
[والثاني]: إحسان في فعله، وذلك إذا عَلِمَ علمًا حسنًا، أو عَمِلَ عملًا حسنًا، وعلى هذا قوله عز وجل: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، والإحسان أعم من الإنعام، قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فالإحسان فوق العدل، وذاك أن العدل هو أن يُعطي ما عليه، ويأخذ أقلّ مما له [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى: “هكذا النسخة، ولعله «ويأخذ ما له»، فليتأمّل، والله تعالى أعلم”. انتهى.]، والإحسان أن يُعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقلّ مما له، فالإحسان زائد على العدل، فتحرّي العدل واجبٌ، وتحرّي الإحسان ندبٌ وتطوّع، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقوله عز وجل: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ولذلك عظّم الله تعالى ثواب المحسنين، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [النحل: ٣٠]. انتهى [«مفردات ألفاظ القرآن» ص ٢٣٦ – ٢٣٧].
قال الطيبيّ: يجوز أن يُحمل الإحسان – يعني في هذا الحديث – على الإنعام، وذلك أن العامل المرائي يُبطل عمله، ويُحبطه، فيظلم نفسه، فقيل له: أحسِن إلى نفسك، ولا تشرك بالله، واعبُد الله كأنك تراه، وإلا فتهلك، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: ١٠]، فإنها واردة في المرائي.
ويجوز أن يحمل على المعنى الثاني – يعني الإحسان في الفعل – وعليه قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]، أي: المجيدين المتقنين في تعبير الرؤيا، كأنه سأل جبريلَ عليه السلام عما يُنبئ عن الإخلاص، كما قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]. انتهى [«الكاشف» ٢/ ٤٣٠]. وسنعود لتكميل بحث الإحسان في المسائل – إن شاء الله تعالى -.
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) «أن» مصدريّة، والجملة في تأويل المصدر خبر لمحذوف: أي هو عبادة الله تعالى (كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)، قال في «الفتح»: أشار في الجواب إلى حالتين، أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه، حتى كأنه يراه بعينه، وهو قوله: «كأنك تراه»: أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مُطّلِع عليه، يَرَى كل ما يعمل، وفو قوله: «فإنه يراك»، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله، وخشيته، وقد عبر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بقوله: «أن تخشى الله كأنك تراه»، وكذا في حديث أنس رضي الله عنه.
وقال النووي: معناه إنك إنما تراعي الآداب المذكورة، إذا كنت تراه ويراك؛ لكونه يراك، لا لكونك تراه، فهو دائمًا يراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتقدير الحديث: فإن لم تكن تراه، فاستمر على إحسان العبادة، فإنه يراك، قال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم، من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ، وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعًا من التلبس بشيء من النقائص؛ احترامًا واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعًا عليه، في سره وعلانيته، انتهى. وقد سبق إلى أصل هذا القاضي عياض وغيره. انتهى.
وقال الطيبيّ: وأما تقدير الشرط والجزاء، فهو أن يقال: إن لم تعبد الله كأنك تراه، فاعبده كأنه يراك، وتحرير المعنى إن لم تكن تراه كذلك، أي مثل تلك الرؤية المعنويّة، فكن بحيث إنه يراك، وهو من جوامع الكلم، أي كن متيقّظًا، لا ساهيًا غافلًا، مجدًّا في مواقف العبوديّة، مخلصًا في نيّتك، آخذًا أُهبة الْحَذَر، فإن من عَلِم أن له حافظًا رقيبًا، شاهدًا بحركاته وسكناته، لا سيّما ربّه، ومالك أمره، فلا يُسيء الأدب طرفة عين، ولا فَلْتة خاطر، هذا هو معنى الإجادة في الإيمان والإسلام، وقيل: التقدير: فإن لم تكن تراه، فلا تغفل، فإنه يراك. انتهى المقصود منه [»الكاشف«٢/ ٤٣٠].
(قَالَ) الرجل السائل (فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أي متى تقوم الساعة؟ وقد صرّح به في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللام للعهد، والمراد يوم القيامة. قاله في «الفتح» ١/ ١٦٥.
وقال القرطبيّ: الساعة: هي في أصل الوضع: مقدارٌ من الزمان، غير معيّن، ولا محدود؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، وفي عرف الشرع: عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدّلين [“»المعدّلون«: هم المشتغلون بالحساب، وتقدير الزمن. انتهى من هامش»المفهم«١/ ١٤٧”]: جزء من أربعة وعشرين جزءًا من أوقات الليل والنهار. قاله في «المفهم» ١/ ١٤٧.
وقال الطيبيّ: سميت ساعة لوقوعها بغتةً، أو لسرعة حسابها، أو على العكس؛ لطولها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق، وعَنَى بالعكس أنها سُمّيت بها بناءً على عكس ما هي عليه من الطول تلميحًا، كما سُمّيت المهلكة مفازة. انتهى [»الكاشف” ٢/ ٤٣١].
(قَالَ) ﷺ «مَا الْمسئول عَنْهَا» قال المظهر: «ما» نافيةٌ، يعني لست أنا أعلم منك يا جبريل بعلم القيامة، الضمير راجع إلى «الساعة»، فلا بُدّ من تقدير مضاف في السؤال والجواب، كـ«وقتٍ» ونحوه؛ إذ وجود الساعة ومجيؤها مقطوع به، وإنما يُسأل عن وقتها، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾ [النازعات: ٤٢ – ٤٣]، أي: في أيّ شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم؟ يعني ما أنت من ذكراها لهم وبتبيين وقتها في شيء.
وزاد في حديث أبي هريرة، وأبي ذرّ رضي الله عنهما عند النسائيّ: «قال: فنكّس، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يُجبه شيئًا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئًا، ورفع رأسه، فقال: ما المسئول …» (بِأَعْلَمَ) هذا وإن كان مشعرًا بالتساوي في العلم، لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها؛ لقوله بعدُ: «في خمس لا يعلمها إلا الله»، ونظير هذا قوله عند النسائيّ في حقّ جبريل عليه السلام: «ما كنت بأعلم به من رجل منكم»، فإن المراد أيضًا التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فقال: «سبحان الله، خمس من الغيب، لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا الآية».
وقال الطيبيّ: [فإن قلت]: لفظة «أعلم» مشعرةٌ بوقوع الاشتراك في العلم، وأحدهما أزيد من الآخر، وهما متساويان في انتفاء العلم منهما.
[فالجواب]: أنه ﷺ نفى أن يكون صالحًا لأن يُسأل عنه على سبيل الكناية؛ لما عُرف أن المسئول في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل، فهو من باب قوله تعالى: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
ويقال: إنه ﷺ نفى عن نفسه العلم بالمسئول عنه بوجه خاصّ.
تلخيصه أنّا متساويان في أنّا نعلم أن للساعة مجيئًا في وقت ما من الأوقات، وذلك هو العلم المشترك بيننا، ولا مزيد للمسئول على هذا العلم حتى يتعيّن عنده المسئول عنه، وهو الوقت المتعيّن الذي يتحقّق فيه مجيء الساعة. انتهى [ «الكاشف» ٢/ ٤٣١ – ٤٣٢].
(مِنَ السَّائِلِ) إنما عدل عن قوله: لست بأعلم بها منك، إلى لفظٍ يُشعر بالتعميم؛ تعريضًا للسامعين: أي أن كل مسئول، وكل سائل، فهو كذلك.
والحاصل أن أصل الكلام أن يقال: لست بأعلم بها منك، لكن عُدِل عنه إلى ما عليه؛ لإفادة التعميم، وذلك أن الأجوبة الثلاثة على خطاب جبريل عليه السلام كانت تعريضًا للسامعين على طريقة الخطاب العامّ، نحو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ولو أُجري على ذلك الأسلوب لقيل: لستُ بأعلم منك، ولم يُفد فائدة العموم؛ لأن المعنى كلُّ مسئول عنه وسائلٍ أيًّا ما كان فهو داخلٌ في هذا العموم.
وزاد في رواية أبي نعيم في «المستخرج»: «فقال له: صدقت».
[فائدة]: هذا السؤال والجواب، وقع بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهم الصلاة والسلام، لكن كان عيسى سائلًا، وجبريل مسؤولًا، قال الحميدي، في «نوادره»: حدثنا سفيان، حدثنا مالك بن مِغْول، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشعبي، قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل، عن الساعة؟ قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسئول أعنها بأعلم من السائل«. ذكره في»الفتح«[راجع: «الفتح» ١/ ١٦٦].
(قَالَ) الرجل السائل (»فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتهَا) وفي نسخة «عن أماراتها» بالجمع، ولأبي نعيم: «ثم قال: يا محمد، فأخبرني عن أمارتها»، و«الْأَمارَةُ»، و«الأَمَارُ» بفتح الهمزة، وبالهاء، وحذفها: هي العلامة وزنًا ومعنى.
وفي حديث أبي هريرة: «عن أشراطها»، وهو – بفتح الهمزة – جمع شَرَطَ – بفتحتين – كقَلَم وأَقْلام: هي الأمارات، والعلامات، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] وبها سُمّي الشُّرَط؛ لأنهم يُعلّمون أنفسهم بعلامات يُعرفون بها.
وقال القرطبي: علامات الساعة على قسمين: ما يكون من نوع المعتاد، أو غيره، والمذكور هنا الأول، وأما الغير: مثل طلوع الشمس من مغربها، فتلك مقارنة لها، أو مضايقة، والمراد هنا العلامات السابقة على ذلك [«الفتح» ١/ ١٦٦].
[تنبيه]: هكذا في حديث عمر رضي الله عنه أن السائل قال له ﷺ: «فأخبرني عن أمارتها»، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي: «وسأحدّثك عن أشراطها»، وعند البخاري في «التفسير»: «ولكن سأحدثك»، وفي بعض الروايات: «ولكن لها علامات، تعرف بها».
ويجمع بين هذه الاختلافات بأنه ﷺ ابتدأ بقوله: «وسأخبرك»، فقال له السائل: «فأخبرني»، ويدل على ذلك روايةٌ عند البخاري بلفظ: «ولكن إن شئت، نبأتك عن أشراطها، قال: أجل»، ونحوه في حديث ابن عباس، وزاد: «فحدثني».
ويُستفاد من اختلاف الروايات: أن التحديث، والإخبار، والإنباء، بمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الحديث اصطلاحًا [«الفتح» ١/ ١٦٦].
(قَالَ) ﷺ (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) هو في تأويل المصدر خبر لمحذوف، أي هي: أي الأمارات ولادة الأمة ربتها.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأمة هنا: هي الجارية المستولدة، وربّها سيّدها، وقد سُمّي بعلًا في الرواية الأخرى، كما سمّاه الله تعالى بعلًا في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصّافّات: ١٢٥]، في قول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وحُكي عنه أنه قال: لم أَدْرِ ما البعل؟ حتى قلت لأعرابيّ: لمن هذه الناقة؟ فقال: أنا بعلها، وقد سُمي الزوج بعلًا، ويُجمع على بُعُولة، كما قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]. و«ربّتها»: تأنيث ربّ. انتهى كلام القرطبيّ [«المفهم» ١/ ١٤٨].
وقال ابن الأثير رحمه الله: «الربّ» يُطلق في اللغة على المالك، والسيّد، والمدبّر، والمربّي، والقيّم، والمنعم، ولا يُطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أُطلق على غيره أُضيف، فيقال: ربُّ كذا، وقد جاء في الشعر مطلقًا على غير الله تعالى، وليس بالكثير، وأراد به في هذا الحديث المولى، والسيّد، يعني أن الأمةَ تَلِد لسيّدها ولدًا فيكون لها كالمولى؛ لأنه في الحسب كأبيه، أراد أن السبي يكثر، والنعمة تظهر في الناس، فتكثُر السراري. انتهى [«النهاية» ٢/ ١٧٩].
وقال الطيبيّ رحمه الله: قوله: «أن تلد الأمة ربتها»: «الربّ» مشترك بين المالك، والمربّي، قال صاحب «الأساس»: ربُّ الدار، وربّ العبد، وربّى ولده تربيةً، وقال الجوهريّ: ربّ كلّ شيء: مالكه، وقال في «الكشّاف»: الربّ المالك، ومنه قول صفوان لأبي سفيان: «لأن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحبّ إليّ من أن يَرُبّني رجل من هوازن» هذا هو المعنى في الحديث.
[فإن قيل]: كيف أُطلق الربّ على غير الله تعالى، وقد نَهَى النبيّ ﷺ عن ذلك في قوله: «لا يَقُلْ أحدكم أطعم ربّك، وضّئ ربّك، واسق ربّك، ولا يقُل أحدكم: ربّي، وليقُل: سيّدي ومولاي» [رواه الشيخان في «صحيحيهما»، ولفظ البخاريّ: من طريق معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وَضِّئ ربك، اسْقِ ربك، وليقل: سيدي مولاي، ولا يقل: أحدكم عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي». ولفظ مسلم: «لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضئ ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، فتاتي، غلامي».].
[والجواب]: أن هذا من باب التشديد والمبالغة، قال في «الفتح»: يُجمَع بينهما بأن اللفظ هنا خرج على سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا المربي، وفي المنهي عنه السيد، أو أن النهي عنه متأخر، أو مختص بغير الرسول ﷺ. انتهى [راجع «الفتح» ١/ ١٦٧ – ١٦٨].
وقال التوربشتيّ: فسَّرَ هذا القول كثير من العلماء على أن السبي يكثر بعد اتّساع رُقعة الإسلام، فيستولد الناس إماءهم، فيكون الولد كالسيّد لأمه؛ لأن ملك الأمة راجع في التقدير إلى الولد، وذَكَره بلفظ التأنيث، وأراد به النسمة؛ ليشمل الذكور والإناث، أو كَرِه أن يقول: ربّها؛ تعظيمًا لجلال ربّ العباد، أو أراد البنت، وإذا كانت هكذا، فالابن أولى.
وقال القاضي ناصر الدين: وتأنيث «ربتها»، وإضافتها إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه وَلَد ربّها، أو مولاها بعد الأب، وذلك إشارة إلى قوّة الإسلام؛ لأن كثرة السبي والتسرّي دليل على استعلاء الدين، واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات؛ لأن قوّته، وبلوغ أمره غايته منذر بالترجع، والانحطاط المؤذن بأن القيامة ستقوم.
وقال الطيبيّ: وأقول – والعلم عند الله -: الكلام فيه صعب، بل هو مقام دحضٌ، قلما تثبت فيه الأقدام الراسية في البيان، وكان قلما يلتفت الخاطر إلى معرفته، وما تكلّم فيه العلماء لم يكن يشفي العليل إلى أن تصدّيتُ لأمر هذا الخطب الجليل، فالواجب أوّلًا تعيين المقام؛ لأن بيده زمام حكم الكلام، ولا ارتياب أن أمارات الساعة وأشراطها من عظائم الشؤون، وجلائل الخطوب، فيجب حينئذ تأويل القرينتين، أعني قوله: «أن تلد الأمة ربتها»، وقوله: «وأن ترى الْحُفاة الْعُراةَ – إلى قوله -: يتطاولون في البنيان» بما ينبئ عن ذلك النبإ العظيم من تغيير الزمان، وانقلاب أحوال الناس، بحيث لم يُشاهَد قبله، ولم يُرَ مثلُهُ، وكيف ولفظة «تَرَى» تنبئ عن ذلك؛ لأنها من الخطاب العامّ على الاستغراق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، يعني بلغ الخطب في العظم والفخامة بحيث لا يختصّ برؤية راءٍ واحدٍ، بل كلّ من يتأتّى منه الرؤية فهو مخاطبٌ به.
فإذا تقرّر بيان اقتضاء المقام، فنَثْنِي العِنَانَ إلى بيان الأساليب التي يُستعان بها على تطبيق القرينتين على ما يقتضيه المقام، من المطابقة المعنويّة، والكناية الزبديّة، والإدماج المسمّى بإشارة النصّ.
فنقول: القرينة الثانية دلّت بالكناية الزبديّة التي لا يُنظر فيها إلى مفردات التركيب، لا حقيقةً، ولا مجازًا، بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع على أن الأذلّة من الناس ينقلبون أعزّةً، ملوك الأرض، فينبغي أن تُؤَوَّل القرينة السابقة بما يقابلها؛ ليطابقا في أن يصير الأعزّة أذلّةً، ومعلوم أن الأمّ مربّيةٌ للولد، ومدبّرةُ أمره، فإذا صار الولد ربًّا، ومالكًا لها، لا سيّما إذا كانت بنتًا ينقلب الأمر، هذا هو الْمَعْنِيّ بالتشديد والمبالغة الموعود بهما، ثم وضع الأمة، ووصفها بالولادة موضع الأمّ إشعارٌ بمعنى الاسترقاق والاستيلاء، وأن أولئك الضَّعَفَةَ الأذلّةَ الذين فُهِموا من القرينة الثانية هم الذين يتعدّون، ويتسلّطون، ويفتحون البلاد، ويسترقّون كرائم النساء، وَشَرَائِفَهُنَّ، وَيسْتَوْلدوهنَّ، فتلد الأمة ربّتها.
