[1ج/ رقم (621)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع أحمد بن علي ومحمد البلوشي وطارق ابوشديد وعدنان البلوشي واسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (621)]:
قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج ٧ ص ٤٠٤): حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أخبرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أخبرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَنْ يُرِدْ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قال أبو عبد الرحمن: هو صحيحٌ على شرط الشَّيخين.
والحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله (ج ١ ص ٣٠٦) فقال: ثنا سليمان، أنا إسماعيل به.
وسليمان هو ابن داود الهاشمي، وإسماعيل هو ابن جعفر.
وأخرجه الدارمي (ج ٢ ص ٣٨٥) فقال رحمه الله: أخبرنا سعيد بن سليمان، عن إسماعيل بن جعفر به.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (٢٠٩ – ٢٧٩ هـ) في السنن، أبواب العلم عن رسول الله ﷺ، ١ – باب: إذا أرادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ في الدِّينِ، (٢٨٣٦).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١ – كتاب العلم، ٢ – فضل الفقه في الدين، (9).
34- كتاب غل، ١٠٤ – الإرادة، (٤٦٥٠).
33- كتاب التفسير، ١٩٩ – قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، (٤١٢٣).
والثاني: شرح وبيان الحديث
[عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:] رضي الله عنهما، [أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَنْ يُرِدْ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»].
(«مَنْ) موصولة تضمنت معنى الشرط، فلذلك جزم بها « يُرِدْ »، و« يُفَقِّهْهُ » ؛ لأنهما فعل الشرط والجزاء (يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا) أي منفعةً، وهو ضدُّ الشرّ، وهو هنا اسم، وليس بأفعل تفضيل، وإنما نكّره لإفادة التعميم؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي،
فالمعنى: مَن يرد الله به جميع الخيرات، ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم، والمقام يقتضي ذلك، كما في قول الشاعر:
لَهُ حَاجِبٌ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَشِينُهُ
أي حاجبٌ عظيم، ومانعٌ قويّ.
(يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ») بجزم «يُفقّهه» على أنه جواب الشرط؛ أي: يجعله فقيهًا في الدين، والفقه لغة الفهم، وعُرفًا العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، ولا يناسب هنا إلَّا المعنى اللغويّ؛ ليتناول فهم كل علم من علوم الدين.
وقال الحسن البصريّ: الفقيه هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، والبصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه.
وقال في «اللسان»: الفقه: العلم بالشيء، والفهم له، وغَلَب على علم الدين؛ لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النَّجْم على الثُّرَيّا، وبعضهم قال والفقه في الأصل: الفهم، يقال: أُوتي فلان فقهًا في الدين؛ أي فَهْمًا فيه، قال الله عز جل: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ أي ليكونوا علماء به. انتهى [«لسان العرب» ١٣/ ٥٢٢]. باختصار
وقال في «الفتح»: قوله: «يُفَقِّهْهُ»: أي يُفَهِّمه، …. وقد أخرج أبو يعلى حديثَ معاوية -رضي الله عنه- من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره:»ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به«، والمعنى صحيحٌ؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا، ولا طالب فقه، فيصحُّ أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم. انتهى [«الفتح» ١/ ٢٩٠ كتاب «العلم» رقم (٧١)].[البحر المحيط الثجاج].
وقال صاحب «التكملة»: وفي الحديث فضيلة ظاهرة للتفقّه في الدين، وليس ذلك علمًا بالألفاظ والنقوش، ولا حفظًا للروايات والجزئيّات، ولكنه مَلَكة راسخة، ومذاق سليم يُدرك الشخص بهما لبّ الشريعة الإسلاميّة، ومغزاها، ولا يكاد يحصل ذلك إلا بصحبة أهل هذه الملكة، ولا يكفي في ذلك قراءة الكتب، ودراستها. انتهى [«تكملة فتح الملهم» ٣/ ٤٧١].
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب «التكملة» من أنه لا يحصل ذلك إلا بصحبة أهل هذه الملكة، هذا هو الأفضل والأَوْلى لمن تيسّر له ذلك،… [البحر المحيط الثجاج].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): الفقه في الدين:
(المطلب الأول): معنى الفقه في الدين:
في قول النبيّ ﷺ: «اللهم فقهْهُ في الدين، وعلمْهُ التأويل» [البخاري: رقم ١٤٣. (ط. البُغا)]. قال ابن الأثير: أي فهّمْهُ. والفقْه في الأصل: الفهم، واشتقاقه من الشق والفتح. يقال: فَقِهَ الرجل، بالكسر، يفقَهُ فقهًا، إذا فهم وعَلِمَ، وفَقُهَ، بالضم، يفقه: إذا صار فقيهًا عالمًا. وقد جعله العُرْف خاصًّا بعلم الشريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع منها [النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، ٣/٤٦٥].
والمتتبع لمدلول كلمة «الفقه» ومشتقاتها في القرآن الكريم يجدها تطلق على أحد معنيين:
١- الفقه في الدين «على معنى: فقُه، بالضم».
٢- وفقْه معنى معيّن أو فقه الكلام «على معنى فقِه، بالكسر»، وهذا أمر لازم لفقه الدين.
* – والقَدْر المطلوب مِن الفقه هو: ما تَبْلُغُ به رضا الله تعالى، وتجتنب به سخط الله تعالى، كما هو الشأن في الإخلاص.
*) استعمالٌ غير صحيح:
والفقه في الدين ليس معناه، في دلالة الكتاب والسّنَّة، مقصورًا على المعنى الاصطلاحي الذي ذكر ابن الأثير، وهو ما تعارف عليه الناس اليوم باسم:
تَخَصُّصِ الفقه، وأقسام الفقه الدراسية، وذلك لأمرين:
الأول: أن هذا المعنى الاصطلاحي لا يصح أن يُقَيَّدَ به دلالة اللفظ في الكتاب والسّنَّة، وإلا كان ذلك من الصوارف عن فهم المصطلح أو اللفظ القرآنيّ والنبويّ، وهو أعمُّ من المعنى المراد في الاصطلاح، إذ أن معناه في الاستعمال القرآني والاستعمال النبويّ عامٌّ في فقْه الدين كله، من غير تقييد بحدود موضوعٍ ما «اللهم فقهه في الدين».
الثاني: أن المراد بالمعنى الاصطلاحيّ هو مجرد التخصص في دراسة تلك الموضوعات المحدّدة، وهذا غير المراد في استعمال الكتاب والسّنَّة الذي هو حصول الفقه للمرء؛ فيصبح متفقِّهًا في الدين، لا أنه درس تلك الموضوعات التي تسمّى الفقه.
وبهذا يتضح أن هناك فرقًا واضحًا بين المراد بالمصطلح في دلالة الكتاب والسّنَّة وبين دلالته في اصطلاح علماء الشريعة أو اصطلاح عامة الناس اليوم، فـ«الفقه» في اصطلاحهم قد روعي فيه تحديد موضوعات الدراسة، فمجرَّد الدراسة لتلك الموضوعات يُعدّ عندهم تخصصًا في الفقه، ومعلوم أن مما يؤخذ على هذا الاصطلاح أن مجرَّد الدراسة ليست فقهًا. بينما الفقْه في اصطلاح الكتاب والسّنَّة قد روعي في إطلاقه حصول الفقه للدارس، وليس مجرّد الدراسة، أي أن المراد وصف الشخص بالفقه وليس وصف ما درسه.
والفارق الآخر أن المراد بالمصطلح في القرآن والسّنَّة ليس مقيدًا بموضوعات محدّدة بل هو فقْه الدين بعامّة، بخلاف المراد في الاصطلاح إذْ هو دراسة موضوعات خاصة، وكم من دارس للفقه بهذا المعنى لا فقْه له بالمعنى القرآنيّ والمعنى النبويّ، «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» [الترمذي، ٢٦٥٦، وقال: حديثٌ حسن، و٢٦٥٨، العلم، وأبو داود، ٣٦٦٠ العلم، وابن ماجه، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٦، المقدمة، ٣٠٥٦، المناسك، وأحمد في مواضع، منها: ١٦٢٩٦، ١٦٣١٢، والدارمي، ٢٢٧-٢٢٩، المقدمة].
*) ألفاظٌ بُدِّلت معانيها:
قال ابن قدامة -رحمه الله-: “واعلمْ أنه قد بُدِّلَتْ ألفاظٌ وحُرِّفتْ، ونُقِلتْ إلى معانٍ لم يُرِدْها السلف الصالح. فمن ذلك:
– الفقه، فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، فخَصَّوْهُ بمعرفة الفروع وعللها، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول منطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب.
ولذلك قال الحسن البصري: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الوَرِعُ الكافُّ عن أعراض المسلمين، والعفيف عن أموالهم، الناصح لهم.
فكان إطلاقهم اسم الفقه على علم الآخرة أكثر، لأنه لم يكن متناولًا للفتاوى ولكن كان متناولًا لذلك بطريق العموم والشمول، فبان من هذا التخصيص تلبيسٌ بَعَثَ الناسَ على التجرد لعلم الفتاوى الظاهرة، والإعراض عن علم المعاملة للآخرة.
– اللفظ الثاني: العلم، فقد كان ذلك يطلق على العلم بالله تعالى وبآياته، أي: نعمه وأفعاله في عباده، فَخَصَّوْهُ وسَمَّوْا به في الغالب المُناظِر في مسائل الفقه وإن كان جاهلًا بالتفسير والأخبار.
– اللفظ الثالث: التوحيد، وقد كان ذلك إشارة إلى أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤيةً تَقْطعُ الالتفاتَ إلى الأسباب والوسائط، فيُثْمِرُ ذلك التوكلَ والرضَا، وقد جُعل الآن عبارةً عن صناعةِ الكلام في الأصول، وذلك من المنكرات عند السلف.
– اللفظ الرابع: التذكير والذكر، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥١]، وقال النبي ﷺ: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر» [أخرجه الترمذيّ: الدعوات، باب رقم ٨٣، ٥/٤٩٨، عن أنس بن مالك؟، بلفظه إلا أنه قال: حِلَقُ الذكر. وأحمد في المسند: ٣/١٥٠، به، وأخرجه الترمذيّ أيضًا في الموضع المذكور بلفظٍ آخر مختلف، وقال في كلٍ منهما: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب»]، فنَقَلُوا ذلك إلى القصص وما يحتوي عليه اليوم مجلس القاص من الشطح والطامات.
