[1ج/ رقم (644)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع : أحمد بن علي ، ومحمد البلوشي وابوتيسير طارق وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (644)]:
قال الإمام أبو يعلى رحمه الله (ج ٤ ص ٢٥٢): قال ثنا يعقوب بن ماهان، قال ثنا حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، أخبرنا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يقول الله عزوجل: إذا أخذت كريمتي عبدي فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة».
هذا حديث حسن.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد ه الوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٢٣ – كتاب الطب النبوي، ١ – فضل الصبر على الأمراض والآلام والمصائب، (٣١١٢).
قال الألباني رحمه الله: “صحيح لغيره – «التعليق الرّغيب» (٤/ ١٥٦). [٥ – باب: فيمن ذهب بصره فصبر، صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (1/ 317 – رقم: ٧٠٥)].
والثاني: شرح وبيان الحديث
(عن ابن عباس)، رضي الله عنهما، (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يقول الله عزوجل: )) وهذا الحديث يسمَّى عند المحدِّثين قدسيًّا، والحديث القدسيُّ: كل ما رواه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربِّه -عزّ وجل-؛ لأنه منسوبٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تبليغًا، وليس من القرآن بالإجماع، وإن كان كلّ واحد منهما قد بلَّغه النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّتَه عن الله -عزّ وجل-. [شرح الأربعين النووية لابن عثيمين (ص:236)].
((إذا أخذت كريمتي عبدي، فصبر واحتسب، لم أرض له ثوابا دون الجنة»))
وفي البخاري بلفظ: (إِذَا ابْتَلَيْتُ عبدي بحَبيبتَيه فَصَبرَ عَوَّضتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ» يريد عينيه).
إذا ابتليتُ عبدي بأن فقد البصر بعينيه اللتين هما أحب أعضاء الإنسان إليه، فصبر مستحضرًا ما وعد الله به الصابرين من الثواب، وبدون أن يشتكي أو يقلق أو يظهر عدم الرضا به، فسأعوضه بدلًا عنهما بالجنة، وابتلاء الله تعالى عبدَه في الدنيا ليس من سخطه عليه، بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة.
والابتلاء هو الامتحان. وبحبيبتيه معناه: بذهاب بصره انتهى، قاله شارح مشارق الأنوار، [حدائق الأزهار شرح مشارق الأنوار للأرزنجاني (لوحة ٢٦٩/ مخ ٨٧٧٨١ كتبخانة)].
وقال الطيبي -رحمه الله-: «بحَبيبتيهِ» تسمَّى العينان بالحبيبتين؛ لأنَ العالَم عالم الغيب والشهادة، وكلٌّ منهما محبوبٌ، ومُدرِك الأولِ البَصيرة، ومُدرِك الثاني البَصرُ، واشتقَّ الحبيب من حبّة القلب وهي سويداؤه. [الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1343)].
وقال ابن حجر -رحمه الله-: «بحَبيبتيْه» بالتَّثنية، وقد فسرهما آخر الحديث بقوله: “يريد عينيه”، ولم يُصَرِّح بالذي فسرهما، والمراد بالحبيبتين: المحبوبتَان؛ لأنهما أحبُّ أعضاء الإنسانِ إليه؛ لما يحصل له بفقْدهما من الأسفِ على فوات رؤيةِ ما يريد رؤيته من خير فيسرّ به، أو شرٍّ فيَجتنبه. [فتح الباري (10/ 116)].
وقوله: «فصبر»؛ أي: على الابتلاء شاكرا عليه، راضيا بقضاء الله تعالى، وليس ابتلاء الله تعالى العبدَ بالعمى لسخَطه عليه، بل لدفع مكروه يكون بسبب البصر، ولتكفير ذنوب سلفت منه، [وليبلغه] إلى أجر لم يبلغه بعمله، ونعمة [الصبر] وإن كانت أجلّ نعم الله تعالى على العبد في الدنيا.
فعوض الله له [بكفِّه] عليها أعظم العوضين وأفضل النعمتين، كالبقاء مدة الالتذاذ بالبصر وضعفه وبقاء الالتذاذ بالجنة وقوته، فمن ابتلي بالعمى أو بفقد جارحة؛ ليتلقّ ذلك بالصبر، لتحصل له الجنة التي من صار إليها [فقد ربحت تجارته، انتهى] [والله أعلم. انتهى، قاله الكرماني] [الكواكب الدراري (٢٠/ ١٨٤)].
قوله -ﷺ- في رواية الترمذي: «يقول الله عز وجل إذا أخذت كريمتي عبد في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة» الحديث، ويروى [كريمته] يريد عينيه، أي: جارحتيه، أي: الكريمتين عليه، وكل شيء مكرم عليك فهو كريمُك وكريمتُك، ومنه الحديث: أنه أكرمَ جرير بن عبد الله لما ورد عليه، فبسط له رداءه وعمّمه بيده، وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. [أخرجه ابن ماجه (٣٧١٢) قال البوصيري (٤/ ١١١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٦٩)، والسلسلة الصحيحة (١٢٠٥) وانظر: المقاصد الحسنة (٥٠)]، أي كريم قوم وشريفهم، والهاء للمبالغة [النهاية (٤/ ١٦٧)].
[فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب لحسن بن علي الفيومي (ت ٨٧٠) رحمه الله تعالى، (13/ 461 – 459)، بتصرف يسير وإضافة].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): النصوص الواردة في الباب:
– عن أنس رضي الله عنه، قَالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنَّ الله – عز وجل – قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عبدي بحَبيبتَيه فَصَبرَ عَوَّضتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ» يريد عينيه، رواه البخاري.
– وقد رواه عن أبي ظلال: أشرس بن الربيع أو شيبان الهذلي فخالف في متنه، فقال: «إن الله قال: يا جبريل ما ثواب عبدي إِذَا أخذت كريمتيه إلا النظر إلى وجهي والجوار في داري!». أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٣٩٥/٨٨٥٠). والبيهقي في الشعب (٧/ ١٩٢/٩٩٦٠).
– وأشرس بن الربيع: ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جماعة من الثقات [التاريخ الكبير (٢/ ٤٢). الجرح والتعديل (٢/ ٣٢٢). الثقات (٦/ ٨١)] فهو حسن الحديث إِذَا لم يخالف، وهو هنا قد خالف عبد العزيز بن مسلم القسملي ويزيد بن هارون وحماد بن سلمة ومروان بن معاوية، وهم أثبت وأكثر.
– وقد ورد هذا الحديث عن عددٍ من الصحابة، منهم: أبو هريرة وابن عباس وعرباض بن سارية وأبو أمامة وزيد بن أرقم وبريدة بن الحسيب وجرير بن عبد الله وابن عمر وأبو سعيد الخدري وابن مسعود، وعائشة بنت قدامة، وعائشة أم المؤمنين.
– وسأذكر منها ما ورد بإسنادٍ صحيحٍ أو حسن:
١ – حديث أبي هريرة: رفعه إلى النبي ﷺ، قال: «يقول الله عز وجل: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابًا دون الجنة».
– أخرجه الترمذي (٢٤٠١). والدارمي (٢/ ٤١٧/٢٧٩٥). وابن حبان (٧٠٧ – موارد). وأحمد (٢/ ٢٦٥). وهناد في الزهد (٣٨٠). والبيهقي في الشعب (٧/ ١٩٣/٩٩٦٥). والطبراني في الأوسط (١/ ١٤٦/١٧٩).
– من طرقٍ عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به مرفوعًا.
– قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» وصححه ابن حبان.
– قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين
٢ – حديث عرباض بن سارية، عن النبي ﷺ: يعني: عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين، لم أرض له ثوابًا دون الجنة إِذَا هو حمدني عليهما».
[والسلب هو الأخذ بسرعة، وضنين بهما بالضاد المعجمة أي بخيل بهما. قاله الفيومي رحمه الله]
– أخرجه ابن حبان (٧٠٦ – موارد). والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٤/٦٣٣ و٦٣٤). وفي مسند الشاميين (٢/ ٤٠٧/١٥٩٣).
– من طريق لقمان بن عامر الوصابي، عن سويد بن جبلة، عن العرباض بن سارية رفعه.
– وهذا إسناد حسن:
– وسويد بن جبلة قد توبع: تابعه حبيب بن عبيد الرحبي ثقة. التقريب (٢٢٠)، عن العرباض بنحوه مرفوعًا.
– أخرجه البزار (١/ ٣٦٦/٧٧١ – كشف الأستار). والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٧/٦٤٣). وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠٣).
٣ – حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ: «يقول الله: يا ابن آدم إِذَا أخذت كريمتيك، فصبرت عند الصدمة، واحتسبت، لم أرض لك ثوابًا دون الجنة».
– أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٣٥). وابن ماجه (١٥٩٧). وأحمد (٥/ ٢٥٨ – ٢٥٩). والطبراني في الكبير (٨/ ١٩١/٧٧٨٨).