فالحاصل أن قوله: «أن تَلِدَ الأمة ربتها» دلَّ بعبارته على المقصود، وبإشارته على معنى آخر، وهو كثرة المستولدات، وإنما وصف النساء بالشرف والكرامة؛ ليفيد المعنى المقصود، وكان الواقع كذلك، ألا ترى إلى الملكة حُرَقة بنت النعمان حين سُبيت، وأُحضرت بين يدي سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه كيف أنشدت [من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصرَّفُ
وإلى قول أبي الطيّب [من الطويل]:
تَبَكَّى عَلَيْهِنَّ الْبَطَارِيقُ فِي الدُّجَى … وَهُنَّ لَدَيْنَا مُلْقَيَاتٌ كَوَاسِدُ
وفي معناه أنشد [من الطويل]:
إِذَا ذَلَّ فِي الدُّنْيَا الأَعَزُّ وَاكْتَسَى (١) … أَعِزَّتُهَا ذُلًّا وَسَادَ مَسُودُهَا
هُنَاكَ فَلَا جَادَتْ سَمَاءٌ بِضَوْئِهَا … وَلَا أَشْرَقَتْ أَرْضٌ وَلَا اخْضَرَّ عُودُهَا
قال الإتيوبي رحمه الله تعالى: “(١) فيه انكسار في الوزن، ولعل الصواب »الْأَعِزَّة«، فليحرّر”. انتهى.
قال: وفي القرينتين إيذان بنصرة المؤمنين، وفتحهم البلاد مشارقها ومغاربها، كما ورد: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها»، رواه مسلم من حديث ثوبان رضي الله عنه. انتهى كلام الطيبيّ [»الكاشف عن حقائق السنن” ٢/ ٤٣٣ – ٤٣٤].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بلفظ: «إذا ولدت الأمة ربها»، بالتذكير، قال في «الفتح»: وزاد في رواية محمد بن بشر: «يعني السراري»، وفي رواية عمارة بن القعقاع: «إذا رأيت المرأة تلد ربها»، ونحوه لأبي فَرْوَة، وفي رواية عثمان بن غياث: «الإماء أربابهن» بلفظ الجمع، والمراد بالرب: المالك، أو السيد.
وقال أيضًا: «التعبير بـ»إذا«للإشعار بتحقق الوقوع، ووقعت هذه الجملة بيانًا للأشراط، نظرًا إلى المعنى، والتقدير: ولادةُ الأمة، وتطاوُلُ الرُّعَاة.
[فإن قيل]: الأشراط جمع، وأقله ثلاثة على الأصح، والمذكور هنا اثنان، أجاب الكرماني بأنه قد تستقرض القلة للكثرة، وبالعكس، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة، إنما هو في النكرات، لا في المعارف، أو لفقد جمع الكثرة للفظ»الشرط«.
قيل: وفي جميع هذه الأجوبة نظر لا يخفى، ولو أُجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان، لَمَا بَعُدَ عن الصواب، والجواب المرضيّ أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر على اثنين منها؛ لأنه في حديث عمر هنا، وفي حديث أبي هريرة الآتي ذكر الولادة، والتطاول، وفي رواية محمد بن بشر عن أبي حيان التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة في «صحيحه»، ومن طريقه أبو نعيم في «المستخرج» لفظها، ذكر الثلاثة، وكذا في «مستخرج الإسماعيلي»، من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عُمارة بن القعقاع، ووقع مثل ذلك في حديث عمر رضي الله عنه، في رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة، ووافقه عطاء الخراساني، وكذا ذُكِرت في حديث ابن عباس، وأبي عامر رضي الله عنهم [راجع: «الفتح» ١/ ١٦٦ – ١٦٧].
وسيأتي اختلاف العلماء في معنى «أن تلد الأمة ربتها» في المسائل، إن شاء الله تعالى.
(تنبيهٌ): قال النوويّ رحمه الله تعالى: ليس في هذا الحديث دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا منع بيعهنّ، وقد استدَلَّ إمامان من كبار العلماء به على ذلك، فاستدل أحدهما على الإباحة، والآخر على المنع، وذلك عجب منهما، وقد أُنكِر عليهما، فإنه ليس كلُّ ما أخبر ﷺ بكونه من علامات الساعة يكون مُحَرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاول الرِّعاء في البنيان، وفُشُوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهن قَيِّمٌ واحد ليس بحرام بلا شكّ، وإنما هذه علامات، والعلامة لا يُشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشرّ، والمباح والمحرم، والواجب غيره. انتهى [«شرح النووي على صحيح مسلم» ١/ ١٥٩].
وعبارة القاضي عياض رحمه الله: قال الخطابيّ: قد يَحتجّ بهذا الحديث من يرى بيع أمهات الأولاد، ويحتجّ بأنهنّ لم يُبعنَ بعد موت السيّد؛ لأنهنّ يصرن في التقدير ملكًا لأولادهنّ، فيُعتقن.
قال القاضي: ولا حجّة له في هذا؛ إذ ليس في الحديث شيء يدلّ عليه، بل قد نُوزع في استدلاله.
وقال أبو زيد المروزيّ: وهو ردّ على من يرى بيعهنّ لإنكار النبي ﷺ أن تلد الأمة من يملكها، وجعله ذلك من أشراط الساعة، ومعناه عنده أن يبيع أمه آخر الزمان.
وليس ما قال بشيء؛ لأن كلّ ما أُخبر عنه أنه من أشراط الساعة لا تُحَرِّمه الشريعة، ألا ترى أن تطاول الرِّعاء في البنيان ليس بحرام، ولا أن يكون اللُّكَع أسعد الناس بالدنيا ليس مما يُحرّمها عليه، ولا فشُوّ المال جملة مما يُحرّمه، ولا أن يكون لجماعة النساء القيّم الواحد مما يُحرّم ذلك.
وليس في الكلام دليل على إنكار النبيّ ﷺ، كما زَعَم، ولا فيه غيرُ إخبارٍ عن حال تكون. وأما قوله: إن معناه أن يبيع الولد أمه آخر الزمان، فليس فيه دليلٌ على منع بيعها قبل ملك ابنها؛ إذ من يُجوّز بيعها من أهل الظاهر يوافق الجماعة في أنها لا تباع ما دامت حاملًا، ولا إذا تصير ملكًا لابنها بميراث، أو غيره. انتهى [»إكمال المعلم«١/ ١٠٧ – ١٠٩].
(وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ) بالضمّ: جمع حاف، وهو الذي لا يلبس في رجله نعلًا أو غيرها (الْعُرَاةَ) بالضمّ أيضًا جمع عار: وهو الذي لا يلبس على جسده ثوبًا (الْعَالَةَ) بتخفيف اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والْعَيلة: الفقر، يقال: عال الرجل يَعِيل عَيْلةً: إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا كثُر عياله (رِعَاءَ الشَّاءِ) بالكسر: جمع راع، وأصل الرعي: الحفظ، و«الشاء»: جمع شاة، وهو من الجمع الذي يفرّق بينه وبين واحده بالهاء، وهو كثير فيما كان خِلْقةً لله تعالى، كشجرة وشجر، وثمرة وثمر، وإنما خصّ رعاء الشاء بالذكر؛ لأنهم أضعف أهل البادية. قاله القرطبيّ [»المفهم” ١/ ١٥٠].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي: «إذا رأيت الرِّعَاء البهم»، وعند البخاريّ: «وإذا تطاول رعاة الإبل البهم».
وزاد في رواية ابن حبّان: «قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: الْعُرَيب».
(يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ«) أي يتفاخرون في طول بيوتهم، ورفعتها، من تَطَاوَلَ الرجل إذا تكبّر، يعني من علامات القيامة أن ترى أهل البادية ممن ليس لهم لباسٌ، ولا نعلٌ، بل كانوا رعاء الإبل والشاء يتوطّنون البلاد، ويتّخذون العقار، ويبنون الدور والقصور المرتفعة. قاله المظهر.
وقال في «المرقاة»: أي يتفاضلون في ارتفاعه، وكثرته، ويتفاخرون في حسنه وزينته، وهو مفعول ثانٍ إن جَعَلْتَ الرؤيةَ فعلَ البصيرة، أو حال إن جَعَلْتَها فعلَ الباصرة، ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الفاقة تبسط لهم الدنيا مِلْكًا أو مُلْكًا، فيتوطنون البلاد، ويبنون القصور المرتفعة ويتباهون فيها، فهو إشارة إلى تغلب الأراذل، وتذلّل الأشراف، وتولي الرئاسة من لا يستحقّها، وتعاطي السياسة من لا يُحْسِنُهَا، كما أن قوله: «أن تلد الأمة ربتها» إشارة إلى عكس ذلك.
وقيل: كلاهما إشارة إلى اتساع دين الإسلام، فيتناسب المتعاطفان في الكلام، ولعلّ تخصيصهما لجلالة خطبهما، ونباهة شأنهما، وقرب وقوعهما.
ويحتمل أن تكون الأولى إيماء إلى كثرة الظلم، والفسق، والجهل، وبلوغها مبلغ العليا، والثانية إلى غلبة محبة الدنيا، ونسيان منازل العقبى، ويقال: تطاول الرجل: إذا تكبّر، فلا يرد ما ذكره ابن حجر [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى في حاشية البحر الثجاج معلقا: “يعني ابن حجر الهيتميّ الفقيه الشافعيّ، شارح المشكاة، لا الحافظ ابن حجر العسقلانيّ، فتنبّه”. انتهى.] من قوله: التفاعل فيه بين أفراد الْعُراة الموصوفين بما ذُكر، لا بينهم وبين غيرهم مما كان عزيزًا فَذَلَّ، خلافًا لمن وَهِمَ فيه، وقال: المعنى أن أهل البادية العارين عن القيام بالديانة يسكنون البلاد، ويتّخذون القصور الرفيعة، ويتكبّرون على العباد والزُّهّاد.
وحاصل الكلام أن انقلاب الدنيا من النظام يؤذن بأن لا يتناسب فيها المقام، فلا عيش إلا عيش الآخرة عند العقلاء الكرام، كما أنشدت الملكة الْحُرَقَة بنت النعمان بن المنذر لَمّا سُبيت، وأُحضرت عند سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه[من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا … تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصرَّفُ
فهنيئًا لمن جَعَل الدنيا كساعة، واشتغل فيها بالطاعة، قيامًا بأمر الحبيب، فإن كلّ ما هو آتٍ قَريب، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ [الأنبياء: ١ – ٢]. انتهى [»المرقاة«١/ ١٣٠].
(قَالَ عُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله عنه (ثُمَّ انْطَلَقَ) أي الرجل السائل (فَلَبِثْتُ) بكسر الباء الموحّدة: أي مكثتُ، يقال: لبِث بالمكان لَبَثًا، من باب تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثة بالفتح: المرّة، وبالكسر: الهيئة، والنوع، والاسم: اللُّبْث بالضمّ، واللَّبَاث. قاله في «المصباح».
وقال النوويّ في «شرحه»: قوله: «فَلَبثَ مليًّا» هكذا ضبطناه «لَبِثَ» آخرُهُ ثاءٌ مثلّثةٌ، من غير تاء، وفي كثير من الأَصول المحقّقة «لَبِثْتُ» بزيادة تاء المتكلّم، وكلاهما صحيح. انتهى [»شرح النووي«١/ ١٥٩ – ١٦٠].
(مليًّا) بتشديد الياء: أي وقتًا طويلًا، وفي رواية النسائيّ: «فلبِثتُ ثلاثًا»، وفي رواية أبي داود، والترمذيّ أنه قال ذلك بعد ثلاث، وفي «شرح السنّة» للبغويّ: «بعد ثالثة»، وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه بعد هذا: «ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ: رُدُّوا عليّ الرجلَ، فأخذوا ليردّوه، فلم يروا شيئًا، فقال النبيّ ﷺ: هذا جبريل» … الحديث.
فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضي الله عنه لم يحضر قولَ النبيّ ﷺ لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبيّ ﷺ الحاضرين في الحال، وأخبر عمرَ رضي الله عنه بعد ثلاث، إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين. والله تعالى أعلم [»شرح مسلم” ١/ ١٦٠].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع هو الأحسن، وسيأتي وجه آخر في الجمع في «عبارة الفتح» قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي) أي أتعلم (مَنِ السَّائِلُ؟»)، ولأبي نعيم في «المستخرج»: «ثم ذهب، فقال عمر: ولَبِثَ مليًّا، ثم لقيتُ رسول الله ﷺ قال: يا عمر هل تُخبروني عن السائل؟»، (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»، قَالَ) ﷺ: (فَإِنَّهُ) أي السائل (جِبْرِيلُ) ولأبي نعيم: «ذلك جبريل عليه السلام» (أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) وفي رواية النسائيّ: «ليعلّمكم أمر دينكم»: أي قواعد دينكم، أو كلّيّات دينكم. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي: «هذا جبريل جاء ليعلّم الناس دينهم».
وللإسماعيلي: «أراد أن تعلموا، إذ لم تسألوا»، وفي رواية للنسائيّ: «والذي بعث محمدًا بالحق، ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل»، وفي حديث أبي عامر: «ثم وَلَّى، فلما لم نرَ طريقه، قال النبي ﷺ: سبحان الله، هذا جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة»، وفي رواية سليمان التيمي: «ثم نَهَض، فوَلَّى، فقال رسول الله ﷺ: عليَّ بالرجل، فطلبناه كُلَّ مَطْلَبٍ، فلم نَقْدِر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل، أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده، ما شُبِّه عليّ منذ أتاني، قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى»، قال ابن حبان تفرد سليمان التيمي بقوله: «خذوا عنه».
قال الحافظ: وهو من الثقات الأثبات، وفي قوله: «جاء ليعلم الناس دينهم»: إشارة إلى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح.
وإسناد التعليم إلى جبريل مجازيّ؛ لأنه كان السبب في الجواب، فلذلك أمر بالأخذ عنه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: واتفقت هذه الروايات – يعني روايات أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاريّ – على أن النبي ﷺ، أخبر الصحابة رضي الله عنهم بشأنه، بعد أن التمسوه، فلم يجدوه، وأما ما وقع عند مسلم، وغيره، من حديث عُمَر رضي الله عنه في رواية كهمس – يعني هذا الرواية -: «قال: ثم انطلق، فلبثت مليًّا، ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل إلخ».
فقد جَمَع بين الروايتين بعضُ الشراح بأن قوله: «فلبثت مليًّا»: أي زمانًا بعد انصرافه، فكأن النبي ﷺ أعلمهم بذلك، بعد مضيّ وقت، ولكنه في ذلك المجلس، لكن يَعْكُرُ على هذا الجمع قوله في رواية النسائي، والترمذي: »فلبثت ثلاثًا«، لكن ادَّعَى بعضهم فيها التصحيف، وأن»مليًّا«صُغّرت ميمها، فأشبهت»ثلاثًا«، لأنها تكتب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة: فلبثنا ليالي، فلقيني رسول الله ﷺ، بعد ثلاث»، ولابن حبان: «بعد ثالثة»، ولابن منده: «بعد ثلاثة أيام».
وجمع النووي بين الحديثين بأن عمر رضي الله عنه، لم يحضر قول النبي ﷺ، في المجلس، بل كان ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عَرَض له، فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، ولم يتفق الإخبار لعمر، إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: «فلقيني»، وقوله: «فقال لي: يا عمر»، فوجه الخطاب له وحده، بخلاف إخباره الأول، وهو جمع حسن [راجع: «الفتح» ١/ ١٧٠].
[تنبيه]: دلت الروايات التي تقدّم ذكرها، على أن النبي ﷺ، ما عَرَف أنه جبريل، إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل، حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع في رواية النسائي، من طريق أبي فروة، في آخر الحديث: «وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي»، فإن قوله: «نزل في صورة دحية الكلبي»، وَهَمٌ؛ لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر رضي الله عنه: ما يعرفه منا أحد، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في «كتاب الإيمان» له من الوجه الذي أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: «فإنه جبريل، جاء ليعلمكم دينكم»، فَحَسْبُ، وهذه الرواية هي المحفوظة؛ لموافقتها باقي الروايات. قاله في «الفتح» [راجع: «الفتح» ١/ ١٧٠ – ١٧١]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث عمر بن الخطّاب رضي الله عنه هذا من أفراد مسلم، وقد تقدّم سبب عدم إخراج البخاريّ له، فلا تغفل. [البحر المحيط الثجاج (1/ 59 – 118)].