[1ج/ رقم (627)] فتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع أحمد بن علي ومحمد بنياد وطارق أبوشديد وعمر الشبلي وعدنان البلوشي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله الديني
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الصحيح المسند
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (627)]:
قال الحاكم رحمه الله (ج ١ ص ٨٩): حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة بن بكار القاضي بمصر، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه، قال: كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل يمت إليه برحم بعيدة، فقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة».
هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه واحد منهما، وإسحاق بن سعيد هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص، قد احتج البخاري بأكثر رواياته عن أبيه.
هذا حديث صحيحٌ، وليس على شرط البخاري كما قال الحاكم؛ لأن أبا داود الطيالسي ليس من رجال البخاري في «الصحيح»، فهو على شرط مسلم.
وبكار بن قتيبة مترجم له في «سير أعلام النبلاء» (ج ١٢ ص ٥٩٩) أثنى عليه الإمام الذهبي خيرًا، وبقية السند معروفون، حتى شيخ الحاكم فهو الأصم حافظ جليل القدر.
والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي رحمه الله في «المسند» (ص ٣٦٠) فقال: حدثنا إسحاق بن سعيد به.
* وأخرجه الإمام البخاري في «الأدب المفرد» (ص ٣٩) فقال رحمه الله: حدثنا أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا إسحاق بن سعيد بن عمرو، أنه سمع أباه يحدث، عن ابن عباس، أنه قال: احفظوا أنسابكم تصلوا أرحامكم. فذكره موقوفًا.
فالظاهر أن الحديث روي عن ابن عباس على الوجهين؛ إذ أحمد بن يعقوب وهو المسعودي وسليمان بن داود وهو الطيالسي، كلاهما ثقة.
والطيالسي أرجح؛ إذ قال الحافظ في «التقريب»: ثقة حافظ غلط في أحاديث.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥) في المستدرك على الصحيحين، (٧٢٨٣).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١ – كتاب العلم، ٢٨ – تعلم الأنساب، (٥٥).
٣٢ – كتاب الأدب، ١٦ – الدعوة إلى صلة الرحم، (٣٥٠٩).
٣٢ – كتاب الأدب، ١١٠ – تعلم الأنساب، (٣٧٢٦).
33- كتاب التفسير، سورة النساء، ٩٦ – قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)}، (٣٩٧٧).
والثاني: شرح وبيان الحديث:
نظَّمَ الإسلامُ العَلاقاتِ بيْن الأرحامِ، واهتَمَّ اهتمامًا بالغًا بِصِلَةِ الأرحامِ، وأسَّسَ قواعدَ الرَّحمةِ والمودَّةِ في هذه العَلاقاتِ؛ حتى لا يُفسِدَها شَيءٌ.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ((اعْرِفوا أنْسابَكم))، وهذا أمْرٌ بمَعرفةِ الأنسابِ، وهي القَراباتُ، أي: تعرَّفوها وابْحَثوا عنها؛ ((فإنَّه لا قُرْبَ بالرَّحِمِ إذا قُطِعَتْ وإنْ كانتْ قَريبةً، ولا بُعْدَ بها إذا وُصِلتْ وإنْ كانتْ بَعيدةً))، والمعنى: أنَّ قَطْعَ الأرحامِ يُوجِبُ النُّكرانَ والتنافُرَ بيْن الأقاربِ، وأنَّ الدرجةَ النَّسَبيةَ أقرَبُ مِن غيرِها، وعلى العكسِ؛ فإنَّ الإحسانَ وصِلَةَ الرَّحمِ يُوجِبانِ العِرْفانَ والقُرْبَ بيْن الأقاربِ وإنْ كانوا في الدَّرجةِ النَّسَبيةِ أبعدَ مِن غيرِهم، ويُحتمَلُ أنَّ المرادَ في القُربِ والبُعدِ المسافةُ والمكانُ. [الدرر].
قال الصنعاني:
قوله: (اعرفوا أنسابكم) جمع نسب في القاموس: النسب (٤) محركة والنسبة بالضم والكسر القرابة أو في الآباء خاصةً (تصلوا أرحامكم) تقدم الكلام في ذلك، قال في القاموس: الرحم القرابة أصلها أو أسبابها وفسر القرابة بالعشيرة وقال: عشيرة الرجل بنوا أبيه الأدنون وفسر العشيرة ببني أبيه الأدنون وفسر الدناوة بالقرابة وقال: يقال هو ابن عمي أو ابن خالي أو عمتي أو خالتي أو أخي أو أختي دينًا ودنيًا هذا كلامه، فالرحم هم بنو الأب الأقربون لكنه جعل ابن العم وابن الخال من الأدنون وليسوا من بني الأب فهذا بأصلها وأسبابها النسب فأصل الإنسان أصوله من الآباء والأمهات إلا أنه لا ينفي رتبة يشار إليها معينة ولا يدخل الأبناء إلا أن يجعل أو في أو أسبابها بمعنى الواو كما أنه لا يدخل الآباء في بني الأب الأقربين إلا أن يراد بالأب معناه الأعم من الحقيقي والمجازي لكنه يرد أنه لا رتبة عليًا ولا دنيا يشار إليها يكون مبدأ ومنها وقد فسرت القرابة في آية: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] بالحسنين وأبيهما [١/ ٣٣٢] وأمهما عليهم السلام إلا أن هذه خاصة شرعية بقصر بعض القرابة على من ذكر لا إبقاء اللفظ على معناه اللغوي كما فسر الآل من حرمت عليهم الصدقة من آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل ولم يجعل منهم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ولا أخوه نوفل بن الحارث مع أنهما في رتبة ابني عمهما علي وجعفر فهذه فضيلة خاصة لا تفسير للفظ اللغوي وفي النهاية (١) في تفسير: من ملك ذا رحم محرم، أن ذا الرحم الأقارب وتقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب انتهى.
وتقدم حديث: «استوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم رحمًا» (٢) وفسرت بأم إسماعيل -عليه السلام- فإنها أم العرب، وهذه رحامة في غاية البعد قد لاحظها الشارع وأثبت لها حقًا إن قيل: فما الذي يتلخص من ذلك؟ قيل: الأقرب أنه أمر نسبي في مبتدأه ومنتهاه لا بحقيقي وأن من عرف الإنسان أن بينه وبينه اتصالا من أي الجهتين فله حق يجب عليه رعايته لو لم يكن إلا أن يصاحبه في الدنيا معروفًا والحق مختلف فمثل الأب والأم والولد ونحوهم لهم حقوق خاصة قد أمر بها الشارع وخصصهم بها وغيرهم ممن بعد وقرب وعرف اتصال أنسابهم بنسبه اتصالًا يعرفه الناس ويعدونه قريبًا ونسيبًا فله حق عليهم أيضًا لكن لا كحق الأقرب ولا كحق عامة المسلمين بعضهم على بعض بل حق له خصوصية ومراعاة واعتبار زائد نظيره أن الله تعالى وصى في الجار غاية التوصية وجعل مقدار الجوار أربعين دارًا وأثبت للأَقرب دارا حقا زائدًا على حق الأبعد من إجابة دعوته إن اتفقت دعوتان من جارين والإهداء إليه ونحوه فهذا ما يليق في هذا البحث ذكره، والمسلمة جديرة بإفراد التكلم عليها (فإنه لأقرب للرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة) تعليل بأن العبرة بالقرب لتوصل فإذا فات ذلك فأي فائدة في قربها فنفاه لنفي لازمه كما نفى البعد في قوله (ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة) فالوصل قربها.
التنوير شرح الجامع الصغير
— الصنعاني ٤٧١/٢- ٤٧٣
– ضابط الرحم.
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٥٩٨٢): بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْحَاء الْمُهْمَلَة، يُطْلَق عَلَى الْأَقَارِب، وَهُمْ مَنْ بَيْنه وَبَيْن الْآخَر نَسَب، سَوَاء كَانَ يَرِثهُ أَمْ لَا، سَوَاء كَانَ ذَا مَحْرَم أَمْ لَا. وَقِيلَ: هُمْ الْمَحَارِم فَقَطْ. وَالْأَوَّل هُوَ الْمُرَجَّح؛ لِأَنَّ الثَّانِي يَسْتَلْزِم خُرُوج أَوْلَاد الْأَعْمَام وَأَوْلَاد الْأَخْوَال مِنْ ذَوِي الْأَرْحَام، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. اهـ
قلتُ: ويؤيد ما رجحه الحافظ ما أخرجه مسلم (٢٠٤)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] دعا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قريشًا، فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أنَّ لكم رحمًا سأبلها ببلالها»، وأصله في «البخاري» (٤٧٧١).
وفي «مستدرك الحاكم» (١/ ٨٩)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا بُعْدَ لنسب إذا وُصِلَت وإن كانت بعيدة، ولا قُرْبَ لها إذا قُطِعت وإن كانت قريبة»، وهو في «الصحيح المسند» (٦٢٧) لشيخنا الوادعي -رحمه الله-.
– بماذا تحصل الصلة والقطيعة؟
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٥٩٨٩): قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّحِم الَّتِي تُوصَل عَامَّة وَخَاصَّة، فَالْعَامَّة رَحِم الدِّين، وَتَجِب مُوَاصَلَتهَا بِالتَّوَادُدِ، وَالتَّنَاصُح، وَالْعَدْل، وَالْإِنْصَاف، وَالْقِيَام بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَة وَالْمُسْتَحَبَّة، وَأَمَّا الرَّحِم الْخَاصَّة فَتَزِيد لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيب، وَتَفَقُّد أَحْوَالهمْ، وَالتَّغَافُل عَنْ زَلَّاتهمْ، وَتَتَفَاوَت مَرَاتِب اِسْتِحْقَاقهمْ فِي ذَلِكَ. اهـ
قلتُ: ويدل على ذلك حديث جابر في «صحيح مسلم» (٩٩٧)، مرفوعًا: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها؛ فإن فضل شيء فلأهلك؛ فإن فضل شيءٌ فلِذي قرابتك»، وكذلك حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه المتقدم في (النفقات)، وفيه: «ثم أدناك أدناك قال الحافظ -رحمه الله-: وَقَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة: تَكُون صِلَة الرَّحِم بِالْمَالِ، وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَة، وَبِدَفْعِ الضَّرَر، وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْه، وَبِالدُّعَاءِ. وَالْمَعْنَى الْجَامِع إِيصَال مَا أَمْكَنَ مِنْ الْخَيْر، وَدَفْع مَا أَمْكَن مِنْ الشَّرّ بِحَسَبِ الطَّاقَة، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرّ إِذَا كَانَ أَهْل الرَّحِم أَهْل اِسْتِقَامَة؛ فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتهمْ فِي الله هِيَ صِلَتهمْ، بِشَرْطِ بَذْل الْجَهْد فِي وَعْظهمْ، ثُمَّ إِعْلَامهمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفهمْ عَنْ الْحَقّ، وَلَا يَسْقُط مَعَ ذَلِكَ صِلَتهمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْب أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيق الْمُثْلَى. اهـ
قال النووي -رحمه الله- (١٦/ ١١٣): قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَلَا خِلَاف أَنَّ صِلَة الرَّحِم وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة، وَقَطِيعَتهَا مَعْصِيَة كَبِيرَة. قَالَ: وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب تَشْهَد لِهَذَا، وَلَكِنَّ الصِّلَة دَرَجَات بَعْضهَا أَرْفَع مِنْ بَعْض، وَأَدْنَاهَا تَرْك المُهَاجَرَة، وَصِلَتهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ، وَيَخْتَلِف ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَة وَالْحَاجَة، فَمِنْهَا وَاجِب، وَمِنْهَا مُسْتَحَبّ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْض الصِّلَة ولَمْ يَصِل غَايَتهَا لَا يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِر عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا. اهـ
قال المناوي -رحمه الله- في «فيض القدير» (٩٩٦٢):
وقد ورد الحث فيما لا يُحصى من الأخبار على صلة الرحم، ولم يرد لها ضابط؛ فالمعول على العرف، ويختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، والأزمنة، والواجب منها ما يعد به في العرف واصلًا، وما زاد تفضل ومكرمة. انتهى المراد.
قال أبو عبد الله غفر الله لهُ: الذي يظهر أنَّ القطيعة تحصل بترك ما هو واجبٌ عليه فيهم بدون عذر، والله أعلم.
فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط ٤ ٥٣١/١٠ – ٥٣٥
– محمد بن علي بن حزام البعداني
——-
١٢٩ – باب صلة الأرحام
قال المروذي: أدخلت على أبي عبد اللَّه رجلًا قدم من الثغر، فقال: لي قرابة بالمراغة، فترى لي أن ارجع إلى الثغر، أو ترى أن أذهب، فأسلم على قرابتي، وإنما جئت قاصدًا لأسألك؟
فقال له أبو عبد اللَّه: قد روي: «صلوا أرحامكم ولو بالسلام» (١)، استخر اللَّه، واذهب فسلم عليهم.
«الآداب الشرعية» ١/ ٤٧٧
قال مثنى بن جامع: قلت لأبي عبد اللَّه: الرجل يكون له القرابة من النساء، فلا يقومون بين يديه، فأيش يجب عليه من برهم؟ وفي كم ينبغي أن يأتيهم؟ قال: اللطف والسلام.
وقال الفضل بن عبد الصمد لأبي عبد اللَّه: رجل له إخوة وأخوات بأرض غصب، ترى أن يزورهم؟
قال: نعم، ويزورهم ويراودهم على الخروج منها، فإن أجابوا إلى ذلك وإلا لم يقم معهم، ولا يدع زيارتهم.
«الآداب الشرعية» ١/ ٤٧٨
تنبيه : حديث «صلوا أرحامكم ولو بالسلام» روى البزار كما في «كشف الأستار» (١٨٧٧) عن ابن عباس مرفوعًا «بلُّوا أرحامكم ولو بالسلام». قال الهيثمي ٨/ ١٥٢، فيه يزيد بن عبد اللَّه بن البراء الغنوي وهو ضعيف. وروى الطبراني كما في «المجمع» ٨/ ١٥٢ عن أبي الطفيل مرفوعًا: «صلوا أرحامكم بالسلام» قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه راو لم يسم.
وروى ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣٤٨ عن ابن عمر مرفوعًا، ترجمة محمد بن عبد الملك الأنصاري. وروى البيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٢٢٦ (٧٩٧٢) عن سويد بن عامر مرفوعًا كحديث ابن عباس، لكنه مرسل.
قال: ومعناه: صلوا أرحامكم فكأنه جعل وصل الرحم كتسكين الحرارة بالماء، قاله الحليمي حكاية عن غيره.
وروى بعده عن أنس بن مالك مثله. وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٧٧).
الجامع لعلوم الإمام أحمد – الأدب والزهد ١٢٤/٢٠
——–
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): صلة الرحل والنسب:
(المطلب الأول): أهمية صلة الأرحام وفضلها والتحذير من قطعها:
أمرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بصِلةِ الأرحامِ، فقال الله تعالى ذِكرُه وجَلَّت عَظَمَتُه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )[النساء: 1] (يَعني: اخشَوا اللَّهَ الذي تَساءَلونَ به الحاجاتِ. وَالْأَرْحَامَ يَعني: اتَّقوا الأرحامَ؛ فصِلوها ولا تَقطَعوها)[ ((تنبيه الغافلين)) للسمرقندي (ص: 136)].
وقال تعالى: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى )[النساء: 36] ، وقال عَزَّ وجَلَّ:( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )[النحل: 90] ، وقال سُبحانَه:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا )[الإسراء: 26] ، وقال عزَّ مِن قائلٍ: ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الروم: 38] .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليُكرِمْ ضَيفَه، ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَصِلْ رَحِمَه، ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خيرًا أو ليَصمُتْ)) أخرجه البخاري (6138) واللفظ له، ومسلم (47).
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((الرَّحِمُ مُعَلَّقةٌ بالعَرشِ تَقولُ: مَن وصَلني وصلَه اللَّهُ، ومَن قَطَعَني قَطَعَه اللهُ )) [أخرجه البخاري (5989)، ومسلم (2555) واللفظ له].
وقال عَمرُو بنُ عَبَسةَ السُّلَميُّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((كُنتُ وأنا في الجاهليَّةِ أظُنُّ أنَّ النَّاسَ على ضَلالةٍ، وأنَّهم ليسوا على شيءٍ وهم يَعبُدونَ الأوثانَ، فسَمِعتُ برَجُلٍ بمَكَّةَ يُخبرُ أخبارًا، فقَعَدتُ على راحِلتي، فقَدِمتُ عليه، فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُستَخفيًا جُرَءاءُ عليه قَومُه، فتَلطَّفتُ حتَّى دَخَلتُ عليه بمَكَّةَ، فقُلتُ له: ما أنتَ؟ قال: أنا نَبيٌّ، فقُلتُ: وما نَبيٌّ؟ قال: أرسَلَني اللهُ، فقَلتُ: وبأيِّ شيءٍ أرسَلك؟ قال: أرسَلني بصِلةِ الأرحامِ، وكَسرِ الأوثانِ، وأن يوحَّدَ اللَّهُ لا يُشرَكُ به شيءٌ )) [أخرجه مسلم (832)].
ولمَّا سَأل النَّجاشيُّ مُهاجِري الحَبَشةِ: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكُم، ولم تَدخُلوا في ديني ولا في دينِ أحَدٍ مِن هذه الأمَمِ؟ قال جَعفَرُ بنُ أبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أيُّها المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهليَّةٍ نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيتةَ، ونَأتي الفواحِشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلك حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إلينا رَسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَه، وصِدقَه، وأمانَتَه، وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لنوحِّدَه ونَعبُدَه، ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نَحنُ وآباؤُنا مِن دونِه مِنَ الحِجارةِ والأوثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحَديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَّحِمِ، وحُسنِ الجِوارِ، والكَفِّ عَنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عَنِ الفواحِشِ، وقَولِ الزُّورِ، وأكلِ مالِ اليَتيمِ، وقَذْفِ المُحصَنةِ، وأمَرَنا أن نَعبُدَ اللَّهَ وحدَه، ولا نُشرِكَ به شَيئًا، وأمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ )) [أخرجه أحمد (1740) واللفظ له، وابن خزيمة (2260)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/115) من حديثِ أمِّ سَلَمةَ أمِّ المؤمِنينَ رَضِيَ اللهُ عنها. حَسَّنه الوادعي في ((صحيح دلائل النبوة)) (96)، وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (3/180)، والألباني في ((فقه السيرة)) (115)].
ولمَّا سَأل هِرَقلُ أبا سُفيانَ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال له: ماذا يَأمُرُكُم؟ قال أبو سُفيانَ: ((يَقولُ: اعبُدوا اللَّهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يَقولُ آباؤُكُم، ويَأمُرُنا بالصَّلاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ ) [أخرجه البخاري (7). وفي رِوايةٍ: ((ويَأمُرُنا بالصَّلاةِ والصَّدَقةِ والعَفافِ والوفاءِ بالعَهدِ وأداءِ الأمانةِ)). أخرجها البخاري (2941)].
وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((تُرسَلُ الأمانةُ والرَّحِمُ، فتَقومانِ جَنَبَتيِ الصِّراطِ يَمينًا وشِمالًا)) [أخرجه مسلم (195) مِن حَديثِ أبي هُرَيرةَ وحُذيفةَ بنِ اليَمانِ رَضِيَ اللهُ عنهما].
وقد ورد في فضلِ صِلةِ الرَّحِمِ والتحذيرِ مِن قَطعِها نصوصٌ كثيرةٌ مِن الكتابِ والسنَّةِ والآثارِ:
أ- مِنَ الكِتابِ:
1- قال تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ * وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )[الرعد: 19 – 25] .
2- قال تعالى:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ )[محمد: 22، 23].
3- قال تعالى: ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )[البقرة: 26-27].
ب- مِنَ السُّنَّةِ:
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللَّهَ خَلقَ الخَلقَ، حتَّى إذا فرَغَ مِنهم قامَتِ الرَّحِمُ، فقالت: هذا مَقامُ العائِذِ مِنَ القَطيعةِ ، قال: نَعَم، أما تَرضينَ أن أصِلَ مَن وصَلكِ، وأقطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قالت: بَلى، قال: فذاك لك. ثُمَّ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اقرَؤُوا إن شِئتُم: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: 22 – 24] [أخرجه البخاري (4830)، ومسلم (2554) واللفظ له].
2- عن أبي سَلمةَ، قال: اشتَكى أبو الرَّدَّادِ فعادَه عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، فقال: خيرُهم وأوصَلُهم ما عَلِمتُ أبا مُحَمَّدٍ! فقال عَبدُ الرَّحمَنِ رَضِيَ اللهُ عنه: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((قال اللهُ: أنا اللهُ، وأنا الرَّحمَنُ، خَلقتُ الرَّحِمَ وشَقَقتُ لها مِنِ اسمي؛ فمَن وَصَلها وصَلتُه، ومَن قَطَعَها بَتَتُّه )) [أخرجه أبو داود (4876) مختصرًا، وأحمد (1651) واللفظ له. صحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4876)، والوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (435)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (3/118)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (1651)، وجوده ابن باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (500)].
3- عن سَعيد بن زيد رَضِيَ اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((مِن أربى الرِّبا استِطالةُ المَرءِ في عِرْضِ المُسلِمِ بغَيرِ حَقٍّ، وإنَّ هذه الرَّحِمَ شِجنةٌ مِن الرَّحمنِ، فمَن قَطَعَها حَرَّمَ اللهُ عليه الجنَّةَ )) [أخرجه أبو داود (4876) مختصرًا، وأحمد (1651) واللفظ له. صحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (4876)، والوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (435)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (3/118)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (1651)، وجوده ابن باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (500)].
4- عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((مَن أحَبَّ أن يُبسَطَ له في رِزقِه، ويُنسَأَ له في أثَرِه فليَصِلْ رَحِمَه)) [أخرجه البخاري (5986)].
5- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((مَن سَرَّه أن يُبسَطَ له في رِزقِه، وأن يُنسَأَ له في أثَرِه، فليَصِلْ رَحِمَه )) [أخرجه البخاري (5985)].
6- عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لها: ((إنَّه مَن أُعطيَ حَظَّه مِنَ الرِّفقِ فقَد أُعطيَ حَظَّه مِن خيرِ الدُّنيا والآخِرةِ، وصِلةُ الرَّحِمِ وحُسنُ الخُلُقِ وحُسنُ الجِوارِ يَعمُرانِ الدِّيارَ، ويَزيدانِ في الأعمارِ )) [أخرجه أحمد (25259) واللفظ له، وأبو يعلى (4530)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (7969). صحَّحه الألباني في ((صحيح الجامع)) (3767)، والوادعي في ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (1629)، وصحَّح إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (25259)].
7- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((تَعَلَّموا مِن أنسابِكُم ما تَصِلونَ به أرحامَكُم؛ فإنَّ صِلةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ في الأهلِ، مَثراةٌ في المالِ، مَنسَأةٌ في الأثَرِ )) [أخرجه الترمذي (1979) واللفظ له، وأحمد (8868). صحَّحه ابن الملقن في ((شرح البخاري)) (17/20)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (1979)، وحَسَّن إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (8868)].
قال التِّرمِذيُّ: (مَعنى قَولِه: «مَنسَأةٌ في الأثَرِ» يَعني زيادةً في العُمُرِ) [((سنن الترمذي)) (4/ 351)].
8- عن عائِشةَ أمِّ المُؤمِنينَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالت: ((أوَّلُ ما بُدِئَ به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الوَحيِ الرُّؤيا الصَّالحةُ في النَّومِ، فكان لا يَرى رُؤيا إلَّا جاءَت مِثلَ فَلَقِ الصُّبحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إليه الخَلاءُ، وكان يَخلو بغارِ حِراءٍ فيَتَحَنَّثُ فيه -وهو التَّعَبُّدُ- اللَّياليَ ذَواتِ العَدَدِ قَبل أن يَنزِعَ إلى أهلِه، ويَتَزَوَّدُ لذلك، ثُمَّ يَرجِعُ إلى خَديجةَ فيَتَزَوَّدُ لمِثلِها، حتَّى جاءَه الحَقُّ وهو في غارِ حِراءٍ، فجاءَه المَلَكُ فقال: اقرَأْ… فقال: زَمِّلوني زَمِّلوني! فزَمَّلوه حتَّى ذَهَبَ عَنه الرَّوعُ، فقال لخَديجةَ وأخبَرَها الخَبَرَ: لقَد خَشِيتُ على نَفسي! فقالت خَديجةُ: كَلَّا واللَّهِ ما يُخزيك اللهُ أبَدًا؛ إنَّك لتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المَعدومَ، وتَقرِي الضَّيفُ، وتُعينُ على نَوائِبِ الحَقِّ )) [أخرجه البخاري (3) واللفظ له، ومسلم (160)].
9- عن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((لمَّا قَدِمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ … وكان أوَّلَ شيءٍ تَكلَّمَ به أنْ قال: يا أيُّها النَّاسُ، أفشُوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصَلُّوا والنَّاسُ نيامٌ، تَدخُلونَ الجَنَّةَ بسَلامٍ )) [أخرجه الترمذي (2485) واللفظ له، وابن ماجه (3251)، وأحمد (23784). صحَّحه الترمذي، والحاكم على شرط الشيخين في ((المستدرك)) (4335)، والذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (2/34)، والألباني في ((صحيح سنن ابن ماجهـ)) (1334)].
10- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي إذا رَأيتُك طابَت نَفسي وقَرَّت عيني، فأنبِئْني عن كُلِّ شيءٍ. فقال: كُلُّ شيءٍ خُلِقَ مِن ماءٍ. قُلتُ: أنبِئْني عن أمرٍ إذا أخَذتُ به دَخَلتُ الجَنَّةَ. قال: أفشِ السَّلامَ، وأطعِمِ الطَّعامَ، وصِلِ الأرحامَ، وقُمْ باللَّيلِ والنَّاسُ نيامٌ، ثُمَّ ادخُلِ الجَنَّةَ بسَلامٍ )) [أخرجه أحمد (7932) واللفظ له، وابن حبان (2559)، والحاكم (7484). صحَّح إسناده الحاكم، وابن حجر في ((فتح الباري)) (5/36)، وأحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (15/72)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (7932)]. وقلنا في تعليقنا على المسند أن الحديث يحتمل أنه على شرط المتمم على الذيل على الصحيح المسند
حيث اختلف في أبي ميمون ، هل هو الأبار أم الفارسي
والفارسي موثق ، والبخاري يرى أنهما واحد خلافا للدارقطني الذي يرى ان ابا ميمون هنا المجهول .
11- عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: دُلَّني على عَمَلٍ أعمَلُه يُدنيني مِنَ الجَنَّةِ، ويباعِدُني مِنَ النَّارِ، قال: تَعبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ به شيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتَصِلُ ذا رَحِمِك. فلمَّا أدبَرَ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إن تَمَسَّك بما أُمِر به دَخَل الجَنَّةَ )) [أخرجه البخاري (5983)، ومسلم (13) واللفظ له].
وفي رِوايةٍ: ((أنَّ أعرابيًّا عَرَضَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو في سَفَرٍ، فأخَذَ بخِطامِ ناقَتِه -أو بزِمامِها-، ثُمَّ قال: يا رَسولَ اللهِ -أو يا مُحَمَّدُ- أخبِرْني بما يُقَرِّبُني مِنَ الجَنَّةِ، وما يباعِدُني مِنَ النَّارِ، قال: فكفَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ نَظَرَ في أصحابِه، ثُمَّ قال: لقَد وُفِّقَ، أو لقَد هُدِي، قال: كيف قُلتَ؟ قال: فأعادَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تَعبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ به شيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ. دَعِ النَّاقةَ )) [أخرجها مسلم (13)].
12- عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يَدخُلُ الجَنَّةَ قاطِعُ رَحِمٍ)) [أخرجه البخاري (5984)، ومسلم (2556) واللفظ له].
13- عن أبي بَكرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما مِن ذَنبٍ أجدَرُ أن يُعَجِّلَ اللَّهُ لصاحِبِه العُقوبةَ في الدُّنيا مَعَ ما يَدَّخِرُ له في الآخِرةِ، مِنَ البَغيِ وقَطيعةِ الرَّحِمِ)) [أخرجه أبو داود (4902) باختلاف يسير، والترمذي (2511)، وابن ماجه (4211) واللفظ لهما. صححه ابن حبان في ((صحيحه)) (455)، وابن الملقن في ((ما تمس إليه الحاجة)) (287)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (2511)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (23/231)، وقال الترمذي: حسن صحيح].
ج- مِنَ الآثارِ:
1- عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: (مَنِ اتَّقى رَبَّه، ووصَل رَحِمَه، نُسِئَ في أجَلِه، وثَرى مالُه، وأحَبَّه أهلُه) [أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (58). حَسَّنه الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (43)].
وفي رِوايةٍ: (مَنِ اتَّقى رَبَّه، ووصَل رَحِمَه، أُنسِئَ له في عُمُرِه، وثَرى مالُه، وأحَبَّه أهلُه) [أخرجها ابن أبي شيبة (25900)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (59) واللفظ له، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (7600). حَسَّنه الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (43)].
2- حُكيَ أنَّ مُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنه سَأل عَمرَا رَضِيَ اللهُ عنه عَنِ المُروءةِ، فقال: (تَقوى اللهِ تعالى، وصِلةُ الرَّحِمِ) [انظر: ((المروءة)) لابن المرزبان (ص: 127)، ((أدب الدنيا والدين)) للماوردي (ص: 321)].
قال النَّجمُ الغَزِّيُّ: (نَصَّ على صِلةِ الرَّحِمِ -وإن كانت داخِلةً في التَّقوى-؛ لأنَّها كالأصلِ بالنِّسبةِ إلى سائِرِ أنواعِ البِرِّ؛ لأنَّ مَن قَصَّرَ في حَقِّ أرحامِه كان في حَقِّ غيرِهم أشَدَّ تَقصيرًا، ولأنَّ القَرابةَ داعيةٌ إلى حِفظِ الحُقوقِ وحُسنِ الصَّنيعةِ، فإذا لم تَكُنِ القَرابةُ مُؤَثِّرةً ذلك فغَيرُها لا يُؤثِّرُه). [((حسن التنبه لما ورد في التشبه)) (9/ 512)].
فحَريٌّ بطالِبِ النَّجاةِ أن يَحرِصَ على الصِّلةِ، ويَحذَرَ القَطيعةَ، وإنَّ لصِلةِ الرَّحِمِ آدابًا يَنبَغي الاعتِناءُ بها؛ كي يَأتيَ بها المَرءُ على الوَجهِ الأكمَلِ.
وإليك أمور تعين على صلة الرحم إذا روعيت وإهمالها سبب للقطيعة
أولاً: الأمور المعيِّنة على صلة الرحم
- **التفكر في ثمرات الصلة**
استحضار ما في صلة الرحم من بركة في العمر والرزق، ومحبة، وأجر عظيم في الدنيا والآخرة.
- **تأمل عواقب القطيعة**
تذكّر ما تجلبه القطيعة من همّ وغمّ وحسرة وندامة في الدنيا، وإثم وعقوبة في الآخرة.
- **الاستعانة بالله**
كثرة الدعاء بطلب التوفيق للصبر على الأقارب والإعانة على برّهم وصِلتهم.
- **مقابلة الإساءة بالإحسان**
الصبر على أذى الأقارب، وردّ الإساءة بالحلم والإحسان؛ مع استحضار حديث: *«لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المل…»* وأن الله يكون مع المحسن ما دام على ذلك.
- **قبول أعذار الأقارب**
إذا اعتذروا قُبل عذرهم، والاقتداء بموقف يوسف عليه السلام مع إخوته في العفو وعدم التوبيخ.
- **العفو والصفح وإن لم يعتذروا**
نسيان الزلات والعيوب وعدم تذكيرهم بها؛ وهذا من شيم كرام النفوس وعلو الهمة.
- **التواضع ولِين الجانب**
خفض الجناح للأقارب، وطلاقة الوجه، وترك الترفّع والامتنان عليهم.
- **التغاضي والتغافل**
عدم الوقوف عند كل خطأ أو هفوة، والإعراض عن الصغائر؛ فالتغافل خُلُق الأكابر ويُبقي المودة.
- **بذل المستطاع لهم**
خدمتهم بالنفس، والجاه، والمال بحسب القدرة، مع الإحساس بأنهم أولى الناس ببرّك.
- **ترك المِنّة وطلب المكافأة**
عدم تعداد الإحسان عليهم، ولا انتظار المعاملة بالمثل؛ فالواصل الحقيقي ليس بالمكافئ.
- **الرضا بالقليل من جانبهم**
القناعة بالقليل من زيارتهم واهتمامهم؛ وعدم استيفاء الحقوق كاملـة؛ استجلاباً لقلوبهم.
- **مراعاة أحوالهم وطبائعهم**
التفرقة بين من تكفيه مكالمة، ومن يريد زيارة، ومن يحب المتابعة المستمرة، ومخاطبة كلٍّ بما يناسبه.
- **ترك التكلف ورفع الحرج**
البساطة في الضيافة والزيارة؛ حتى لا يثقل الإنسان على نفسه ولا على أقاربه.
- **الرفق في العتاب**
إن احتيج للعتاب يكون بلطف وهدوء، لا بشدة تنفّر وتصدّ عن الزيارة والمجيء.
- **تحمل عتاب الأقارب وحمله على أحسن المحامل**
فهم أن كثرة العتاب قد تكون ناتجة عن محبة وحرص، فيُجاب بالصبر والاعتذار لا بالمواجهة والقطيعة.
- **الاعتدال في المزاح**
مزاح بلا تجريح أو سخرية، مع مراعاة من لا يحتمل المزاح.
- **تجنّب الخصام والجدال العقيم**
البعد عن المراء والمنازعات التي تفسد القلوب، واستبدالها بالحوار الهادئ والمداراة.
- **المبادرة بالهدية عند وقوع خلاف**
استعمال الهدية وسيلة لإزالة الشحناء، فهي تجلب المحبة وتمحو سوءَ الظن.
- **استحضار أن الأقارب لحمة واحدة منك**
الإحساس بأن عزّهم عزّ لك، وذلّهم ذلّ لك، وأن قطعهم قطعٌ لجزء منك.
- **استشعار خطورة معاداة الأقارب**
أن العداوة بينهم خسران للطرفين، ولا غالب فيها في الحقيقة.
- **تذكّر الأقارب في المناسبات**
الحرص على دعوتهم وتذكّرهم في الأفراح والولائم، ومعالجة أي نسيان بالاعتذار السريع.
- **إصلاح ذات البين بين الأقارب**
المبادرة إلى الإصلاح إذا حصلت خصومة، وعدم ترك الخلاف ليستفحل.
- **تعجيل قسمة الميراث**
سرعة قسمة التركات، حتى لا تتحول إلى سبب للخصومات والاتهامات والقطيعة.
- **حسن إدارة الشراكات بين الأقارب**
إذا وجدت شركات أو مشاريع مشتركة تُبنَى على الوضوح، والاتفاق المكتوب، والعدل، والشورى.
- **الاجتماعات الدورية للأقارب**
تنظيم لقاءات شهرية أو سنوية للأسرة للتعارف والتواصي وصلة الرحم.
- **صندوق الأسرة أو القرابة**
إنشاء صندوق تُجمع فيه تبرعات الأقارب لصالح المحتاجين منهم؛ مما يعمق الألفة والمودّة.
- **إعداد دليل للأقارب**
جمع أسمائهم وأرقامهم في كتيّب أو ملف مشترك؛ لتسهيل التواصل وتذكّر الجميع.
- **تجنّب إحراج الأقارب**
عدم تحميلهم ما لا يطيقون، خاصة الوجهاء وذوي اليسار، وعدم لومهم في كل تقصير.
- **الشورى بين الأقارب**
وجود مرجعية من أهل الرأي والحلم تُرجَع إليها الأسرة في القضايا المشتركة، مع اعتماد مبدأ الشورى.
- **إخلاص النية وجعل الصلة قربة لله**
أن تكون صلة الرحم ابتغاء وجه الله، وتعاوناً على البر والتقوى، لا لمجرد العصبية أو حميّة الجاهلية.
—
ثانياً: أسباب قطيعة الرحم
عكس النقاط السابقة واهمالها يسبب قطيعة ، ولنذكر بعض النقاط التي تحتاج توضيح المسببة لقطيعة الرحم :
- الجهل
الجهل بفضل صلة الرحم، وبعِظَم إثم القطيعة وعواقبها في الدنيا والآخرة.
- ضعف التقوى
رقّة الدين في القلب؛ فيستهين المرء بقطع ما أمر الله به أن يُوصَل.
- الكبر والعُجب
استعلاء صاحب المنصب أو المال على أقاربه، ورؤيته أنه أحقّ بأن يُزار ولا يزور.
- الانقطاع الطويل والتسويف
ترك الزيارة مدة طويلة ثم التسويف في استئنافها حتى يألف القلب البعد والقطيعة.
- الطلاق بين الأقارب
ما ينشأ عن طلاق داخل العائلة من خصومات بين أهل الزوجين، تمتدّ إلى سائر القرابة.
- الحسد
حسد من أنعم الله عليه بعلم أو مال أو محبة الناس، فيقود الحسدُ إلى العداء وقطع الصلة.
- الوشاية والنميمة
نقل الكلام بين الأقارب للإفساد، والإصغاء إلى الوشاة؛ وهو من أخطر أسباب قطع الأرحام.
- سوء خلق بعض الزوجات (أو الأزواج) وضعف الشخصية
إلحاح الزوجة السيئة الخلق على زوجها بقطع أقاربه، أو تضييقها عليهم، مع استسلام الزوج لها؛ فيقطع والدَيه وأرحامه لأجلها.
- قلة التحمل في طباع بعض الناس
بعض الأقارب سريع الانفعال، لا يحتمل عتاباً ولا مزاحاً؛ فيقطع أرحامه لأدنى سبب.
—
(المطلب الثاني): تعلم النسب لصلة الرحم:
والذي يتعلق بالحديث من هذه الآداب: ثانيا: تعلم النسب لصلة الرحم:
قال السخاوي:
تَتمَّةٌ
قد عُلم من هذه المقدِّمة الإِشارة إلى جُمَلٍ من فَنِّ الأنساب الذي هو من جُملة فنون علم الأثر، وهو فنٌّ جليلٌ يتضمَّن معرفة نسب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومن ينتمي إليه، والتمييز بين بني عبد مناف، هاشميِّها، ومُطَّلبيِّها، وعَبْشَميِّها، ونَوْفَليِّها، وبين قريش من كنانة، والأَوْس من الخَزْرج، والعربيّ من العَجَميّ، والمَوْلى من الصَّريح.
– ومن فوائده الشَّرعية:
الخِلافة، والكَفَاءة، وتجنُّب تزويج ما يحرم عليه ممن يلقاه بنَسَبٍ في رَحِمٍ محرَّمة، والقيام بمن تجب عليه نفقته، ومعرفة من يتَّصل به ممن يرثه، وكذا معرفة ذوي الأرحام المأمور بصلتهم، ومعاونتهم. ومعرفة الأنصار ليقوم بوصيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بهم، وغير ذلك مما يطول شرحه.
وقد قال تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، أي ليحصلَ التَّعارف بينكم كلٌّ يرجع إلى قبيلته.
وقال مجاهد: “أي ليعرف بعضكم بعضًا بالنَّسب، كما يقال: فلان بن فلان من كذا وكذا، أي من قبيلة كذا وكذا”.
وقال الثَّوريُّ: “كانت حِمْيَر ينتسبون إلى مَخاليفها، وكانت [ح 15/ ب] عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها”.