ومن تشاغل في وعظه بذكر قصص الأولين، فليعلم أن أكثر ما يُحْكى في ذلك لا يثبت، كما ينقلون أن يوسف عليه السلام حل تِكَّتَهُ [التِّكَّةُ: مَعْقِدُ السروال، ويَقْصِدُ الكذّابون بذلك وَصْفَ نبيِّ الله يوسف الصِّدِّيق بالهمِّ بالزنى، والعياذ بالله تعالى، وحاشاه وحماه مِن هذه الجريمة؛ فقد عَصَمَهُ ربه سبحانه منها، وحكى نزاهته في كتابه في آياتٍ بيّناتٍ، ولكن يتقوّلُ الظالمون!!]، وأنه رأى يعقوب عاضًا على يده، وأن داود جهّز «أُوريا» حتى قتل، فمثل هذا يضر سماعه.
وأما الشطح والطامات، فمن أَشدِّ ما يُؤذي العوامَّ، لأنها تشتمل على ذكر المحبة والوصال وأَلَمِ الفراق، وعامةُ الحاضرين أجلاف، بواطنهم محشُوَّةٌ بالشهوات وحُبِّ الصُّوَرِ، فلا يُحَرِّك ذلك من قلوبهم إلا ما هو مستكِنٌّ في نفوسهم، فيشتعل فيها نارُ الشهوات، فيصيحون، وكل ذلك فساد.
وربما احتوى الشطح على الدعاوى العريضة في محبة الله تعالى، وفي هذا ضرر عظيم. وقد تَرَكَ جماعة من الفلاحين فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى.
– اللفظ الخامس: الحكمة. والحكمة: العلم والعمل به.
قال ابن قتيبة: لا يكون الرجل حكيمًا حتى يجمع العلم والعمل، وقد صار هذا الاسم يطلق في هذا الزمان على الطبيب والمنجم”. [مختصر منهاج القاصدين، ص٢٠-٢٢].
* ) العلاقة بين الفقه والحكمة:
كل حكمة فهي من الفقه، وقد تكون دالة عليه، والدلالة إما أن تكون دلالةً عامة، أو دلالةً خاصة على الفقه في شيء ما، وليس من لازم الفقه في شيء ما الفقه في كل شيء.
والحكمة وإن كانت شرطًا للفقه، إلا أنها ليست كل شروطه.
وقد تطلق الحكمة أحيانًا بمعنى الفقه، ولعلَّ هذا من الاختلاف في استعمال المصطلح، أو هو من إطلاق الكل على الجزء، أو إطلاق الجزء على الكل.
وقال الراغب: «الفقه هو التوصل إلى عِلمٍ غائب بِعلْمٍ شاهدٍ، فهو أخص من العلم، قال: ﴿فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُوْنَ يَفْقَهُونَ حَدِيْثًا﴾[النساء: ٤]، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾[المنافقون: ٦٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
والفقه العلم بأحكام الشريعة، يقال: فقُه فقاهة إذا صار فقيهًا، وفَقِهَ أي فَهِمَ فقْهًا، وفَقِهَهُ أي فَهِمَهُ، وتفقَّه إذا طلبه فتخصص به، قال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾[التوبة: ٩]، [مفردات ألفاظ غريب القرآن، مادة: فقه، ٦٤٢-٦٤٣].
(المطلب الثاني): مجالات الفقه:
لفقه الدِّين-لا سيّما فقه الدعوة إليه-فقهًا شرعيًا أربعة مناحٍ، أو مجالات:
الأول: فقْه فطرة الله تعالى في الخلق والكون، وذلك لعدة أمورٍ، منها:
١- للإفادة من شهادة الكون وسنة الخَلْق أنه لا إله إلا الله رب العالمين.
٢- لتجنب مصارعة سنن الله في الخَلْق وتحاشي مصادمة الفطرة.
٣- للإفادة من سنن الله في الفطرة والخَلْق بالسير معها واستثمارها.
وتعود هذه كلها، حينئذٍ، على المرء بالثباتِ على الحق، واليقينِ بأنّ المستقبل لهذا الدين.
الثاني: فقْه هذا الدين بعامّة، فقهًا صحيحًا، يؤدي به إلى الأخذ بالنصوص وفق دلالاتها التي أرادها الله، جل وعزّ، وأرادها رسوله ﷺ؛ فلا يخرج عن هدايات القرآن والسّنَّة، لا بغلو ولا تقصير،
وينبغي أن يَعلم الداعيةُ أن الفقه في الدعوة أساسه الفقه في الدين؛ فإذا كان الداعية جاهلًا بدينه، فإلى أيّ شيءٍ يدعو الناس؟!.
الثالث: فِقْه النصوص المتعلقة بالموضوع، أو ذات العلاقة به، وفْق قواعد الفقه المطلوب للنصوص الشرعية ولهذا الدين.
ولا يتأتى هذا الفقه للإنسان إذا أخل بالأمرين الآتيين أو بأحدهما:
أ- استيعاب النصوص الواردة في الموضوع وعدم الاقتصار على بعضها دون بعض.
ب- تنزيل النصوص على المراد بها .
الرابع: معرفة المرء بأحوال عصره.
(المطلب الثالث): أهمية الفقه في الدين:
بالإخلاص والفقه في الدين تُحلُّ مشكلات المسلمين، ونظرًا لأهمية الفقه في الدين فقدْ حضَّ الله عليه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفَرُوا كَافَّة، فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾.
وذكر سبحانه في موضع آخر من كتابه أن المقصود بآياته أن يَفْقه الناسُ، فقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون﴾.
وذمَّ قومًا بعدم الفقه، فقال: ﴿فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدْيثًا﴾.
وأخبر الله عز وجل أنه عاقب أناسًا من الكفار بعدم الفقه، بحيث لا يفقهون كلامه، فقال: ﴿وَمِنْهُم مَن يَسْتَمِعُ إِلَيكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِم وَقْرًا وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاؤُكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيْرُ الأَوَّلِين﴾.
وقال في وصف أصحاب النار: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيْرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾.
(*) من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين:
ويأتي في أهميّة الفقه قوله ﷺ:
“مَنْ يرِدِ الله به خيرًا يُفَقههُ في الدين، وإنما أنا قاسمٌ، والله يُعطي، ولن تزال هذه الأمَّة قائمة على أمْرِ الله لا يَضُرُّهم مَنْ خالفَهُم حتى يأتي أمرُ الله”. [أخرجه البخاري، رقم (٧١)، العلم، (نسخة الفتح) ١/١٦٤]. وهذا الحديث يحتاج إلى وقفةٍ متأنيةٍ عنده. وقد أورده البخاري تحت باب: “مِن يُرِد الله به خيرًا يفقهْهُ في الدين”.
قال ابن حجر رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: “وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام: أحدها: فضْل التفقه في الدين، وثانيها: أن المعطى في الحقيقة هو الله، وثالثها: أن بعض هذه الأمة يَبْقَى على الحق أبدًا”. [فتح الباري ١/١٦٤].
وقال شيخ الإسلام: “وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، ولازمُ ذلك أن من لم يُفَقّهْه الله في الدين لم يُرِد به خيرًا؛ فيكون التفقه في الدين فرضًا.
والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية؛ فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهًا في الدين، لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، لا كل ما يعجز عنه من التفقه، ويلزمه ما يقدر عليه، وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا، وقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال.
والاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لا يَقبل التجزِّي والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فنٍ أو بابٍ أو مسألةٍ، دون فنٍ وبابٍ ومسألةٍ، وكل أحد فاجتهاده بحسب وُسْعه”. [مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٠/٢١٢].
(المطلب الرابع): أحاديث في الفقه في الدين وصفا وتعريفا واثباتا ومدحا:
أولا: أحاديث في الفقه في الدين:
ومن الأحاديث في الفقه-وصفًا وتعريفًا وإثباتًا ومدحًا- ما يلي:
* عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا: فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ؛ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ؛ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ؛ فَشَرِبُوا، وَسَقَوْا، وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لا تُمْسِكُ مَاءً، وَلا تُنْبِتُ كَلأً.
فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ؛ فَعَلِمَ، وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». [البخاري، ح٧٧، العلم].
* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟
قَالَ: “أَتْقَاهُمْ”.
فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ.
قَالَ: “فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ”.
قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ.
قَالَ: “فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ، إِذَا فَقُهُو”. [البخاري، ح٣١٠٤، أحاديث الأنبياء].
* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا. قَالَ: “مَنْ وَضَعَ هَذَا؟”. فَأُخْبِرَ؛ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [البخاري، ح١٤٠، الوضوء].
* عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ: حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي …» [البخاري، ح٦٩، العلم].
* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» [البخاري، ح٤٠٣٩، المغازي].
* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، …» [البخاري، ح٤٠٣٧، المغازي].
* عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا: قَالَ يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ …». [البخاري، ح٦٠١٦، الرقاق].
وموضع الشاهد هنا قوله: «ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ»، وأنّ ذلك العلم إنما ينفع إذا سبقه الإيمان بالله تعالى. وهذا مما يؤكِّد العلاقة بين الإخلاص والفقه.
ثانيا: ليس مِن الفقه:
قد جاءت أحاديث تَدلُّ على أنّ أُمورًا مُعَيَّنةً ليست مِن الفقه، ومِن ذلك ما يلي:
* ليس من الفقه الضّيقُ بالاجتهاد، أو الميل إلى قَفْله وقد فتحه الله تعالى، وقد قال ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ» [البخاري، ح٦٨٠٥، الاعتصام بالكتاب والسنّة].
* ليس مِن الفقه الأخذ بالظاهريّة دائمًا في فقه النصوص الشرعية؛ فقد قال ﷺ لِمَن فَهِم الخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى: ﴿َكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ ؛ بأنه الحبل حقيقةً؛ فأخذ حبلين: أسود وأبيض، فجعل يأكل وينظر إليهما حتى تبينا له فأمسك، قال له النبي ﷺ: «إنك لعريض الوساد».
وعلى هذه المعاني أَمثلةٌ متعددةٌ يُؤَكِّد الصوابَ فيها عددٌ مِن الآيات والأحاديث.
ثالثا: في التربية على الفقه:
قد جاءت أحاديث فيها التربية على الفقه، ومِن ذلك ما يلي:
* عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ؛ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، «قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ أَوْ سَيِّدِكُمْ»، فَقَالَ: «يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ» قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، قَالَ: «حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ أَوْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ» [البخاري، ح٣٥٢٠، المناقب].
* عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ، أَو كَالرَّجُلِ، الْمُسْلِمِ لا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا، ولا، ولا، ولا، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لا يَتَكَلَّمَانِ؛ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ؛ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ». فَلَمَّا قُمْنَا، قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ، وَاللَّهِ، لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا». [البخاري، ح٤٣٢٩، تفسير القرآن].
* عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا رضي الله عنه عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: “إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ؛ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ؛ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ؛ فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» [البخاري، ح١٣٦٥، الزكاة]. وفي هذا الحديث نرى النبيّ ﷺ يُربِّي معاذًا، رضي الله عنه، على الفقه قبْل أن يباشر معاذٌ الدعوة، ويُفقهه في أحكام الإسلام الذي سيدعو الناس إليه.
* قَالَتْ عَائِشَةُ صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ؛ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَخَطَبَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّه! وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» [البخاري، الأدب].
رابعا: في فضْل الفقه والتفقّه:
وَرَدَ في فضل الفقه والتفقّه عددٌ مِن الأحاديث، منها ما يلي:
* عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ، وَالآخَرُ عَالِمٌ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ، وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» [الترمذي، ٢٦٨٥، العلم. وقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ].
وفي الأثر عن أَبي عَمَّارٍ الْحُسَيْنَ بْنَ حُرَيْثٍ الْخُزَاعِيَّ، قال: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ عَالِمٌ عَامِلٌ مُعَلِّمٌ يُدْعَى كَبِيرًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ» [الترمذي، ٢٦٨٥، العلم].
خامسا: أحاديث أخرى في الحكمة:
تأتي الحكمة، أحيانًا، بمعنى: الفقه، وتأتي، أحيانًا، باعتبارها خصلةً حميدةً قويّة الصلة بالفقه، أو قريبةً منه.
وقد وَرَدتْ أحاديث في الحكمة، منها ما يلي:
* حديث: أَنَّ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» [البخاري، ح٥٦٧٩، الأدب].
* عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» [البخاري، ح١٣٢٠، الزكاة].
* قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ رضي الله عنه يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ؛ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، عليه السلام، فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا؛ فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، …». [البخاري، الحج، باب ما جاء في زمزم]؛ فرسول الله ﷺ هو القدوة في الحكمة والفقه.
عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِاللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». [البخاري، ح٦٦٠٨، الأحكام].
* وقال معاوية: «لا حكيم إلا ذو تجربة» [البخاري، الأدب، باب: لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين، معلقًا بصيغة الجزم].
* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» [البخاري، ح٥٦٦٨، الأدب].
* وقد عَقَد البخاري في صحيحه بابًا؛ فقال: «بَاب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يَسِّرُوا، وَلا تُعَسِّرُوا، وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ وَالْيُسْرَ عَلَى النَّاس» [البخاري، الأدب]. وهذا مِن الفقه المطلوب.
* ومِن المهم أن يُنظر هذا الباب كله من الصحيح وما فيه من أحاديث؛ فإنها مما يُربِّي على الفقه.
* ويُنظر، كذلك، الباب قبله: ٧٩- باب ما يُستحيا من الحق للتفقه في الدين.
* ومن أعظم الأبواب لتحصيل الفقه كثرة القراءة لصحيح الإمام البخاري والتدبر للأحاديث وتراجم الأبواب، ولفتاتِ البخاري رحمه الله، ولا سيما كتاب الأدب منه.
(المطلب الخامس): من مقاييس الفقه وعلاماته:
هناك عددٌ مِن مقاييس الفقه وعلاماته، التي تُعِين الراغبَ في التفقه على الوصول إلى هذا الهدف النفيس، بإذن الله تعالى، وتُعِين الإنسان على محاسبة نفسه على الفقه [وقد تضمَّنت هذه المقاييس مقاييسَ تتعلق بفقه الدِّين، بعامّة، ومقاييس تتعلّق بفقه الدعوة خاصّة، دون فصْلٍ لِمَا بينهما مِن تلازمٍ لا يَخْفى]، ومِن ذلك ما يلي:
١- كل مخالفة للحكم الشرعي، في الدعوة أو في غيرها، فهي مجانَبَةٌ للفقه.
٢- كل خطأ في اختيار الأسلوب المناسب في الدعوة فهو مجانَبَةٌ للفقه.
٣- كل خطأ في اختيار الوسيلة المناسبة في الدعوة فهو مجانَبَة للفقه في الدين والفقه في الدعوة.
٤- كل تصرّفٍ للداعية يكون على حساب الغاية من الدعوة فهو مجانَبَةٌ للفقه في الدين وفي الدعوة.
٥- كل تصرّف للداعية يصدُّ الناس عن الهداية أو عن الاستجابة للدعوة فهو تصرّف مجانب للفقه في الدين والفقه في الدعوة.
٦- ليس كل خطأ يقع فيه الداعية دليلًا على عدم فقهه..
٧- مِن الخللِ في فقه الداعية وفي تفكيره، حماسته لجزئياتٍ في الإسلام، وعنايته بها، أكثر مما يدعو الإسلام إليه تجاهها.
٨- تعرّضُ المرء لعملٍ ما دون أن يتأهل له ودون أن يُحْسنه دليل على نقصٍ أو خللٍ في فقهه، وليس من هذا القبيل التدرّب والمران المبنياّن على المحاولة والاستعداد.
٩- تعرُّض المرء لتعليم الناس ما لم يتعلمه، أو ما لم يفقهْه خللٌ في فقهه وفي تفكيره.
١٠- تعرُّض المرء لدعوة الناس إلى ما لم يفقهْه، أو لم يستوعبه، أو لم يقتنع به، أو لم يلتزم به، دليلٌ على خللٍ في فقهه وفي تفكيره، أو نقصٍ في إخلاصه!. وإن كانت عصمة الداعي من الخطأ ليست شرطًا للدعوة.
١١- من عدم فقْه الداعية أن تراه يضيق ذرعًا بالنقْد البنّاء، فلا يفهمه إلا أنه تجريح له، أو تعصبٌ ضده أو ضد عمله أو جماعته، أو أنه تحاملٌ عليه!.
١٢- من علامات فقه المرء أن تراه حريصًا على جمْع كلمة المسلمين على الخير، بعيدًا عن كل ما يفرِّق الصف، ويشتت الكلمة، ويباعد بين القلوب.
١٣- من علامات الفقه عناية المرء بحسن الخلق في دعوته وفي تعامله مع الناس، وفي تعليمهم وتربيتهم.
١٤- من علامات فقه المرء عنايته بتربية نفسه أكثر من عنايته بتربية الناس، وعنايته بنصح نفسه أكثر من عنايته بنصح الناس، وعنايته بتعليم نفسه أكثر من عنايته بتعليم الناس، وقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بَالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم﴾.
١٥- من علامات الفقه عناية المرء بالعمل أشد من عنايته بالقول، فإن القول إنما يكون من أجل العمل، ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُوْلُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَعْمَلُون﴾ .
١٦- من علامات الفقه أن لا يكون الإنسان جريئًا على الفتوى، ولا على تحريم ما شرعه الله تعالى، ولا قفْل باب فَتَحَهُ الله تعالى.
كما أن من علامات فقهه أن لا يكون جريئًا على أن يَفتح بابًا أغلَقَه الله تعالى، أو أن يُلزِمَ بما لم يُلْزِمْه الله سبحانه.
١٧- من علامات الفقه المنهجيّ أنك تحتاج إلى مرانٍ وتدرّبٍ على تطبيقه، وعلى تطبيق الفروع عليه، وقتًا طويلًا أو حياتك كلها.
١٨- من أهم أسباب التربية على الفقه، التربية والتوجيه وَفْق أسلوب القرآن الكريم والحديث النبوي.
١٩- العناية بالمظهر على حساب المخْبَر، وأعمال الجوارح الظاهرة على حساب أعمال القلوب دليل على اختلال في فقه المرء، ودليلٌ على مخَالفةٍ لهدْي الإسلام، وعدمِ إدراكٍ له، وعدم فهمه فهمًا صحيحًا.
20- للقلب المعمور بنور الله تعالى أثرٌ في إدراك الفقه السليم، وإصابة الحق في مسائل النظر والاجتهاد،
قال شيخ الإسلام: “القلب المعمور بالتقوى إذا رَجَّحَ بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي، قال: فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما بطن معه إن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله، كان هذا ترجيحًا بدليل شرعي، والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقًا إلى الحقائق مطلقًا أخطأوا، فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة، فإلهام مثل هذا دليل في حقه، وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة، والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب، والخلاف، وأصول الفقه.
وقد قال عمر بن الخطاب: اقربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون: فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة.
( سيأتي تخريج موسع لهذا الأثر وبيان أنه وهم وغلط)
وحديث مكحول المرفوع: «ما أخلص عبدٌ العبادةَ لله تعالى أربعين يومًا إلا أجرى الله الحكمة على قلبه؛ وأنطق بها لسانه»، وفي رواية: «إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».( معضل )
وقال أبو سليمان الداراني: إن القلوب إذا اجتمعت على التقوى جالت في الملكوت؛ ورجعت إلى أصحابها بِطُرَفِ الفوائد؛ من غير أن يؤدي إليها عالم علمًا.
وقد قال النبي ﷺ: «الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء» [مسلم، ٢٢٣، الطهارة، وأخرجه غيره]، ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها؟ ولا سيما الأحاديث النبوية؛ فإنه يعرف ذلك معرفة تامة؛ لأنه قاصدٌ العمل بها، فتتساعد في حقه هذه الأشياء، مع الامتثال، ومحبة الله ورسوله، حتى إن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مرادَه منه، تلويحًا لا تصريحًا.
وفي الحديث الصحيح: «لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» [البخاري، ٦٥٠٢، الرقاق، وأحمد في مواضع متعددة]، ومن كان توفيق الله له كذلك فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة؟ وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجَوَلان، فكيف حال مَن اللهُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وهو في قلبه؟ وقد قال ابن مسعود: الإثم حواز القلوب، وقد قدمنا أن الكذب ريبة والصدق طمأنينة، وفي الحديث الصدق تطمئن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب.
وأيضًا فإن الله فطر عباده على الحق، فإذا لم تَسْتَحِلِ الفطرة: شاهدت الأشياء على ما هي عليه، فأنكرت منكَرَها، وعَرَفَت معروفها، قال عمر: الحق أبلج، لا يخفى على فطن.
فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن، تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المزايا، وانتفت عنها ظلمات الجهالات، فرأت الأمور عيانًا مع غيبها عن غيرها”. [مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٠/٤٢-٤٤].
21- لاستقامة فقه المرء لابدّ من شرطين أساسين، هما:
أ- صحة الدليل في ذاته، لأن ما لم يَثْبُتْ لا يُثْبِتُ غيره، فإذا كان المدَّعى دليلًا، ليس هو دليلًا صحيحًا فإنه لا يمكن أن يُصَحَّحَ به غيره!.
ب- صحة الاستدلال بذلك الدليل الصحيح في المعنى المستَدل عليه، لأن صحة الدليل في ذاته لا تغني عن صحة الاستدلال به في الموضع، لأن الدليل الصحيح في ذاته إذا وُضِعَ في غير موضعه الصحيح لا تقوم به حجة، ولا يثبت به فقْه صحيح.
22- من معالم إصابة الفقه في تصرفٍ ما في الدعوة، أن ترى أثر الاستجابة لك من المدعو مباشرة على ما ترجوه من دعوتك.
فإذا نصحت أو تكلمت أو خطوت خطوةً ما؛ فدَعا لك ذلك الشخص الذي دعوته أو شكر فاعلم أنك قد نجحت في هذه الخطوة، وأنك قد أصبت الفقه أو وفِّقت للفقه فيها غالبًا.
وإذا كانت ردة الفعل لدى من دعوته على العكس من ذلك فاحذر أن تكون قد جانبتَ الفقه في خطوتك هذه، فإن الغالب أن يكون السبب هو ذلك، لأن الكلمة الطيّبة، والنصيحة الطيّبة بالأسلوب الطيّب هدية يتقبلها كل إنسان مهما كان بُعْده وانحرافه إلا النادر من الناس. فعليك أن تتهم نفسك وتراجعها وتعيد النظر في طرائقك وأساليبك قبل أن تتهم الناس.
23- ليس من الفقه أن تطلب العلم أو الدعوة لغير الله تعالى، وأن ترجو من وراء ذلك العاجلة، لا الدار الآخرة؛ فقد جعل الله تعالى العلم الشرعي والدعوة إلى الله تعالى طريقًا صحيحًا إلى رضوان الله وإلى ثواب الآخرة، وليس ثمت طريق آخر لتحقيق هذه الغاية، فإذا طلب المرء بهما غيرَ هذه الغاية فقد ضل الطريق، واختل فقهه!.
24- من الفقه في الدين طلب العلم والعناية به، ولا تقوم دعوة صحيحة بغير العلم، ويُقبض العلم والفقه بقبض العلماء الربانيين.
25- لا يحفظ الفقه بالحفاظ على الكتب فقط، وقد ضل أهل الكتابِ، والتوراةُ والإنجيلُ بين ظهرانيهم.
26- من الفقه التفريق بين موقف الداعية وموقف المفتي، وعندما يشتبه على الداعية الأمرُ، فيظن أن موقف الداعية هو الإفتاء فقد جانبَ الفقه في ذلك، إلا أن يكون من أهل الفتوى، أو ممن تأهّل لذلك. ومعلوم لدى كثير من الناس ما يحصل من أخطاءٍ بسبب غياب هذا المعنى عن أذهان كثير من الدعاة.
27- اتجاه الداعية إلى تكفير الناس وتفسيقهم مجانَبَةٌ للفقه والحكمة، ولن تكون النتيجة سوى بُعد الناس عنه وكراهيتهم له ولدعوته، فهل هذا هو هدف الداعية الحق؟! وهل هذا فقْه صحيح؟!.
28- ضيقُ الداعية بأي خلاف، وعدم سعة الصدر لسماع الآراء المخالفة، مجانبٌ للفقه وللحكمة، ومخالفٌ للفطرة، ومخالفٌ لطبيعة هذا الدين.
29- عناية الداعية بالنقد الذاتي وسماع النقد البنَّاء من الآخرين، والحرص عليه، مظهرٌ من مظاهر الفقه والحكمة والعناية بهما.
30- من مظاهر الفقه لدى الرجل طول صلاته حينما يكون منفردًا، وقِصَرُ خطبته، على ما أخبر به النبي ﷺ: «إن طول صلاة الرجل، وقِصَرَ خطبته، مئنّةٌ من فقهه [أَيْ: علامةٌ مِن فقهه]؛ فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة» [مسلم، ٨٦٩، الجمعة]. والمقصود ما لم يكن هناك مقتضٍ للخروج عن هذا.
31- من مظاهر فقه الرجل هندامه، إذْ من الفقه أن لا يكون ثوبه ثوبَ شُهْرة، لا بإسبال ولا بتقصير.
32- من مظاهر فقه الرجل طريقته في الأكل والشرب، والكلام والضحك، والحركة؛ فلا يكون مهرِّجًا ثرثارًا مهذارًا فيُحْتقر، ولا حادًّا صَلِفًا فيُهْجر.
33- مِن علامات الفقه أن يُفَرِّق الإنسان، عند طلبه للعلوم، بَيْنَ ما هو مِن قبيل الغاية، وبين ما هو مِن قبيل الوسيلة؛ فما كان منها وسيلةً لغيره أُخذ منه ما يُتوسَّل به لغيره دون الإطالة فيه.
وهذه النظرة المنهجية مهمة عند التفقه في الدين. ومِن تطبيقات هذا، مثلًا: عند دراسة علوم الوسائل: كاللغة، والأصول، والمصطلح، وأصول التفسير؛ فإننا نأخذ منها ما يُعيننا في الوصول للغاية التي من أجلها اتّجهنا إلى دراسة هذه العلوم؛ فلا ننشغل بها عن الغاية منها [لأنها علوم آلات يراد بها غيرها، «وكل شيء يطلب لغيره لا ينبغي أن يُنسى فيه المطلوب»، على حدِّ قول المقدسي الذي مضى نقله في: ص٢٠]، فنظل ندرس اللغة، مثلًا، ونحفظ ونقرأ ولم تستقم ألسنتنا أو فهمنا للكلام.
ونظل ندرس الأصول بمعزل عن الفقه، والمصطلح بمعزل عن الحديث، وهكذا مما يُعدّ قصورًا في الفهم [ويقترح للأخذ بهذا المطلب اتّباع ما يلي:
١- إدراك أن علوم الوسائل علومٌ عمليَّة، تحتاج لممارسة وتطبيق، فهي تؤخذ من الناحية النظرية بما يخدم الهدف من التطرق لها أصلًا، ويبقى بعد ذلك القسم الأكبر للتطبيق والممارسة.
وهذا الكلام ينطبق على علوم اللغة، والأصول، والمصطلح، وأصول التفسير، وغيرها مما هو وسيلة لغيره في طلب العلم والفقه في الدين.
٢- ينبغي أن يكون التطبيق والممارسة على يدِ عالِمٍ خبير بهذا، مؤهَّلٍ له.
٣- يحتاج الإنسان إلى مراجعةٍ لِمَا كُتِب في علوم الوسائل؛ ليعرف ما يحتاجه للوصول للغاية منها، وما لا يحتاجه].
34- من علامات فقه المرء عنايته بالوقت، واستثماره لتحصيل الفقه في الدين، وإلمامه بالطرق المساعدة على استثمار أوقاته.
35- من علامات فقه المرء تفريقه بين الدليل والمدلول، والرأي والرواية، والسبب والنتيجة، والغاية والوسيلة؛ فلا يَخْلِط بينها خلْطًا يوقِعه في أخطاءَ متعدّدة.
36- من دلائل فقه المرء، عدم أخذه الأمورَ بالتسليم دائمًا، وإنما يُمْعِنُ النظرَ في الدليل والمدلول، ويتأكد من صحة كليهما من حيث النقل والعقل؛ وذلك مِن غير غلوٍّ أو تقصير.
37- من مقاييس الفقه ودلالاته، إدراك أوجه الدلالة، وموضع الشاهد في النصوص، والعناية بذلك في فهمه وفي طلبه للعلم.
38- توجه المعلِّم والمتعلِّم إلى حقائق العلم، وليس إلى صُوَرِهِ فقط من علامة فقهِ كلٍّ منهما.
ومِن تطبيقات هذا المقياس في العناية بمنهج المحدِّثين، أن لا يَدْرس الدارس هذا المنهج دون أن يَبْلُغ به الغاية منه، وهي: التمييز بين ما يصح وما لا يصح مِن الروايات؛ ويستثمر ذلك عمليًّا في فهمه للإسلام واتّباعه للرسول عليه الصلاة والسلام.
39- من دلائل فقه المرء، إعطاؤه كلَّ أمرٍ ما يستحقه من الهمِّ، والتفكيرِ، والبرنامجِ، والعملِ. وحديثُ: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» [البخاي، ٦١٣٩، الأدب، وفي غيره]، دليلٌ مِن الأدلة على هذا المعنى.
(المطلب السادس): صفات الفقيه وعلاماته:
لعلّ مِن المهمّ التعرّفُ على حالِ الفقيهِ حقًا، وفيما يلي كلامٌ أَنقلُهُ عن الإمام عبيد الله بن محمد ابن بطة العكبري [في كتابه: «إبطال الحِيَلِ»، بيروت، المكتب الإسلامي الطبعة الثالثة، ١٤٠٩هـ ١٩٨٨م، ٥-٢٩]، وذلك بعد حذف الأسانيد، وحذْف التكرار؛[وبعد ضبْطِ ما يحتاج إلى ضبطٍ بالشكل من الكلمات، وتصحيح الأخطاء المطبعيّة، سواء في الضبطِ أو في الحروف والكلمات. وكذلك الشأن في علامات الترقيم التي يترتب عليها وضوح المعنى أو خفاؤه، صحّته أو غلطُه، دون أن أُشير إلى ذلك لكثرته] للاختصار.
قال ابن بطة العكبريّ، مخاطبًا السائل الذي كَتَبَ من أجْله تلك الرسالة النفيسة:
“غَيْرَ أني أُقدِّم أمام القول، وأبدأ قبل الجواب عن مسألتك، بذكْر صفة الفقيه الذي يجوز تقليده والفزَعُ إليه عند المشكلات، والانقياد إلى طاعته عند نزول المعضلات وحلول الشبهات، ثم أُتْبِعُ ذلك بالجواب عما سألتَ عنه؛ فإني أَرى هذا الاسم قد كثر المتسمُّون به مِن عامةِ الناس وكافّتِهم، وما ذاك إلا لأن البصائر قد عَشِيَتْ، والأفهامَ قد صَدِئتْ، وأُبهِمَتْ عن معنى الفِقْهِ ما هو، والفقيهِ مَن هو؟ فهم يُعَوِّلون على الاسم دون المعنى، وعلى المَنْظَرِ دون الجوهر.
ولذلك قال علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه حين وَصَفَ المتجاسر على الفتوى بغير عِلْم: سمّاه أشباهُ الناس عالمًا، ولم يُفْنِ في العِلْم يومًا سالمًا.
وقال رضي الله عنه: «يوشك أن لا يَبْقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرةٌ وهي خَرابٌ من الهُدَى، علماؤهم شرُّ مَن تحت أَديم السماء، مِن عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود»
“وسأَنعت لك معنى الفِقْهِ والفقيه من العربية والشريعة الإسلامية نعتًا جامعًا من الشهادة المقنعة، والدلالة الشافية، مختصِرًا ذلك ومقتصِرًا على بعض الرواية دون النهاية، وملَخِّصُهُ من الرواية بما فيه الكفاية، تلخيصًا يأتي على ما وراءه [ويغنى] عما سواه.
فأما الفقيه في اللسان الفصيح [أي: في لغة العرب]، فمعناه: الفَهْم، تقول: فلان لا يَفْقه قولي، أي لا يفهم، قال الله عز وجل: ﴿وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّح بِحَمْدِه وَلكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم﴾، أي لا تفهمون. وقوله عز وجل: ﴿لِيَتَفَقَّهوا فِي الدِّين﴾. أي: لِيَتَفَهَّموه فيكونوا علماء به، ومن ذلك قولهم: فلان لا يَفْقه ولا يَنْقه، معناه لا يفهم ولا يعلم.
ونجد الله عز وجل نَدَبَنا إلى توحيده، والمعرفة بعظيم قُدْرته، بما دلنا عليه من بديع صنعته، وعجيب حكمته، وما أَسبغ علينا من نِعْمته، ثم أخبرنا أنه إنما أظهر هذه المعجزات، وفصَّل هذه الآيات للفقهاء العلماء؛ لأنهم هم الذين فَهِموا عنه، وفَقِهوا معنى مراده، فجاز أن يدلّوا عليه بما دلّهم به على نفسه، وجاز أن يكونوا هم النصحاء لعباده بما نَصَحوا به أنفسهم. فإن الله عز وجل وصَفَ نفسه لعباده، وعرّفهم بربوبيته، ودعاهم إلى توحيده وعبادته بما أظهر لهم من قُدْرته فقال عز وجل: ﴿إنّ اللهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرج الحيّ مِنَ الْميت﴾، إلى آخر الآية، ثم قال عز وجل: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَر حُسْبانًا ذَلكَ تَقْدِير العَزِيزِ الْعَلِيم﴾، ثم قال عز وجل: ﴿وَهُو الَّذِي جَعَلَ لَكُم النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قد فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَومٍ يَعْلَمُون﴾، ثم قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُستَقرٌّ ومستودَعٌ قَد فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَومٍ يَفْقَهُون﴾.
فلما فقهوا عن الله عز وجل ما عظَّم به نفسه، وأَخبر به من جلاله وهيبته، ونفاذ قدرته، وعظيم سلطانه وسطوته، وما وعد به من ثوابه، وتوعّد به من عقابه، ومُلْكه للأشياء في الضُرّ والنَّفْع، والإعطاء والمنع، والدوام والبقاء، هابوا الله عز وجل وأجَلُّوه، واستحيوا الله وعبدوه، وخافوا الله وراقبوه، وذلك لِمَا فقهوا عنه من عظمته وجلاله، وعظِيم ربوبيّته، وَلِحَقِّ ما فقهوا عن الله عز وجل بقلوبهم فأَزعجها، وعن جميع مكاره الله باعدَها، وعلى ما يرضيه حركها وأذابها، ومن مخالفته أَوْجَلها وأَرْهبها، فعند ذلك أضافهم الله عز وجل إلى نفسه فيمن شهد لها بالإلهية، فقال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ والْمَلائِكَة وَأُولُوا الْعِلْم قائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، ثم رفعهم على جميع خَلْقه فقال: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَالَّذِينَ أُوْتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾، وقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاء﴾، قيل: بالعلم. فَهُمْ صفوةُ الله من عباده، وأهل نوره في بلاده. اصْطَفاهم اللهُ لعِلْمه، واختارهم لنفسه، وعرَّفهم حقه، ودلّهم على نفسه، فأقام بهم حجته، وجعلهم قوّامين بالقسط ذُبّابًا عن حُرَمِهِ، نصحاء له في خلقه، فارّين إليه بطاعته؛ فلذلك أمر الله عز وجل بمسألتهم، والنزولِ عند طاعتهم، فقال عز وجل: ﴿فَاسَأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُونَ﴾ [أخرجه البخاري في مواضع مِن صحيحه، منها: ٣-كتاب العلم، باب ١٠، وباب١٣، وأخرجه مسلم، وغيرهما]، ثم أَلصق طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله، فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُم﴾، قال: الفقهاء[يَعني تفسير «أُولي الأمر» بالفقهاء] [أي: هم الفقهاء] . كذا قال المفسرون”.
“فطاعتهم على جميع الخَلْق واجبةٌ، ومعصيتهم محرّمة، من أطاعهم رشد ونجا، ومن خالَفَهم هلك وغوى، هم سُرُجُ العِباد ومَنارُ البلاد، وقوّام الأُمم، وينابيع الحِكم في كل وقت وزَمَن، وصفهم الله عز وجل بالخشية والاعتبار، والزهد في كل ما رَغِب فيه الجهلة الأغمار. فقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماءُ﴾، وقال: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَال نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقلها إلا الْعالِمُون﴾.
ووصَفَ قارون وخروجه في زينته، ومباهاته لأهل عصره بما أُوتيه من حُطام الدنيا وزينتها، وغِبْطة الجاهلين له، المريدين منها مثل إرادته، وتأسفهم على مثل حاله، ثم دَلّ على فضل العلماء وإصابتهم الصواب، بعزوف أنفسهم عن ملكه وزينته، ورضاهم بما فهموا عن الله، وتصديقهم له فيما وعد من جزيل ثوابه، وحُسْن مآبه لمن آمن بذلك ورضي به، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوم مُوسَى فَبَغَى عَلَيهم وآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنّ مَفَاتِحَهُ لتنوء بالعُصْبةِ أُولي القوّة﴾ «١»، ثم قال: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَومِه فِي زِينَته. قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُون الحَيَاة الدُّنْيَا يا ليت لنا مثلَ ما أُوتي قارون، إنه لذو حظٍّ عظيم. وَقَالَ الَّذَينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُم ثَوابُ الله خَيرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صَالحًا﴾.
وقال عز وجل تخصيصًا للعلماء وتفضيلًا للفقهاء: ﴿وَلا يُلَقّاها إلا الصّابِرُون﴾ يعني الصابرين على الدنيا وزينتها، رضاءً بالله وبثوابه، وبما أعاضهم من العلم به والفهم عنه، وبما فَقِهوا عنه ما وَعَدَ به مَنْ صبر عنها – ولذلك يُرْوى والله أعلم- في معنى هذا قول النبي ﷺ: «من يُرِدِ الله به خيرًا يُفَقّهْهُ في الدِّين».
«ولهذا الفقيه الذي أراد الله به خيرًا صفات وعلامات وصَفَها العلماء، وأبانت عن حقائقها العقلاء».
ثم أَخذ الإمام ابن بطة يَذكر صفات الفقيه وعلاماته، فقال:
»عن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل«.
»عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ألا أُخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ مَن لم يُقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يؤَمِّنْهم من مكْر الله، ولم يُرَخّص لهم في معاصي الله، ولم يَدَعِ القرآن رغبةً عنه إِلى غيره».
«قال عبد الله بن مسعود: كفى بخشية الله عِلمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا».
«عن أبي علقمة الليثي قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله إن الفِقْهَ ليس بكثرة السَّرْدِ، وسعةِ الهَدْرِ، وكثرةِ الرواية، وإنما الفِقْه خشية الله عز وجل».
«حدثنا ابن مسعود عن أبيه قال: قلت لسعد بن إبراهيم: مَنْ أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم»«.
» … حدّثني بعض القرشيين قال: إن كمال عِلْم العالم ثلاثةٌ: ترْك طلبِ الدنيا بعلمه، ومحبتُهُ الانتفاع لمن يجلس إليه، ورأفتُهُ بالناس«.
»قال أبو حازم: لا يكون العالم عالمًا حتى تكون فيه ثلاث خصال، لا يَحْقر مَن دونه في العِلْم، ولا يَحْسد من فوقه، ولا يأخذ على عِلْمه دُنيا«.
»مَطَرُ الورّاق قال: سألت الحسن عن مسألةٍ فقال فيها. فقلت: يا أبا سعيد، يأبى عليك الفقهاء. فقال الحسن: ثكلتك أمُّك يا مطر، وهل رأيت بعينك فقيهًا قط؟ وقال: تدري ما الفقيه؟ الفقيه: الوَرِع الزاهدُ المقيم على سنة رسول الله ﷺ الذي لا يسخر بمن أسفل منه، ولا يهزأ بمن فوقه، ولا يأخذ على عِلْمٍ عَلّمه الله إياه حطامًا«.
»عن الحسن قال: الفقيه المجتهد في العبادة، الزاهد في الدنيا، والمقيم على سنة رسول الله ﷺ».
«عن الحسن، وقد أتاه رجل سأله عن مسألة فأفتاه، قال: فقال له الرجل: يا أبا سعيد قال فيها الفقهاء غير ما قلت. قال: فغضب الحسن، وقال:»ثكلتك أُمُّك، وهل رأيتَ فقيهًا قط؟ «قال: فسكت الرجل، قال: فسأله رجل فقال: يا أبا سعيد: مَنِ الفقيه؟ قال: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في دينه، والمجتهد في العبادة. هذا الفقيه».
«سفيان بن عيينة قال: سمعت أيوب يقول: سمعت الحسن يقول: ما رأيت فقيهًا قط يُدَاري ولا يماري، إنما يُفْشي حِكْمته، فإِن قُبلت حَمِدَ الله، وإن رُدّتْ حَمِد الله. قال: وسمعت الحسن يقول: ما رأيتُ فقيهًا قط. وإنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، الدائب على العبادة، المتمسك بالسنة».
«عن وهب بن منبه قال: الفقيه: العفيف، المتمسك بالسنّة، أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان».
«عن يوسف بن أسباط قال: قال سفيان الثوري: الفقيه: الذي يَعُدُّ البلاءَ نِعْمة، والرخاءَ مصيبة، وأفقه منه من لم يجترئ على الله عز وجل في شيء لعلمه به».
«عن الحارث بن يعقوب قال: يقال: إن الفقيه كل الفقيه: من فَقِهَ في القرآن، وعَرَفَ مَكِيدة الشيطان».
«عن أبي الدرداء، قال: إنّ مِنْ فِقْه المرء: ممشاه ومدخله ومجلسه».
«مقاتل بن محمد قال: خرجنا مع سفيان بن عيينة إلى منى في جماعة، فيهم أبو مسلم المستملي، فقال سفيان في بعض ما يتكلم به: العالِمُ بالله الخائف لله، وإن لم يُحْسِن: »فلان عن فلان«، ومَنْ لم يُحْسِن العِلْمَ والخوفَ من الله فهو جاهل وإن كان يُحْسِن: »فلان عن فلان«، المسلمون شهودُ أنفسهم، عَرَضوا أعمالهم على القرآن، فما وافق القرآن تمسكوا به وإلا استَعْتَبوا مِن قريب. قال أبو مسلم: ما أحسنَ هذا الكلام يا أبا محمد، قال: إنه والله أحسن من الدُّرّ، وهل الدُّرّ إلا صَدَفَةٌ؟».
«حبان بن موسى قال: سئل عبد الله بن المبارك: هل للعلماء علامة يعرفون بها؟ قال: علامة العالِمِ: مَن عَمِل بعلمه، واستقل كثيرَ العلم والعمل من نفسه، ورَغِب في علمِ غيره، وقَبِل الحق مِن كلِّ مَن أتاه به، وأَخَذَ العِلْم حيث وَجدَه، فهذه علامة العالِمِ وصِفَتُهُ. قال المروذي: فذكرت ذلك لأبي عبد الله. فقال: هكذا هو».
«حدثنا ابن مخلد، حدثنا المروذيّ، قال: قلتُ لأبي عبد الله: قيل لابن المبارك: كيف يُعْرَف العالِم الصادق؟ فقال: الذي يزهد في الدنيا ويَعْقل أمر آخرته فقال: نعم كذا يريد أن يكون».
«مَعْمر، قال: سمعت الزهري يقول: لا تثق للناس بعملِ عامل لا يَعْلم، ولا تَرْضَ لهم بعِلْم عالِمٍ لا يعمل».
«عن الحسن قال: الرجل إذا طلب بابًا من الِعلْم لم يَلْبث أن يُرى ذلك في تخشّعِهِ وبَصَرِهِ ولسانِهِ ويدِهِ وزهدِهِ وصَلاتِهِ وبدَنِهِ، وإنْ كان الرجلُ ليَطلبُ الباب من العلم فلَهُوَ خيرٌ له من الدنيا وما فيها».
»مَعْمر القطيعي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: العِلْم إذا لم ينفع ضَرَّ«.
»حدثنا العباس بن الحسين القنطري حدثنا محمد بن الحجاج، قال: كتب أحمد بن حنبل رضي الله عنه عني كلامًا- قال العباس: وأملاه علينا. قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه -يعني للفتوى- حتى يكون فيه خمس خصال:
أما أُولاها: فأن يكون له نيةٌ، فإنه إن لم تكن له فيه نيّةٌ لم يكن عليه نورٌ ولا على كلامه نور.
وأما الثانية: فيكون له خُلُق ووقارٌ وسَكِينةٌ.
وأما الثالثة: فيكون قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته.
وأما الرابعة: فالكفاية، وإلا مضَغَهُ الناس.
وأما الخامسة: فمعرفة الناس”.
«قال أبو عبد الله [هو ابن بطة العكبري رحمه الله تعالى] رحمه الله: فأقول -واللهِ العالِمِ- لو أن رجلًا أنعمَ نظره، وميَّز فكْره، وسَمَا بطرْفِهِ، واستقصى بجهده، طالبًا خَصلةً واحدةً في أحدٍ مِن فقهاء المدينة والمتصدرين للفتوى فيها [يَقْصِد في زَمَنِه] لَمَا وجدها. بل لو أراد أضدادها والمكروهَ والمرذولَ مِن سجايا دناءةِ الناس وأفعالِهم فيهم، لوجد ذلك متكاثِفًا متضاعِفًا، واللهَ نسألُ صفحًا جميلًا وعفوًا كثيرًا».
«ابن أبي أوس، عن أخيه، عن أبيه، قال: أدركتُ الفقهاء بالمدينة يقولون: لا يجوز أن يَنْصب نفسه للفتوى، ولا يجوز أن تَسْتفتي إلا الموثوقَ في: عفافه، وعقله، وصلاحه، ودينه، وورعه، وفقهه، وحِلْمه ورِفْقه، وعِلْمه بأحكام القرآن، والمُحْكَمِ والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، عالِمًا بالسنّةِ والآثار، وبمن نَقَلها، والمعمولِ به منها والمتروك، عالمًا بوجوهِ الفقه التي فيها الأحكام، عالِمًا باختلاف الصحابة والتابعين، فإنه لا يستقيم أن يكون صاحبَ رأي ليس له علم بالكتاب والسنة والأحاديث والاختلاف، ولا صاحِبَ حديثٍ ليس له عِلمٌ بالفقه والاختلاف ووجوه الكلام فيه. وليس يستقيم واحد [أي من هذه الصفات]، منهما [أي: كلٍ من العلم بالكتابِ والسنة، والعلم باختلاف الفقهاء والرأي]، إلا بصاحبه. قالوا: ومَن كان من أهل العلم والفقه والصلاح بهذه المنزلة، إلا أنّ طُعْمته من الناس وحاجاته مُنْزَلةٌ بهم، وهو محمولٌ عليهم، فليس بموضعِ الفتوى، ولا موثوقٍ به في فتواه، ولا مأمونٍ على الناس فيما اشتبه عليهم».
«قال الشيخ أبو عبد الله ابن بطة -رحمه الله: قد اقتصرتُ يا أخي -صانَكَ اللهُ- من صفة الفقيه على ما أَوردتُ، وكففتُ عن أضعافِ ما أردتُ؛ فإني ما رأيت الإطالة بالرواية في هذا الباب متجاوزةً ما قصدْنا من جواب المسألة، نعم -أيضًا- وتهجينٌ لنا وسبّةٌ علينا، وغضاضةٌ على الموسومين بالعلم، والمتصدرين للفتوى من أهل عصرنا، مع عدم العالِمين لذلك والعاملين به، فأسأل الله أن لا يَمْقتنا، فإنا نَعُدُّ أنفسَنا من العلماء الربانيين، والفقهاء الفهماء العارفين، ونحسِبُ أنا أئمةٌ متصدرون عِلمًا وفُتيا، وقادةُ أهل زمانِنَا، ولَعلَّنا عند الله من الفاجرين، ومن شرار الفاسقين!. فقد رُوي عن الفضيل بن عياض رحمه الله، قال: إنا نتكلم بكلامٍ أحسب أن الملائكة تستحسنه، ولعلّها تَلْعن عليه!».
«وقال عيسى بن مريم ﷺ: يا معشر الحواريين الحقَّ أَقولُ لكم: إن الدنيا لا تَصْلح إلا بالمِلْحِ، والطعامَ لا يَطِيبُ إلا به، فإذا فَسَدَ المِلْح فَسَدَ الطعامُ وذهبت المنفعةُ به. وكذلك العلماء مِلْح الأرض لا تستقيم الأرض إلا بهم، وإذا فَسَدَ العلماء فَسَدَت الأرض».
“وقال سفيان بن عيينة: قَدِم عبيد الله بن عمر الكوفة فلمّا رأى اجتماعهم عليه، قال: نسيتم العِلْم، وأذهبتم نوره، لو أدركني وإياكم عمر لأوجعَنا ضربًا.
هذا -رحمكم الله- قول عبيد الله بن عمر رحمه الله لِمَن اجتمع عليه من طلبة العلم، وهم: سفيان الثوري، وابن عيينة، وأبو إدريس الخَوْلاني، وحَفْص بن غِياث، ونظراؤهم؛ فما ظنُّك بقوله لو رأى أهل عصرنا[وما بالك لو رأى أهلَ عصرنا نحن؟!]، فنسأل الله صفحًا جميلًا، وعفوًا كبيرًا، فيا طوبى لنا إن كانت موجباتُ أفعالنا أن نوجَعَ ضربًا؛ فإني أحسِب كثيرًا ممن يتصدر لهذا الشأن يرى نفسه فوقَ الذين قد مضى وصْفُهم، ويرى أنهم لو أدركوه لاحتاجوا إليه وأَمموه. ويرى أن هذه الأفعال منهم والأقوال المأثورة عنهم كانت من عَجْزهم، وقلّةِ عِلْمهم، وضَعْف نحائزهم. الله المستعان! فلقد عشنا لشرِّ زمان. فقد حدّثَنا أبو محمد السكري، حدثنا أبو يعلي الساجي، حدثنا الأصمعي، قال: سمعت سفيان بن عيينة قال: إذا كنتَ في زمانٍ يُرْضى فيه بالقول دون الفعل، والعِلْمِ دون العمل، فاعلم بأنك في شرِّ زمانٍ بَيْن شرِّ الناس.
ولقد رُوي عن حبرٍ من أحبار هذه الأُمّة وسيدٍ من سادات علمائها أنه قال: ما أرى أن يُعَذِّب الله هذا الخَلْق إلا بذنوب العلماء.
قال أبو عبد الله عبيد الله بن محمد[هو ابن بطة العكبري صاحبُ رسالة: «إبطال الحِيَل»] -ومعنى ذاك، والله أعلم-: أن العالِمَ إذا زلَّ عن المحجة، وعَدَلَ عن الواضحة، وآثر ما يهواه على ما يَعْلمه، وسامحَ نفسه فيما تدعوه إليه، زلَّ الناس بزلَلِهِ، وانهمكوا مُسْرعين في أَثرِهِ، يَقْفون مَسْلَكَه، ويَسْلكون محجته؛ وكان ما يأتونه ويرتكبونه من الذنوب وحَوْبات المأثمِ بحُجّةٍ، وعلى اتّباعِ قدوةٍ؛ فلا تجري مجرى الذنوب التي تُمحى بالاستغفار، ومرتكبها بين الوجل والانكسار، فالمقتدون به فيها كالسفينةِ إذا غَرِقت غَرِق بغرقِها خَلقٌ كثير، وجوهرٌ خطير، أضعافُ ثَمَنِها وقيمتِها وبأضعافٍ مضاعفةٍ. والله أعلم» [ انتهى ما أردتُ نقْله من كلام الإمام عبيد الله، ابن بطة، رحمه الله تعالى].
ولعله، بعد هذا البيان لصفات الفقيه وعلاماته، يتضح للمطلع على هذا أهمية الفقه في حياة الإنسان، ومعرفة جانبٍ من كيفية تحصيل المرء للفقه عن طريق الحرص على التحلي بتلك الصفات النفيسة، فما أجملَ، وما أحسنَ أن يأخذ الإنسان نفسه بهذه الأخلاق والصفات الحسنة؛ حتى يُصْبح من أهلها. والله المستعان. [طريقك الى الإخلاص والفقه في الدين، بتصرف].
(المسألة الثانية): الناس أربعة أقسام
(إِذَا فَقُهُوا) بضمّ القاف، ويجوز كسرها، وفيه إشارة إلى أن الشرف الإسلاميّ لا يتمّ إلا بالتفقه في الدين، وعلى هذا فتنقسم الناس أربعة أقسام، مع ما يقابلها:
الأول: شريف في الجاهلية، أسلم، وتفقه، ويقابله مَشرُوف في الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه.
الثاني: شريف في الجاهلية، أسلم، ولم يتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية، لم يُسلم، وتفقه.
الثالث: شريف في الجاهلية، لم يسلم، ولم يتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية، أسلم، ثم تفقه.
الرابع: شريف في الجاهلية، لم يسلم، وتفقه، ويقابله مشروف في الجاهلية أسلم، ولم يتفقه. فأرفعُ الأقسام مَن شَرُف في الجاهلية، ثم أسلم، وتفقه، ويليه من كان مشروفًا، ثم أسلم، وتفقه، ويليه من كان شريفًا في الجاهلية، ثم أسلم، ولم يتفقه، ويليه من كان مشروفًا، ثم أسلم، ولم يتفقه، وأما من لم يسلم، فلا اعتبار به، سواء كان شريفًا، أو مشروفًا، وسواء تفقه، أو لم يتفقه، والله أعلم.
والمراد بالخيار والشرف وغير ذلك: مَن كان متصفًا بمحاسن الأخلاق؛ كالكرم، والعفّة، والحِلم، وغيرها، متوقيًا لمساويها؛ كالبخل، والفجور، والظلم، وغيرها [«الفتح» ٨/ ١٤٨، كتاب «المناقب» رقم (٣٤٩٣)].
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): بيان تفاوت الناس في مراتبهم، وأنهم كمعادن الذهب والفضّة، حيث تشتمل على النفيس والخسيس.
2 – (ومنها): بيان فضل الفقه، وأن الإنسان يشرُف بقدر ما عنده من الفقه في الدين، وهو معنى قوله -ﷺ- في المتّفق عليه: «من يُرِدِ الله به خيرًا يفقّهه في الدين». [البحر المحيط الثجاج، 40/ 48]
3 – (ومنها): بيان فضل الفقه في الدين؛ لأن من تحلّى بها كان أفضل من غيره، ولو كان شريف النسب، وقد قال النبيّ – ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين»، فالفقه علامة الخيريّة، وعلامة السعادة في الدنيا والآخرة.
4 – (ومنها): ذمّ الجهل، وذمّ أهله؛ لأنه وإن كان شريف النسب فجَهْله يجعله وضيعًا، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ … وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ العِزِّ وَالشَّرَفِ
[البحر المحيط الثجاج، ()].
5 – قال ابن عثيمين:
أما الآية الرابعة فيه قوله تعالى: إنما يخشى الله من عبادة العلماء والخشية هي الخوف المقرون بالتعظيم فهي أخص من الخوف فكل خشية خوف وليس كل خوف خشية …. الإنسان ينبغي له أن يحرص غاية الحرص على الفقه في الدين لأن الله تعالى إذا أراد شيئا هيئ أسبابه ومن أسباب الفقه أن تتعلم وأن تحرص لتنال هذه المرتبة العظيمة أن الله يريد بك الخير فاحرص على الفقه في دين الله والفقه في الدين ليس هو العلم فقط بل العلم والعمل ولهذا حذر السلف من كثرة القراء وقلة الفقهاء فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (كيف بكم إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم) فإذا علم الإنسان الشيء من شريعته الله ولكن لم يعمل به فليس بفقيه حتى لو كان يحفظ أكبر كتاب في الفقه عن ظهر قلب ويفهمه لكن لم يعمل به فإن هذا لا يسمى فقيها يسمى قارئا لكن ليس بفقيه الفقيه هو الذي يعمل بما علم فيعلم أولا ثم يعمل ثانيا هذا هو الذي فقه في الدين وأما من علم ولم يعمل فليس بفقيه بل يسمى قارئا ولا يسمى فقيها ولهذا قال قوم شعيب لشعيب: {ما نفقهه كثيرا مما نقول} لأنهم حرموا الخير لعلم الله ما في قلوبهم من الشر فاحرص على العلم واحرص على العمل به لتكون ممن أراد الله به خيرا أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من هؤلاء الذين فقهوا في دين الله وعملوا وعلموا ونفعوا وانتفعوا به.
[شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 5/ 421]
6 -قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
” الْفِقْهُ فِي الدِّينِ: فَهْمُ مَعَانِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لِيَسْتَبْصِرَ الْإِنْسَانُ فِي دِينِه ِ، أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى:لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ التوبة/ 122. فَقَرَنَ الْإِنْذَارَ بِالْفِقْهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ مَا وَزَعَ عَنْ مُحَرَّمٍ، أَوْ دَعَا إلَى وَاجِبٍ، وَخَوَّفَ النُّفُوسَ مَوَاقِعَهُ، الْمَحْظُورَةَ “. انتهى من”الفتاوى الكبرى” (6/ 171)، وينظر: “مجموع الفتاوى” (20/ 212).
7 -وقال النووي رحمه الله:
” فِيهِ فَضِيلَةُ الْعِلْمِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ؛ وَسَبَبُهُ: أَنَّهُ قَائِدٌ إِلَى تَقْوَى اللَّهُ تَعَالَى “. انتهى من “شرح النووي على مسلم” (7/ 128).
8 – قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
” كُلُّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين ِ، لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، وَالدِّينُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ؛ وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَدِّقَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَ، تَصْدِيقًا عَامًّا، وَطَاعَةً عَامَّةً “.انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (28/ 80).
9 – وقال الشيخ ابن باز رحمه الله:
” هذا الحديث العظيم يدلنا على فضل الفقه في الدين.
والفقه في الدين هو: الفقه في كتاب الله عز وجل، والفقه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الفقه في الإسلام من جهة أصل الشريعة، ومن جهة أحكام الله التي أمرنا بها، ومن جهة ما نهانا عنه سبحانه وتعالى، ومن جهة البصيرة بما يجب على العبد من حق الله وحق عباده، ومن جهة خشية الله وتعظيمه ومراقبته؛ فإن رأس العلم خشية الله سبحانه وتعالى، وتعظيم حرماته، ومراقبته عز وجل فيما يأتي العبد ويذر، فمن فقد خشية الله، ومراقبته فلا قيمة لعلمه، إنما العلم النافع.
والفقه في الدين الذي هو علامة السعادة، هو العلم الذي يؤثر في صاحبه خشية الله، ويورثه تعظيم حرمات الله ومراقبته، ويدفعه إلى أداء فرائض الله وإلى ترك محارم الله، وإلى الدعوة إلى الله عز وجل، وبيان شرعه لعباده…..
فمن شأن المؤمن طلب العلم والتفقه في الدين، والتبصر، والعناية بكتاب الله والإقبال عليه وتدبره، والاستفادة منه والعناية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتفقه فيها، والعمل بها، وحفظ ما تيسر منها، فمن أعرض عن هذين الأصلين، وغفل عنهما: فذلك دليل وعلامة على أن الله سبحانه لم يرد به خيرا، وذلك علامة الهلاك والدمار، وعلامة فساد القلب وانحرافه عن الهدى “.
انتهى من ” مجموع فتاوى ابن باز ” (9/ 129-130).
والله تعالى أعلم.
10 – قال الشيخ عزيز عنزي مبينا أن الداعية إلى الله لابد يكون على علم:
فصل وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تشير إلى فضل العلم وأهله، وفيما يلي ذكر شيء منها: قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] (١) .
الأحاديث النبوية والآثار السلفية في فضل العلم: وردت أحاديث كثيرة في فضل العلم وأهله منها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال ﷺ: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» (٣) .
وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (٤) .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (٥) .
وأما أقوال السلف الصالح في هذا الباب فهي كثيرة، من ذلك (٦) .
يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ” لأن أجلس ساعة فأتفقه في ديني أحب إلي من إحياء ليلة إلى الصباح “.
وقال أيضا: ” لكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه، وما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين “.
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: ” تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، وتعليمه جهاد. . . إلخ “.
وقال أيضا: ” لأن تغدو فتتعلم بابا من أبواب العلم خير لك من أن تصلي مائة ركعة “.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: ” تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها “.
وفي ” مسائل إسحاق بن منصور “: قلت لأحمد: قوله ” تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها “، أي علم أراد؟ قال: ” هو العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم “، قلت: في الوضوء والصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا؟ قال: ” نعم “.
وقال سفيان الثوري رحمه الله: ” ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت فيه النية “.
تحذير السلف من الجاهل: ولقد كان السلف الصالح يعدون من يتصدر للتعليم والوعظ والخطابة ولا علم له من السفلة ومحلا للاستهجان والتندر؛ لأنه يفسد أكثر مما يصلح، ويضل أكثر مما يرشد، ومن قدروا على منعه منعوه،
حسما للمفاسد التي تترتب على ولوج هذا الباب العظيم؛ قد يفهم نصوصا على غير مرادها، ولذلك يكمن خطر هذا الجنس عند الدهماء والعامة الذين لا يميزون فمن تزيا بزي العلماء وحدثهم بأمور الشرع والدين صدقوه على أنه من العلماء، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان ”
وبالجملة فإن السلف رحمهم الله كانوا يوصون بالعلم، ويحرضون على طلبه، ويعدونه من أهم وأجل ما ينبغي على المرء فعله، وكانوا يرجون للمتعلم، ويخافون على الجاهل من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
يقول العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في وصيته للدعاة عن ضرورة طلبهم العلم الشرعي، واعتنائهم به، ويرشدهم إلى الكتب النافعة التي يجب عليهم أن يتعاهدوها ويتعلموها قبل أن يتصدروا لتعليم الناس ووعظهم: ” أعظم كتاب وأشرف كتاب أنصح به هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأنصح كل داع إلى الله وكل آمر بالمعروف وناه عن المنكر ومعلم ومدرس ومرشد – ذكرا كان أو أنثى – أن يعتني بكتاب الله ويتدبره، ويكثر من قراءته، فهو أصل كل خير، وهو المعلم وهو الهادي إلى الخير، كما قال عز وجل: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء: ٩] (٢) .
وهو يهدي بهداية الله إلى الطريق الأقوم إلى سبيل الرشاد، فالواجب على الدعاة والآمرين بالمعروف والمعلمين أن يجتهدوا في قراءته وتدبر معانيه، فإنهم بذلك يستفيدون الفائدة العظيمة، ويتأهلون بذلك للدعوة والتعليم بتوفيق الله عز وجل، ثم أنصح بالسنة، وما جاء فيها من العلم والهدى، وأن يراجع الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمدرس – ذكورا وإناثا – كتب الحديث وما ألفه الناس من هذا حتى يستفيد من ذلك …
لفته :
إن غالب من يكتب في هذا الشأن يعقدون فصولا عن ثقافة الداعية، ويعنون بهذه الثقافة هي تأهيل الداعية لبناء خلفية معرفية عن الواقع المعاصر – الذي يعايشه – السياسي، والاجتماعي، والنفسي وغير ذلك، ولا يعطون العلم الشرعي المؤصل المبني على الدليل من الكتاب والسنة حقه إلا على سبيل الإشارة، مع أن الذي لا شك فيه أن العلم الشرعي يمثل العمود الفقري للداعية في دعوته؛ لأن به يميز الأمور، ويحافظ على الأصيل، ويستطيع أن يتعامل مع الجديد وفق الضوابط الشرعية والأصول المرعية، ولذلك تجد كثيرا من المعاصرين يغرقون في الجوانب الثقافية المذكورة، وأصبحت قراءة كتب الشرق والغرب من أولى أولوياتهم وأكبر اهتماماتهم، حتى إن بعض من يكتب في مثل هذا تجد استشهاده بنظريات الغرب وذكر أسماء منظريهم أكثر من ذكر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال أئمة العلم والدين في القديم والحديث
كتاب البصيرة في الدعوة إلى الله ٣٣-٣٩
11 – تخريج أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه
( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، واعقلوا ما تسمعون من المطيعين منهم، فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة)
وأن الأقرب إن صح أنه بلفظ (احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ، وَلَقِّنُوهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ وَيَسْمَعُونَ)
قال باحث:
هذا الأثر ذكره الحافظ ابن حجر في “نتائج الأفكار” (4/ 291)، وقال:
(أخرجه سعيد بن منصور من مرسل مكحول أن عمر كتب إلى أهل الشام: ” لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، واعقلوا ما تسمعون من المطيعين منهم، فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة” ).
ومن مرسل الحسن عن عمر نحوه؛ وفيه: ” فإنهم يرون ويقال لهم “.
وذكره الحافظ العراقي في تخريج الإحياء، قال:
(رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين عن علي بن الجعد عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول قال قال عمر فساقه وقال أبو بكر المروزي في كتاب الجنائز حدثنا القواريري حدثنا يزيد بن زريع أخبرنا يونس عن الحسن قال قال عمر رضي الله عنه أحضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله فإنهم يرون ويقال لهم وقال المروزي أيضاً حدثنا سريج حدثنا هشيم أخبرنا يونس بمثله وقال أيضاً حدثنا الثعلبي حدثنا وكيع عن سفيان عن برد عن مكحول قال قال عمر لقنوا موتاكم لا إله إلا الله واعقلوا ما تسمعون من المطيعين منكم فإنه يخيل إليهم أمور صادقة. وقال أيضًا حدثنا سريج حدثنا إسماعيل عن برد عن مكحول فمثله.
قال السيوطي في الأمالي: هذا أثر لا بأس به ورجال هذه الأسانيد ثقات إلا أن الحسن ومكحولاً لم يدركا عمر).
ورواية الحسن عن عمر؛ رواها ابن أبي شيبة في ” المصنف ” (10963 – تحقيق عوامة) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ عُمَرُ: «احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ، وَذَكِّرُوهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ وَيُقَالُ لَهُمْ»).
والأثر أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في العديد من مؤلفاته جازمًا بنسبته لعمر رضي الله عنه.
وقال باحث :
هذا اللفظ بالمعنى ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (67) وغيره.
نقله عنه تلميذه ابن القيم في إعلام الموقعين (5/175)، فقال: واقتدى [وفي لفظ: “استدل”] الإمام أحمد بقول عمر بن الخطاب: فذكره.
يقصد بالإمام أحمد هنا هو شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله، وقد آيس محقق الكتاب في البحث عنه.
وذكره في درء التعارض (8/518)، بلفظ:
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول – ويكتب بذلك إلى عماله-: (احفظوا عن المطيعين لله ما يقولون، فإنه يتجلى لهم أمور صادقة). اهـ.
قلتُ: هو منقول عن أبي طالب المكي في قوت القلوب (1/231)، فقال:
كتب عمر إلى أمراء الأجناد: “احفظوا ما تسمعون من المطيعين فإنهم تجلّى لهم أمور صادقة”. اهـ.
قلتُ: لم أقف عليه مسندا، وعزاه السيوطي في الجامع الكبير (4/676) إلى سنن سعيد بن منصور والجنائز لأبي بكر المروزي، بلفظ عَنْ عُمَرَ قَالَ:
احْضرُوا مَوْتَاكُمْ وَذَكِّرُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا تَرَوْنَ، وَلَقِّنُوهُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَاعْقِلُوا مَا تَسْمَعُونَ مِنَ الْمُطِيعِينَ مِنْكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَهُمْ أُمُورٌ صَادِقَةٌ”. اهـ.
وذكر السيوطي في شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور (95) أنهما أخرجها من طريق مكحولا به.
فيكون بذلك منقطعا؛ فإنه لم يسمع مكحول من عمر، وقد روي نحوه فيما خرجه ابن أبي الدنيا في المحتضرين وغيره [8]، فقال:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:
” احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ وَذَكِّرُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لا تَرَوْنَ، وَلَقِّنُوهُمْ شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ “. اهـ.
وهذا إسناد فيه عبد الرحمن بن ثابت العنسي “صدوق زاهد يخطىء ورمي بالقدر وتغير بأخرة”، كذا قال الحافظ ابن حجر لكنه توبع كما سيأتي.
وله شواهد عن التابعين منه ما خرجه ابن أبي شيبة في مصنفه [10954]، فقال:
حَدَّثَنَا إسماعيل بن علية، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ عُمَرُ: ” احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ وَذَكِّرُوهُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ وَيُقَالُ لَهُمْ “. اهـ.
ومنه ما خرجه الطبري في تفسيره [19 : 528]، فقال: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ:
ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ” {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ }، قَالَ:
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ، وَلَقِّنُوهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ وَيَسْمَعُونَ “. اهـ.
وخرج عبد الرزاق في مصنفه [6043]، فقال: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ:
” احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ، فَأَلْزِمُوهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَغْمِضُوا أَعْيُنَهُمْ، وَاقْرَءُوا عِنْدَهُمُ الْقُرْآنَ “. اهـ.
وخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه [10979]، فقال:
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: ” لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَغْمِضُوا أَعْيُنَهُمْ إذَا مَاتُوا “. اهـ.
فلعل بهذه الشواهد يتقوى، والله أعلم.
ثم قد أفاد بعض الباحثين :
والشواهد التي ذكرت ورواية ثابت ابن ثوبان وهو أوثق من برد بن سنان ترد زيادته: “وَاعْقِلُوا مَا تَسْمَعُونَ مِنَ الْمُطِيعِينَ مِنْكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَهُمْ أُمُورٌ صَادِقَةٌ”،
فلعلها غير محفوظة أو مروية بالمعنى أو هي من زياداته لتفسير الأثر.
وله شاهد فيما خرجه ابن سعد وغيره في الطبقات الكبرى [6 : 368]، فقال:
أَخْبَرَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَالْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَقَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، قَالَ:
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ وَكِيعٌ فِي حَدِيثِهِ: فَقُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ:
” أَمَّا بَعْدُ، قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَمِيرًا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ وَكِيعٌ: مُعَلِّمًا وَوَزِيرًا، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَقَبِيصَةُ: مُؤَدِّبًا وَوَزِيرًا،
وَهُمَا مِنَ النُّجَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَاقْتَدُوا بِهِمَا، وَاسْمَعُوا مِنْ قَوْلِهِمَا، وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِي “. اهـ.
وهذا إسناد صحيح، وله شاهد فيما خرجه عبد الله في زوائد الزهد [1012]، فقال:
حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ،
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلا كَتَبَ فِي عَهْدِهِ: وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا مَا عَدَلَ فِيكُمْ، إلخ.
فذكر قصة استعماله لحذيفة رضي الله عنه على المدائن، وهذا إسناد صحيح إلى ابن سيرين.
والله أعلم.