– من طريق إسماعيل بن عياش، ثنا ثابت بن عجلان، عن القاسم، عن أبي أمامة به مرفوعًا.
– قال في الزوائد: «إسناد حديث أبي امامة صحيح ورجاله ثقات».
– بل هو إسناد حسن.
– عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَزِيزٌ عَلَى اللهِ عز وجل أَنْ يَأْخُذَ كَرِيمَتَيْ مُسْلِمٍ، ثُمَّ يُدْخِلَهُ النَّارَ» قَالَ يُونُسُ: «يَعْنِي: عَيْنَيْهِ» [رواه أحمد (٢٧٠٦٣)، قال محققو المسند (44/ 619): “صحيح لغيره، وإسناده ضعيف كسابقه.
وله شاهد من حديث أبي هريرة، سلف برقم (٧٥٩٧) بإسناد صحيح، وذكرنا هناك بقية أحاديث الباب. ونزيد عليها هنا حديث زيد بن أرقم، سلف برقم (١٩٣٦٧)”. انتهى من تحقيق المسند ٢٧٠٦٣.].
(المسألة الثانية):
إذا قبض من الإنسان حاسه من حواسه، فإن الغالب أن الله يعوضه في الحواس الأخرى ما يخفف عليه ألم فقد هذه الحاسة التي فقدها.
[شرح رياض الصالحين لابن عثيمين، (1/ 234 – 124)].
(المسألة الثالثة): التأسي :
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-: وينبغي لمن ابتُلي بذلك أن يتأسَّى بأحوال الأكابرِ من الأنبياء والأولياء الذين حصل لهم هذا البلاء، فصبروا عليه، ورضُوا به، بل عدُّوه نعمةً، ومن ثمَّ لَمَّا ابتُليَ به حَبر الأمة، وترجمان القرآن: عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنشد:
إن يُذهِبِ اللهُ من عينيَّ نورَهُما…ففي لساني وقلبي للهُدى نورُ. [مرقاة المفاتيح(3/ 1134)].
(المسألة الرابعة): أيهما أفضل السمع أم البصر ؟
قال الملا علي القاري رحمه الله: «إذا ابتليتُ عبدِي بحَبيبتيهِ» أي: بفقْد بصر عينيه، وإنما سُمّيا بذلك؛ لأنه لا أحب عند الإنسان في حواسه منهما، وإن كان السَّمع أفضل من البصر على الأصح؛ لأن فوائد السمع غالبها أُخرويٌّ؛ لأنه محل إدراك القرآن والسُّنَّة والعلوم، وفوائد البصر غالبها دنيويّ …، وفي حديث آخر عند غير البخاري: «إن فقد إحدى العينين فيه الجنَّة»، وفضل الله أوسعُ من ذلك. [مرقاة المفاتيح (3/ 1133-1134)].
(المسألة الخامسة): في قوله: ((فصبر))، فيه مطالب:
(المطلب الأول): أنواع الصبر:
قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: “أن الصبر ثلاثة أقسام، صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على المصائب، كلها واجبة على المؤمن يجب عليه أن يصبر حتى يؤدي فرائض الله، وعليه أن يصبر حتى يكف عن محارم الله، وعليه أن يصبر عند المصائب من مرض أو فقر أو غير ذلك ولا يجزع، وتقدمت جملة من الأحاديث ومنها هذا الحديث يقول ﷺ: إن الله جل وعلا يقول: ما لعبدي المؤمن إذا أخذت حبيبته فصبر عوضته فيهما الجنة يقول جل وعلا أن الله وعد عبده المؤمن إذا أخذ حبيبته يعني عينيه فصبر عوضه فيهما الجنة، وتقدم حديث: إذا أخذت صفيه من الدنيا فاحتسبه ليس له جزاء إلا الجنة، هذا فيه الحث على الصبر وأن الصابرين موعودين بالجنة والكرامة”. [رياض الصالحين (الشرح الثاني) 16 من حديث ( إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عَبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة..)، للإمام ابن باز رحمه الله تعالى].
قال الحافظ النووي في [شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١)] في تفسير «والصبر ضياء»: الصبر المحبوب، وهو الصبر على طاعة الله تعالى، والبلاء ومكاره الدنيا، وعن المعاصي، ومعناه لا يزال صاحبه مستضيئا مستمرًّا على الصواب
قال الطوفي [في التعيين في شرح الأربعين (ص ١٧٨)] في تفسير «والصبر ضياء»: [قلت] يحتمل وجهين:
أحدهما: أن ثواب الصبر ضياء، ونور في الآخرة.
والثاني: أن الصبر على الطاعات، وعن المعاصي نوّر القلب واستضاءته بالحق، وشاهده بقياس العكس ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾، أي: أن المعاصي سودت قلوبهم وصيرتها مظلمة. انتهى. [فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للفيومي رحمه الله، (13/ 334)].
(المطلب الثاني):
من يستعمل الصبر كما في الحديث «ومن يتصبر»، «يصبره الله»، أي: يقويه ويمكّنه من نفسه؛ حتى تنقاد له ويذعن، لتحمّل الشدائد، وعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه ويوصله إلى مرغوبه. قاله القرطبي في شرح مسلم [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٩/ ٦٦)]، والمراد منه: تعاطي أسباب الصبر وما وعد الله عليه من الأجر والصبر ترك الشكوى من ألم البلوى. [التعريفات (ص ١٣٤)]،
وقيل: هو تجرّع المرارة من غير تعبيس [قاله الجنيد كما في الرسالة (١/ ٣٢٢)]، وقيل: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة [قاله الخواص كما في الرسالة (١/ ٣٢٣)]، قاله شارح الأربعين الودعانية [شرح الأربعين الودعانية (لوحة ٢٠)].
قال الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-: ذكر الله تعالى الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا وهو واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر وهو في القرآن على ستة عشر نوعًا [مدارج السالكين (٢/ ١٥١)].
والصبر في اللغة هو الحبس؛ ومنه ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي﴾ [سورة الكهف، الآية: ٢٨]، أي: احبسها معهم، فالصبر حبس النفس عن الجزع والسَّخط وحبس اللّسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش.
وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله،
فالأولان: صبر على ما يتعلق بالكسْب. والثالث: صبرٌ على ما لا كسب للعبد فيه. [مدارج السالكين (٢/ ١٥٥ – ١٥٦)]، انتهى.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: فَازَ الصَّابِرُونَ بِعِزِّ الدَّارَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ نَالُوا مِنَ اللهِ مَعِيَّتَه، فَإِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ [الرسالة (١/ ٣٢٤ – ٣٢٥)، ومدارج السالكين (٢/ ١٥٨)].
وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠]. إِنَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى.
فَالصَّبْرُ دُونَ الْمُصَابَرَةِ، وَالْمُصَابَرَةُ دُونَ الْمُرَابَطَةِ، وَالْمُرَابَطَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وَهُوَ الشَّدُّ.
وَسُمِّي الْمُرَابِطُ مُرَابِطًا؛ لِأَنَّ الْمُرَابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْفَزَعَ.
ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطَاعَةٍ يَنْتَظِرُهَا: مُرَابِطٌ [مدارج السالكين (٢/ ١٥٨)].
وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكُمْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَصَابِرُوا بِقُلُوبِكُمْ عَلَى الْبَلْوَى فِي اللهِ. وَرَابِطُوا بِأَسْرَارِكُمْ عَلَى الشَّوْقِ إِلَى اللهِ.
وَقِيلَ: اصْبِرُوا فِي اللهِ، وَصَابِرُوا بِالله، وَرَابِطُوا مَعَ اللهِ.
وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلَى النَّعْمَاءِ، وَصَابِرُوا عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَرَابِطُوا فِي دَارِ الْأَعْدَاءِ. وَاتَّقَوْا إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي دَارِ الْبَقَاءِ [مدارج السالكين (٢/ ١٥٩)]. انتهى. [فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (13/ 340 – 341)].
(المطلب الثالثة): يصبر مستحضرًا ما وعد الله به الصابرَ من الثواب، لا أن يصبر مجرَّدًا عن ذلك
قال ابن حجر -رحمه الله-: قوله «فصبرَ» زاد الترمذي في روايته عن أنس: «واحتسبَ» وكذا لابن حبان والترمذي من حديث أبي هريرة، ولابن حبان من حديث ابن عباس أيضًا، والمراد: أنه يصبر مستحضرًا ما وعد الله به الصابرَ من الثواب، لا أن يصبر مجرَّدًا عن ذلك؛ لأن «الأعمال بالنيات» وابتلاء الله عبده في الدُّنيا ليس من سخطِه عليه، بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلةٍ، فإذا تلقَّى ذلك بالرضا تم له المراد، وإلا يصبر كما جاء في حديث سلمان أن «مرض المؤمن يجعلهُ الله له كفارةً ومُستعتبًا، وأن مرض الفاجر كالبعير عَقَلَهُ أهله ثم أرسلوه؛ فلا يدري لمَ عُقِل ولم أُرسِلَ» أخرجه البخاري في الأدب المفرد موقوفًا…، ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيْد آخر أخرجه البخاري في الأدب المفرد بلفظ: «إذا أخذتُ كريمتيكَ فصبرتَ عند الصَّدمةِ واحتسبتَ» فأشار إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في أول وقوع البلاء، فيفوِّض ويسلِّم، وإلا فمتى تضجَّر وتقلَّق في أول وهلة ثم يئس فيصبر، لا يكون حصل المقصود … «إنِّما الصبر عند الصدمةِ الأُولى». [فتح الباري (10/ 116)].
قال العيني-رحمه الله-: الصبر المحمود: الذي يكون عند مفاجأة المصيبة؛ فإنه إذا طالت الأيام عليها وقع السّلو وصار الصبر حينئذ طبعًا. [عمدة القاري (8/ 100)].
وقال البرماوي -رحمه الله-: «صبر» أي: على البلاء شاكرًا راضيًا لقضاء الله -تعالى-، وليس الابتلاءُ بالعمى سخطًا؛ بل لدفع مكروه يكون بسبب البصرِ. [اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (14/ 251)].
(المسألة السادسة):
قوله: (عوَّضته منهما الجنة)، وهذا أعظم العِوَض؛ لأن الالتذاذ بالبصر يَفنى بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باقٍ ببقائها، وهو شامل لكل من وقَع له ذلك بشرط المذكور. وقد سبق الإشارة إلى ذلك في شرح الحديث.
وقال ابن حجر رحمه الله: قوله: «عوَّضته منهما الجنَّة» وهذا أعظمُ العِوض؛ لأن الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدُّنيا، والالتذاذ بالجنَّة باق ببقائها، وهو شامل لكل مَن وقع له ذلك بالشرط المذكور…، وإذا كان ثواب مَن وقع له ذلك الجنَّة، فالذي له أعمال صالحةٌ أخرى يُزاد في رفع الدرجات. [مرقاة المفاتيح (3/ 1134)].
قال الملا علي القاري رحمه الله: قوله: «عوَّضته منهما» أي: بدلهما، أو من أجل فقْدهما «الجنَّة» أي: دخوله مع الناجين، أو منازل مخصوصة فيها. [عمدة القاري (8/ 100)].
وقال ابن علان -رحمه الله-: «عوَّضته منهما» أي بدلهما؛ فهو كقوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} التوبة: 38، «الجنَّة» أي: مع الفائزين أو منازل مخصوصة منهما. …، ووجهُ هذا الجزاء: أن فاقدهما حبيسٌ، فالدُّنيا سِجْنه حتى يدخل الجنَّة على ما ورد في الحديث: «الدُّنيا سِجن المؤمن وجنَّة الكافر». [دليل الفالحين (1/ 174-175)].
قال ابن هبيرة رحمه الله: ثم جعل -سبحانه وتعالى- في الجنَّة عوضًا لهم عما فقدوه، ولا يبعد أن يكونوا من أول الناظرين إلى الله -تعالى-. [الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 283-284)].
(المسألة السابعة):
قال أبو محمد حسن الفيومي القاهري (٨٠٤ – ٨٧٠ هـ):
[أولا]: فيه بشرى للمكفوفين … وذكر حديثا في فضل المكفوفين وأن شعيب عليه السلام يأخذ رايتهم ولم أجده إلا عند القرطبي في التذكره نقله عن أبي حامد بدون إسناد مطولا
وورد من مراسيل الحسن وفيه مبهم :
٩٢٤ – ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنَا أَبِي قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُؤَدِّبُ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ عزوجل الْأَعْمَى»
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٥٧٨ — اللالكائي (ت ٤١٨)
وذكره البربهاري ولم يسنده :
[٧٩] واعلم أن أول من ينظر إلى الله في الجنة الأضراء، ثم الرجال، ثم النساء، بأعين رؤوسهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سترون»…..
شرح السنة للبربهاري ١/٨٦ — أبو محمد البربهاري (ت ٣٢٩)
[ثانيا ]: خاتمة يختم بها الباب:
اعلم أن العميان من الأنبياء إسحاق ويعقوب وشعيب ومن الصحابة سواء كان أعمى في عهده أو حدث له بعد وفاته عليه الصلاة والسلام البراء بن عازب وجابر بن عبد الله وحسان بن ثابت والحكم بن أبي العاص وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن يربوع وصخر بن حرب أبو سفيان والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمير وعبد الله بن أبي أوفى وعتبان بن مالك وعتبة بن مسعود الهذلي وعثمان بن عامر أبو قحافة وعقيل بن أبي طالب وعمرو بن أم مكتوم المؤذن و[قتادة] بن النعمان، هذا ما جاء في حديث أن [عينيه] أصيبتا وهذا قد لا يُعدّ لأنه عليه الصلاة والسلام ردّهما [الطبقات (٣/ ٤٥٣)، التاريخ الكبير (٢/ ٦٥٢) لابن أبى خيثمة]، ومثله حبيب بن فديك لأنه -عليه السلام- دعا له وهو أعمى مبيضة عيناه فأبصر وكان يدخل الخيط في الإبرة، مختلف في حديثه [أسد الغابة (١/ ٦٧٩)]، وسبب ما جرى [بعينه] قال له عليه الصلاة والسلام كنت أمرِّن جملا لي فوقفت على بيض حية فأصيب بصري فنفث رسول الله -ﷺ- في عينيه فأبصر [أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٥٥٦) والمعرفة (٢١٨١)]. وكعب بن مالك ومالك بن ربيعة أبو أسيد الساعدي ومخرمة بن نوفل وورقة على القول بأنه صحابي وهو الظاهر، وأما حديث عثمان بن حُنيف الأنصاري أن رجلا ضريرا أتى النبي -ﷺ- يحتمل أن يكون فيمن تقدم. ومن التابعين [عطاء بن أبي رباح] وأبو بكر بن عبد الرحمن وقتادة بن دعامة وأبو عثمان السلمي وأبو هلال الراسبي [تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٣٢٤ – ٣٢٥)]، والله تعالى أعلم. [فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للفيومي، (13/ 463 – 466)].
يحتاج التأكد من صحة الأسانيد
وهناك أناس لم تمنعهم الإعاقة من التقدم في العلم والإمامة في الدين والدنيا
هل ضعف النظر يدخلُ في حديث (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه …)؟
رواية ابن حبان (إذا سلبتُ) حسنها شعيب الأرنؤوط في تحقيق ابن حبان (2931)، وظاهرها، وظاهر قوله: “أخذت” و “أذهبت” أن المراد فقد البصر، لا ضعفه.
ومن أهل العلم من فسر الحديث بضعف البصر.
قال الصنعاني رحمه الله: ” والمراد سلبت ضوءهما، أو قلة الانتفاع به” انتهى من “التنوير شرح الجامع الصغير” (8/15).
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): “حث لمن ابتلي بذهاب بصره أو بفقد جارحة من جوارحه أن يتلقى ذلك بالصبر والشكر والاحتساب، وليرض باختبار الله له ذلك؛ ليحصل على أفضل العوضين وأعظم النعمتين، وهي الجنة”.
2 – (منها): “بيان جزاء من يصبر عند فقد بصره، وهو الجنة.
3 – (ومنها): كرم الله عز وجل بالجزاء العظيم لمن يصبر على الابتلاء هو صابر.
4 – (ومنها): الحث على الصبر على الشدائد وتحملها بشجاعة ورضا.
5 – (ومنها): أن نعم الدنيا وآلامها ليست علامة على رضا الله وسخطه.
6 – (ومنها): قال ابن هبيرة -رحمه الله-: في هذا الحديث من الفقه: ما يدلُّ على أن العينين أحبُّ أعضاء الإنسان إليه، فإن الإنسان يقول لواحدٍ إذا أراد أن يخبره بغاية المحبَّة، فإنه يقول له: أنت عندي كعينِي؛ وذلك أن العين تشهد عنده بوجود الأحداث في خلق السموات والأرض، فيكون طريقًا إلى إيمانه بخالق السموات والأرض، ثم إنها تسافر به إلى المكان البعيد، وهو جالس؛ فإذا أخذ الله -عز وجل- عيني عبده لحكمةٍ اقتضاها أمره، مما قد أظهرنا نحن على بعضِها، فإنه قد ألهج الذين تذهبُ أبصارُهم بقراءة القرآن وتلقينهِ الناس، وقد جاء الحديث … «خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه» فلما أذهبَ عنهم أحبَّ الأعضاء إليهم، عاضَهم الله -عز وجل- بأن شغلهم بأحبِّ الأشياء وأشرفها من تلاوة كتابِه. [الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 283-284)].