[1ج/ رقم (639)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة: أحمد بن علي ومحمد البلوشي وطارق ابوشديد وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأسامة الحميري وأحمد بن خالد ومحمد بن إبراهيم
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (639)]:
قال الترمذي رحمه الله (ج ١ ص ١٤٣): حَدَّثَنَا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا.
قال أبو عيسى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) رحمه الله في سننه، أَبْوَابُ الطَّهَارَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، (٢٨) بَابُ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، (٣٦).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٣ – كتاب الطهارة، ٢٤ – مسح الرأس والأذنين ظاهرهما وباطنهما، (٧٣٢).
وقال محقق عمدة الأحكام الكبرى لعبد الغني المقدسي (ت ٦٠٠) رحمه الله تعالى، – ط: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع – (1/ 12): “صحيح. رواه الترمذي (٣٦) بسند حسن، وله شواهد يصح بها، منها ما رواه أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١/ ٨٨) بسند حسن أيضًا، وانظر «البلوغ» (٣٦).
وقال الترمذي: «وفي الباب عن الربيع، وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: يرون مسح الأذنين؛ ظهورهما وبطونهما»”. انتهى.
والثاني: شرح وبيان الحديث
وقوله: ((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ)) رضي الله عنهما، ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِه،ِ وَأُذُنَيْهِ)) أي: مرَّةً واحدةً،
وقوله: ((ظَاهِرِهِمَا)) أي: أعلاهما، والجزء الظاهر منهما. وهو ممَّا يلي الرَّأْسَ يَمسَحُهما بإبهامِه، وقوله: ((وَبَاطِنِهِمَا))؛ أي: ممَّا يلي الوَجْهَ يَمسَحُهما بسَبَّابتِه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الأُذُنَيْنِ يُمسحانِ بماءِ الرَّأْسِ. [توضيح الأحكام من بلوغ المرام، (1/ 207)، وغيره].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): مسائل وأحكام مسح الرأس:
(المطلب الأول): مَسحُ كلِّ الرأسِ:
مَسحَ جَميعِ الرأسِ فَرضٌ عندَ الإمامِ مالِكٍ وأحمدَ في المَشهورِ عنه.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ مِنْ سُننِ الوُضوءِ مَسحَ جَميعِ الرأسِ، واستدَلَّ الحَنفيةُ على ذلك بما رَواه عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم : «مسَحَ رَأسَه بيَدَيه كِلتَيهما أقبَلَ بهما وأدبَرَ» [رواه ومسلم (٢٧٤) من حديث المغيرة بن شعبة]. وبما ورَدَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم : «تَوضَّأ ومسَحَ رَأسَه كُلَّه» [رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٥٧)]. قالوا: «إنَّه صلى الله عليه وسلم مسَحَ بناصِيَتِه» [رواه البخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥)]، فيَكونُ مَسحُ الرُّبعِ فَرضًا ومَسحُ الجَميعِ سُنةً.
ونَصُّوا على أنَّ المُتوضِّئَ إذا داوَمَ على تَركِ استِيعابِ كلِّ الرأسِ بالمَسحِ بلا عُذرٍ يأثَمُ، قالوا: وكأنَّه لظُهورِ رَغبتِه عن السُّنةِ.
وقالَ الشافِعيةُ: يُسنُّ للمُتوضِّئِ مَسحُ كلِّ الرأسِ للاتِّباعِ، وخُروجًا من خِلافِ مَنْ أوجَبَه.
قالَ القُرطُبيُّ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ مسَحَ رأسَه كلَّه فقد أحسَنَ وفعَلَ ما يَلزمُه [«تفسير القرطبي» (٣/ ٤٥٩)، وينظر: «الاختيار» (١/ ٨)، و«بدائع الصنائع» (١/ ٩٥)، و«رد المحتار» (١/ ٢٤٣)، و«الفتاوى الهندية» (١/ ٧)، و«شرح الزرقاني» (١/ ٦٩)، و«التاج والإكليل» (١/ ٢٠٢)، و«مغني المحتاج» (١/ ١٧٤)، و«المجموع» (١/ ٤٥٨)، و«تحفة الأحوذي» (١/ ١٢٢)].[موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة (1/ 376)].
قال ابن رُشد رحمه الله: اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه:
فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله، وذهب الشافعيّ، وبعض أصحاب مالك، وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حَدّ هذا البعض بالثلث، ومنهم من حدّه بالثلثين، وأما أبو حنيفة فحدّه بالربع، وحدّ مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يُجزه، وأما الشافعيّ فلم يَحُدّ في الماسح، ولا في الممسوح حدًّا.
وأصل هذا الاختلاف الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أنها مرّةً تكون زائدة، مثل قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ على قراءة من قرأ: ﴿تُنْبتُ﴾ بضم التاء وكسر الباء، من أنبت، ومرةً تدلّ على التبعيض، مثل قول القائل: أخذت بثوبه، وبعضده، ولا معنى لإنكار هذا في كلام العرب، أعني كون الباء مُبَعّضةً، وهو قول الكوفيين من النحويين.
فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله، ومعنى الزائدة ها هنا كونها مؤكِّدةً، ومن رآها مُبَعِّضة أوجب مسح بعضه.
وقد احتَجّ مَن رَجَّح هذا المفهوم بحديث المغيرة – رضي الله عنه -: «أن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة»، أخرجه مسلم.
وإن سلمنا أن الباء زائدة بقي ها هنا أيضًا احتمال آخر، وهو: هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء، أو بأواخرها؟ انتهى [«بداية المجتهد» ١/ ١٢].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: الأرجح عندي مذهب من أوجب استيعاب الرأس بالمسح؛ لثبوته من فعل النبيّ – صلى الله عليه وسلم -، وفعلُهُ بيان لمجمل الآية، والراجح أنها من قبيل المجمل، كما قال به بعض أهل العلم، وعزاه الشوكانيّ إلى ابن الحاجب، والزركشيّ، ولم يصحّ في حديث واحد – كما قال ابن القيّم رحمه الله – أن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – اقتصر على مسح بعض الرأس البتّة، ولكن كان إذا مسح بناصيته أكمل على العمامة، وأما حديث أنس – رضي الله عنه – عند أبي داود، «أنه – صلى الله عليه وسلم – أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة»، فمقصوده أنه – صلى الله عليه وسلم – لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسّ الشعر كلّه، ولم يَنف التكميل على العمامة، وقد أثبته حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – عند مسلم، وغيره بلفظ: «أنه – صلى الله عليه وسلم – توضّأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة»، على أن حديث أنس – رضي الله عنه – في إسناده نظرٌ – كما قال الحافظ رحمه الله – فلا يَقْوَى لِمُعارضة حديث المغيرة – رضي الله عنه -.
والحاصل أن الأرجح وجوب استيعاب الرأس بالمسح، وقد أشبعت الكلام في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد. [البحر المحيط الثجاج].
حديث أنس :
١٩- عن أبي معْقِل عن أنس بن مالك قال:
رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ؛ وعليه عمامة قِطْرِيةٌ، فأدخل يده من
تحت العمامة، فمسح مُقدّم رأسه، ولم ينْقًضِ العمامة.
(قلت: إسناده ضعيف، من أجل أبي معقل، فإنه مجهول اتفاقًا، وقال ابن
السكن: «لا يثبت إسناده»، وقال الحافظ: «في إسناده نظر») ….
ضعيف أبي داود – الأم ١/٤٦
وفي المسند المعلل :
٢٩٢ – عن أبي معقل، عن أَنس بن مالك، قال:
«رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة» (^١).
أخرجه ابن ماجة (٥٦٤) قال: حدثنا أَبو طاهر، أحمد بن عَمرو بن السَّرح. و«أَبو داود» (١٤٧) قال: حدثنا أحمد بن صالح.
كلاهما (أَبو طاهر، وأحمد) عن عبد الله بن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل، فذكره
فوائد:
– قال البخاري: قال ابن وهب: حدثنا معاوية، عن عبد العزيز بن مسلم، عن أبي معقل، عن أَنس، رضي الله عنه؛ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح.
وقال يحيى بن أبي إسحاق: عن أَنس، رضي الله عنه؛ لم أر النبي صلى الله عليه وسلم مسح، وهذا أصح. «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٧.
المسند المصنف المعلل ١/٤٥١ — مجموعة من المؤلفين
(المطلب الثاني ): كيفية مسح الرأس ؟
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ -رضي الله عنهما- – فِي صِفَةِ الوُضُوءِ -، قَالَ: وَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [أخرجه البخاري برقم (١٨٥)، ومسلم برقم (٢٣٥)].
وَفِي لَفْظٍ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ. [أخرجه البخاري برقم (١٨٥)، ومسلم برقم (٢٣٥)].
أفادت الرواية الثانية صراحةً أنَّ المستحب أن يبدأ الرجل بمقدم رأسه حتى يذهب بيديه إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه.
وهذه الرواية تعتبر تفسيرًا للرواية الأولى، وهي قوله: فأقبل بيديه وأدبر؛ فإن الواو لا تفيد الترتيب.
ويكون المعنى: فأدبر بيديه إلى قفاه، ثم أقبل بهما إلى مقدمة رأسه.
ويؤيده: أنه قد جاءت رواية في البخاري: فأدبر بيديه، وأقبل.
وهذه الكيفية، قال النووي -رحمه الله- في «شرح المهذب» (١/ ٤٠٢): متفق على استحبابها.
وقال الترمذي -رحمه الله- في «سننه» (٣٥): وحديث عبد الله بن زيد أصح شيء في الباب، وأحسن، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. اهـ
وهو أيضًا قول مالك، كما في «الاستذكار» (٢/ ٢٧).
- وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يبدأ بمؤخرة رأسه، وهو قول الحسن بن حي، كما في «الاستذكار» (٢/ ٢٨).
واستندوا إلى رواية: فأقبل بيديه، وأدبر، وقد تقدم الكلام عليها، وبحديث الربيع بنت معوذ عند أبي داود (١٢٦) بلفظ: «يبدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه …»، وفيه ضعفٌ؛ ففي إسناده: عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيفٌ.
- ومنهم من قال: يبدأ بناصيته، ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه، وهو الناصية، كما في «سبل السلام» (١/ ٩٥)، وهذا القائل قصد الجمع بين الروايتين اللتين في الباب، ولا معارضة بينهما كما تقدم بيان ذلك.
(المطلب الثالث ): تكرار مسح الرأس:
عَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه – – فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
[قال صاحب فتح العلام شرح بلوغ المرام : “صحيح. أخرجه أبوداود (١١١)، والنسائي (١/ ٦٨، ٧٠)، والترمذي (٤٨، ٤٩) من طريق أبي عوانة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي -رضي الله عنه-، به. وإسناده صحيح”. انتهى].
- ذهب جمهور أهل العلم إلى: أنَّ الرأس يمسح مرة واحدة فقط، واستدلوا بحديث الباب، وبحديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد في «الصحيحين».
- وذهب الشافعي، وأحمد في رواية إلى: استحباب تكرار مسحه ثلاثًا؛ لحديث: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ ثلاثًا، ثلاثًا. [أخرجه مسلم برقم (٢٣٠)، من حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه-]، وحديث عثمان عند أبي داود (١٠٧): أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ فمسح على رأسه ثلاثًا.
ولكنه حديث غير محفوظ كما أشار إلى ذلك أبو داود في «سننه» (١٠٨)، ثم البيهقي في «الكبرى» (١/ ٦٢).
واستدلوا أيضًا بحديث عن علي عند الدارقطني (١/ ٨٩)، وهو غير محفوظ أيضًا، في إسناده: أبو حنيفة، وقد خالفه الحفاظ في ذلك.
وفي الباب أيضًا أحاديث ضعيفة، وواهية، لا يصح منها شيء، كما في «التلخيص» (١/ ١٤٥ – ١٤٧)، و«النيل».
والصحيح هو قول الجمهور، وهو الاقتصار على مسحة واحدة.
وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم.
وأما حديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- توضأ ثلاثًا؛ فهو مجملٌ تبينه الأحاديث الأخرى.
[انظر: «المجموع» (١/ ٤٣٢)، «سبل السلام» (١/ ٩٣)، «المغني» (١/ ١٧٨ – ١٨٠)، «زاد المعاد» (١/ ١٩٧)، «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٢٦)، بواسطة فتح العلام].
قال السفاريني (ت ١١٨٨) رحمه الله تعالى: “فلا يستحب في مسح الرأس التثليث، وهو مذهبنا؛ كالحنفية والمالكية.
والأحاديث وردت مطلقةً ومقيدةً بمرةٍ واحدة، فحمل المطلق على المقيد.”. انتهى. [كشف اللثام شرح عمدة الأحكام، (1/ 150)].
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختَلَف أهل العلم في عدد مسح الرأس، فقالت طائفة: يمسح برأسه مرةً، هذا قول ابن عمر – رضي الله عنهما -، وبه قال طلحة بن مصرّف، والْحَكَم، وحماد، والنخعيّ، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله، والحسن البصريّ، ومجاهد، وأحمد، وأبو ثور.
وكان الشافعيّ يقول: يجزي مسحه مرةً، ويستحب أن يمسح ثلاثًا، وقال أصحاب الرأي: يمسح برأسه مرة واحدة وأذنيه، وقد روينا عن محمد بن سيرين أنه مسح رأسه مسحتين، وفيه قول ثالث، وهو أن يمسح برأسه ثلاثًا، رُوي هذا القول عن أنس بن مالك، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وزاذان، وميسرة، وقد روينا عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – أنه مسح برأسه مرتين، ورُوي عنه غير ذلك، والثابت عنه أنه مسح برأسه، لم يذكر أكثر من مرة واحدة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله.
وقال ابن رُشد رحمه الله: اختلفوا في تكرير مسح الرأس: هل هو فضيلة، أم ليس في تكريره فضيلة؛ فذهب الشافعيّ إلى أنه من توضأ ثلاثًا ثلاثًا يمسح رأسه أيضًا ثلاثًا، وأكثر الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره.
وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في قبول الزيادة الواردة في الحديث الواحد، إذا أتت من طريق واحد، ولم يروها الأكثر، وذلك أن أكثر الأحاديث التي رُوي فيها أنه – صلى الله عليه وسلم – توضّأ ثلاثًا ثلاثًا من حديث عثمان وغيره لم يُنقل فيها إلا أنه مسح واحدة فقط، وفي بعض الروايات عن عثمان – رضي الله عنه – في صفة وضوئه أنه – صلى الله عليه وسلم – مسح برأسه ثلاثًا، وعَضدَ الشافعيّ وجوب قبول هذه الزيادة بظاهر عموم ما رُوي أنه – صلى الله عليه وسلم – توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وذلك أن المفهوم من عموم هذا اللفظ، وإن كان من لفظ الصحابي هو حمله على سائر أعضاء الوضوء، إلا أن هذه الزيادة ليست في «الصحيحين»، فإن صحت يجب المصير إليها؛ لأن من سكت عن شيء ليس هو بحجة على من ذكره. انتهى كلام ابن رُشد رحمه الله [«بداية المجتهد» ١/ ١٠٣].
قال الإتيوبي عفا الله عنه:
الأرجح أن القول بعدم مشروعيّة تكرار مسح الرأس هو الصواب؛ للأحاديث الكثيرة الصحيحة بذلك، كحديث عثمان بن عفان، وحديث عبد الله بن زيد – رضي الله عنهما -، وكلاهما في «الصحيحين»، وفي بعض رواياتهما التصريح بأنه مسح مرّة واحدةً، وأما الأحاديث الواردة في التثليث فكلها معلولة، لا تقاوم هذه الأحاديث الصحيحة. قال العلامة الشوكانيّ رحمه الله: والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسّك بها لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صحّ من الأحاديث الثابتة في «الصحيحين» وغيرهما من حديث عثمان، وعبد الله بن زيد – رضي الله عنهما -، وغيرهما هو المتعيّن، لا سيّما بعد تقييده في تلك الروايات بالمرة الواحدة.
ومما يؤيّد ذلك حديث: «من زاد على هذا فقد أساء وظلم»، صححه ابن خزيمة وغيره، فإنه قاضٍ بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده النبيّ – صلى الله عليه وسلم – هذه المقالة، كيف، وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح مرّة واحدةً، ثم قال: «من زاد. . إلخ».
قال الحافظ رحمه الله: ويُحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحّت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلّة لجميع الرأس؛ جمعًا بين الأدلة. انتهى [«الفتح» ١/ ٣٥٧].
والحاصل: أن مسح الرأس مرّة واحدةً هو الحقّ؛ لما ذكرناه من الأدلّة، وقد أشبعت الكلام في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد. [البحر المحيط الثجاج].
(المطلب الرابع): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الماء الجديد في مسح الرأس:
- دل حديث عبد الله بن زيد كما في رواية مسلم ما يدل على أن مسح الرأس يكون بماء غير فضل اليدين،
وبهذا أخذ أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، واشترطوا ذلك، وقالوا: لا يجزئ أن يمسح رأسه بفضل يديه، وهذا بناء على ما ذهبوا إليه من أنَّ الماء المستعمل ليس بمطهر.
- وذهب الحسن، وعروة بن الزبير، والأوزاعي إلى أنه يجزئ أن يمسح رأسه بفضل يديه؛ لأنَّ الماء الملاصق لليد لم يخرج عن حد الطهورية.
قال ابن المنذر -رحمه الله-: ويشبه أن يكون قول مالك؛ لأنه قال: لا أحب ذلك.
