[1ج/ رقم (630)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع : أحمد بن علي ، ومحمد بنياد البلوشي وطارق أبوشديد وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد ومحمد بن ديرية
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (630)]:
قال الإمام النسائي رحمه الله (ج ٤ ص ١٣٥): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ [ص: ٥٣٠] جُبَيْرٍ (١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَجِبْتُ مِمَّنْ يَتَقَدَّمُ الشَّهْرَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ثقة.
——————-
في حاشية الصحيح المسند:
(١) في الأصل: ابن حنين. والصواب ما أثبتناه، كما في «تحفة الأشراف».
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام النسائي في السنن، 21- كتاب الصيام، ١٠ – (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْريّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)، (٢١١٩).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
8- كتاب الصيام، ٤ – الصوم لرؤية الهلال، (١٤٥١).
والثاني: شرح وبيان الحديث
قال النسائي رحمه الله تعالى:
١٠ – (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْريّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الإتيوبي – عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف على الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- أن إبراهيم بن سعد رواه عنه، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، وخالفه في ذلك يونس بن يزيد الأيليّ، فرواه عنه، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه.
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ؛ لأنه يُحمَل على أنه مرويٌّ من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، ومن حديث عبد اللَّه بن عمر – رضي الله عنهم -، ولذا أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر – رضي الله عنهم -، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – فدلّ على أنه محفوظ من كلا الطريقين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قاله الإتيوبي رحمه الله تعالى.
٢١١٩ – (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – ﷺ -، قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا)، أي: هلال شهر رمضان. والمعنى صوموا رمضان لرؤية هلاله، والمراد نيّة الصوم في النهار؛ لأن الليل ليس محلًّا للصوم، أفاده العلامة ابن الملقّن رحمه الله.
وقوله: (وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا)، أي: هلال شوّال، قال النوويّ رحمه الله: المراد رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميعَ الناس رؤية عدلين، وكذا عدل على الأصحّ، هذا في الصوم، وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّزه بعدل. انتهى [«شرح النوويّ» ٧/ ١٩٠].
وقوله: (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ)، أي: هلال الشهر،
قال النوويّ رحمه الله: معناه: حال بينكم وبينه غيم، يقال: غُمَّ، وأُغْمِيَ، وغُمِيَ، وغُمِّيَ بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما، ويقال: غَبِيَ بفتح الغين، وكسر الباء، وكلها صحيحة، وقد غامت السماء، وغَيَّمَتْ، وأغامت، وتَغَيَّمَتْ، وأَغْمَت،
وفي هذه الأحاديث دلالة لمذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور أنه لا يجوز صوم يوم الشك، ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان؛ إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم. انتهى [«شرح النوويّ» ٧/ ١٨٩ – ١٩٠].
وقوله: (فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»). وفي رواية مسلم: (فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا) وفي رواية لمسلم أيضا: «فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»، أي: عُدّوا ثلاثين يومًا، من شعبان، فصوموا بعدها، ورواه البخاريّ رحمه الله تعالى في «صحيحه»، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، بلفظ: «فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين».
قال في «الفتح» ما حاصله: وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في هذه الزيادة، فرواها البخاريّ -كما ترى- بلفظ: «فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين»، وهذا أصرح ما ورد في ذلك، وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك، فإن أكثر الرواة عن شعبة، قالوا فيه: «فعُدّوا ثلاثين»، أشار إلى ذلك الإسماعيليّ، وهو عند مسلم وغيره، قال: فيجوز أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر.
قال الحافظ: الذي ظنه الإسماعيليّ صحيح [قال الإتيوبي رحمه الله معلقا: “قد سبق الردّ على هذا الذي ظنه الإسماعيليّ، ووافقه عليه الحافظ في كلام وليّ الدين العراقيّ، فلا تغفل”. انتهى.]، فقد رواه البيهقيّ من طريق إبراهيم بن يزيد، عن آدم بلفظ: «فإن غمّ عليكم، فعُدّوا ثلاثين يومًا» -يعني عدّوا شعبان ثلاثين-.
فوقع للبخاريّ إدراج التفسير في نفس الخبر، ويؤئده رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ: «لا تقدّموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين»، فإنه يُشعر بان المأمور بعدّه هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد بلفظ: «فأكملوا العدد»، وهو يتناول كلّ شهر، فدخل فيه شعبان، وروى الدارقطنيّ، وصححه، وابن خزيمة في «صحيحه» من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان رسول الله -ﷺ- يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدّ ثلاثين يومًا، ثم صام».
وأخرجه أبو داود وغيره أيضًا، وروى أبو داود، والنسائيّ وابن خزيمة من طريق رِبْعيّ، عن حُذيفة -رضي الله عنه-، مرفوعًا: “لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة»،
وقيل: الصواب فيه: عن ربعيّ، عن رجل من الصحابة مبهمٍ، ولا يقدح ذلك في صحته. انتهى كلام الحافظ رحمه الله [«الفتح» ٤/ ٦١٦ – ٦١٧]. [البحر المحيط الثجاج].
وفي رواية مسلم: (فَاقْدُرُوا لَهُ») قال القرطبىّ رحمه الله: أي: قدّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يومًا، يقال: قَدَرتُ الشيءَ أقدُره، وأقدِره -بالتخفيف- بمعنى قدّرته -بالتشديد-، قال: وهذا مذهب الجمهور في معنى هذا الحديث، وقد دلّ على صحّته ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – مكان «فاقدروا له»: «فأكملوا العدّة ثلاثين»، وهذا الحديث حجّةٌ على من حَمَلَ «فاقدروا له» على معنى تقدير المنازل القمريّة، واعتبار حسابها، وإليه صار ابن قُتيبة من اللغويين، ومطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير من كبراء التابعين، ومن الحجة أيضًا على هؤلاء قوله – ﷺ -: «إنّا أُمّةٌ أُمّيّةٌ لا نكتب، ولا نَحْسُبُ»، فألغى الحساب، ولم يجعله طريقًا لذلك. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله [«المفهم» ٣/ ١٣٨]، وهو بحثٌ نفيسٌ. قاله الإتيوبي.
وقال النوويّ رحمه الله
واختلف العلماء في معنى «فاقدروا له»،
فقالت طائفة من العلماء: معناه ضَيِّقُوا له، وقدِّروه تحت السحاب، وممن قال بهذا أحمد بن حنبل، وغيره، ممن يُجَوِّز صوم يوم ليلة الغيم من رمضان … ثم ذكر قول الجمهور وأدلتهم
قال المازريّ رحمه الله: حَمَلَ جمهور الفقهاء قوله – ﷺ -: «فاقدروا له» على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فَسَّره في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حسابَ المنجمين؛ لأن الناس لو كُلِّفُوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يُعَرِّف الناس بما يَعْرِفه جماهيرهم. انتهى [راجع: «شرح النوويّ» ٧/ ١٨٩].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، وأما القولان الآخران فضعيفان. [البحر المحيط الثجاج].
قال الإتيوبي رحمه الله: والحديث أخرجه مسلم. [ذخيرة العقبى].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): حكم صيام يوم الشك.
- ذهب الجمهور إلى أنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال ما يمنع الرؤية من سحابٍ، أو غيمٍ، أو دخانٍ، أو نحو ذلك، وهو رواية غير مشهورة عن أحمد، وذهبوا إلى تحريم صومه؛ لحديث عمار، وحديث ابن عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهم.
وثبت عن عمر -رضي الله عنه-، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٧٣)، أنه قال: ليتق أحدكم أن يصوم يومًا من شعبان، أو يفطر يومًا من رمضان؛ فإن تقدم قبل الناس؛ فليفطر إذا أفطر الناس. وإسناده صحيح.
وقد رجَّح كون يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون الرؤية حائل شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن عبد الهادي، والحافظ، والصنعاني، والشوكاني، وغيرهم من أهل العلم.
قال ابن الجوزي -رحمه الله- في «التحقيق»: ولأحمد في هذه المسألة وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها: يجب صومه على أنه من رمضان. وثانيهما: لا يجوز فرضًا، ولا نفلًا مطلقًا، بل قضاءً، وكفارةً، ونذرًا، ونفلًا وافق عادةً. ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. اهـ
والمشهور عن أحمد القول الأول، واستدل عليه بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فاقدروا له»، قالوا: وذلك بمعنى (ضيقوا عليه)،
قالوا: ويؤيد ذلك أنه قد جاء عن ابن عمر، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر أنهم كانوا يصومونه، وهو ثابت عنهم [أثر ابن عمر، وعائشة -رضي الله عنهم- أخرجه عنهما أحمد (٦/ ١٢٥ – ١٢٦) بإسناد صحيح، وأثر أسماء -رضي الله عنها- أخرجه أحمد، وسعيد بن منصور كما في «زاد المعاد» (٢/ ٤٥) بإسنادين صحيحين].
وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: لأن أصوم اليوم الذي يشك فيه أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان. أخرجه البيهقي (٤/ ٢١١) بإسنادٍ حسن.
وأجاب الجمهور عن استدلالهم بأن قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فاقدروا له»، أي: احسبوا له تمام الثلاثين.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين.
وقال ابن القيم -رحمه الله-: فإن القدر هو الحساب المقدر، والمراد به الإكمال كما قال: «فأكملوا العدة»، والمراد بالإكمال إكمال عدة الشهر الذي غُمَّ. اهـ
ويؤيد ما قاله هذان الإمامان رواية مسلم: «فاقدروا له ثلاثين»، وكذا فإنه قد جاءت أحاديث كثيرة فيها الأمر بإتمام العدة ثلاثين من قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ومن فعله، وقد ساق كثيرًا منها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٧٨ – ٨٩).
وأما استدلالهم بأفعال الصحابة المذكورين؛ فالعبرة بما رووا لا بما رأوا، وقد جاء عن غيرهم من الصحابة خلافهم، كعمَّار، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، وهي ثابتة عن المذكورين. [أما أثر عمار -رضي الله عنه-، فقد خرَّجناه في «البلوغ»، وأما أثر ابن مسعود -رضي الله عنه-، فأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧١)، والبيهقي (٤/ ٢٠٩) بإسنادٍ حسن، ولفظه: لأن أفطر يومًا من رمضان، ثم أقضيه أحب إلي من أزيد فيه ما ليس منه. وأما أثر أنس -رضي الله عنه-، فأخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٥٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ٧١) بإسناد صحيح].
قال الشوكاني -رحمه الله-: والحاصل أنَّ الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحق ما جاء من الشارع. اهـ
وقال الصنعاني -رحمه الله-: واختلف الصحابة في ذلك، منهم من قال بجواز صومه، ومنهم من منع منه، وعدَّه عصيانًا لأبي القاسم، والأدلة مع المُحَرِّمِين. اهـ
ومع ذلك فقد جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما- بإسناد حسن عند ابن أبي شيبة (٣/ ٧١) أنه قال: لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه. وكذلك جاء عن غيره من الصحابة ممن قالوا بالصوم المنع من الصوم.
قال الحافظ رحمه الله في الجمع بين أثري ابن عمر-: فَالْجمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الصَّوْمَ لَا يُسَمَّى يَوْمَ شَكٍّ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَصَّ يَوْمَ الشَّكِّ بِمَا إِذَا تَقَاعَدَ النَّاس عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، أَوْ شَهِدَ بِرُؤْيَتِهِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ، فَأَمَّا إِذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ شَيْء؛ فَلَا يُسَمَّى شَكًّا. اهـ.
وقد حمل شيخ الإسلام أفعال الصحابة في ذلك كما حمله الحافظ ابن حجر رحمه الله كما في «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٠٥ -).
ثم ذكر -رحمه الله- جوابًا آخر (١/ ١٢٦)، وهو أن تحمل الآثار في الصوم على الجواز والاستحباب، وتُحمل أحاديث الفطر على عدم الوجوب، ويكون التغليظ فيها على من يجزم بأنه من رمضان، ويعتقد وجوب صومه كوجوب صوم الذي يليه حتى يلحق برمضان ما لم يتيقن أنه منه …، ثم قال: والقياس يقتضي صحة هذا القول؛ فإنَّ إيجاب ما لم يتيقن وجوبه خلاف القياس، وكراهة التحري والاحتياط في العبادات خلاف القياس أيضًا.
وارتضى هذا الجواب ابن القيم في «زاد المعاد».
والذي يظهر – والله أعلم – هو تحريم صيام يوم الشك، حتى وإن كان للاحتياط والتحري، وحتى إذا لم يعتقد وجوبه؛ لما تقدم من الأدلة، وأما فعل الصحابة فقد عارضهم غيرهم من الصحابة؛ فوجب الرجوع إلى الأدلة كما تقدم في كلام الصنعاني، والشوكاني، والله أعلم. [انظر: «فتح الباري» (١٩٠٦)، «سبل السلام» (٤/ ١٠٦)، «زاد المعاد» (٢/ ٤١ – ٤٦)، «نيل الأوطار» (١٦٣٠)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ٧٥ – ١٢٦)، «التمهيد» (٧/ ١٤٨ -)].
(المسألة الثانية): متى يجب صوم رمضان؟
يجب صوم رمضان برؤية هلال رمضان، أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا؛ لحديث ابن عمر، وأبي هريرة، وفي الباب أحاديث أخرى، منها: حديث عائشة -رضي الله عنها- في «سنن أبي داود» (٢٣٢٥)… وسبق
ومنها حديث حذيفة -رضي الله عنه- عند أبي داود (٢٣٢٦)، والنسائي (٤/ ١٣٥) بإسناد صحيح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة». [وانظر: «المجموع» (٦/ ٢٦٩ – ٢٧٠)، «الجامع الصحيح» للوادعي -رحمه الله- (٢/ ٤١٥)، «نيل الأوطار» (١٦٣٠ -)].
(المسألة الثالثة): معرفة دخول الشهر بطريقة الحساب.
تقدم في الأحاديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- علَّقَ الصوم بالرؤية، وفي ذلك إبطال لطريقة أهل الحساب.
قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-: الذي أقول: إنَّ الحساب لا يجوز أن يُعتمد عليه في الصوم؛ لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون؛ فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم، أو يومين، وفي اعتبار ذلك إحداثُ شرعٍ لم يأذن به الله. انتهى المراد. [«شرح العمدة» (٢/ ٢٠٦)].
قال ابن بطال -رحمه الله- كما في «سبل السلام» (٤/ ١١٠): في الحديث دفعٌ لمراعاة المنجمين، وإنما المعول عليه رؤية الهلال، وقد نهينا عن التكلف. اهـ
وقال ابن بريرة -رحمه الله- كما في «السبل» (٤/ ١١٠): هو مذهبٌ باطل، وقد نهت الشريعة في الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطعٌ.
ثم قال الصنعاني -رحمه الله-: والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أنه – ﷺ – قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، وهكذا»، وعقد في الثالثة إصبعًا، «والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا»، يعني تمام الثلاثين. اهـ
وقد أخرج الحديث مسلمٌ أيضًا. [أخرجه البخاري برقم (١٩١٣)، ومسلم برقم (١٠٨٠) (١٥)]. اهـ
وسُئِلَت اللجنة الدائمة عن هذه المسألة برقم (٣٨٦)، فأجابوا بجواب فيه: فالرجوع في إثبات الشهور القمرية إلى علم النجوم في بدء العبادات، والخروج منها دون الرؤية من البدع التي لا خير فيها، ولا مستند لها من الشريعة. اهـ
وقد ذهب إلى القول بحساب المنازل مطرف بن عبد الله من التابعين، وابن قتيبة.
قال ابن عبد البر -رحمه الله-: لا يصح عن مطرف، وأما عن ابن قتيبة فهو ممن لا يعرج عليه في مثل هذا. انتهى المراد. [انظر: «التمهيد» (٧/ ١٥٦) ط/مرتبة، «الفتح» (١٩٠٦)، «سبل السلام» (٤/ ١١٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢، ١٣٣)، «فتاوى اللجنة» (١٠/ ١٠٥ – ١٠٦)].
—
وقد أجمع الفقهاء على الإلتزام بالعلة الشرعية للصوم وهى الرؤية البصرية للهلال ، وأجمعوا على رفض الأخذ بالحساب الفلكى سواء فى ذلك حالة الصحو أم حالة الغيم إلا من شذ من المتأخرين وأحدث سبباً لم يشرعه الله ، ولا عبرة بهذا الشذوذ مع إنعقاد الإجماع الفقهى قبله والإجماع العملى أيضاً : فقد جرى العمل فى كافة العصور الإسلامية الزاهرة ، حيث تقدم المسلمون فى علم الفلك ، وأنشأوا المراصد الفلكية ، ومع ذلك منعوه من الدخول فى مجال العلل الشرعية للأحكام ، بل لا يكاد يُعرف قاض – منذ عرف الإسلام القضاء إلى اليوم – قضى بالحساب الفلكى ولا زال القضاة يلون إستشراف الهلال بأنفسهم ، أأو ينتظرون الشهود العدول بالمحاكم حتى يجيئوا لهم ، والمحكم الشرعية العليا فى مصر لم تأ×ذ قط فى إثبات الرؤية بالحساب الفلكى منذ أنشئت إلى أن ألغيت ، وكذلك دار الإفتاء من بعدها ، حتى نبغ مفتى أخر الزمان وأحدث هذه البدعة ، ونبذ العلة الشرعية أعنى الرؤية البصرية للهلال – وأحدث علة للصوم لم يشرعها الله وهى العلم الفلكى بوجود الهلال ، وشذ عن إجماع الأمة العلمى والعملى من عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى وقتنا هذا ، وأضفى على الحساب الفلكى الحجية اليقينية مع أنه مبنى على أمور ظنية وحسابية وجبرية ، وأجهزة فلكية ، وكلها ظنية تحتمل الخطأ والصواب ، وليس أدل على ذلك من تعارض تقاويم الفلكيين أنفسهم فى حساباتهم الفلكية ، والذى يبنى على الظن لا يقيم اليقين لقيام شبهة الخطأ ) إنتهى الكلام بتصرف .
لكن يبقى التنبيه إلى ثلاث قضايا : الأولى : أن ( حقيقة الشهر عند الفلكيين هى المدة بين إجتماع الشمس والقمر مرتين بعد الإستسرار وقبل الإستهلال ، ومقداره عندهم هو (29) يوماً ، و (12) ساعة و(44) دقيقة . أما حقيقة الشهر الشرعية : فهى الرؤية له عند الغروب ، أى : أول ظهور القمر بعد السواد ، ومقدار الشهر الشرعى هو لا يزيد عن (30) يوماً ، ولا ينقص عن (29) يوماً . وعليه فأن هناك فروقاً بين الأعتبارات الشرعية والإعتبارات الفلكية فى عدة أمور : 1- أن الشهر يبتدئ عند الفلكيين قبل البدء بالإعتبار الشرعى ، ونتيجة لذلك فهو ينتهى قبل . 2- أن الشهر مقدر بوحدة زمنية ثابتة عند الفلكيين تختلف عن مدته بالإعتبار الشرعى كما هو مبين آنفاً . 3- أن الشهر يبتدئ بإعتبار الشرع بطريق الحس ، والمشاهدة بالعين الباصرة ، أو بالإكمال بخروج الهلال حقيقة ، أما بإعتبار الفلكيين فهو : يتقدير خروجه لا بخروجه فعلاً . 4- عند الفلكيين : لا ففرق بين أن يتم الإقتران والإنفصال ليلاً أو نهاراً ، فلو حصل الإقتران والإنفصال قبيل الفجر فاليوم عندهم هو بعد الفجر مباشرة ، ولو حصل أثناء النهار فإن الشهر يبتدئ فى اللحظة التالية له ، أما بإعتبار الشرع : فالمعتبر الرؤية بعد الغروب ، فلو رؤى نهاراً بعد الزوال فهو لليلة المقبلة ، ولا يصام ذلك النهار الذى رؤى فيه ، وهذا بلا نزاع بين أهل العلم ) أ هـ . من ” فقه النوازل ” (2/174 ) .
الثانية : أنه يجب التفريق بين أمرين متباينين : أحدهما : الخلاف الفقهى السائغ بين العلماء فى قضية إختلاف المطالع ، وثانيهما : عدم جواز الأعتماد على الحساب الفلكى فى تحديد بداية الشهر وإنتهائه لأن الخلاف فيها غير سائغ لشذوذه عن الإجماع، والعلماء مع إختلافهم فى قضية إختلاف المطالع متفقون على أن سبيل تحديد بداية الشهر ونهايته هو الرؤية الشرعية لا الحساب الفلكى ، ولقد رأينا من يخلط بين الأمرين ، ويستدل بكلام العلماء فى القضية الأولى على القضية الثانية فلزم التنبيه .
الثالثة : وهى نصيحة لمن يخالف المفتى الرسمى فى بلده إذا ثبت أنه يعتمد على الحساب الفلكى : أن لا يستعلن بالمخالفة لعموم المسلمين فى بلده بل يستسر بالمخالفة ، ويعمل بالرؤية الشرعية فى خاصة نفسه ، ولا يدعو بلسان الحال أو المقال الملاء إليها ، سداً لذريعة التهارج بين المسلمين ، ودرءاً للفتن ، وجمعاً للكلمة ، وتفويتاً لمقاصد العلمانيين والمنافقين من أعداء الدين الذين يعتلون الموجة لتشكيك الناس فى دينهم ، ومحاولة النيل من قدسية الصيام فى نفوس العامة ، وقانا الله وسائر المسلمين شرهم .
تنبيه 1 : ومقتضى هذا الكف عن كل ما ينم عن هذه المخالفة كقيام الليل بالمساجد أو الإعتكاف فيها ، فضلاً عن الجهر بالإفطار ، وإقامة صلاة العيد .
تنبيه 2 :ولم يعرف خلاف بين الصحابة – رضى الله عنهم – فى ذلك ، بل حكى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- اتفاقهم عليه ، وحكاه المهدى فى ” البحر ” ، ومذاهب الأئمة الأربعة متفقة على ذلك ، قال مالك – رحمه الله تعالى – : ( إن من يصوم بالحساب لا يُقتدى به ) ، وقال ابن عرفه : ( لا أعرفه لمالكى) ، وممن حكى الإجماع على موجبه : ابن المنذر فى ” الإشراف ” ، وسند من المالكية ، والباجى ، واببن رشد القرطبى ، والحافظ ابن حجر ، والسبكى ، والعينى ، وابن عابدين ، والشوكانى ، وصديق حسن خان ، وملا على قارى ، وقال الشيخ أحمد شاكر : ( واتفقت كلمتهم أو كادت تتفق على ذلك ) أ .هـ بتصرف من ” فقه النوزال ” (2/156) . (2) أنظر تفصيل ذلك فى “فقه النوازل ” (2/158 – 169 )
تنبيه 3 : سبق مناقشة الأقوال في سنن أبي داود :
بَابٌ إِذَا أُغْمِيَ الشَّهْرُ
ومما نقلناه :
في بحث الاستعانة بالحساب الفلكي والمراصد في أهلة الشهور :
تميل الباحثة الى الأخذ بالحساب الفلكي وجوبا في نفي عدم امكانية رؤية الهلال ورد شهادة الشهود لأنه قطعي . والرؤية ظنية محتملة الخطأ
أما في حالة اثبات الشهر فيستأنس بالحساب فاذا دل الحساب على امكانية الروية ولم ير الهلال عمل بالرؤية .
وقررت الباحثة أن علم الحساب بلغ مبلغ من الدقة بحيث يحسبون لعشر سنوات للامام ونسبة الخطأ ضيئلة جدا
وطالبت بارسال قمر صناعي مدعوم بالتلسكوب لأنه في العلو يتخلص من تاثيرات الغبار وغيره .
بينما ابن عثيمين لم يعتبر رؤية الهلال من الأقمار الصناعية رؤية شرعية للارتفاع الكبير عن مستوى الأرض . فقال :
لا يجوز الاعتماد على الأقمار الصناعية في رؤية الهلال؛ وذلك لأن الأقمار الصناعية تكون مرتفعةً عن الأرض التي هي محل ترائي الهلال
انظر «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (١٩/ ٦٢).
———————————–
—-
(المسألة الرابعة): استعمال المنظار المقرب للرؤية.
قال الإمام ابن عثيمين -رحمه الله-: وأما استعمال ما يُسمَّى بـ (الدِّربيل)، وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال؛ فلا بأس به، ولكن ليس بواجب؛ لأن الظاهر من السنة أنَّ الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها، ولكن لو استعمل فرآه من يوثق به؛ فإنه يعمل بهذه الرؤية، وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر ليلة الثلاثين من شعبان أو ليلة الثلاثين من رمضان، فيتراءون بواسطة هذا المنظار، على كل حال متى ثبتت رؤيته بأي وسيلة؛ فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية؛ لعموم قوله – ﷺ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». [انظر: «مجموع فتاوى العثيمين» (١٩/ ٣٧)].
(المسألة الخامسة): إذا رأى الهلال أهل بلدة، فهل يلزم بقية البلدان الصوم؟
- اختلف في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، حتى تفرقوا في ذلك إلى ما يقارب ثمانية أقوال كما ذكر ذلك صديق بن حسن في «الروضة الندية» (١/ ٢٢٤).
وقد أَلَّفَ الإمام الشوكاني في هذه المسألة رسالة سمَّاها «إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال»، وأقوى هذه المذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: أنه يلزم بقية البلدان الصوم، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وغيرهم، وهو ترجيح جمعٍ من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى»، والإمام الشوكاني، وصديق بن حسن، والإمام الألباني، والإمام ابن باز رحمة الله عليهم أجمعين.
واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته».
قال الشوكاني -رحمه الله-: وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ نَاحِيَةٍ عَلَى جِهَةِ الِانْفِرَادِ، بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى لُزُومِ رُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ أَظْهَرُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ فَقَدْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ؛ فَيَلْزَمُ غَيْرَهُمْ مَا لَزِمَهُمْ. انتهى من «نيل الأوطار».
المذهب الثاني: أنه يلزم بقية البلدان الصوم ممن توافق البلدة التي رأته في مطالع الهلال، وهو مذهب الشافعية، وقول عن أحمد، واختاره ابن عبد البر في «التمهيد»، وشيخ الإسلام كما في «الاختيارات»، وهو ترجيح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهما من أهل العلم رحمة الله عليهم،
واستدلوا:
١) بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، قالوا: والذين لا يوافقون من شاهده في المطالع لا يقال: إنهم شاهدوه، لا حقيقة ولا حكمًا، والله تعالى أوجب الصوم على من شاهده.
٢) بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فعلل الصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه، لا حقيقة ولا حُكمًا.
٣) حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في «صحيح مسلم» (١٠٨٧)، أنه سأل كُريبًا: متى رأى الهلال؟ وكان بالشام، فقال: رأيناه ليلة الجمعة. فقال ابن عباس: لَكِنَّا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال، أو نكمل العدة. فقال كُريب: أفلا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله – ﷺ -.
المذهب الثالث: أنه لا يلزم أهل البلد رؤية غيرهم؛ إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأنَّ البلاد في حقِّه كالبلد الواحد؛ إذ حُكْمُه نافذٌ في الجميع، وهو قول ابن الماجشون.
وقال الإمام ابن عثيمين -رحمه الله-: وعمل الناس اليوم على هذا، وهو من الناحية الاجتماعية قولٌ قويٌّ”.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٣): حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان؛ فلا خلاف أنه لا يعتبر.
وعلى هذا فرؤية أهل المغرب لا تعتبر على أهل المشرق، ولكن يظهر أن رؤية أهل المشرق تعتبر على أهل المغرب؛ لأن مطلعهم بعدهم؛ فإذا رأى الهلال أهل المشرق كانت رؤيتهم معتبرة على كل من كان بعدهم في المطلع، وإن تباعدوا، والله أعلم.
والقولان الأولان قويان، إلا أنَّ الذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الأول أقوى؛ لعموم الدليل الذي استدلوا به، والشرع عام، ولو كان الحكم على غير ذلك لَبَيَّنَه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وقد ردُّوا على القول الثاني بما يلي:
١) إنَّ اختلاف المطالع أمرٌ لا ينضبط بحدٍّ محدود، فما هو الضابط الذي يفصل بين كل مطلع وآخر؟
قال الإمام الألباني -رحمه الله- في «تمام المنة»: والمطالع أمورٌ نسبيةٌ ليس لها حدودٌ مادية يمكن للناس أن يتبينوها. اهـ
٢) قال شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»: إذا اعتبرنا حدًّا كمسافة القصر، أو الأقاليم، فكان رجلٌ في آخر المسافة والإقليم؛ فعليه أن يصوم ويُفطر وينسك، وآخر بينه وبينه غلوة سهم لا يفعل شيئًا من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين. اهـ
٣) المقصود بالآية والحديث الذي استدل بهما أصحاب القول الثاني هو العلم بحلول شهر رمضان، وقد حصل ذلك برؤية أهل بلد معين، وكما أنه يلزم أهل البلد الواحد الصوم برؤية بعض أفرادهم؛ فكذلك يلزم البلدان الأخرى الصوم برؤية أهل هذا البلد.
استدلالهم بحديث ابن عباس أُجِيب عنه بأجوبة:
الأول: أنَّ ابن عباس لم يصرِّح أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين، أو يروه كما في الأحاديث الأخرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب الصيام (١/ ١٧٤): ويجوز أن يكون ذلك؛ لأنَّ النبي – ﷺ – أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه، أو يكملوا العدة كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسرًا، فاعتقد ابن عباس أنَّ أهل كل بلد يصومون حتى يروه، أو يكملوا العدة، وقد تقدم عنه – ﷺ – أنه قصد رؤية بعض الأمة في الجملة؛ لأنَّ الخطاب لهم وهذا عمل برؤية قوم في غير مصره. اهـ
وقد أجاب بهذا الجواب أيضًا ابن دقيق العيد، والشوكاني في «النيل»، وصديق ابن حسن في «الروضة الندية».
الثاني: قال الإمام الألباني -رحمه الله- في «تمام المنة»: إنَّ حديثَ ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده، ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا العدة ثلاثين، أو يروا الهلال. اهـ
وقد سبق شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى الإشارة إلى مثل هذا الجواب كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٩).
الثالث: أنَّ هذه شهادة من كُريب، وهو واحدٌ، وقد أمرهم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن يُفطروا بشهادة اثنين، ولو عملوا بخبره لأفطروا بشهادة واحد، كذا أجاب شيخ الإسلام -رحمه الله- في «شرح العمدة»، وأشار إلى هذا الجواب الإمام النووي في «شرح مسلم»، والله أعلم.
ومما يبين أنَّ الحديث ليس فيه وجهٌ لما استدلوا به أنَّ مطلع الشام، والمدينة النبوية لا يختلف، بل هو مطلع واحد، والله أعلم. [انظر: «المجموع» (٦/ ٢٧٣ – ٢٧٤)، «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٧٠ – ١٧٥)، «المغني» (٤/ ٣٢٨)، «المفهم» (٣/ ١٤٢)، «الفتح» (١٩٠٦)، «شرح مسلم» (٧/ ١٩٧)، «نيل الأوطار» (١٦٣٦)، «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٣ -)، «الروضة الندية» (١/ ٢٢٤ -)، «تمام المنة» (ص ٣٩٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣٢٠ – ٣٢٣)، «توضيح الأحكام» (٣/ ١٤٠ -)].
(المسألة السادسة): رؤية الهلال بالنهار.
أما إذا كانت الرؤية بعد الزوال؛ فقد نقل ابن حزمٍ الإجماع على أنه لا يجب الصوم إلا من الغد، وأما قبل الزوال؛ ففيه مذاهب:
الأول: أنه للَّيلة الماضية، وهو قول الثوري، وأبي يوسف، وسليمان بن ربيعة، وابن حبيب الأندلسي، ورواية عن عمر بن عبد العزيز، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم.
قالوا: فإن كانت الرؤية في أول الشهر؛ أمسكوا وقضوا، وإن كانت آخر الشهر؛ أفطروا وعيدوا؛ لأنَّ وقت العيد باقٍ؛ إلا أنَّ ابن حزم لم يذكر القضاء.
وقد استدلوا على ذلك بما رواه عبد الرزاق (٤/ ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢١٣)، من طريق: إبراهيم النخعي، أنَّ عمر بن الخطاب كتب إلى عتبة بن فرقد: (إذا رأيتم الهلال في آخر النهار؛ فأتموا صومكم؛ فإنه لِلَّيْلَةِ المقبلة، وإذا رأيتموه في أول النهار؛ فأفطروا؛ فإنه لليلة الماضية) يعني هلال شوال.
الثاني: كالمذهب الأول؛ إلا أن الهلال في آخر الشهر للمقبلة احتياطًا للصوم، وهي رواية عن أحمد نقلها الأثرم، والميموني.
الثالث: أنه لِلَّيْلَةِ المقبلة، وهو رواية عن أحمد اختارها الخِرَقِي، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، والليث، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن، ورواية عن عمر بن عبد العزيز، ورجَّحه ابن عبد البر، ونقله عن أكثر العلماء، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ثم الإمام ابن عثيمين -رحمه الله-.
واستدلوا على ذلك بما أخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٦٢ – ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٧)، والدارقطني (٢/ ١٦٨ – ١٦٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٣)، بأسانيد صحيحة عن أبي وائل، قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بخانقين، أنَّ الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال فلا تفطروا حتى تمسوا؛ إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشيًّا.
وقد ثبت ذلك عن عثمان -رضي الله عنه-، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥).
وجاء ذلك أيضًا عن ابن مسعود، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٦)، من طريق: القاسم بن عبد الرحمن عنه، أنه قال: إذا رأيتم الهلال نهارًا؛ فلا تفطروا؛ فإنَّ مجراه في السماء، لعله أن يكون قد أهل ساعتئذٍ. وإسناده ضعيفٌ بسبب انقطاعه بين القاسم، وابن مسعود.
وقد جاء ذلك أيضًا عن ابن عمر، أخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٦٦) بإسناد صحيح عنه.
وجاء عن أنس بن مالك، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥) بإسناد صحيح عنه أيضًا.
قالوا: والتفريق بين رؤيته قبل الزوال وبعد الزوال لا يستند إلى كتاب ولا سنة، وهذا القول هو الراجح؛ للاحتمال الذي ذُكِرَ في أثر ابن مسعود المتقدم.
وأما أثر عمر المتقدم الذي استدل به أهل القول الأول؛ فهو منقطع؛ لأنَّ إبراهيم النخعي لم يدرك عمر.
قال البيهقي -رحمه الله-: هكذا رواه إبراهيم النخعي منقطعًا، وحديث أبي وائل أصح. اهـ. [انظر: «شرح كتاب الصيام من العمدة» (١/ ١٦١ – ١٧٠)، «التمهيد» (٧/ ١٧٧ – ١٧٨)، «الفتح» (١٩٠٦)، «الروضة» (١/ ٢٢٤)، «المجموع» (٦/ ٢٧٢ – ٢٧٣)، «المحلَّى» (٧٥٨)، «الشرح الممتع» (٦/ ٣١٩)، «السنن الكبرى» (٤/ ٢١٣)].
(المسألة السابعة): إذا أصبح الرجل مُفطرًا يعتقد أنه من شعبان، ثم قامت البينة أنَّ اليوم من رمضان، وأنَّ الهلال قد أهل بالأمس؟
- في هذه المسألة أقوال:
القول الأول: أنه لا يصوم، وليس عليه القضاء، وهو قول داود، والظاهرية؛ إلا ابن حزم؛ لأنه لم يدرك زمن صوم ذلك اليوم من أوله.
القول الثاني: أنه يأكل بقية يومه، ثم يقضيه، وهذا القول مَرْوِيٌّ عن عطاء.
القول الثالث: أنه يمسك فيه عما يمسك الصائم، ولا يُجزِئه وعليه قضاؤه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والجمهور؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا.
القول الرابع: أنه يمسك ولا يُجزِئه، وعليه قضاؤه إنْ أكل، أو علم بعد الزوال، أكلَ أو لم يأكل، وهو قول أبي حنيفة.
القول الخامس: أنه يصوم يومه، ويُجزئه، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني، واستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ، وغيرهما من الصحابة في صيام يوم عاشوراء، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من أصبح صائمًا؛ فلْيُتِمَّ صومه، ومن أصبح مفطرًا؛ فليتم بقية يومه». [أخرجهما البخاري برقم (١٩٢٤) (١٩٦٠)، ومسلم برقم (١١٣٥) (١١٣٦)].
وهذا القول هو الصحيح، وهو ظاهر ترجيح صديق بن حسن في «الروضة الندية».
قال ابن حزم -رحمه الله- -رادًّا على الجمهور-: ولا يخلو هذا الإمساك الذي أمروه به من أن يكون صومًا يجزئه، وهم لا يقولون بهذا، أو لا يكون صومًا ولا يجزئه، فمن أين وقع لهم أن يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه، ولا يجزئه؟ وأيضًا: فإنه لا يخلو من أن يكون مفطرًا أو صائمًا؛ فإن كان صائمًا فَلِمَ يقضيه إذن؟ فيصوم يومين وليس عليه إلا واحد، وإن كان مفطرًا فَلِمَ أمروه بعمل الصوم؟ وهذا عجب جدًّا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. اهـ. [انظر: «المغني» (٤/ ٣٨٧)، «المجموع» (٦/ ٢٧١)، «المحلَّى» (٧٢٩)، «الإنصاف» (٣/ ٢٥٤)].
(المسألة الثامنة): إذا لم يعلم بالرؤية إلا بعد غروب الشمس؟
- ذهب جمهور العلماء إلى أنه يلزمه القضاء؛ لأنه مأمور بصيام شهر رمضان كاملًا.
- وذهب الظاهرية، وابن حزم، وشيخ الإسلام إلى أنه لا قضاء عليه؛ لأنه لم يعلم بوجوب الصوم إلا بعد خروج وقته.
قال ابن حزم -رحمه الله-: وأما من لم يعلم بوجوب صوم ذلك اليوم عليه إلا بعد غروب الشمس؛ فإنه لم يصمه كما أمر، ولأنه لم يَنْوِ في شيء منه صومًا، ولم يتعمد ترك النية؛ فلا إثم عليه فيما لم يتعمد ولا قضاء عليه؛ لأنه لم يأت بإيجاب القضاء عليه نص ولا إجماع، ولا يجب في الدين حكم إلا بأحدهما، وإنما أمر بصيام ذلك اليوم لا بصوم غيره مكانه؛ فلا يجزئ ما لم يؤمر به مكان ما أمر به. اهـ
والقول الأول أحوط، والله أعلم. [انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٦)، «المحلَّى» (٧٢٩)].
(المسألة التاسعة): إذا أصبح الناس صيامًا في ثلاثين من رمضان، ثم جاءهم الخبر بأنَّ الهلال قد استهل ليلا؟
قال ابن عبد البر -رحمه الله- في «التمهيد» (٧/ ١٦١): وأجمع العلماء على أنه إذا ثبت أن الهلال من شوال رُئِيَ بموضع استهلاله ليلًا، وكان ثبوت ذلك، وقد مضى من النهار بعضه، أنَّ الناس يفطرون ساعة جاءهم الخبر الثبت في ذلك؛
فإن كان قبل الزوال صلوا العيد بإجماع من العلماء وأفطروا، وإن كان بعد الزوال فاختلف العلماء في صلاة العيد حينئذ. اهـ
وقد تقدم الخلاف في صلاة العيد في باب صلاة العيد، فراجعه، والله المستعان. [فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط، (4/ 243 – 259)، بتصرف يسير جدا].
والرابع: فوائد الحديث:
١ – (منها): بيان أن وجوب الصوم متعلّق برؤية الهلال.
٢ – (ومنها): أنه يفيد أنه لا يلزم الصوم، ولا يثبت كون اليوم من رمضان بغير رؤية؛ لا بتقديرٍ تحت السحاب في الغيم، ولا برجوع إلى حساب.
واختُلف في جواز صومه عن رمضان، ومقتضى الحديث منع ذلك؛ لأنه صوم قبل الرؤية، وهو مذهب الشافعيّ وغيره، وقالوا: لا ينعقد صومه، ولا يجزيه إن ظهر أنه من رمضان، واقتصر الحنفيّة على الكراهة، وقالوا: إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه، وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعًا. أفاده وليّ الدين رحمه الله.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي؛ لظاهر قوله – ﷺ -: «لا تصوموا حتى تروه»؛ إذ النهي يقتضي الفساد، والفاسد لا يكون مُسقطًا لفرض رمضان، وكذلك لا ينعقد تطوعًا؛ إلا لمن كان عادته أن يصوم ذلك اليوم، فيجوز؛ لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، مرفوعًا: «ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين؛ إلا رجل كان يصوم صيامًا، فليصمه»، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، والله تعالى أعلم.
٣ – (ومنها): أن مقتضى الحديث أيضًا منع صومه عن غير رمضان، واختُلف في ذلك أيضًا، فجوّزت المالكية، والشافعية صومه عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو تطوّعًا إذا وافق وِرْده،
واختلفوا في جواز التطوع بصومه بلا سبب، فمنعه الشافعية، وقالوا بتحريمه، فإن صامه فالأصحّ عندهم بطلانه، والمشهور عند المالكية جوازه، وقال محمد بن مسلمة بكراهته. وكره الحنفيّة صومه عن واجب آخر، ولم يكرهوا التطوّع بصومه.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي الصواب عدم مشروعية صومه مطلقًا، قضاءً، أو غير ذلك، إلا من وافق وِرْده، فإنه يصحّ أن يصومه؛ لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – المتقدم، والله تعالى أعلم.
قال وليّ الدين رحمه الله: ثم إن ذلك كله مفروض في يوم الشكّ، لا في مطلق الثلاثين من شعبان. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: ويوم الشكّ يوم الثلاثين من شعبان إذا تُحُدِّث برؤيته، أو شهد بها من لا تثبت بقوله، فإن لم يَتَحدّث برؤيته أحد فليس يوم شكّ، ولو كانت السماء مغيمة، وقال المالكيّة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة. انتهى [«طرح التثريب» ٤/ ١١٤].
٤ – (ومنها): بيان أن النهي عن صوم يوم الشكّ؛ لعدم رؤية الهلال، وقد أخرج أبو داود والترمذيّ، والنسائىّ، وصحّحه ابن خزيمة عن عمّار بن ياسر – رضي الله عنهما – قال: «من صام يوم الشكّ، فقد عَصَى أبا القاسم – ﷺ -».
٥ – (ومنها): أن قوله: «حتى تروا الهلال» فيه إيجاب الصوم حين الرؤية متى وُجِدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فَرَّق بين ما قبل الزوال وبعده، وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقًا، قاله في «الفتح» [«الفتح» ٥/ ٢٤١].
٦ – (ومنها): أن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، فيدخل فيه صورة الغيم، وغيرها، قال في «الفتح»: ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة -يعني قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال»- لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة، وهو قوله: «فإن غُمّ عليكم، فاقدروا له»، فاحتَمَلَ أن يكون المراد التفرقةَ بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويَحْتَمِل أن لا تفرقةَ، ويكون الثاني مؤكِّدًا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المراد بقوله: «فاقدروا له»: أي انظروا في أول الشهر، واحسُبُوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الرواياتُ الأُخَرُ المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله: «فأكملوا العدة ثلاثين»، ونحوها، وأولى ما فُسِّر الحديث بالحديث. انتهى [«الفتح» ٥/ ٢٤١].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، كما رجحه الحافظ رحمه الله.
٧ – (ومنها): أنه يدلّ على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان، وعلى وجوب الإفطار عليه أيضًا برؤية هلال شوّال، وإن لم يثبت ذلك بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في هلال رمضان،
واختلفوا في الإفطار برؤية شوّال وحده، فقال الثلاثة: لا يفطر، بل يستمرّ صائمًا؛ احتياطًا للصوم، وقال الشافعيّ: يلزمه الفطر، ولكن يخفيه؛ لئلا يُتّهم، وهو مقتضى قوله: «ولا تفطروا حتى تروه»، وذهب عطاء بن أبي رباح، وإسحاق ابن راهويه إلى أنه لا يصوم برؤيته وحده، وعن أحمد أنه لا يصوم إلا في جماعة الناس، وروي نحوه عن الحسن، وابن سيرين، قاله وليّ الدين رحمه الله [انظر: «طرح التثريب» ٤/ ١١٧].
وقال القرطبيّ رحمه الله عند قوله: «صوموا لرؤيته إلخ» ما نصّه: يقتضي لزوم حكم الصوم والفطر لمن صحّت له الرؤية، سواء شُورك في رؤيته، أو انفرد بها، وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء، وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، وهذا الحديث ردّ عليهما. انتهى [«المفهم» ٣/ ١٣٨ – ١٣٩].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور، من وجوب الصوم والإفطار على من رأى الهلال وحده هو الحقّ؛ لصريح قوله – ﷺ -: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا»، وقد تحقّقت رؤيته، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٨ – (ومنها): أن الحديث يتناول رؤية الهلال ليلًا ونهارًا، لكنه إذا رئي نهارًا فهو للّيلة المستقبلة، فإن كان ذلك يوم الثلاثين من شعبان لم يصوموا، وإن كان يوم الثلاثين من رمضان لم يفطروا، وسواء كان ذلك قبل الزوال، أو بعده، هذا هو المشهور في المذاهب الأربعة، وحُكي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأوزاعيّ، والليث بن سعد، وإسحاق ابن راهويه،
وذهب سفيان الثوريّ، وأبو يوسف، وبعض المالكيّة إلى أنه إن رئي قبل الزوال فهو للّيلة الماضية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، قاله وليّ الدين رحمه الله [المصدر السابق].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: القول الأول الذي عليه الجمهور هو الأقرب عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج].