[1ج/ رقم (618)] فتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع محمد البلوشي وطارق أبوشديد وأحمد بن علي وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الصحيح المسند
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (618)]:
قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج ٨ ص ٥٧٥): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ أخبرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبَي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِيَهُودَ أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهُ هَذَا الرَّجُلَ فَقَالُوا سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ قَالَ فَسَأَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قَالُوا أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا أُوتِينَا التَّوْرَاةَ وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا فَأُنْزِلَتْ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةَ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
قال أبو عبد الرحمن: هو صحيحٌ على شرط البخاري. وقد أخرجه الإمام أحمد (ج ١ ص ٢٥٥) فقال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد به.
وأخرجه أبو يَعْلى (ج ٤ ص ٣٨٠).
وأخرجه الحاكم (ج ٢ ص ٥٣١) فقال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبأنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأنا ابن أبي زائدة به.
ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
===================
قال الألباني : حسن صحيح انظر التعليقات الحسان
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى، في السنن، أبواب التفسير عن رسول الله صل الله عليه وسلم، ١٨ – ومن سورة بني إسرائيل، (٣٤٠٧).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
1- كتاب العلم، ٩٦ – الجواب على السائل المتعنت، (١٤٣).
و١٥ – كتاب دلائل النبوة، ٤ – إذعان أهل الكتاب لما يقوله – ﷺ – ولما أتى به ولم يمنعهم من الإسلام إلا العناد، (٢٢٤١).
و33- كتاب التفسير، سورة الإسراء، ٢٣٧ – قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، (٤١٨٧).
والثاني: شرح وبيان الحديث:
أيَّدَ اللهُ سُبحانه وتَعالى نَبيَّه محمَّدًا بعِلمِ بعضِ الغَيبيَّاتِ التي سأَلَه عنها المشرِكون واليهودُ، فأجابَهم بما يُفحِمُهم، ويُرشِدُهم إلى الهِدايةِ والإيمانِ باللهِ بإقامةِ الحُجَّةِ عليهم.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: (قالتْ قُريشٌ لِيَهودَ: أَعطُونا شيئًا نَسأَلُ هذا الرجُلَ)، أي: أَعطُونا شيئًا ممَّا عِندَكم به عِلمٌ لِنَسأَلَ عنه محمَّدًا؛ لِنَختبِرَه به، (فقالوا: سَلُوه) أي: النبيّ -ﷺ-، وأصله: اسألوه، (عن الرُّوحِ)، أي: عن كُنْهِها وحَقيقتِها، وقد سَأَلوه عن الرُّوحِ التي تكونُ بها الحياةُ، كما في رِوايةِ الطَّبَريِّ: “عن الرُّوحِ، وكيف تُعذَّبُ الرُّوحُ التي في الجسَدِ، وإنَّما الرُّوحِ مِن اللهِ؟!”.
ووقع في بعض التفاسير أن الحكمة في سؤال اليهود عن الروح أن عندهم في التوراة أن روح بني آدم لا يعلمها إلا الله، فقالوا: نسأله، فإن فسَّرها فهو نبيّ، وهو معنى قولهم: «لا يجيء بشيء تكرهونه»، وروى الطبريّ من طريق، مغيرة، عن إبراهيم، في هذه القصّة، فنزلت الآية، فقالوا: هكذا نجده عندنا، ورجاله ثقات، إلا أنه سقط من الإسناد علقمة، قاله في «الفتح» [«الفتح» ١٠/ ٣٠٨].
قال ابنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: (فأنزَلَ اللهُ تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85])، أي: إنَّ الرُّوحَ أمْرٌ ربَّانيٌّ استأثَرَ اللهُ سُبحانه وتَعالى بعِلمِه دونَ ما سِواهُ، وإنَّ العِلمَ الَّذي لَدَيكم ليس إلَّا شيئًا قليلًا وجُزءًا يَسيرًا؛ لأنَّ عِلْمَ الإنسانِ بالغًا ما بلَغَ؛ فهو مَحدودٌ، وعقْلُه أيضًا محدودٌ، وأسرارُ هذا الوُجودِ أوسَعُ مِن أنْ يُحيطَ بها العَقلُ البَشريُّ المحدودُ.
(قالوا: أُوتِينا عِلمًا كثيرًا؛ التَّوراةَ)، وهذا إقرارٌ منهم بما عِندهم مِن العِلمِ الموجودِ في التَّوراةِ المُنزَّلةِ على نَبيِّ اللهِ مُوسى، (ومَن أُوتِيَ التَّوراةَ فقد أُوتِيَ خيرًا كثيرًا)، ولو أنَّهم صَدَقوا لاتَّبَعوا ما فيها مِن الحقِّ، وآمَنوا بالنبيِّ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الذي يَجِدونه عِندَهم في التَّوراةِ، (فأنزَلَ اللهُ تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف: 109])، أي: لو أنَّ ماءَ البَحرِ حِبرًا للقَلَمِ الذي يَكتُبُ كلامَ اللهِ، ({لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109])، يعني: لَانتَهى ماءُ البحرِ قبْلَ أنْ يَنفَدَ كلامُ ربِّي وحكمِه، إلى آخِرِ الآيةِ. وفي هذه الآيةِ: إثباتُ صِفةِ الكلامِ للهِ عزَّ وجلَّ، وهي على الوَجهِ الذي يَليقُ به سبحانه وتعالى دُونَ تَكييفٍ أو تمثيلٍ بأحدٍ مِن خَلْقِه، وكلامُه سبحانَه وكَلِماتُه غير مخلوقةٍ، ولو كانتْ كَلماتُه مَخلوقةً لَنَفِدَتْ كما تَنفَدُ البِحارُ والأشجارُ وجميعُ المُحدَثاتِ، لكنْ كما لا يُحاطُ بوَصْفِه تعالى، كذلك لا يُحاطُ بكَلِماتِه وجميعِ صِفاتِه سُبحانَه.
في الحديثِ: أنَّ الرُّوحَ غَيبٌ، وسِرٌّ مِن أسرارِ اللهِ القُدُسيَّةِ.
وفيه: قِلَّةُ عِلمِ الإنسانِ وضآلَتُه، وأنَّ العقلَ البَشريَّ لا يُحيطُ بكلِّ شَيءٍ. [الدرر].
—
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): وقفات مع نص الحديث، وفيه مطالب:
(المطلب الأول): روايات الحديث:
ورد في لفظ الصحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَرْثٍ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالُوا: مَاَ رَابَكُمْ إِلَيْهِ؟ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، فَسَأَلَهُ عَنِ الرُّوحِ، قَالَ: فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَقُمْتُ مَكَانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. صحيح البخاري ٤٧٢١ وصحيح مسلم. ٢٧٩٤
قال في «الفتح»: قوله: «في حرث» بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها مثلثة، ووقع في «كتاب العلم» -أي: عند البخاريّ- من وجه آخر بخاء معجمة، وموحّدة، وضبطوه بفتح أوله، وكسر ثانيه، وبالعكس، والأول أصوب، فقد أخرجه مسلم من طريق مسروق، عن ابن مسعود بلفظ: «كان في نخل»، وزاد في رواية العلم: «بالمدينة»، ولابن مردويه من وجه آخر، عن الأعمش: «في حرث للأنصار»، وهذا يدلّ على أن نزول الآية وقع بالمدينة، لكن روى الترمذيّ من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس: «قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]» ورجاله رجال مسلم، وهو عند ابن إسحاق من وجه آخر، عن ابن عباس نحوه.
ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا، وإلا فما في الصحيح أصحّ. انتهى [«الفتح» ١٠/ ٣٠٣، «كتاب التفسير» رقم (٤٧٢١)].
وكذلك ابن كثير قال لعلها نزلت مرتين أو لعله صلى الله عليه وسلم أعادها مرة أخرى . وكذلك السندي وضع احتمال أنها نزلت مرتين .
(المطلب الثاني): في توضيح الآية:
(فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ) وفي رواية للبخاريّ: «حتى صعد الوحي، فقال»، وفي رواية له: «فقمت، فلما انجلى». (قَالَ) النبيّ -ﷺ-: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾) [الإسراء: ٨٥]. قال ابن جرير الطبريّ -رحمه الله-: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد -ﷺ-: ويسألك الكفار بالله من أهل الكتاب عن الروح، ما هي؟ قل لهم: الروح من أمر ربىِ، وما أوتيتم أنتم، وجميع الناس من العلم إلا قليلًا، وذُكِر أن الذين سألوا رسول الله -ﷺ- عن الروح، فنزلت هذه الآية بمسألتهم إياه عنها، كانوا قومًا من اليهود. انتهى [«تفسير الطبريّ» ١٧/ ٥٤١].
وقال الشوكانيّ -رحمه الله-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قد اختَلف الناس في الروح المسؤول عنه، فقيل: هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، وبهذا قال أكثر المفسرين. قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان، لم يخبر الله سبحانه به أحدًا من خلقه، ولم يعط علمه أحدًا من عباده فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: إنكم لا تعلمونه، وقيل: الروح المسؤول عنه: جبريل، وقيل: عيسى، وقيل القرآن، وقيل: ملك من الملائكة عظيم الخلق، وقيل: خَلْق كخلق بني آدم، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته، ولا فائدة في إيراده، والظاهر القول الأول، قال: ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح؛ لأن معرفة حقيقة الشيء أهمّ، وأقدم من معرفة حالٍ من أحواله، ثم أمَره سبحانه أن يجيب على السائلين له عن الروح فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. «من» بيانية، والأمر: الشأن، والإضافة للاختصاص؛ أي: هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأشياء التي لم يُعلم بها عباده، وقيل: معنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من وحيه، وكلامه، لا من كلام البشر.
ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: أن علمكم الذي علّمكم الله، ليس إلّا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن أوتي حظًا من العلم وافرًا، بل علم الأنبياء -عليهم السلام- ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلّا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى والخضر -عليه السلام-. انتهى [«فتح القدير» للشوكانيّ ٤/ ٣٤٨].
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هكذا في هذه الرواية، وقد بيّن مسلم فيما بعدُ أن في رواية عيسى بن يونس: «وما أوتوا من العلم إلا قليلًا»، وكذلك وقع اختلاف في رواية البخاريّ، فقال في «الفتح»: قوله: «وما أوتيتم من العلم» كذا للكشميهنيّ هنا -أي: في التفسير- وكذا لهم في «الاعتصام»، ولغير الكشميهنيّ هنا: «وما أوتوا» وكذا لهم في «العلم»، وزاد: «قال الأعمش: هكذا قراءتنا»، وبيّن مسلم اختلاف الرواة عن الأعمش فيها، وهي مشهورة عن الأعمش، أعني بلفظ: «وما أوتوا»، ولا مانع أن يذكرها بقراءة غيره، وقراءة الجمهور: «وما أوتيتم» والأكثر على أن المخاطب بذلك اليهود، فتتحد القراءتان، نعم وهي تتناول جميع علم الخلق بالنسبة إلى علم الله. ووقع في حديث ابن عباس: «أن اليهود لمّا سمعوها قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية [الكهف: ١٠٩]»، قال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو استثناء من العلم؛ أي: إلا علمًا قليلًا، أو من الإعطاء؛ أي: إلا إعطاء قليلًا، أو من ضمير المخاطب، أو الغائب، على القراءتين؛ أي: إلا قليلًا منهم، أو منكم، والله تعالى أعلم. قاله الإتيوبي في البحر المحيط الثجاج (43/ 368 وما بعدها).
(المطلب الثالث): فيما قاله أهل العلم في المراد بقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾:
قال الإسماعيليّ -رحمه الله-: يحْتَمِل أن يكون جوابًا، وأن الروح من جملة أمر الله، وأن يكون المراد: أن الله اختص بعلمه، ولا سؤال لأحد عنه.
وقال ابن القيّم -رحمه الله-: ليس المراد هنا بالأمر الطلب اتفاقًا، وإنما المراد به المأمور، والأمر يُطلق على المأمور؛ كالخلق على المخلوق، ومنه: ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١].
قال الراجحي : أن الله تعالى أخبر أن الروح من أمر الله كقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وأمره غير مخلوق وأجيب بأنه ليس المراد هنا بالأمر الطلب، الذي هو أحد أنواع الكلام، فيكون المراد أن الروح كلامه الذي يأمر به، فليس المراد به الأمر الكلامي حتى يكون قديما، وإنما المراد الأمر هنا المأمور، والمصدر يذكر، ويراد به اسم المفعول، وهذا معلوم مشهور، وهو عرف مستعمل في لغة العرب، وفي القرآن منه كثير كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي مأموره الذي قدره وقضاه، وقال له: كن فيكون.
شرح الطحاوية للراجحي
وقال ابن بطال -رحمه الله-: معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه، بدليل هذا الخبر، قال: والحكمة في إبهامه اختبار الخلق؛ ليُعَرّفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه، حتى يضطرهم إلى ردّ العلم إليه.
وقال القرطبيّ -رحمه الله-: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء؛ لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه، مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحقّ من باب أَولى.
وجنح ابن القيم في «كتاب الروح» إلى ترجيح أن المراد بالِروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قال: وأما أرواح بني آدم، فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفسًا، قال الحافظ: كذا قال، ولا دلالة في ذلك لِمَا رجّحه، بل الراجح الأول، فقد أخرج الطبريّ من طريق العوفيّ، عن ابن عباس في هذه القصّة أنهم قالوا عن الروح، وكيف يعذّب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية.
وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يُطلع نبيّه -ﷺ- على حقيقة الروح، بل يَحْتَمِل أن يكون أطلعه، ولم يأمره أنه يطلعهم، وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا، والله أعلم.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: العجب من الحافظ ينقل هذا القول، ويسكت عليه، وهو من منكر القول، فهل بعد هذه الآية بأن الروح من أمر الله، وليست من معلومات الخلق، وبعد قوله -ﷺ- في الحديث الصحيح: «مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، فهل يدعي عاقل بعد هذا كلّه بأن الله تعالى أطلع نبيّه -ﷺ- على هذه المغيّبات؟ بل صرّح بعضهم بأنه -ﷺ- لم يخرج من الدنيا حتى أطلعه الله على هذا المغيّبات، فهذا هو التقوّل على الله تعالى بلا علم، نسأل الله تعالى أن يعافينا من ذلك آمين.
قال الحافظ: وممن رأى الإمساك عن الكلام في الروح أستاذ الطائفة أبو القاسم، فقال فيما نقله في “عوارف المعارف” عنه بعد أن نقل كلام الناس في الروح: وكان الأَولى الإمساك عن ذلك، والتأدب بأدب النبيّ -ﷺ-، ثم نقل عن الجنيد أنه قال: الروح استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود، وعلى ذلك جرى ابن عطية، وجَمْع من أهل التفسير، وأجاب من خاض في ذلك بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز، وتغليط؛ لكونه يُطلق على أشياء، فأضمروا أنه بأيّ شيء أجاب، قالوا: ليس هذا المراد، فردّ الله كيدهم، وأجابهم جوابًا مجملًا مطابقًا لسؤالهم المجمل.
وقال السُّهْرَورديّ في «العوارف»: يجوز أن يكون من خاض فيها سلك سبيل التأويل، لا التفسير؛ إذ لا يسوغ التفسير إلا نقلًا، وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل، وهو ذِكر ما لا يَحْتمل إلا به من غير قطع بأنه المراد، فمن ثَمّ يكون القول فيه، قال: وظاهر الآية المنع من القول فيها؛ لختم الآية بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: اجعلوا حكم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه، فلا تسألوا عنه، فإنه من الأسرار.
وقيل: المراد بقوله: ﴿أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] كون الروح من عالم الأمر الذي هو عالم الملكوت، لا عالم الخلق الذي هو عالم الغيب والشهادة.
وقد خالف الجنيدَ ومن تبعه من الأئمة جماعةٌ من متأخري الصوفية، فأكثروا من القول في الروح، وصرّح بعضهم بمعرفة حقيقتها، وعاب من أمسك عنها.
ونقل ابن منده في «كتاب الروح» له عن محمد بن نصر المروزيّ الإمام المطلع على اختلاف الأحكام من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار، أنه نقل الإجماع على أن الروح مخلوقة، وإنما يُنقَل القول بقدمها عن بعض غلاة الرافضة، والمتصوفة.
واختُلف هل تفنى عند فناء العالم قبل البعث، أو تستمرّ باقية؟ على قولين، والله أعلم. انتهى [«الفتح» ١٠/ ٣٠٧ – ٣٠٨].
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الاختلاف أيضًا من نوع الاختلاف السابق، فهو من الخوض فيما لا يعني، والحقّ تفويض علم ذلك إلى القائل الحكيم: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللَّهُمَّ رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لِمَا اختُلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، آمين. قاله الإتيوبي رحمه الله تعالى. [البحر المحيط الثجاج (43/ 371 وما بعدها)].
(المطلب الرابع): الفرق بين الروح والنفس :
قال ابن العربيّ: اختلفوا في الروح والنفس، فقيل: متغايران، وهو الحقّ، وقيل: هما شيء واحد، قال: وقد يعبَّر بالروح عن النفس، وبالعكس، كما يعبَّر عن الروح، وعن النفس بالقلب، وبالعكس، وقد يعبَّر عن الروح بالحياة، حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء، بل إلى الجماد مجازًا.
وقال السهيليّ: يدلّ على مغايرة الروح والنفس قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك. انتهى [«الفتح» ١٠/ ٣٠٤ – ٣٠٦]. قاله الإتيوبي في [البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الثانية): من أساليب الصد عن دين الله تعالى: المجادلات التي أثارها المشركون مع رسول الله – ﷺ – سؤالهم عن الروح
* أساليب الصد عن دين الله تعالى متنوعه، ومما أستخدموه مجادلة قريش للنبي – ﷺ -.
* رسولنا – ﷺ – في مكة يدعو الناس سرًا وجهرًا، وليلًا ونهارًا إلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك، ومن عبادة الأصنام.
وكفار مكة ينتقلون من أسلوب إلى أسلوب؛ ليصدوا الناس عن هذا الدين العظيم، ويصدوا رسول الله – ﷺ – عن دعوته، و[قد] تبين لنا أن كفار مكة استخدموا أسلوب المفاوضات، وأنصاف الحلول، وطلب المعجزات، ولكنهم فشلوا في هذا الأسلوب، فالناس يدخلون في الدين، ويتبعون رسول الله – ﷺ -، فانتقل كفار مكة إلى أسلوب جديد، ألا وهو أسلوب الجدال والمراء لدحض الحق، وصد الناس عن دين الله، والله -عز وجل- يخبرنا عن ذلك في كتابه، أن الذين يجادلون في آيات الله ويجادلون بالباطل هم الكفار.
فقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ [غافر: ٤].
وبين لنا ربنا -جل وعلا- أن جدالهم هذا بالباطل ليدحضوا به الحق.
فقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ [غافر: ٥] وقال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ [الكهف: ٥٦] وأخبرنا ربنا -جل وعلا- أن الذين يدفعونهم إلى هذا الجدال بالباطل هم شياطين الإنس والجن.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [الحج: ٣].
وقد وصف ربنا -جل وعلا- لنا هؤلاء أنهم يجادلون بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وأن الدافع لذلك هو الكبر في قلوبهم، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج: ٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦].
* ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله ﷺ: أولا: البعث بعد الموت. ثانيا: الآلهة التي تعبد من دون الله. ثالثا: الروح رابعا: القدر. خامسا: القرآن الكريم. سادسا: نزول القرآن منجما على رسول الله – ﷺ -. سابعا: مجالسة المستضعفين والفقراء من المؤمنين.
* ومن المجادلات التي أثارها المشركون مع رسول الله – ﷺ – سؤالهم عن الروح.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قالت قريش لليهود، أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه. فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا!! قال: فأنزل الله -عز وجل-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]. [إسناده صحيح، «مسند أحمد» رقم (١٢٣٠٩ – ط المؤسسة)، وانظر «السيرة النبوية الصحيحة» أكرم ضياء العمري (١/ ١٦٤)]. [سبل السلام من صحيح سيرة].
شبهة وجوابها
٥٥. … سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين : عن قول ما يقول إن الإنسان يتكون من عنصرين عنصر من التراب وهو الجسد، وعنصر من الله وهو الروح؟ .
فأجاب بقوله: هذا الكلام يحتمل معنيين:
أحدهما: أن الروح جزء من الله.
والثاني: أن الروح من الله خلقا.
وأظهرهما أنه أراد أن الروح جزء من الله لأنه لو أراد أن الروح من الله خلقا لم يكن بينها وبين الجسد فرق إذ الكل من الله – تعالى – خلقا وإيجادا. والجواب على قوله أن نقول لا شك أن الله أضاف روح آدم إليه في قوله – تعالى -:) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي «١) وأضاف روح عيسى إليه فقال: …) ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا «٢) وأضاف بعض مخلوقات أخرى إليه كقوله:) وطهر بيتي للطائفين والقائمين «١) . وقوله:) وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه «٢) . وقوله عن رسوله صالح:) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها «٣) ولكن المضاف إلى الله نوعان:
أحدهما: ما يكون منفصلا بائنا عنه، قائما بنفسه أو قائما بغيره، فإضافته إلى الله تعالى إضافة خلق وتكوين، ولا يكون ذلك إلا فيما يقصد به تشريف المضاف أو بيان عظمة الله – تعالى -، لعظم المضاف، فهذا النوع لا يمكن أن يكون من ذات الله – تعالى -، فلأن ذات الله تعالى واحدة لا يمكن أن تتجزأ أو تتفرق، وأما كونه لا يمكن أن يكون من صفات الله فلأن الصفة معنى في الموصوف لا يمكن أن تنفصل عنه، كالحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والسمع، والبصر، وغيرها. فإن هذه الصفات صفات لا تباين موصوفها، ومن هذا النوع إضافة الله – تعالى – روح آدم وعيسى إليه، وإضافة البيت وما في السموات والأرض إليه، وإضافة الناقة إليه، فروح آدم، وعيسى قائمة بهما، وليست من ذات الله – تعالى -، ولا من صفاته قطعا، والبيت وما في السموات والأرض، والناقة أعيان قائمة بنفسها، وليس من ذات الله ولا من صفاته، وإذا كان لا يمكن لاحد أن يقول: إن بيت الله، وناقة الله من ذاته ولا من صفاته، ولا فرق بينهما إذ الكل بائن منفصل عن الله – عزل وجل – وكما أن البيت والناقة من الأجسام فكذلك الروح جسم تحل بدن الحي بإذن الله، يتوفاها الله حين موتها، ويمسك التي قضى عليها الموت، ويتبعها بصر الميت حين تقبض، لكنها جسم من جنس آخر.
النوع الثاني من المضاف إلى الله: ما لا يكون
منفصلا عن الله بل هو من صفاته الذاتية أو الفعلية، كوجهه، ويده، سمعه، وبصره، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ونحو ذلك، فإضافته إلى الله – تعالى – من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وليس من باب إضافة المخلوق والمملوك إلى مالكه وخالقه.
وقول المتكلم (إن الروح من الله) يحتمل معنى آخر غير ما قلنا: إنه الأظهر، وهو أن البدن مادته معلومة، وهي التراب، أما الروح فمادتها غير معلومة، وهذا المعنى صحيح. كما قال الله – تعالى -) ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا «١) . – وهذه والله أعلم – من الحكمة في إضافتها إليه أنها أمر لا يمكن أن يصل إليه علم البشر بل هي مما استأثر الله بعلمه كسائر العلوم العظيمة الكثيرة التي لم نؤت منها إلا القليل، ولا نحيط بشيء من هذا القليل إلا بما شاء الله – تبارك وتعالى –
المناهي اللفظية ١/٦٥ وما بعدها لابن عثيمين .
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): بيان جواز سؤال العالم في حال قيامه، ومشيه، إذا كان لا يثقل ذلك عليه.
2 – (ومنها): أدب الصحابة -رضي الله عنهم- مع النبيّ -ﷺ-، حيث تأدب ابن مسعود -رضي الله عنه- لَمّا علم بنزول الوحي، فوقف حتى لا يشوش عليه.
3 – (ومنها): العمل بما يغلب على الظنّ، حيث توقّف ابن مسعود حيث ظنّ نزول الوحي.
4 – (ومنها) التوقف عن الجواب بالاجتهاد لمن يتوقع النصّ.
5 – (ومنها): أن بعض المعلومات قد استأثر الله – سبحانه وتعالى – بعلمه وحقيقته؛ كالروح.
6 – (ومنها): أن الأمر يَرِد لغير الطلب، والله أعلم.
7 – (ومنها): ما قاله الشوكانيّ -رحمه الله-: في هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ما هَيْئتها، وإيضاح حقيقتها، أبلغ زجر، ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا يتسع له المقام، وغالبه، بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا.
وقد حَكَى بعض المحققين أن أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر ومائة قول، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ، والتعب العاطل عن النفع،
بعد أن علموا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه، ولم يُطلع عليه أنبياءه، ولا أَذِن لهم بالسؤال عنه، ولا البحث عن حقيقته، فضلًا عن أممهم المقتدين بهم، فيالله العجب حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحدّ الذي لم تبلغه، ولا بعضه في غير هذه المسألة، مما أذن الله بالكلام فيه، ولم يستأثر بعلمه. انتهى. [«فتح القدير» للشوكانيّ ٤/ ٣٤٨]، وهو كلام وجيه، وتنبيه نَبِيه، خلاصته أنه لا ينبغي لعاقل فضلًا عن العالِم أن يشتغل بفضول الكلام، ولا سيّما فيما سدّ الشارع طريق البحث، فالواجب فيه السكوت، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة، فهذا هو الحقّ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟
عصمنا الله تعالى من الاشتغال بما لا ينفعنا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم آمين. [البحر المحيط الثجاج].
8 – (ومنها): “إثباتُ صِفةِ الكلامِ للهِ عزَّ وجلَّ، وهي على الوَجهِ الذي يَليقُ به سبحانه وتعالى دُونَ تَكييفٍ أو تمثيلٍ بأحدٍ مِن خَلْقِه، وكلامُه سبحانَه وكَلِماتُه غير مخلوقةٍ، ولو كانتْ كَلماتُه مَخلوقةً لَنَفِدَتْ كما تَنفَدُ البِحارُ والأشجارُ وجميعُ المُحدَثاتِ، لكنْ كما لا يُحاطُ بوَصْفِه تعالى، كذلك لا يُحاطُ بكَلِماتِه وجميعِ صِفاتِه سُبحانَه.
9 – (ومنها): أنَّ الرُّوحَ غَيبٌ، وسِرٌّ مِن أسرارِ اللهِ القُدُسيَّةِ.
10 – (ومنها): قِلَّةُ عِلمِ الإنسانِ وضآلَتُه، وأنَّ العقلَ البَشريَّ لا يُحيطُ بكلِّ شَيءٍ”. [الدرر].