[1ج/ رقم (612)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (612)]:
قال الإمام أحمد رحمه الله (٢٠٩٤): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الْخَمْرِ».
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا قيس بن حبتر، وقد وثَّقه أبو زرعة والنسائي، كما في «تهذيب التهذيب».
* قال أبو داود رحمه الله (ج ٩ ص ٣٧٥): حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَإِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا.
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا قيس بن حبتر، وقد وثَّقه أبو زرعة والنسائي، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري.
الحديث أخرجه النسائي (ج ٧ ص ٣٠٩) فقال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى قَالَ أَنْبَأَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ -فِي أَشْيَاءَ حَرَّمَهَا- «وَثَمَنُ الْكَلْبِ».
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد في مسنده، (٢٠٩٤).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١٠ – كتاب البيوع، ٢٥ – النهي عن مهر البغي وثمن الكلب وثمن الخمر، (١٧٢٠).
١١ – كتاب النكاح والطلاق وشيء من أحكام النسوة، ٢٠ – تحريم مهر البغي، (١٧٩٥).
١٢ – كتاب الحدود، ٤ – إقامة الحد على الكتابي، (١٨٦٢).
١٨ – كتاب الأشربة، ١٤ – أشربة محرمة، (٢٧٦٢).
*دراسة الحديث رواية:*
– جاء في أنيس الساري (تخريج أحاديث فتح الباري) ٨/٥٦٩٩ :
٣٩٨٩ -»نهى عن ثمن الكلب وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا«
قال الحافظ: وروى أبو داود من حديث ابن عباس مرفوعا: فذكره، وإسناده صحيح» (١)
صحيح
أخرجه أبو داود (٣٤٨٢) ثنا الربيع بن نافع أبو توبة ثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن قيس بن حَبْتَر عن ابن عباس قال: فذكره.
وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات، وعبيد الله بن عمرو هو الرقي، وعبد الكريم هو ابن مالك الجَزَري.
وأخرجه المزي (٢٤/ ١٨ – ١٩) من طريق ابن أبي عاصم ثنا أبو سفيان عبد الرحيم بن مصرف ثنا عبيد الله بن عمرو به.
ولفظه «نهى عن ثمن الخمر ومهر البغي وثمن الكلب» وقال «إذا أتاك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا»
وقال محققو الرسالة ت: الأرنؤوط – :
إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير قيس بنِ حَبتر، فقد روى له أبو داود، وهو ثقة.
وأخرجه ابنُ أبي شيبة ٦/٢٤٥ و١٤/٢٠٢ عن وكيع، بهذا الإسناد.
وأخرجه الطحاوي ٤/٥٢ من طريق زهير بن معاوية، عن عبد الكريم الجزري، به مختصرًا، ولفظه»ثمن الكلب حرام”.
وأخرجه الطيالسي (٢٧٥٥) عن سلام، عن عبد الكريم الجزري، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب حرام، ومهر البغي حرام، وثمن الخمر حرام». وقال الشيخ أحمد شاكر: وهذا الرجل المبهم هو قيس بن حبتر فإنه نهشلي من بني تميم.
وأخرجه بنحوه النسائي ٧/٣٠٩ من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.
وسيأتي برقم (٢٥١٢) و(٢٦٢٦) و(٣٢٧٣) و(٣٣٤٤) و(٣٣٤٥) .
وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند الطبراني في «الأوسط»، فيما قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/٩١.
وعن أبي مسعود البدري عند الشيخين ولفظه: نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن، وسيأتي في «المسند» ٤/١١٨-١١٩.
(ومهر البغي): ما تأخذه الزانية على الزنى، وسماه مهرًا مجازًا، وهو حرام بالاتفاق.
“والنهي عن ثمن الكلب” ظاهره عدم جواز البيع وعليه الجمهور وجوزه الحنفية، وحملوا الحديث على غير المأذون في اتخاذه، وأما المنتفع به حراسة أو اصطيادًا فيجوز.
قاله السندي”. انتهى.
والثاني: شرح وبيان الحديث
((قال الإمام أحمد رحمه الله (٢٠٩٤): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
وأخرج البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: «نَهَى رسول الله – ﷺ – عن كسب الإماء»، زاد في رواية أبي داود، من حديث رافع بن خَدِيج – رضي الله عنه -: «نَهَى عن كسب الأمة، حتى يُعْلَم من أين هو؟»، فعُرِف بذلك النهي، والمراد به كسبها بالزنا، لا بالعمل المباح.
وقد رَوَى أبو داود أيضًا من حديث رِفاعة بن رافع، مرفوعًا: «نَهَى عن كسب الأمة، إلا ما عَمِلت بيدها، وقال هكذا بيده، نحو الغَزْل، والنَّفْش»((حسنه الألباني كما في صحيح الجامع ))، وهو بالفاء؛ أي: نتف الصوف، وقيل: المراد بكسب الأمة جميع كسبها، وهو من باب سدّ الذرائع؛ لأنها لا تؤمَن إذا الزمت بالكسب أن تكسب بفرجها، فالمعنى أن لا يُجَعل عليها خراج معلوم، تؤديه كلَّ يوم، أفاده في «الفتح» [»الفتح«٦/ ٧٢١»كتاب البيوع” رقم (٢٢٣٧)] [البحر المحيط الثجاج].
وفي مسلم بلفظ: (شَرُّ الْكَسْب مَهْرُ الْبَغِيِّ). [البحر المحيط الثجاج].
وقوله: ((وَثَمَنِ الْكَلْبِ))، وفي رواية مسلم لفظه: (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) قال في «الفتح»: ظاهر النهي تحريم بيعه، وهو عامّ في كل كلب، مُعَلَّمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومِن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه، وبذلك قال الجمهور -. [البحر المحيط الثجاج].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
تمهيد: أحلَّ اللهُ لعِبادِهِ الطَّيِّباتِ، وحرَّمَ عليهِمُ الخَبائِثَ مِن كُلِّ شَيءٍ وفي كُلِّ شَيءٍ؛ مِن المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، والمَكْسَبِ والتِّجارَةِ، وغيرِ ذلك، كما حَثَّ الشَّرْعُ المُسلِمَ على أنْ يكونَ كَريمَ النَّفْسِ، مُتْرَفِّعًا عَنِ الدَّنايا.
والكلام يدور حول ثلاث فقرات من الحديث:
الفقرة الأولى: («نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ …»)
(المسألة الأولى):
ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه كما في «الأوسط» لابن المنذر، أنه كان يكره مهر البغي، وثمن الكلب، وقال: هو من السحت. [المنتقى شرح الموطأ (5/ 28)].
(المسألة الثانية): المكرهة على الزنى، هل تستحق مهرًا؟
- الجمهور على أن لها المهر؛ لقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فلها المهر بما استحل من فرجها»، فهو يشمل المكرهة، وخالف أبو حنيفة فقال: لامهر لها؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن مهر البغي.
وأُجيب: بأنَّ هذه مكرهة ليست زانية، والصحيح قول الجمهور. [فتح العلام].
(المسألة الثالثة): إذا غصب الرجل جارية، فوطئها؟
قال أبو محمد بن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (٧/ ٣٩١): وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ، فَهُوَ زَانٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ؛ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ مُطَاوِعَةً.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا مَهْرَ لِلْمُطَاوِعَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ – ﷺ – نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مَعَ إكْرَاهِهَا؛ فَيَجِبُ مَعَ مُطَاوَعَتِهَا، كَأَجْرِ مَنَافِعِهَا، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُرَّةِ. اهـ
وأما الحرة فالجمهور على أنَّ لها المهر إذا أُكرهت، وليس لها إذا طاوعت؛ لأنه إذا وجب لها المهر في الزواج مقابل استحلال الفرج؛ فلأن يجب مع الإكراه من باب أولى.
- وخالف أبو حنيفة، وابن حزم فلم يجعلا لها مهرًا؛ لأنه وطء محرم يوجب الحد، والمهر جاء في الوطء الحلال.
والصحيح قول الجمهور، وحديث: «نهى عن مهر البغي» المقصود به المطاوعة؛ بدليل تسميتها (بَغِي).
وأما الأمة فالذي يظهر أنها إذا طاوعت؛ استحق السيد أرش نقص قيمتها، وهو أرش البكارة، وهذا قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة منهم: شيخ الإسلام؛ إلا أنَّ شيخ الإسلام لا يرى لها المهر في حالة الإكراه، ولا يرى إلا أرش البكارة في الحالتين.
والذي يظهر لي – والله أعلم – أن للسيد المهر في حالة الإكراه، وأرش البكارة في حالة المطاوعة، والله أعلم. اهـ [انظر: «المغني» (٧/ ٣٩١ – ٣٩٢)، «الإنصاف» (٦/ ١٥٩ – ١٦١)، «روضة الطالبين» (٥/ ٥٩ – ٦٠)]. [فتح العلام].
الفقرة الثانية: («وَثَمَنِ الْكَلْبِ»):
(المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع الكلب: سبق ونضيف :
- وذهب جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وعطاء، والنخعي إلى جواز بيع كلب الصيد دون غيره؛ لما رواه النسائي من حديث جابر بن عبد الله، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور إلا كلب صيد. وهذا الحديث قال النسائي عقبه: منكر.
وقد ضعَّف هذه الزيادة جماعةٌ من العلماء والحُفَّاظ، منهم: النسائي، والترمذي، والداقطني، والبيهقي.
وبيان ذلك:
أنها جاءت من طريق حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. أخرجه النسائي، ثم قال: حديث منكر. وأعله الدارقطني بالوقف في «سننه»، وأشار إلى ذلك البيهقي، فقد رواه عبد الواحد، وسويد بن عمرو كما في «سنن البيهقي»، وأبو نعيم كما في «شرح المعاني» كلهم عن حماد، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا، ورواه عبيد الله بن موسى، عن حماد وشك في رفعه ورواه الهيثم بن جميل، عن حماد، ورفعه؛ فالرَّاجح وقفه.
وجاءت الزيادة من طريق: الحسن بن أبي جعفر الجُفْرِي، عن أبي الزبير، عن جابر عند الدارقطني، والحسن الجفري قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء.
وجاءت هذه الزيادة من حديث أبي هريرة، وفي أحد أسانيده: أبو المهزم، وهو متروك، وفي الآخر: المثنى بن الصباح، وهو شديد الضعف، وفي الآخر: محمد بن مصعب القرقساني وهو ضعيف، والوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، وثقه ابن معين كما في «الجرح والتعديل»، وضعفه الدارقطني عقب الحديث من «سننه»، وله طريق أخرى عند البيهقي، وفي إسناده: مؤمل بن إسماعيل، وهو ضعيف، وقد خُولِف، فقد رواه النضر بن شميل بدون الاستثناء، وبدون ذكر «الهر».
والخلاصة مما تقدم أنَّ زيادة: «إلا كلب صيد» لا تصح، ولا تثبت. [وانظر: «الصحيحة» (٢٩٩٠)، «سنن الدارقطني» (٣/ ٧١ -)، «البيهقي» (٦/ ٦ – ٧)، «التلخيص» (٣/ ٦)].
وبناء على ضعف الزيادة؛ فالصحيح هو قول الجمهور، والله أعلم. [انظر: «الفتح» (٢٢٣٧)، «المغني» (٦/ ٣٥٢ -)، «المجموع» (٩/ ٢٢٨)، «الأوسط» (١٠/ ٢٤)]. [فتح العلام].
وقال في «الفتح» ما حاصله: ذهب الجمهور إلى تحريم بيع الكلب، وهو عامّ في كل كلب، مُعَلَّمًا كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على مُتْلِفه.
وقال مالك: لا يجوز بيعه، وتجب القيمة على مُتلِفِه، وعنه كالجمهور، وعنه كقول أبي حنيفة: يجوز، وتجب القيمة….
والعلة في تحريم بيعه عند الشافعيّ نجاسته مطلقًا، وهي قائمة في المعَلَّم وغيره، وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه، والأمر بقتله، ولذلك خُصّ منه ما أذن في اتخاذه، ويدلّ عليه حديث جابر – رضي الله عنه – قال: «نَهَى رسولُ الله – ﷺ – عن ثمن الكلب، إلا كلب صيد»، أخرجه النسائيّ بإسناد رجاله ثقات، إلا أنه طُعِن في صحته، وقد وقع في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – عند ابن أبي حاتم، بلفظ: «نَهَى عن ثمن الكلب، وان كان ضاريًا»، يعني مما يصيد، وسنده ضعيف، قال أبو حاتم: هو منكر، وفي رواية لأحمد: «نَهَى عن ثمن الكلب، وقال: طُعْمة جاهلية»، ونحوه للطبرانيّ من حديث ميمونة بنت سعد.
وقال القرطبيّ: مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب، وكراهيةُ بيعه، ولا يُفسَخ إن وقع، وكأنه لما لم يكن عنده نَجِسًا، وأُذِن في اتخاذه لمنافعه الجائزة، كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نَهَى عن بيعه تنزيهًا؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق،
قال: وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغيّ، وحُلوان الكاهن، فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل كلب، فالنهي في هذه الثلاثة في القدر المشترك من الكراهة أعمّ من التنزيه والتحريم؛ إذ كل واحد منهما منهيّ عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر، فإنّا عرفنا تحريم مهر البغيّ، وحُلوان الكاهن من الإجماع، لا من مجرد النهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه؛ إذ قد يُعْطَف الأمر على النهي، والإيجاب على النفي. انتهى [«المفهم» ٤/ ٤٤٤، و«الفتح» ٦/ ٧١٩ – ٧٢٠].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القرطبي محلّ نظر، بل الذي يترجّح عندي هو الذي عليه الجمهور، ١٤١].
[البحر المحيط الثجاج، (27/ 451 – 453)].
وقال ابن قدامة في «المغني»:
«لا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ بَيْعَ الْكَلْبِ بَاطِلٌ، أَيَّ كَلْبٍ كَانَ» انتهى.
وجاء في «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٣/٣٦):
«لا يجوز بيع الكلاب، ولا يحل ثمنها، سواء كانت كلاب حراسة أو صيد أو غير ذلك، لما روى أبو مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن) متفق على صحته» انتهى.
وقال الشيخ ابن باز:
«بيع الكلب باطل» انتهى.
«مجموع فتاوى ابن باز» (١٩/٣٩) .
وقال الشيخ ابن عثيمين في «الشرح الممتع» (٨/٩٠):
«لا يجوز بيع الكلب، حتى لو باعه للصيد، فإنه لا يجوز»
– قال الشيخ العباد في شرح سنن أبي داود ٣٩٦/٣٢:
في شرح حجيث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله عزوجل عن ثمن الكلب، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا)].
يعني: يحصل على الخيبة؛ لأن الكلاب لا تؤخذ لها أثمان، فمن احتاج إليها استفاد منها، ومن استغنى عنها تركها وأرسلها يستفيد منها من يستفيد منها بدون مقابل يؤخذ عليها.
وهذا أيضًا يؤكد التحريم؛ لأن قوله: (وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا)، يعني ليس له إلا الخيبة.
انتهى بتصرف واختصار .
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا: (ورواه) النسائي وزاد: «إلا كلب صيدٍ»؛ لكنه زادها واستنكرها -رحمه الله-، وقال: إنها منكرة، فالاستثناء ليس بصحيح كما هو القول الراجح في هذه المسألة ، و لو قيل: إن النهي عن ثمن الكلب إنما هو عن ثمن الكلب الذي يباح اقتناؤه؛ لأن ما لا يباح اقتناؤه لا يَرِدُ عليه البيع، إذ إن الإنسان لا يمكن أن يخسر مرتين: الأجر والثمن. [فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 503)].
إذا احتاج إلى الكلب للصيد أو الحراسة ولم يجد أحدًا يعطيه إياه إلا بالبيع، جاز له أن يشتريه، ويكون الإثم على البائع، لأنه باع ما لا يجوز له بيعه.
قال ابن حزم في «المحلى» (٧/٤٩٣):
«وَلا يَحِلُّ بَيْعُ كَلْبٍ أَصْلا، لا كَلْبَ صَيْدٍ وَلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، وَلا غَيْرَهُمَا، فَإِنْ اضْطُرَّ إلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيه إيَّاهُ فَلَهُ ابْتِيَاعُهُ، وَهُوَ حَلالٌ لِلْمُشْتَرِي حَرَامٌ عَلَى الْبَائِعِ، يَنْتَزِعُ مِنْهُ الثَّمَنَ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ، كَالرِّشْوَةِ فِي دَفْعِ الظُّلْمِ، وَفِدَاءِ الأَسِيرِ، وَمُصَانَعَةِ الظَّالِمِ وَلا فَرْقَ» انتهى.
لكن هذا يشكل في كلب كشف جرائم وكشف المخدرات
لذا قال بعضهم بالنسخ
وقال الإمام مالك -رحمه الله-: أَكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري؛ لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ثمن الكلب. [الموطأ (2/ 656)].
وقال ابن بطال -رحمه الله-: اختلفت الرواية عن مالك في بيع الكلب …. ويحتمل أن يكون الحديث الذي فيه النهي عن ثمن الكلب وكسب الحجام كان في بدء الإسلام، ثم نسخ ذلك، وأبيح الاصطياد به، وكان كسائر الجوارح في جواز بيعه، وكذلك لما أَعطى الحجام أجْرَه كان ناسخًا لما تقدَّمه، وذكر الطحاوي من حديث أبي رافع: أن النبي -عليه السلام- لما أمر بقتل الكلاب أتاه ناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} المائدة: 4، فلما حل لنا الانتفاع بها؛ حلّ لنا بيعها وأكل ثمنها. [شرح صحيح البخاري (6/362-364)].
وقال السندي -رحمه الله-: قوله: «عن ثمن الكلب» ظاهره حُرمة بيعه، وعليه الجمهور، ولعل من لا يقول به يحمله على أنه كان حين كان الأمر بقتله، وقد علم نسخه. [حاشية السندي على سنن النسائي (7/ 189)].
وأجاز ابن عثيمين على من احتاج شراء كلاب كشف مخدرات أو لصوص بأنه تشترى والإثم على البائع .
فتوى :
حكم ثمن كلب الصيد
السؤال
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى صحح حديث: (نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد)؟
الجواب
لا أدري عن صحته، لكن إذا صح فيستثنى، ومع ذلك فالأولى ألا يؤخذ له ثمن، ولا يقال: إنه حرام إذا صح، لكن الأولى والذي ينبغي أن الكلاب لا يؤخذ لها أثمان.
وما دام أنه جاء الاستثناء في شيء فإنه يوقف عنده،
فإن صح فيقتصر عليه ولا يتجاوز إلى غيره، وفرق بين كونه يحتاج إلى الماشية والزرع، وبين كونه يحتاج إلى الصيد، فالأخير فيه تعب وتعليم، فإن صح فله وجه.
وهل يقاس عليها الكلاب التي تكتشف المخدرات ومهربيها؟ إذا صح الحديث في الصيد فالكلاب التي تمرن على اكتشاف المخدرات لا شك أنها تشبه كلب الصيد، وليست مثل كلب حراسة الزرع والماشية.
شرح السنن للعباد حفظه الله
الفقرة الثالثة: («نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ …، -ومن ذلك-: وَثَمَنِ الْخَمْرِ»).
(المسألة الأولى): حكم شرب الخمر.
شرب الخمر من كبائر الذنوب، ودلَّ على تحريمه الكتاب، والسنة.
(المسألة الثانية): حكم ثمن الخمر
قال الصنعاني -رحمه الله-: قوله: «وثمن الخنزير، وثمن الخمر» والنهي عن الثمن نهي عن البيع. [التنوير شرح الجامع الصغير (10/ 579)].
وقال الخطابي -رحمه الله-: بيع الخَمر فاسد بالإجماع، وفي تَحريم بيعها تحريم ثمنها، فلو أراق مسلم خمر المسلم أو الذِّمِّي لم يلزمه لها قيمة. [أعلام الحديث (2/ 1106)].
وقال القرطبي -رحمه الله-: فلا يجوز أكل ثمن الخمر، ولا ثمن الخنزير، ولا الميتة، وما جرى مجرى ذلك، وأما ما له منفعة فإنه يجوز أكل ثمنه، وإن لم يَجُزْ أكله كالعبيد والإماء -والله أعلم وأحكم-. [المنتقى شرح الموطإ (7/ 246)].
فائدة:
قال الوادعي رحمه الله تعالى في الجامع الصحيح:
“٢٥ – النهي عن مهر البغي وثمن الكلب وثمن الخمر
١٧٢٠ – [ذكر فيه حديث الباب]
١٧٢١ – قال الحاكم رحمه الله (ج ٢ ص ٣٣): أخبرني أبو محمد بن زياد العدل، ثنا جدي أحمد بن إبراهيم، ثنا عمرو بن زرارة، ثنا هشيم، أنبأ حصين، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وأجر الكاهن، وكسب الحجام.
هذا حديث صحيحٌ.
وأبو محمد بن زياد هو عبد الله بن محمد بن علي بن زياد، ترجمه السمعاني في «الأنساب» مادة: السمذي.”. انتهى
والرابع: فوائد في الباب:
١ – (منها): وهو بيان حكم بيع الخمر وثمن الكلب ومهر البغي.
٢ – (ومنها): التشديد فِي التجارة بالخمر، حيث قرنه الشارع بالربا المتوعّد عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩].
3 – (ومنها): اهتمام الشارع بشأن الربا، والخمر حيث أشاعه فِي المسجد عَلَى المنبر تأكيدًا، وتشديدًا فِي تحريمه.
4 – (منها): بيان تحريم بيع الخمر، وهو مجمع عليه، قال النوويّ: والعلة فيها عند الشافعيّ وموافقيه كونها نجسة، أو ليس فيها منفعة مباحة مقصودة، فيُلْحَق بها جميع النجاسات، كالسرجين [قال الإتيوبي في البحر الثجاج معلقا: “تقدّم في «كتاب الطهارة» أن الأرجح كون السرجين ونحوه طاهرًا، فتنبّه”. ]، وذرق الحمام، وغيره، وكذلك يُلحق بها ما ليس فيه منفعة مقصودة، كالسباع التي لا تصلح للاصطياد، والحشرات، والحبة الواحدة من الحنطة، ونحو ذلك، فلا يجوز بيع أي من ذلك، وأما الحديث المشهور في كتب «السنن» عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبيّ -ﷺ- قال: «إن الله إذا حَرّم على قوم أكل شيء حَرَّم عليهم ثمنه»، فمحمول على ما المقصود منه الأكل، بخلاف ما المقصود منه غير ذلك؛ كالعبد، والبغل، والحمار الأهليّ، فإن أكلها حرام، وبيعها جائز بالاجماع. انتهى.
5 – (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الأشياء قبل ورود الشرع لا تكليف فيها بتحريم ولا غيره، وفي المسألة خلاف مشهور للأصوليين:
الأصح: أنه لا حكم، ولا تكليف قبل ورود الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
والثاني: أن أصلها على التحريم، حتى يرد الشرع بغير ذلك.
والثالث: على الإباحة.
والرابع: على الوقف، وهذا الخلاف في غير التنفس ونحوه من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها، فإنها ليست محرَّمة، بلا خلاف إلا على قول من يُجَوِّز تكليف ما لا يطاق.
6 – (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله: هذا الحديث دليل على تحريم تخليل الخمر، ووجوب المبادرة بإراقتها، وتحريم إمساكها، ولو جاز التخليل لبيّنه النبيّ -ﷺ- لهم، ونهاهم عن إضاعتها، كما نصحهم وحثّهم على الانتفاع بها قبل تحريمها، حين توقّع نزول تحريمها، وكما نَبَّه أهلَ الشاة الميتة على دباغ جلدها، والانتفاع به.
قال: وممن قال بتحريم تخليلها، وأنها لا تَطْهُر بذلك: الشافعيّ، وأحمد، والثوريّ، ومالك في أصح الروايتين عنه، وجوّزه الأوزاعيّ، والليث، وأبو حنيفة، ومالك في رواية عنه.
وأما إذا انقلبت بنفسها خَلًّا فتطهُر عند جميعهم، إلا ما حُكي عن سحنون المالكيّ أنه قال: لا تَطهر. انتهى [«شرح النوويّ» ١١/ ٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج، في مواضع متفرقة].
7 – (ومنها): تحريم البغاء وتحريم ما يؤخذ عليه، سواء كان من حُرَةٍ أو أمة، فهو خبيث من عمل خبيث في جميع طرقه.
8 – (ومنها): من هذه المنهيات وغيرها، يُعلم أنَّ الشريعة تنهى عن كل ما فيه مضرة وما يترتب عليه من مكاسب.
9 – (ومنها): حفظ العرض أولى من حفظ المال، فلا يجوز اتخاذ الزنا والبغاء مهنة للتكسب وأخذ المال.
10 – (ومنها): الكلب غير متقوم، يعني: لو أتلف شخصٌ كلب الصيد أو الحرث أو الماشية فلا قيمة له شرعا؛ أنه لو كان له قيمة لجاز له الثمن، إذ أن القيمة عوض عن العين المتلفة، والثمن عوض عن العين الفائتة عن صاحبها، وهذا هو القول الراجح، ولكن من أتلف كلب غيره لغير عذر فيستحق التعزير.