قال ابن قدامة -رحمه الله-: ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا: إن المستعمل لا يخرج عن طهوريته سيما الغسلة الثانية والثالثة. اهـ
والقول بالإجزاء هو الصحيح، والأفضل: أخذ ماء جديد؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وقد قال أبو بكر بن المنذر -رحمه الله- في «الأوسط» (١/ ٣٩٢): والذي أحب أن يأخذ لمسح رأسه ماءً جديدًا؛ فإن لم يفعل، ومسح رأسه بما في يده من فضل الماء الذي غسل به ذراعيه رجوت أن يجزئه. اهـ. [انظر «المغني» (١/ ١٨١)، و«الأوسط» (١/ ٣٩٢)].
ونص قول ابن المنذر رحمه الله: قد اختلف أهل العلم في الرجل يمسح رأسه بما يَفْضُل في يده، من بلل الماء عن فضل الذراع، فقالت طائفة: المسح به جائزٌ، هذا قول الحسن، وعروة بن الزبير، ويجزئ ذلك عند الأوزاعيّ، ويُشبِه ذلك قول مالك؛ لأنه قال: لا أحب ذلك.
وقالت طائفة: لا يجزئ أن يمسح رأسه بفضل بلل ذراعيه؛ لأنه ماء مستعمل، هذا مذهب الشافعيّ، وهو يشبه مذهب أصحاب الرأي.
قال ابن المنذر رحمه الله: والذي أحب أن يأخذ لمسح رأسه ماءً جديدًا، فإن لم يفعل، ومسح رأسه بما في يده من فضل الماء الذي غَسَلَ به ذراعيه رجوت أن يجزئه. انتهى [«الأوسط» ١/ ٣٩٢].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: القول بأخذ الماء الجديد للرأس هو الحقّ؛ لثبوته عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – فسيأتي للمصنّف رحمه الله حديث عبد الله بن زيد، وفيه: «ومسح برأسه بماءٍ غير فضل يده»، وأما ما استدلّ به ابن المنذر من حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء – رضي الله عنه – قالت: «أتانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فتوضأ، ومسح رأسه بماءٍ بَقِي من وضوئه»، فحديث ضعيف؛ لأنه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عنها، وهو ضعيف، فتنبّه. [البحر المحيط الثجاج].
تنبيه :
في مسند أحمد
١٦٤٦٩ – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، وَعَتَّابٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ وَاسِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: ” رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْجُحْفَةِ – فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ حَسَنٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَبْرٍ مِنْ فَضْلِ يَدِهِ ”
قال محققو المسند:”،
في (م): بماء من غير فضل يده، وفي (ق): بماء غير فضل يده، والمثبت من (ظ ١٢) و(س) و(ص) – إلا أن النساخ في الأخيرتين وهموا فكتبوا “غير” بدل “غبر”- وهي كذلك في نسخة السندي، وقد ضبطها بالحروف فقال: غبر: بغين وباء موحدة، على صيغة الماضي، أي: بقي.
قلنا: وهو الصواب، لأن رواية ابن لهيعة هذه مخالفة لرواية عمرو بن الحارث السالفة برقم (١٦٤٦٧) وفيها: بماء غير فضل يده، أي بماء جديد، ورواية ابن لهيعة هذه تدل على أن مسح الرأس لم يكن بماء جديد، بل بما بقي من بلل اليدين، وقد أشار إلى هذا الاختلاف الإمام أحمد في هذه الرواية بقوله: فذكر معنى حديث حسن إلا أنه قال: ومسح رأسه بماء غبر من فضل يده . وحديث حسن بن موسى الأشيب سلف
برقم (١٦٤٥٩)، وهو موافق لرواية عمرو بن الحارث، وكذلك رواه عن ابن لهيعة موسى بن داود الضبي كما سلف برقم (١٦٤٤٠)، وهو ما تابعهما عليه يحيى بن حسان عند الدارمي، وقد سلف في تخريج الرواية رقم (١٦٤٥٩)، ورواية هؤلاء عن ابن لهيعة ضعيفة، لأنهم سمعوا منه بعد احتراق كتبه، بخلاف روايتنا هذه والتي سمعها عبد الله بن المبارك منه قبل احتراق كتبه، فسماعه منه صحيح، وفيها يتوضح الخلاف بين رواية ابن لهيعة ورواية عمرو ابن الحارث.
وقد أشار كذلك إلى هذا الاختلاف الإمام الترمذي عقب الحديث رقم (٣٥)، وقال: ورواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح. إلا أن النسخ التي اعتمدها الشيخ أحمد شاكر في تحقيق سنن الترمذي اضطربت في ضبط هذه الكلمة “غَبَرَ” فجاءت في بعض أصوله: “غير”- كما اضطربت في نسخ المسند كما أشرنا- فرجح الشيخ أحمد شاكر كلمة “غير”- وهي التي توافق رواية عمرو بن الحارث- وأسرع إلى تخطئة الترمذي في ترجيحه رواية عمرو بن الحارث على رواية ابن لهيعة قائلًا: “والصواب أن رواية ابن لهيعة كرواية عمرو بن الحارث ” وقد استشهد بما رواه الإمام أحمد في “مسنده”، واغتر بما في نسخة (م) منه، وقدَّمها على بعض أصوله التي جاءت فيها الكلمة على
الصواب، متهمًا الترمذيَّ بأن نَقْلَه “نَقْلٌ غير صواب”، وهذه جرأة منه رحمه الله- غير مرغوبة في هذا الباب. انتهى
كلام الترمذي :
قال الترمذي عقب الرواية رقم (٣٥): ورواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح، لأنه قد روي من غير وجه لهذا الحديث عن عبد الله بن زيد وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء جديدًا، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدًا
قال بشار عواد:” في تحقيقه لسنن الترمذي : في م : غير فضل يديه»، وهو الذي رجحه العلامة أحمد شاكر رحمه الله وكتب فيه حاشية نفيسة، لكن الأولى إثبات ما أراده المؤلف، ولا يصح غير بالغين المعجمة والياء المثناة لاتفاق هذا مع رواية عمرو بن الحارث، فلا مغايرة عندئذ، والترمذي رحمه الله سواء أصاب أم أخطأ، قد أثبت المغايرة فرجح رواية عمرو بن الحارث على رواية ابن لهيعة، مما يدل على صحة ما أثبتناه. والغبر الباقي، قال في اللسان : وغبر كل شيء : بقيته».
(المسألة الثانية): مسائل وأحكام مسح الأذنين في الوضوء:
(المطلب الأول): هل الأذنان من الرأس؟
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما – – فِي صِفَةِ الوُضُوءِ -، قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ – صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِرَأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
[حسن. أخرجه أبوداود (١٣٥)، والنسائي (١/ ٨٨)، وابن خزيمة (١٧٤) من طريق موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده … به وإسناده حسن. ولكن لفظ النسائي وابن خزيمة مختصر ليس عندهما اللفظ الذي ذكره الحافظ].
- دلَّ حديث الباب على أنَّ الأذنين من الرأس، وقد جاء في ذلك حديث مرفوعٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلفظ: «الأذنان من الرأس»، ولكنه ضعيفٌ من جميع طرقه، وأفضل من جمع طرق الحديث الدارقطني في «سننه»، ثم البيهقي في «الخلافيات»، والذي يظهر أنه لا يرتقي إلى الحجية بتلك الطرق، ولكنه قد صحَّ موقوفًا عن جمع من الصحابة، وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم.
قال الترمذي -رحمه الله-: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة، فمن بعدهم، وبه قال الثوري، وابن المبارك، وأحمد.
وقال ابن المنذر -رحمه الله-: ورويناه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى [ذكر أسانيد هذه الآثار البيهقي في «الخلافيات» (١/ ٣٥٧ -). وأثر ابن عباس، وابن عمر صحيحان، وأثر أبي موسى من طريق: الحسن عنه، ولم يسمع منه، وفي إسناده: أشعث بن سوار، وفيه ضعف]، وبه قال عطاء، وابن المسيب، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز، والنخعي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد.
- وذهب الشافعية إلى أنهما عضوان مستقلان، ليسا من الرأس، ولا من الوجه.
- وقال الزهري: هما من الوجه، يغسلان معه، واستدل بدعاء السجود: «سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه، وبصره». [أخرجه مسلم (٧٧١)، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-].
والراجح هو قول الجمهور؛ لحديث الباب، وأيضًا حديث ابن عباس عند الترمذي (٣٦)، وغيره بإسناد صحيح: أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مسح رأسه، وأذنيه، ظاهرهما، وباطنهما.
وأما استدلال الزهري بالحديث، فقد قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (١/ ١٦٢): وإنما أضافهما إلى الوجه لمجاورتهما له، والشيء يسمى باسم ما جاوره.
وعندي على ذلك جواب آخر، وهو أنَّ الرأس كله ساجد، وإنما المباشرة بالوجه، فأطلق السجود على الوجه؛ لأنه هو المباشر لذلك، فيكون أطلق الجزء، وأراد الكل، ويكون الضمير في قوله: «سمعه، وبصره» عائد على الرأس لا على الوجه، والله أعلم. [انظر: «المجموع» (١/ ٤١٣ – ٤١٤)، «المغني» (١/ ١٦١ – ١٦٢)، «الأوسط» (١/ ٤٠٠ – وما بعدها)].
قال العباد :
قوله الأذنان من الرأس يعني فيمسحان ولا يغسلان هذا هو المقصود بكونها من الرأس أو التعبير بقوله أنها من الرأس يعني أن فرضهما المسح وليس فرضهما الغسل وقد مر في بعض الأحاديث أنه
مسح برأسه وأنه كذلك مسح بأذنيه فجعل إصبعه السباحة في داخل الأذن وأدار الإبهام على ظاهرها وهذا الحديث أورده عند ابن ماجه وفيه زيادة: «ومسح رأسه ومسح المأقين» لكن الأذنان من الرأس جاء من طرق متعددة غير هذا الحديث فهو صحيح وثابت عن رسول الله -ﷺ- لكن هذه الرواية التي أوردها وعزاها إلى ابن ماجه فيها اثنان وهما سنان بن ربيعة وشهر بن حوشب وفيهما كلام لكن هما شاهدان هو شاهد للأحاديث الأخرى الصحيحة التي فيها الأذنان من الرأس.
شرح المحرر في الحديث – عبد المحسن العباد ١/٥٨
قال الراجحي:
ومسح الأذنين ثابت في الأحاديث الصحيحة، ولا يصح الوضوء إلا بمسح الأذنين، ومن لم يمسح أذنيه لم يصح وضوؤه؛ لأنهما من الرأس، فيمسح باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين.
شرح جامع الترمذي
– للراجحي [[ ٧/٥ ]]
قال الإتيوبي رحمه الله:
المسألة الرابعة: في حديث «الأذنان من الرأس»:
قال الحافظ في الدراية في تخريج أحاديث الهداية: حديث «الأذنان من الرأس» أخرجه أبو داود …. وذكر طرقه من التلخيص أيضا ثم قال الاتيوبي عفا الله عنه: تبين بهذا كله أن حديث: “الأذنان من الرأس” ما صح مرفوعا، لكنه ثبت بما تقدم من حديث الصنابحي وغيره حكم المسألة، وقد يكون ما تقدم شاهدا لهذه الأحاديث، فتصح ولا
سيما مع كثرة طرقها والله أعلم.
وقد صححه العلامة الألباني. انظر إرواءه جـ ١ ص ١٢٤ – ١٢٥
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى ٢/٥٦٩
وضعفه صاحب فتح العلام شرح بلوغ المرام :
جاء في ذلك حديث مرفوعٌ عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بلفظ: «الأذنان من الرأس»، ولكنه ضعيفٌ من جميع طرقه، وأفضل من جمع طرق الحديث الدارقطني في «سننه»، ثم البيهقي في «الخلافيات»، والذي يظهر أنه لا يرتقي إلى الحجية بتلك الطرق، ولكنه قد صحَّ موقوفًا عن جمع من الصحابة، وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم.
قال الترمذي -رحمه الله-: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة، فمن بعدهم، وبه قال الثوري، وابن المبارك، وأحمد.
وقال ابن المنذر -رحمه الله-: ورويناه عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى (٣)، وبه قال عطاء، وابن المسيب، والحسن، وعمر بن عبدالعزيز، والنخعي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد.
(المطلب الثاني): ما حكم مسح الأذنين؟
- ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب مسح الأذنين؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وقد حكاه بعضهم إجماعًا كما في «شرح المهذب» (١/ ٤١٦)، والصحيح أنه قد خالف إسحاق فيما حكاه عنه ابن المنذر، وحكي عن أحمد.
لكن قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (١/ ١٨٣): والأذنان من الرأس، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه، وقال الخلال: كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدًا، أو ناسيًا، أنه يجزئه، وذلك لأنهما تبعٌ للرأس. اهـ
قال النووي -رحمه الله- -بعد أن ذكر قول إسحاق-: وهو محجوج بالإجماع قبله، وللحديث الذي ذكره المصنف، والراجح هو قول الجمهور.
في الاستذكار :
وَقَالَ دَاوُدُ إِنْ مَسَحَ أُذُنَيْهِ فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَيَكْرَهُونَ لِلْمُتَوَضِّئِ تَرْكَ مَسْحِ أُذُنَيْهِ وَيَجْعَلُونَهُ تَارِكَ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وَلَا يُوجِبُونَ عَلَيْهِ إِعَادَةَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا كَذَلِكَ
إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ إِنْ تَرَكَ مَسْحَ أُذُنَيْهِ أَوْ غَسْلَهُمَا عَمْدًا لَمْ يَجُزْ
وَقَالَ أَحْمَدُ إِنْ تَرَكَهُمَا عَمْدًا أَحْبَبْتُ أَنْ يُعِيدَ
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ يَقُولُ مَنْ تَرَكَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَوِ الصَّلَاةِ أَعَادَ أَبَدًا
وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ لِقَائِلِهِ سَلَفٌ وَلَا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ وَلَوْ كَانَ هَذَا لَمْ يَعْرِفِ الْفَرْضَ مِنَ السُّنَّةِ.
الاستذكار ١/٢٠٠ — ابن عبد البر (ت ٤٦٣)
(المطلب الثالث): في اختلاف أهل العلم في مسح الأذنين:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: اختَلَف أهل العلم فيمن ترك مسح الأذنين،
فقالت طائفة: لا إعادة عليه، كذلك قال مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقال إسحاق بن راهويه: وإن مسحت رأسك، ولم تمسح أذنيك عمدًا لم يجزك، وقال أحمد: إذا تركه متعمدًا أخشى أن يعيد.
قال ابن المنذر رحمه الله: لا شيء عليه؛ إذ لا حجة مع من يوجب ذلك. انتهى [«الأوسط» ١/ ٤٠٥].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: عندي أن ما قاله إسحاق، وأحمد هو الأرجح؛ لثبوته عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – وقد قدّمنا أن الأرجح أن فعله – صلى الله عليه وسلم – بيان لمجمل الآية، فليُتَنَبَّهْ. [البحر المحيط الثجاج ].
(المطلب الرابع): كيفية مسح الأذنين؟
دلَّ حديث – عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما – على أنه يستحب أن يمسح داخل الأذنين بالسبابتين، وظاهرهما بالإبهامين.
وقد صحَّ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أنه فعل ذلك، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٨)، بإسناد صحيح.
وثبت أيضًا عن أنس وابن مسعود -رضي الله عنهما- كما في المصدر المذكور.
وقال ابن المنذر -رحمه الله- في «الأوسط» (١/ ٤٠٤): هكذا ينبغي أن يفعل من مسح أذنيه.
وقال الترمذي -رحمه الله- في «جامعه» (٣٦): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يرون مسح الأذنين ظاهرهما، وباطنهما.
(المطلب الخامس): هل يجزئ مسح الأذنين عن الرأس؟
لا يجزئ مسح الأذنين عن الرأس بالإجماع، نقله غير واحد من أهل العلم، منهم: ابن حزم في «المحلَّى» رقم (١٩٩)، والنووي في «شرح المهذب» (١/ ٤١٥). [فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام، (1/ 204 – 209)].
(المطلب السادس): أخذ ماء جديد للأذن:
عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ -رضي الله عنه-: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ – ﷺ – يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلافَ المَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ، وَهُوَ المَحْفُوظُ. [أخرجه البيهقي في «سننه» (١/ ٦٥).
قال الإمام الألباني -رحمه الله- في «السلسلة الضعيفة» (٢/ ٤٢٣ – ٤٢٤): اختلف في هذا الحديث على ابن وهب، فالهيثم بن خارجة وابن مقلاص وحرملة بن يحيى والعهدة في ذلك على البيهقي رووه عنه باللفظ الأول الذي فيه أخْذ الماء الجديد لأذنيه. قال وخالفهم ابن معروف وابن سعيد الأيلي وأبو الطاهر، فرووه عنه باللفظ الآخر الذي فيه أخذ الماء لرأسه لم يذكر الأذنين. وقد صرح البيهقي بأنه أصح، ومعنى ذلك أن اللفظ الأول شاذ، وقد صرح بشذوذه الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» ولا شك في ذلك عندي؛ لأن أبا الطاهر وسائر الثلاثة قد تابعهم ثلاثة آخرون وهم: حجاج بن إبراهيم الأزرق وابن أخي ابن وهب واسمه أحمد بن عبدالرحمن بن وهب، أخرجه عنهما أبو عوانة في «صحيحه» (١/ ٢٤٩) وسريج بن النعمان عند أحمد (٤/ ٤١) ولا ريب أن اتفاق الستة على الرواية أولى بالترجيح من رواية الثلاثة عند المخالفة. اهـ ورواية مسلم في «صحيحه» برقم (٢٣٦)].
- ذهب جمهور أهل العلم فيما حكاه النووي في «شرح المهذب» (١/ ٤١٣) إلى: أنه يأخذ ماءً جديدًا لمسح الأذن، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وصحَّ ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وقد استدلوا على ذلك بحديث الباب.
- وذهب الثوري، وأبو حنيفة إلى: أنهما يمسحان بماء الرأس؛ لأنهما من الرأس، وقد صحَّ ذلك عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كما في حديث الباب، وحديث ابن عباس الذي تقدم قريبًا.
وقال أبو بكر بن المنذر -رحمه الله- في «الأوسط» (١/ ٤٠٤): وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخذه لأذنيه ماء جديدًا، بل في حديث ابن عباس أنه غرف غرفة، فمسح برأسه، وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما، وباطنهما. اهـ
وقال ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (١/ ١٩٤): ولم يثبت عنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه أخذ لهما ماءً جديدًا. اهـ
وهذا القول هو الراجح، وهو ترجيح: الألباني، والوادعي، وابن عثيمين رحمة الله عليهم.[فتح العلام].
قال ابن المنذر رحمه الله: روينا عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه كان يُدخل إصبعيه بعدما يمسح برأسه في الماء، ثم يدخلهما في الصِّمَاخ، وكان مالك، والشافعيّ يريان أن يأخذ المتوضئ ماءً جديدًا لأذنيه، وكذلك قال أحمد.
وقد كان ابن عمر يُشَدِّد على نفسه في أشياء، من أمر وضوئه، من ذلك أخذه لأذنيه ماءً جديدًا، ونضحه الماء في عينيه، وغسل قدميه سبعًا سبعًا، وليس على الناس ذلك. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
وحاصله: أن مسح الأذنين يكون بماء الرأس، ولا حاجة لتجديد الماء له. [البحر المحيط الثجاج].
فتاوى :
السؤال الأول من الفتوى رقم ٩٢٩٩
س ١: اختلف إخواننا في جمهورية مالي في مسح الأذنين في
الوضوء، فقال بعضهم لم يثبت عن النبي ﷺ أن مسح أذنيه في الوضوء؟
جـ ١: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح رأسه وأذنيه في الوضوء فقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما (١)» رواه الترمذي وصححه وللنسائي: «مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالمسبحتين، وظاهرهما بإبهاميه (٢)» وصححه ابن خزيمة وأخرج أبو داود والطحاوي من حديث مقداد بن معد يكرب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : مسح في وضوئه رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه (٣)» قال الحافظ ابن حجر: (وإسناده حسن)، ولا خلاف فيما نعلم في مشروعية مسح الأذنين إنما الخلاف في أنهما من الرأس أو لا، وفي أن مسحهما واجب أو سنة.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء[[ ٢٣٠/٥ ]]
خلاصة فوائد الباب:
1 – (منها): مشروعيَّة مسح الأذنين في الوضوء، وهو متَّفقٌ عليه.
2 – (منها): إشارة إلى أنَّ الأُذُنَيْنِ يُمسحانِ بماءِ الرَّأْسِ.
3 – (ومنها): “أنه يستحب أخذ ماء جديد لمسح الرأس غير ما بقي في اليد من ماء غسل اليدين، وأما الأذنان فهما تبع للرأس، فهما كعضو واحد، وإن كان بعض العلماء يستحب أن يأخذ ماءً جديدًا للأذنين، لكن الصواب أنهما شيء واحد”. [توفيق الرب المنعم، (1/ 446)].
4 – (ومنها): وحديث عليٍّ -رضي الله عنه- يدل على أنَّ مسح الرأس مرَّة واحدة، وأنَّ المسح لا يُكَرَّر، كما يكرر الغسل؛ لأنَّ المسح أخف من الغسل، مخففٌ في كيفيته وفي كميته، ولعلَّ الحكمة الرَّبَّانيَّة في التخفيف في الرأس، من كونه يمسح مسحًا ولا يغسل، وأن مسحه مرَّة واحدة فلا يكرر، هو التيسير على الأمة؛ فإنَّ الرَّأس موطن الشعر، فصَبُّ الماء عليه وتكريره، رُبَّما سبَّب أذيَّةً ومرضًا، فخفَّف الله تعالى عن عباده.
5 – (ومنها): يدل على صفة المسح، وهو أنْ يبدأ بمقدَّم رأسه، فيذهب بيديه إلى قفاه، ثمَّ يردَّها إلى المكان الذي بدأ منه، وتكون رواية – عبد الله بن زيد رضي الله عنه – مفسِّرة للرواية الأخرى، من أنَّه «أقبل بيديه وأدبر»؛ فإنَّ معنى أقبل بيديه، أي: بدأ بهما من قِبَل الرَّأس، وأدبر أي: عاد بهما من دبره، والإقبال والإدبار باليدين يُعْتَبَرُ مسحةً واحدة لا مسحتين؛ لأنَّ شعر مقدَّم الرأس متجه إلى الوجه، ومؤخر الرَّأس متجه إلى القفا، فإذا بدأ بالمقدَّم مسح ظهور الشعر المقدَّم، وأصول الشعر المؤخَّر، وإذا أدبر بهما مسح ظهور الشعر المؤخَّر، وأصول الشعر المقدَّم؛ فالحكمة في الإقبال والإدبار مسح وجهي الشعر، قال بعضهم: هذا المسح يقيم النائم، وينيم القائم؛ فحصل مسحة واحدة لا مسحتان، وليست هذه الصفة واجبة، فعلى أي صفة مسح أجزأ.
6 – (ومنها): قال ابن القيم في زاد لمعاد: الصحيح أنَّه لم يكرر -صلى الله عليه وسلم – مسح رأسه، بل كان إذا كرَّر غسل الأعضاء، أفرد مسح الرَّأس، ولم يصح عنه خلافه ألبتة.
7 – (ومنها): وقال: كَان -صلى الله عليه وسلم – يمسح رأسه كله، ولم يصح عنه في حديثٍ واحد، أنَّه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة.
8 – (ومنها): قال العلماء: من لا شعر له أو حلق رأسه، فلا يستحب له الرد؛ لأنَّه لا فائدة فيه، وكذلك لا يستحب لمن له شعرٌ كثير مضفور، ويكون خرج مخرج الغالب.
9 – (ومنها): حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- يدل على مسح الأُذُنين مع الرَّأس، وصفة مسحهما: أنْ يدخل أصبعيه السبَّاحتين في صماخي أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهر أذنيه.
10 – (ومنها): أنَّ مسح الأذنين منصوصٌ عليه في الآية الكريمة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ذلك أنَّ الأُذنين داخلتان في مسمَّى الرأس شرعًا ولغةً وعرفًا، فالأمر بمسح الرَّأس في الآية أمرٌ بمسحهما؛ ولذا فالسنَّة أنْ تمسحا بماء الرَّأس، لا بماء جديد لهما.
11 – (ومنها): الحكمة في تخصيص الأذنين بالمسح، هو كمال طهارتهما من ظاهرهما وباطنهما، ويستخرج منهما الذنوب التي اكتسبتها، كما تخرج الذنوب من سائر أعضاء الوضوء؛ فإنَّ الأذنين أداتا حاسَّة السمع، فيطهَّران طهارةً حسيَّة بمسحهما بالماء، وطهارة معنوية من الذنوب.
12 – لمسلم (٢٣٥) عن عبد الله بن زيد في صفة وضوئه -صلى الله عليه وسلم -: “ومسح رأسه بماء غير فضل يديه”، وهذا هو المحفوظ، وأمَّا رواية البيهقي: “أنَّ عبد الله بن زيد رأى النَّبي -صلى الله عليه وسلم – يأخذ لأُذنيه ماءً غير الماء الذي أخذه لرأسه فهي شاذة، وحديث: «الأذنان من الرأس» [رواه أبو داود (١٣٤) والترمذي (٣٧)] وأقوال الصحابة أنَّه -صلى الله عليه وسلم -: «مسح رأسه وأذنيه مرَّة واحدة» دليلٌ على أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان يمسح رأسه وأذنيه بماءٍ واحد.
13 – (ومنها): حد الرأس من منابت شعر الرأس المعتاد ممَّا يلي الجبهة، إلى مفصل الرأس من الرقبة، ومن الأذن إلى الأذن، ولا يمسح ما نزل من شعر الرأس أسفل من ذلك؛ لأنَّه قد تجاوز مكان الرأس من الإنسان.
14 – (ومنها): ظهر الأذن هو ما يلي الرأس، أمَّا الغضاريف فهي من باطن الأذن.
* خلاف العلماء:
اتفق الأئمة على أنَّ مسح الرأس من فروض الوضوء، وعلى أنَّ المشروع مسحه جميعه، واختلفوا في وجوب مسحه كله:
قال شيخ الإِسلام: لم يُنْقَل عن أحدٍ أنَّه -صلى الله عليه وسلم – اقتصر على مسح بعض الرأس.
وقال ابن القيم: لم يصح عنه حديث واحد أنَّه اقتصر على مسح بعض الرأس ألبتة، وقال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والباء لا تدل على مسح البعض؛ لأنَّها للإلصاق، ومن ظنَّ أنَّها للتبعيض، فقد أخطأ على أئمة اللغة.
* تنبيه:
ورد في كيفية مسح الرَّأس عدَّة روايات منها:
١ – حديث عليٍّ: «مسح برأسه مرَّةً واحدة» [رواه أبو داود (١١٥) والترمذي (٣٢)].
٢ – حديث عبد الله بن زيد: «فأقبل بيديه وأدبر» [رواه مسلم (٢٣٥)].
٣ – الرواية الأخرى: «بدأ بمقدِّم رأسه حتَّى ذهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردهما إلى المكان الذي بدأ منه».
٤ – حديث الربيِّع بنت مُعَوِّذ: «مسح برأسه فبدأ بمؤخر رأسه ثمَّ بمقدمه» [رواه أبو داود (١٢٩)].
ويوجد أيضًا بعض الروايات الأُخر التي من أجلها قال الصنعاني: ويحمل اختلاف لفظ الأحاديث على تعدد الحالات.
قلت: تعدُّد الروايات يدل على جواز المسح على أي كيفية جاءت، وإنَّما مدار الوجوب هو تعميم الرأس بالمسح، واختيار أصح الرويات وأفضلها، لتكون الغالبة في الوضوء.
قال ابن القيم: لم يثبت أنَّه أخذ لأذنيه ماءً جديدًا.
قال الحافظ: المحفوظ أنَّه مسح رأسه بماء غير فضل يديه، والأُذنان من الرأس؛ كما ورد في الحديث.
واختار الشيخ: أنَّ الأذنين يمسحان بماء الرأس؛ وهو مذهب الجمهور. [توضيح الأحكام من بلوغ المرام، (1/ 206 – 210)].
15 – أقوال الإمام أحمد من المسائل :
١٦٧ – هل الأذنان من الرأس؟
قال إسحاق بن منصور: قُلتُ: الأُذُنَان مِنَ الرَّأْسِ؟
قال: الأُذُنَان مِنَ الرأسِ يَمْسَحهُمَا مَعَ الرَّأسِ.
قال إسحاق: الذي أختارُ أَنْ يغسلَ مُقَدَّمَهما مَعَ الوجهِ وَمُؤَخَّرَهما مَعَ الرَّأسِ.
«مسائل الكوسج» (١٣)
قال الأثرم: وسمعت أبا عبد اللَّه يسألُ: الأذنان من الرأس؟
قال: نعم.
«سنن الأثرم» (١٢)
قال أبو داود: قلت لأحمد: الأذنان من الرأس؟
قال: نعم.
قلت: يأخذ لهما ماء جديدًا أو يمسحهما بماء الرأس؟
قال: يأخذ لهما ماء جديدًا.
«مسائل أبي داود» (٤٤)
الجامع لعلوم الإمام أحمد – الفقه ٥/٢٣١
[وانظر للتوسع]: المسألة هل الأذنان من الرأس؟، وما يتعلق بذلك: (113 جامع الأجوبة الفقهية ص153، 114 جامع الأجوبة الفقهية ص154).