وكان أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه علَّامة بالأنساب؛ ولهذا لمَّا أمر صلى الله عليه وسلم، حسَّان بن ثابت رضي الله عنه بهجاء المشركين وقال له: إنه لا علم لي بقريش – قال صلى الله عليه وسلم لأبي بَكْرٍ رضي الله عنه: “أخْبِرْهُ عنهم، ونقِّبْ له في مَثَالِبِهم”؛ فَفَعَلَ.
وحينئذٍ قال حسَّان رضي الله عنه: لأسُلَّنَّك -أي لأُخلِّصنَّ نسَبَك- من هَجْوِهم بحيث لا يبقى شيءٌ من نَسَبكَ فيما ناله الهجو، كالشَّعرة إذا انسلَّت لا يبقى عليها شيءٌ من أثر العجين.
قال ابن حزم: “إنَّ فيه ما هو فرضٌ على كلِّ أحد، وما هو فرضٌ على الكفاية، وما هو مستحب”، ثم فصَّل ذلك بما يطول إيرادُهُ.
وبالجملة؛ فالذي يظهر حَمْل ما ورد من ذمِّه على التعمُّق فيه حتى يُشْتغلَ به عما هو أهمّ منه، وحَمَلَ ما ورد في استحسانه، يعني على كثير من فوائده
[استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول – صلى الله عليه وسلم – وذوي الشرف 1/ 297]
وقال السيوطي :
{طَاعَة وَقَول مَعْرُوف} يَقُول: طَاعَة الله وَرَسُوله وَقَول بِالْمَعْرُوفِ عِنْد حقائق الْأُمُور خير لَهُم
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {طَاعَة وَقَول مَعْرُوف} قَالَ: أَمر الله عز وجل بذلك الْمُنَافِقين فَإِذا عزم الْأَمر قَالَ: جد الْأَمر
أخرج الْحَاكِم عَن عبد الله بن مُغفل رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يقْرَأ {فَهَل عسيتم إِن توليتم}
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة رضي الله عنه {فَهَل عسيتم إِن توليتم} الْآيَة قَالَ: كَيفَ رَأَيْتُمْ الْقَوْم حِين توَلّوا عَن كتاب الله ألم يسفكوا الدَّم الْحَرَام وَقَطعُوا الْأَرْحَام وعصوا الرَّحْمَن
وَأخرج عبد بن حميد عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ فِي قَوْله {فَهَل عسيتم إِن توليتم} الْآيَة قَالَ: مَا أَرَاهَا نزلت إِلَّا فِي الحرورية
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ: كنت جَالِسا عِنْد عمر رضي الله عنه إِذْ سمع صائحاً فَقَالَ يَا يرفا أنظر مَا هَذَا الصَّوْت فَنظر ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: جَارِيَة من قُرَيْش تبَاع أمهَا
فَقَالَ عمر رضي الله عنه: ادْع لي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَلم يمْكث إِلَّا سَاعَة حَتَّى امْتَلَأت الدَّار والحجرة فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: أما بعد فَهَل تعلمونه كَانَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم القطيعة قَالُوا: لَا
قَالَ: فَإِنَّهَا قد أَصبَحت فِيكُم فَاشِية
ثمَّ قَرَأَ {فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم} ثمَّ قَالَ: وَأي قطيعة أقطع من أَن تبَاع أم امرىء فِيكُم وَقد أوسع الله لكم قَالُوا: فأصنع مَا بدا لَك فَكتب فِي الْآفَاق أَن لَا تبَاع أمُّ حر فَإِنَّهَا قطيعة رحم وَأَنه لَا يحل … ثم ذكر أحاديث كثير في صلة الأرحام
[الدر المنثور في التفسير بالمأثور 7/ 496]
يَنبَغي أن يُتَعَلَّمَ مِنَ الأنسابِ ما به تُوصَلُ الأرحامُ.
الدَّليلُ على ذلك مِن السُّنَّةِ والآثارِ:
أ- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((تَعلَّموا مِن أنسابِكُم ما تَصِلونَ به أرحامَكُم؛ فإنَّ صِلةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ في الأهلِ، مَثراةٌ في المالِ، مَنسَأةٌ في الأثَرِ)) [أخرجه الترمذي (1979) واللفظ له، وأحمد (8868).
2- عن إسحاقَ بنِ سَعيدٍ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: كُنتُ عِندَ ابنِ عَبَّاسٍ … ((الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)) (627)].
ب- مِنَ الآثارِ:
1- عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سَمِعَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه يَقولُ على المِنبَرِ: (تَعلَّموا أنسابَكُم، ثُمَّ صِلوا أرحامَكُم، واللَّهِ إنَّه ليَكونُ بينَ الرَّجُلِ وبينَ أخيه الشَّيءُ، ولو يَعلمُ الذي بينَه وبينَه مِن داخِلةِ الرَّحِمِ لأوزَعَه ذلك عَنِ انتِهاكِه) [أخرجه الحسين بن حرب في ((البر والصلة)) (119)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (72) واللفظ له. حَسَّن إسنادَه الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (53)].
2- عن عَبد اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: (احفَظوا أنسابَكُم تَصِلوا أرحامَكُم؛ فإنَّه لا بُعدَ بالرَّحِمِ إذا قَرُبَت وإن كانت بَعيدةً، ولا قُربَ بها إذا بَعُدَت وإن كانت قَريبةً، وكُلُّ رَحِمٍ آتيةٌ يَومَ القيامةِ أمامَ صاحِبِها، تَشهَدُ له بصِلةٍ إن كان وصَلَها، وعليه بقَطيعةٍ إن كان قَطَعَها) [أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (73). صحَّح إسناده الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (54)]. [الآداب الشرعية].
[تنبيه]: سبق في التعليق على صحيح مسلم ورياض الصالحين والصحيح المسند فيما يتعلق بصلة الرحم.
وراجع مجموعة من الأحاديث في رياض الصالحين ٤٠- باب بر الوالدين وصلة الأرحام حديث 312 وما بعده
(المسألة الثانية): معالم في الأنساب:
(المطلب الأول): التَّعْرِيفُ:
– النَّسَبُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ نَسَبَ، يُقَال: نَسَبْتُهُ إِلَى أَبِيهِ نَسَبًا: عَزَوْتُهُ إِلَيْهِ، وَانْتَسَبَ إِلَيْهِ: اعْتَزَى. وَالاِسْمُ: النِّسْبَةُ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ تُضَمُّ.
قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: يَكُونُ النَّسَبُ مِنْ قِبَل الأَبِ وَمِنْ قِبَل الأُمِّ [الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَالصِّحَاح].
– وَالنَّسَبُ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: الْقَرَابَةُ وَهِيَ الاِتِّصَال بَيْنَ إِنْسَانَيْنِ بِالاِشْتِرَاكِ فِي وِلاَدَةٍ قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ [نَيْل الْمَآرِب بِشَرْحِ دَلِيل الطَّالِبِ ٢ / ٥٥، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤، وَالتَّفْرِيع ٢ / ٣٣٨، وَهِدَايَة الرَّاغِبِ ٤٢٢]، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هُوَ الاِنْتِسَابُ لأَبٍ مُعَيَّنٍ [جَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ١٠٠].
والأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ – الْعَصَبَةُ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْعَصَبَةِ أَنَّ النَّسَبَ أَعَمُّ.
ب – الْوَلاَءُ. وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلإِرْثِ.
ج – الرَّحِمُ.
والرَّحِمُ فِي اللُّغَةِ: مَوْضِعُ تَكْوِينِ الْوَلَدِ ثُمَّ سُمِّيَتِ الْقَرَابَةُ وَالْوَصْلَةُ مِنْ جِهَةِ الْوَلاَءِ رَحِمًا، فَالرَّحِمُ خِلاَفُ الأَجْنَبِيِّ [الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَمُخْتَار الصِّحَاح]،
وَالرَّحِمُ اصْطِلاَحًا: كُل قَرِيبٍ، وَفِي عُرْفِ الْفَرْضِيِّينَ: كُل قَرِيبٍ لَيْسَ ذَا فَرْضٍ مُقَدَّرٍ وَلاَ عَصَبَةٍ [حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٨٦، ٥٠٤، وَالْعَذْب الْفَائِض ٢ / ١٥]،
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلإِرْثِ.
د – الْمُصَاهَرَةُ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْمُصَاهَرَةِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْمُصَاهَرَةِ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ.
هـ – الرَّضَاعُ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالرَّضَاعِ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ.
و- الْقُعْدُدُ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْقُعْدُدِ أَنَّ النَّسَبَ أَعَمُّ مِنَ الْقُعْدُدِ.
الأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّسَبِ:
(المطلب الثاني): حُكْمُ الإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ:
– النَّسَبُ مَبْنِيٌّ عَلَى الاِحْتِيَاطِ فَيَحْرُمُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يُقِرَّ بِنَسَبِ وَلَدٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَفْيُ وَلَدٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْهُ، لِحَدِيثِ: أَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [حَدِيث: «أَيّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ. . .» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٢ / ٦٩٥ – ٦٩٦ ط حِمْص)، وَالنَّسَائِيّ (٦ / ١٧٩ – ١٨٠ ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُد وَأَشَارَ الْمُنْذِرِي فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ (٣ / ١٨٢) إِلَى إِعْلاَلِهِ بِجَهَالَة رَاوٍ فِيهِ]، وَلِعَظِيمِ التَّغْلِيظِ عَلَى فَاعِل ذَلِكَ وَقَبِيحِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنَ الْمَفَاسِدِ كَانَا مِنَ الْكَبَائِرِ [الْمَجْمُوع ١ / ٣٢، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٧ / ١٠٦ ط الْمَكْتَبَة الإِسْلاَمِيَّة، وَابْن عَابِدِينَ ٢ / ٥٩٢]
(المطلب الثالث): حُقُوقُ النَّسَبِ:
فِي النَّسَبِ عِدَّةُ حُقُوقٍ:
– فَفِيهِ حَقٌّ لِلْوَلَدِ [حَاشِيَة الْجُمَل ٥ / ٤٣٦، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٣٩٣] حَتَّى يَجِدَ أَبًا يَرْعَاهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ،
– وَفِيهِ حَقٌّ لِلأُمِّ، لأَنَّهَا تُعَيَّرُ بِوَلَدٍ لاَ أَبَ لَهُ [حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٦١٦]،
– كَمَا أَنَّ فِيهِ حَقَّ الأَبِ أَيْضًا [جَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ٣٤٢، وَنِيل الْمَآرِب ٢ / ٢٧٠]،
– وَكَذَلِكَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، لأَنَّ فِي وَصْلِهِ حَقًّا لِلَّهِ عز وجل [شَرْح الْمَحَلِّيّ ٤ / ٣٢٢، ٣٢٣]،
– وَالنَّسَبُ لاَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ، لأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ،
– وَكَذَلِكَ لاَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ [بَدَائِع الصَّنَائِع ٤ / ١٧٣].
(المطلب الرابع): أَسْبَابُ النَّسَبِ:
– لِلنَّسَبِ سَبَبَانِ هُمَا: النِّكَاحُ، وَالاِسْتِيلاَدُ.
السَّبَبُ الأَوَّل: النِّكَاحُ:
– يَنْقَسِمُ النِّكَاحُ إِلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ.
أ) فَأَمَّا النِّكَاحُ الصَّحِيحُ:
فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ الَّذِي تَأْتِي بِهِ الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ زَوَاجًا صَحِيحًا؛ لِقَوْل الرَّسُول – ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ [حَدِيث: «الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٣٧١ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٢ / ١٠٨٠ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة – رضي الله عنها.]، وَالْمُرَادُ بِالْفِرَاشِ: الزَّوْجِيَّةُ وَمَا فِي حُكْمِهَا، وَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ مَا يَلِي:
أ – أَنْ يُتَصَوَّرَ الْحَمْل مِنَ الزَّوْجِ عَادَةً، وَذَلِكَ بِبُلُوغِ الذَّكَرِ تِسْعَ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَاثْنَتَيْ عَشْرَ سَنَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَشْرَ سِنِينَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ [حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٤٦٥، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٦١، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ٣ / ١٥٤٦، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٤٦٠، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٨ / ٣٥٧، وَالْمُغْنِي ٧ / ٤٢٧، وَنِيل الْمَآرِب ٢ / ٢٦٩].
وَعَلَى ذَلِكَ لاَ يَلْحَقُ الْوَلَدُ بِالزَّوْجِ إِنْ كَانَ طِفْلًا دُونَ التَّاسِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ بِالاِتِّفَاقِ، كَمَا لاَ يَلْحَقُ بِالْمَجْبُوبِ وَهُوَ مَقْطُوعُ الذَّكَرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ إِذَا كَانَ يُنْزِل وَإِلاَّ فَلاَ [الْمَرَاجِع السَّابِقَة].
أَمَّا مَسْلُول الْخُصْيَتَيْنِ إِذَا بَقِيَ ذَكَرُهُ فَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ عَلَى الْمَذْهَبِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَال مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُسْأَل أَهْل الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، عَنِ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ، فَإِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَإِلاَّ فَلاَ [الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة ٤ / ٥٠، وَالْمُغْنِي ٧ / ٤٨٠، وَالْمُدَوَّنَة ٢ / ٤٤٥].
ب – أَنْ تَلِدَهُ الزَّوْجَةُ خِلاَل مُدَّةِ الْحَمْل: وَأَقَلُّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَأَقْصَاهَا خَمْسُ سَنَوَاتٍ.
ج – إِمْكَانُ تَلاَقِي الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَإِنْ طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، أَوْ جَرَى عَقْدُ الزَّوَاجِ وَكَانَ الزَّوْجَانِ مُتَبَاعِدَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالآْخَرُ بِالْمَغْرِبِ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ [حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٤٦٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٣٩٦، ٣ / ٣٧٣، وَالْمُغْنِي ٧ / ٤٣٠، وَنِيل الْمَآرِب ٢ / ٢٦٩]
جَاءَ فِي جَوَاهِرِ الإِكْلِيل: إِذَا ادَّعَتِ الْوَلَدَ زَوْجَةٌ مَغْرِبِيَّةٌ مَثَلًا عَلَى زَوْجٍ لَهَا مَشْرِقِيٍّ مَثَلًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِبَلَدِهِ لَمْ يَغِبْ عَنْهَا غَيْبَةً يُمْكِنُهُ الْوُصُول فِيهَا لِلآْخَرِ عَادَةً، فَيَنْتَفِي عَنْهُ بِلاَ لِعَانٍ لاِسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ مِنْهُ عَادَةً [جَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ٣٨١، وَالدُّسُوقِيّ ٢ / ٤٦٠]، وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمَل: الْوَلَدُ لاَحِقٌ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ بِالزَّوْجِ مُطْلَقًا مَتَى أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي الْعَرْضِ عَلَى الْقَائِفِ فِيهِ [حَاشِيَة الْجُمَل ٥ / ٤٣٦].
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا: الزَّوْجَةُ تَكُونُ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْخَلْوَةِ بِهَا حَتَّى إِذَا وَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنَ الْخَلْوَةِ بِهَا، لَحِقَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْوَطْءِ، لأَنَّ مَقْصُودَ النِّكَاحِ الاِسْتِمْتَاعُ وَالْوَلَدُ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالإِمْكَانِ مِنَ الْخَلْوَةِ [الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة ٤ / ٦١، ط دَار الْفِكْرِ بَيْرُوت، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٤١٣]، وَقَالُوا كَذَلِكَ: لَوْ طَلَّقَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ وَمَضَتْ ثَلاَثَةُ أَقْرَاءٍ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ لِقُوَّةِ فِرَاشِ النِّكَاحِ [الْمَرَاجِع السَّابِقَة].
وَجَاءَ فِي نَيْل الْمَآرِبِ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ مِنَ الزَّوْجِ مِثْل مَا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِدُونِ نِصْفِ سَنَةٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا وَعَاشَ، أَوْ أَتَتْ بِهِ لأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا، أَوْ فَارَقَهَا حَامِلًا فَوَضَعَتْ ثُمَّ وَضَعَتْ آخَرَ بَعْدَ نِصْفِ سَنَةٍ، أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهَا زَمَنَ الزَّوْجِيَّةِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَمَاعَةِ حَاكِمٌ أَوْ لاَ، ثُمَّ أَبَانَهَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ مَاتَ الزَّوْجُ بِالْمَجْلِسِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ مَسَافَةٌ لاَ يَقْطَعُهَا فِي الْمَدَّةِ الَّتِي وَلَدَتْ فِيهَا، كَمَشْرِقِيٍّ تَزَوَّجَ مَغْرِبِيَّةً ثُمَّ مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، لأَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا يَلْحَقُهُ بِالْعَقْدِ وَمُدَّةِ الْحَمْل، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ لَمْ يَكْمُل لَهُ عَشْرٌ مِنَ السِّنِينَ، أَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ مِنْ أُنْثَيَيْهِ لَمْ يَلْحَقْهُ، أَيْ لَمْ يَلْحَقِ الْوَلَدُ الزَّوْجَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل كُلِّهَا [نَيْل الْمَآرِب ٢ / ٢٦٩]، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَلْحَقُهُ، لأَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ كَافٍ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَلْتَقِيَا [بَدَائِع الصَّنَائِع ٣ / ١٥٤٦، وَابْن عَابِدِينَ ٣ / ٦٣٠]
جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: اكْتَفَى الْحَنَفِيَّةُ بِقِيَامِ الْفِرَاشِ بِلاَ دُخُولٍ كَتَزَوُّجِ الْمَغْرِبِيِّ بِمَشْرِقِيَّةٍ بَيْنَهُمَا سَنَةٌ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا [حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٦٣٠]
ب) النِّكَاحُ الْفَاسِدُ:
– اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إِذَا اتَّصَل بِهِ دُخُولٌ حَقِيقِيٌّ، لأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ فِي إِثْبَاتِهِ إِحْيَاءً لِلْوَلَدِ [الْهِدَايَة ٢ / ٤٧٠، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ٣ / ١٥٥٣ وَمَا بَعْدَهَا، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٦٣٣، وَجَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ٢٧٨، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٤٥٧، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٧ / ٤٢، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير ٧ / ٣٤٥].
بَدْءُ اعْتِبَارِ مُدَّةِ النَّسَبِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ:
– نَصَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ النَّسَبِ تُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ كَمَا فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، لأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يُؤْخَذُ مِنَ الصَّحِيحِ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الدُّخُول وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، لأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِدَاعٍ إِلَيْهِ وَالإِقَامَةُ بِاعْتِبَارِهِ، أَيْ إِقَامَةُ النِّكَاحِ مَقَامَ الْوَطْءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ النِّكَاحَ دَاعٍ إِلَى الْوَطْءِ، وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَيْسَ بِدَاعٍ إِلَيْهِ فَلاَ يُقَامُ مَقَامَهُ [الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ٣ / ٢٤٥ نَشْر دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ]
ج) الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ:
– ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَطْءَ بِشُبْهَةٍ يُثْبِتُ النَّسَبَ، لأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ هُنَا إِنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ ظَنِّ الْوَاطِئِ، بِخِلاَفِ الزِّنَا فَلاَ ظَنَّ فِيهِ.
فَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً لاَ زَوْجَ لَهَا بِشُبْهَةِ مِنْهُ كَأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَوَجَدَ مِنْهَا شُبْهَةً أَيْضًا أَمْ لاَ [حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٦٠٧، والقليوبي ٤ / ٣٥٠، وَالشَّرْقَاوَيَّ ٢ / ٢١٩، ٣٢٨، ٣٢٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٤٩٠، وَالْمُغْنِي ٧ / ٤٣١، ٤٣٢]
وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ – وَعَزَاهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْهُمْ – إِنَّهُ لاَ يَلْحَقُ بِهِ، لأَنَّ النَّسَبَ لاَ يَلْحَقُ إِلاَّ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، أَوْ فَاسِدٍ، أَوْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةِ مِلْكٍ، وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلأَنَّهُ وَطْءٌ لاَ يَسْتَنِدُ إِلَى عَقْدٍ، فَلَمْ يُلْحَقِ الْوَلَدُ فِيهِ كَالزِّنَا.
وَقَال أَحْمَدُ: كُل مَنْ دَرَأْتُ عَنْهُ الْحَدَّ فِي وَطْءٍ أَلْحَقْتُ الْوَلَدَ بِهِ، وَلأَنَّهُ وَطْءٌ اعْتَقَدَ الْوَاطِئُ حِلَّهُ فَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَفَارَقَ وَطْءَ الزِّنَا فَإِنَّهُ لاَ يَعْتَقِدُ الْحِل فِيهِ، وَإِنْ وَطِئَ ذَاتَ زَوْجٍ بِشُبْهَةٍ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ زَوْجُهَا، فَاعْتَزَلَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، لَحِقَ الْوَاطِئَ وَانْتَفَى عَنِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ.
وَعَلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ يَلْحَقُ الزَّوْجَ، لأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ [الْمُغْنِي ٧ / ٤٣١، ٤٣٢]
الاِشْتِرَاكُ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ:
– الاِشْتِرَاكُ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ يُثْبِتُ النَّسَبَ، بِأَنْ وَطِئَا امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، كَأَنْ وَجَدَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا فِي فِرَاشِهِ فَظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ وَطَلَّقَ فَوَطِئَهَا آخَرُ بِشُبْهَةٍ أَوْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِتَعَذُّرِ إِلْحَاقِهِ بِهِمَا وَنَفْيِهِ عَنْهُمَا [مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٤٨٩، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٤ / ٤٣١]
ثُبُوتُ النَّسَبِ بِاسْتِدْخَال الْمَنِيِّ:
– قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ مَنِيٍّ دَخَل فَرْجَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ كَحَمَّامٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِزَوْجِهَا إِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ وَأَمْكَنَ إِلْحَاقُهُ بِهِ بِأَنْ مَضَى مِنْ يَوْمِ تَزَوُّجِهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ كَانَتْ وَلَكِنْ لاَ يُمْكِنُ إِلْحَاقُهُ بِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ [حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٦٣٠]،
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: اسْتِدْخَال الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُل يُقَامُ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ [الرَّوْضَة ٨ / ٣٦٥، والقليوبي وَعَمِيرَة ٣ / ٢٤٣].
ثُبُوتُ النَّسَبِ بِالزِّنَا أَوْ عَدَمُهُ:
– ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالزِّنَا مُطْلَقًا، فَلَمْ يُثْبِتْ رَسُول اللَّهِ – ﷺ – وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ بِالزِّنَا نَسَبًا، وَقَال الرَّسُول – ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ [حَدِيث: «الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر» سَبَقَ تَخْرِيجَهُ (ف ١١)]،
وَالْعَاهِرُ الزَّانِي، وَلأَنَّ الزَّانِيَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْفِعْل آثِمٌ بِهِ [حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٦٣٣، وَجَوَاهِر الإِكْلِيل ٢ / ٢٨٣، ٣١٤، وَالأُمّ ٥ / ١٦٦، ٧ / ٣٤٦، وَالشَّرْقَاوَيَّ عَلَى التَّحْرِيرِ ٢ / ٣٢٨، ٣٢٩، والقليوبى وَعَمِيرَة ٣ / ٢٤٣، وَالْمُغْنِي ٧ / ٣٤٥].
السَّبَبُ الثَّانِي: الاِسْتِيلاَدُ:
١٨ – الاِسْتِيلاَدُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الْوَلَدِ، وَاصْطِلاَحًا: هُوَ تَصْيِيرُ الْجَارِيَةِ أُمَّ وَلَدٍ، يُقَال: فُلاَنٌ اسْتَوْلَدَ جَارِيَتَهُ إِنْ صَيَّرَهَا أُمَّ وَلَدِهِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الاِسْتِيلاَدِ ثُبُوتُ النَّسَبِ إِذَا أَقَرَّ السَّيِّدُ بِالْوَطْءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ اشْتَرَطُوا إِقْرَارَهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ.