[1ج/ رقم (609)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (609)]:
قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج ١٠ ص ٤٠٧): حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ وَالْمُؤَمَّلُ قَالَا أخبرَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لي «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيحٌ.
والمُؤَمَّلُ هو ابن إسماعيل به شيء من الضعف، ولكنه مقرون، وحبيب بن أبي ثابت مدلس ولم يصرح بالتحديث، ولكنه متابع، قال الإمام النسائي في «فضائل الصحابة» (ص ٦٨): أخبرنا محمد بن آدم بن سليمان ومحمد بن العلاء، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير به.
* قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ١ ص ٣٠٩): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ أَوْ إِلَّا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ».
هذا حديث صحيحٌ.
فعبد الرحمن هو ابن مهدي، وسفيان هو الثوري، وحبيب هو ابن أبي ثابت.
* وقال أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله (ج ١٢ ص ١٦٣): حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر».
وهذا أيضًا حديث صحيحٌ.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو عيسى الترمذي (ت ٢٧٩) رحمه الله في السنن، ٤٦ – أبواب المناقب، باب: في فضل الأنصار وقريش، (٣٩٠٦).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١ – كتاب العلم، ١٢١ – التعديل، (٢١٢).
٢ – كتاب الإيمان، ٢٥ – لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، (٣٣٩).
١٦ – كتاب الفضائل، ٣ – فضائل الأنصار رضي الله عنهم، (٢٤٠٦).
٢٧ – كتاب الكبائر، ٣٢ – بغض الأنصار، (٣٣٣٤).
والثاني: شرح وبيان الحديث
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ – ﷺ – قَالَ: «لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ»)، أَيْ: جَمِيعَهُمْ أَوْ جِنْسَهُمْ، («أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، (9/ 4025)].
وكيف يبغضهم المؤمن وهم ناصرو النبي -ﷺ-، وأولياؤه في تقوية الدين وتكميله!؟ وكان المنافقون يبغضونهم؛ حسدًا على رسول اللَّه -ﷺ- وعلى أهل دينه. [لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح، (9/ 779)]. وسيأتي في الفوائد تتمة ما يتعلق بالحديث بإذن الله تعالى.
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): المفاضلة بين جماعات الصحابة:
إن التفاضل بين الصحابة رضي الله عنهم من المسائل العقدية عند أهل السنة والجماعة، وقد دلت عليها الأدلة المعتبرة، وأن التفاضل واقع بين أفراد الصحابة، وبين جماعتهم.
والذي يعنينا هنا: المفاضلة بين جماعات الصحابة، والحديث سيكون باختصار في ثلاثة فروع:
(الفرع الأول): أوجه التفاضل بين الصحابة رضي الله عنهم:
لقد دل الكتاب والسنة على أوجه حكمنا بها في المفاضلة بين الصحابة، وجماع هذه الأوجه هو ما سلف من كل واحد منهم من أعمال البر والطاعات التي تتفاضل منزلتها عند الله.
فمن أوجه التفاضل بينهم: السبق إلى الإسلام، فالسابق إلى الإسلام أفضل من المسبوق، أفاده قوله سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100].
ومن أوجه التفاضل بينهم: الإنفاق والجهاد قبل الفتح، فمن أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، أفادته آية (سورة الحديد).
ومن أوجه التفاضل بينهم: شهود بدر كما أفاده قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لعل الله أن يكون اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) [رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤). من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.].
ومن أوجه التفاضل بينهم: شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فمن شهد له بها أفضل.
ومن أوجه التفاضل: شهود بيعة الرضوان، فمن شهدها أفضل.
ومن أوجه التفاضل: بينهم تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم أحدهم بمنقبة.
وغير ذلك من وجوه التفاضل بينهم رضوان الله عليهم، و… كون المفضول قد يختص بفضيلة لا توجد في الفاضل إلا أن ذلك لا يقتضي تفضيله بها مطلقاً، فعثمان بن عفان رضي الله عنه لم يحضر بدرًا [«المغازي» (١/ ١٥٤) و«السيرة النبوية» (٢/ ٧٢٠)]، ولكنه أفضل بعد أبي بكر وعمر من جميع الصحابة من حضر بدراً ومن لم يحضر.
(الفرع الثاني): المفاضلة بين ((جماعات)) الصحابة:
لقد دل كتاب الله على تفاضل جماعات الصحابة، فالله عز وجل فضل الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، والمقصود بالفتح صلح الحديبية [«تفسير الطبري» (٢٣/ ١٧٥)، و«تفسير ابن كثير» (٨/ ١٢)].
قال سبحانه: لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ١٠].
وفضل الله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على من دونهم، فقال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [التوبة: ١٠٠]. وهذا نص على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار كما يقول القرطبي [«تفسير القرطبي» (٨/ ٢٣٦)].
وقد اختلف في تعيين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على أقوال [«تفسير الطبري» (١١/ ٦) و«الاستيعاب – بهامش الإصابة -» (١/ ٢) و«زاد المسير» (٣/ ٤٩٠) و«تفسير القرطبي» (٨/ ٢٣٦) و«الدر المنثور» (٣/ ٢٦٩)] :
أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين.
الثاني: أنهم أهل بيعة الرضوان.
الثالث: أنهم أهل بدر.
الرابع: أنهم جميع الصحابة بلا استثناء وأن الذين اتبعوهم بإحسان هم تابعوهم من غير الصحابة.
هذه الأقوال المنقولة عن السلف من الصحابة والتابعين، وزاد المتأخرون قولين:
أحدهما: أنهم السابقون بالموت والشهادة، قال ابن الجوزي: (ذكره الماوردي) [«زاد المسير» (٣/ ٤٩٠)].
الثاني: أنهم الذين أسلموا قبل الهجرة، قال ابن الجوزي: (ذكره القاضي أبو يعلى) [«زاد المسير» (٣/ ٤٩١)].
قال القرطبي: (واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم) [«تفسير القرطبي» (٨/ ٢٣٦)].
قال بعض الباحثين :
والذي أرى في اللفظ دلالة عليه أن المراد بالسابقين الأولين الذين سبقوا إلى الإسلام والهجرة والنصرة، وابتدروا ذلك قبل تمكن الإسلام وتتابع الناس عليه، ولا شك أن أول من يدخل في هؤلاء أوائل من أسلم من المهاجرين كالخلفاء الأربعة ومن الأنصار الذين أسلموا ليلتي العقبة. ولعل جميع من أسلم حتى غزوة الحديبية من السابقين الأولين
ذلك أن صلح الحديبية كان فتحًا للمسلمين، فقد نزل قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا [الفتح: ١]. في منصرفه ﷺ من الحديبية [«أسباب النزول» للواحدي (ص: ٢٥٦)]. ولم يكن الصحابة يعدون الفتح إلا الحديبية كما قال البراء رضي الله عنه: (تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية) [رواه البخاري (٤١٥٠)]. وفي (مغازي الواقدي) عن أبي بكر وعمر أن كلًا منهما قال: (ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية) [«المغازي» (٢/ ٦٠٩)].
فكان يوم الحديبية فتحًا للإسلام والمسلمين تتابع الناس بعده على الإسلام لما ترتب على الصلح من وقوع الأمن ورفع الحرب وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد وعمرو وغيرهما، ولعله مما يقوي هذا الرأي تفسير جمع من أهل العلم الفتح بالحديبية في قوله:( لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ) فيستأنس بهذا التفضيل في الآية على أنه للسابقين الأولين، وتفسير العلماء للفتح بالحديبية على أن السابقين هم من أسلم قبل الحديبية. والله أعلم.
ومن الأحاديث الواردة في فضلهم، قول النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»، وهذا فضل عظيم، وقد قاله النبي ﷺ لخالد بن الوليد رضي الله عنه وقد تأخر إسلامه- حينما كان بينه وبين عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بعض ما يكون، فسبَّ خالدٌ عبدَالرحمن، فأنكر النبي ﷺ عليه، وقال له هذا الحديث ، وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه من السابقين الأولين، فله الصحبة الخاصة، والمزية العالية.
ودل كتاب الله على تفضيل المهاجرين على الأنصار فقد قدم الله ذكرهم على ذكر الأنصار في كتابه، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )[الأنفال: ٧٤]. فقدم ذكر الذين هاجروا على الذين آووا ونصروا.
وقال سبحانه:( لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ )[التوبة: ١١٧]. فبدأ بذكر المهاجرين بعد النبي ﷺ ثم بذكر الأنصار،
قال ابن تيمية رحمه الله في بيان أصول أهل السنة: (ويفضلون من أنفق من قبل الفتح – وهو صلح الحديبية – وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار) [«العقيدة الواسطية – ضمن المجموعة العلمية» (ص: ٨٥)].
وفي عقيدة الإمام أحمد أنه كان يقول: (أفضل الصحابة أهل بيعة الرضوان وخيرهم وأفضلهم أهل بدر، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وأعيانهم الأربعون أهل الدار، وخيرهم عشرة شهد لهم النبي ﷺ بالجنة وهو عنهم راض، وأعيانهم أهل الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين، وأفضلهم الخلفاء الأربعة) [«طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٧٢)].
وقد صنف العلماء الصحابة في طبقات اختلفوا في عددها، قال السيوطي في (شرح التقريب) (واختلف في عدد طبقاتهم – (يعني الصحابة) – باعتبار السبق إلى الإسلام، أو الهجرة، أو شهود المشاهد الفاضلة، فجعلهم ابن سعد خمس طبقات، وجعلهم الحاكم اثنتي عشرة طبقة) [«تدريب الراوي» (٢/ ٢٢١)].
قال أحمد شاكر رحمه الله: (وزاد بعضهم أكثر من ذلك، والمشهور ما ذهب إليه الحاكم) [«الباعث الحثيث» (ص: ١٥٦)].
والمراتب التي جعلها الحاكم للصحابة هي:
قوم أسلموا بمكة.
أصحاب دار الندوة.
المهاجرة إلى الحبشة.
أصحاب بيعة العقبة الأولى.
أصحاب بيعة العقبة الثانية.
أول المهاجرين الذين وصلوا والنبي في قباء قبل أن يدخلوا المدينة ويبنى المسجد.
أهل بدر.
المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
أهل بيعة الرضوان.
المهاجرة بين الحديبية والفتح.
الذين أسلموا يوم الفتح.
صبيان وأطفال رأوا النبي ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها وعدادهم في الصحابة [«معرفة علوم الحديث» (ص: ٢٣)].
ولعل المراتب السبع الأولى هي مراتب السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والله أعلم.
أما الطبقات الخمس التي جعلها ابن سعد في كتابه للصحابة فالأمر فيها ما قاله أحمد شاكر: (لو كان المطبوع كاملا لاستخرجناها منه وذكرناها) [«الباعث الحثيث» (ص: ١٥٦)]. وأظن أن الطبقات التي جعلها ابن سعد هي الطبقات التي صنف عليها ابن الجوزي في كتابه (صفة الصفوة) من ترجم له من الصحابة، فإنه قال: (بدأت بذكر العشرة ثم ذكرت من بعدهم على ترتيب طبقاتهم) [«صفة الصفوة» (١/ ٢٣٤)]
والطبقات التي ذكرها خمس هي:
الطبقة الأولى على السابقة في الإسلام ممن شهد بدرًا من المهاجرين والأنصار، وحلفائهم ومواليهم [«صفة الصفوة» (١/ ٣٧٠)].
من لم يشهد بدرًا من المهاجرين والأنصار وله إسلام قديم [«صفة الصفوة» (١/ ٥٠٦)].
من شهد الخندق وما بعده [«صفة الصفوة» (١/ ٦٥٠)].
من أسلم عند الفتح وفيما بعد ذلك [«صفة الصفوة» (١/ ٧٢٥)].
الذين توفي رسول الله ﷺ وهم أحداث الأسنان [«صفة الصفوة» (١/ ٧٤٦)].
وفي المطبوع من (طبقات ابن سعد) ذكر الطبقتين الأوليين على نفس الوصف الذي ذكره ابن الجوزي تمامًا [«طبقات ابن سعد» (٣/ ٦ و٤/ ٥)].
والعلماء وإن أرادوا بهذا التقسيم معرفة الصحابة لا ذكر التفاضل إلا أنهم قد اعتبروا وجوه الفضل والتفاضل في التقسيم، والله أعلم.
(الفرع الثالث): في ترتيب التفاضل بين جماعات الصحابة – رضي الله عنهم:
وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: مذهب أهل السنة:
ويرى أن أفضل جماعات الصحابة رضي الله عنهم: الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة المبشرين بالجنة.
ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية.
وممن ذكر ذلك أبو منصور البغدادي حيث قال في (أصول الدين):
(أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم: الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة وهم: طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهم.
ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية) [«أصول الدين» (ص: ٣٠٤)].
كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره [انظر: «الباعث الحثيث» (ص: ١٨٣)، «المختصر في علم رجال الأثر» (ص: ٣٢ – ٣٣)].
جاء في عقيدة الإمام أحمد وعلي بن المديني اللتين رواهما اللالكائي بسنده عنهما أنه يلي الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان في الفضل بقية أصحاب الشورى الخمسة: علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص [«شرح أصول الاعتقاد» (١/ ١٥٩ و١٦٧) و«طبقات الحنابلة» (١/ ٢٤٣)]، وهما لا يقدمان على علي أحدًا بعد الثلاثة بل قالا هذا موافقة لحديث ابن عمر كما تقدم بيانه.
قال ابن تيمية رحمه الله: (ما في أهل السنة من يقول: إن طلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف أفضل منه (يعني من علي) – بل غاية ما يقولون السكوت عن التفضيل بين أهل الشورى وهؤلاء أهل الشورى عندهم أفضل السابقين الأولين والسابقون الأولون أفضل من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا) [«منهاج السنة» (٤/ ٣٩٧)]،
والحاصل أن بقية أصحاب الشورى الذين جعل عمر رضي الله عنه فيهم الأمر من بعده يختارون أحدهم أفضل الصحابة بعد علي رضي الله عنه عند أهل السنة والجماعة، وقال الإمام أحمد: (ثم من بعد أصحاب الشورى: أهل بدر من المهاجرين ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ على قدر الهجرة والسابقة أولًا فأول) [«شرح أصول الاعتقاد» (١/ ١٥٩)]. وقد نقل جماعة من أهل العلم أن أفضل الصحابة بعد الأربعة بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم أصحاب الشورى المذكورون، وسعيد بن زيد، بن عمرو بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح [«عقيدة الحافظ المقدسي، ضمن المجموعة العلمية السعودية» (ص: ٥٢) و«الجامع من المقدمات» (١٧٥) و«مقدمة ابن الصلاح» (ص: ١٤٩) و«الباعث الحثيث» (ص: ١٥٦) و«تقريب النواوي وشرحه التدريب» (٢/ ٢٢٣) و«لوامع الأنوار البهية» (٢/ ٣٥٧) و«معارج القبول» (٢/ ٥٨٤)]. ثم من بعد العشرة أهل بدر الذين قال فيهم ﷺ: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» [رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤). من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه]. وفي لفظ: «فقد وجبت لكم الجنة» [رواه البخاري (٣٩٨٣)]. وجاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: «ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين – أو كلمة نحوها – قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة» [رواه البخاري (٣٩٩٢). من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه.].
ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان الذين قال الله فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: ١٠]. وقال فيهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: ١٨]. وقال فيهم ﷺ: «لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها» [رواه مسلم (٢٤٩٦). من حديث أم مبشر رضي الله عنها].
وقد كانوا أكثر من ألف وأربعمائة صحابي كما في الصحيح [«صحيح البخاري مع الفتح» (٧/ ٤٤١)].
ذكر هذا الترتيب في الفضل بعد العشرة النووي [«التقريب مع التدريب» (٢/ ٢٢٣)]. وابن الصلاح [«المقدمة» (ص: ١٤٩)]، وابن كثير [«اختصار علوم الحديث- مع الباعث الحثيث -» (ص: ١٥٦)].
وذكر السفاريني تقديم أهل بيعة الرضوان على أهل أحد بعد أهل بدر وقال: (هو الأصح)، وقال: لأن الله تعالى قال في أهل بيعة الرضوان:( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا )[الفتح: ١٨]. وقال في أهل غزوة أحد: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )[آل عمران: ١٥٥]. وفي الآية الأخرى: ( ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ )[آل عمران: ١٥٢]. فوصفهم في الموضعين بالعفو، ووصف أهل البيعة بالرضى، وهو أعلى وأسنى وأفضل من العفو) قال: (وهذا ظاهر والله تعالى أعلم) [«اللوامع» (٢/ ٣٧٢)].
قال بعض العلماء: أن أهل أحد مقدمون على أهل بيعة الرضوان، ومن المعلوم أن من الصحابة من كان من أهل بدر ومن العشرة ومن أهل بيعة الرضوان ومن أهل أحد يعني بعض الصحابة اجتمعت لهم الأوصاف الأربعة وبعضهم لا، إذا قلنا: إن أهل أحد مقدمون على أهل بيعة الرضوان، أيهم أكثر؟
أهل بيعة الرضوان لأن أهل بيعة الرضوان ألف وأربعمائة وأهل أحد نحو سبعمائة نفر لكن أصابهم من البلاء والتمحيص والقتل ما لم يكن في بيعة الرضوان، لهذا رجَّح بعض العلماء أهل أحد على أهل بيعة الرضوان، ولكن الذي يظهر القول الأول: أن أهل بيعة الرضوان أفضل [شرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين – ص:٦٢١]. [العقدية].
تنبيه :
قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار:
٨٠٥ – وَوَجَدْنَا يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ أَقْوَامٌ تَحْقِرُونَ أَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ» قُلْنَا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ، أَقُرَيْشٌ؟ قَالَ: «لَا أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا» فَقُلْنَا: هُمْ خَيْرٌ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ:: «لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ جَبَلٌ مِنْ ذَهَبٍ فَأَنْفَقَهُ مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِكُمْ وَلَا نَصِيفَهُ إنَّ فَضْلَ مَا بَيْنَنَا، وَبَيْنَ النَّاسِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد: ١٠]» الْآيَةَ، ⦗٢٧٧⦘ فَكَانَ فِي هَذَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى حَقِيقَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ الَّذِينَ أَرَادَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَنْ هُمْ، وَأَنَّهُمْ خِلَافُ أَهْلِ تِهَامَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ
قال الإتيوبي في شرحه على مسلم:
هذا حديث رجاله رجال الصحيح، غير هشام بن سعد، فهو وإن روى له مسلم، إلا أنه مختلف فيه، وقال في «التقريب»: صدوقٌ له أوهام، وقال ابن كثير في «تفسيره» ٨/ ٣٨ بعد أن أورده عن ابن جرير، وابن أبي حاتم ما نصّه: وهذا الحديث غريب بهذا السياق، والذي في «الصحيحين» من رواية جماعة عن عطاء بن يسار، عن أبي سعد ذكر الخوارج: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم …» الحديث. انتهى
هشام بن سعد من أوثق الناس في زيد لكن يبقى المخالفة للروايات الصحيحة
(المسألة الثانية): بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم:
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ” بَابُ: بَدْءِ إِسْلَامِ الْأَنْصَارِ رضي الله عنهم
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَاعِزَازَ نَبِيِّهِ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ.
فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا.
فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ.
قَالُوا: لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ: “مَنْ أَنْتُمْ؟.
قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ قَالَ: أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟.
قَالُوا: بَلَى.
فَجَلَسُوا مَعَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ.
قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قد غزوهم ببلادهم، فَكَانُوا إِذا كَانَ بَينهم شئ قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ نَتَّبِعُهُ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ.
فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لبَعض يَا قوم تعلمُونَ وَالله إِنَّه النَّبِي الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ.
فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَقَالُوا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، وَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إِلَى أَمْرِكَ وَنَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ.
ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ لِي سِتَّةُ نَفَرٍ كُلُّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ
أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ.
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْخَزْرَجِ.
وَمِنَ الْأَوْسِ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَقِيلَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ، النَّجَّارِيَّانِ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زُرَيْقٍ الزُّرَقِيُّ.
وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بن حَدِيدَة بن عَمْرو بن غنم بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ يَزِيدَ [ – ابْن هِشَام: تزيد بِالتَّاءِ – ] بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ السَّلَمِيُّ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلمَة السَّلَمِيُّ أَيْضًا، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامٍ.
وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ بن سِنَان بن عبيد بن عدى ابْن غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ السَّلَمِيُّ أَيْضًا، ثُمَّ مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ رضي الله عنهم.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا لَيْلَتَئِذٍ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَوَّلَ اجْتِمَاعِهِ عليه السلام بِهِمْ
كَانُوا ثَمَانِيَةً وَهُمْ: مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَذَكْوَانُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ.
فَأَسْلَمُوا وَوَاعَدُوهُ إِلَى قَابِلٍ.
فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ معَاذ بن عَفْرَاءَ وَرَافِعَ بْنَ مَالِكٍ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا يُفَقِّهُنَا.
فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ.
وَذَكَرَ تَمَامَ الْقِصَّةِ كَمَا سَيُورِدُهَا ابْنُ إِسْحَاقَ أَتَمَّ مِنْ سِيَاقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * * قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ إِلَى قَوْمِهِمْ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى فَشَا فِيهِمْ فَلم تَبْقَ دَارٌ مِنْ دَوْرِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذكر رَسُول الله صلى الله وَسَلَّمَ.
حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُتَقَدِّمُ، وَأَخُوهُ مُعَاذٌ وَهْمَا ابْنَا عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمُ أَيْضًا، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلْدَةَ بْنِ مخلد بن عَامر ابْن زُرَيْقٍ الزُّرَقِيُّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مُهَاجِرِي.
وَعبادَة بن الصَّامِت بن قيس ابْن أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَحَلِيفُهُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمَةَ بْنِ أَصْرَمَ الْبَلَوِيُّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ العجلان بن يزِيد بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْعَجْلَانِيُّ، وَعُقْبَةُ بن عَامر بن نابى الْمُتَقَدّم، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ الْمُتَقَدِّمُ.
فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ.
وَمِنَ الْأَوْسِ اثْنَانِ وَهُمَا: عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ التَّيِّهَانُ يُخَفَّفُ وَيُثَقَّلُ كَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ اسْمُهُ مَالِكُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زَعْوَرِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.
قَالَ: وَقِيلَ إِنَّهُ إِرَاشِيٌّ وَقِيلَ بَلَوِيٌّ.
وَهَذَا لَمْ يَنْسِبْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَا ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ: وَالْهَيْثَمُ فَرْخُ الْعُقَابِ، وَضَرْبٌ مِنَ النَّبَاتِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا شَهِدُوا الْمَوْسِمَ عَامَئِذٍ، وَعَزَمُوا عَلَى الِاجْتِمَاعِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَقُوهُ بِالْعَقَبَةِ فَبَايَعُوهُ عِنْدَهَا بَيْعَةَ النِّسَاءِ وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى. [السيرة النبوية – ت عبد الواحد – من البداية والنهاية، لابن كثير (ت ٧٧٤)، (2/ 176 – 179)].
* الاتصال بالأنصار ودعوتهم:
ذكر جابر بن عبد الله الأنصاري: “مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر – كذا قال – فيأتيه قومه فيقولون: أحذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام”.
[مسند أحمد 3/ 322 – 323، 339 – 340 بإسناد حسن كما يقول الحافظ ابن حجر (فتح الباري 7/ 212). مستدرك الحاكم 2/ 624 – 625 وصححه وأقره الذهبي والسيرة النبوية لابن كثير 2/ 196 وقال: “هذا إسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه”].
وكانت الاتصالات الأولى بالأنصار في مواسم الحج والعمرة [الحاشية: أما قصة إسلام رفاعة بن رافع الزرقي ومعاذ بن عفراء بمكة قبل قدوم الستة من الأنصار فإسنادها فيه يحيى بن محمد الشجري ضعيف وكان ضريراً يتلقن (مستدرك الحاكم 4/ 149 وللسيوطي: الخصائص الكبرى 1/ 300)]
وروى من طريق قال يونس بن بكير [عن] ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: “قدم سويد بن الصامت الأنصاري مكة حاجاً أو معتمراً، فتصدَّى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك؟
قال: مجلة لقمان – يعني حكمة لقمان.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها علىّ، فعرضها عليه. فقال له: إنَّ هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله تعالى علي، وهو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الإسلام. فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم وكان قتله يوم بعاث” [سيرة ابن هشام 2/ 34
قال يونس بن بكير [عن] ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا…
وعلى أية حال فلا توجد دلائل على قيام سويد ابن الصامت بالدعوة إلى الإسلام وسط قومه.
وقبل يوم بعاث بيسير – وهو اليوم الذي جرت فيه وقعة بين الأوس والخزرج انتصر فيها الأوس بعد قتل الكثير من الطرفين وفيهم من أكابرهم، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين -.[فتح الباري 7/ 111 أرخ ابن سعد الوقعة بثلاث سنين قبل الهجرة (الطبقات 1/ 219)]
ذكر قصة اسلام سويد بن الصامت أكرم ضياء العمرة في كتابه السيرة النبوية الصحيحة محاولة في تطبيق قواعد المحدثين
وايضا اورده سعد المرصفي في الجامع الصحيح للسيرة النبوية
وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم :
٩٩٩ – سويد بن الصامت (٣) رأى النبي ﷺ بسوق ذي المجاز وذلك قبل بعاث فدعاه النبي ﷺ إلى الإسلام فكان قومه يرون أنه مات مسلما، شيخا كبيرا.
سمعت أبي يقول ذلك.
بينما قال ابن الاثير في سويد بن الصامت وذكر ما سبق من قولهم أنه أسلم :
قال أَبُو عمر: أنا أشك في إسلام سويد بْن الصامت، كما شك فيه غيري ممن ألف في هذا، وكان شاعرًا محسنًا كثير الحكم في شعره، وكان قومه يدعونه الكامل
اسد الغابة
وكذلك في الاصابة قال : ذكره ابن شاهين وقال: شك في إسلامه وقال أبو عمر: أنا أشك فيه كما فيه غيري. الإصابة ٣/ ١٨٩.
سعى الأوس لمحالفة قريش على الخزرج الذين كانوا أكثر منهم عدداً، فقدم أبو الحيسر أنس بن رافع في وفد من بني عبد الأشهل لهذا الغرض، فسمع بهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءهم ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن. فقال أحدهم وهو إياس بن معاذ – وكان غلاماً حدثاً -: “أي قوم! هذا والله خير مما جئتم له. فانتهره أبو الحيسر فصمت، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، ورجعوا إلى المدينة، وجرت الحرب بين الأوس والخزرج يوم بعاث، ثم مات إياس بن معاذ، وكان قومه يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلمًا، فقد استشعر الإسلام في لقائه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس.[ سيرة ابن هشام 2/ 63، 37 بإسناد حسن، وقال ابن حجر إنه من صحيح حديث ابن إسحاق (الإصابة 1/ 146) ومسند أحمد 5/ 427 من طريق ابن إسحاق أيضاً].
وإذا كان الرجلان من الأوس اللذان استشعرا الإسلام لم تذكر المصادر قيامهما بالدعوة في وسط قومهما، فإن البداية المثمرة للاتصال بالأنصار كانت مع وفد من الخزرج في موسم الحج عند عقبة منى.
قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتم؟
قالوا: نفر من الخزرج.
قال: أمن موالي يهود؟
قالوا: نعم
قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟
قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن .. .
[سيرة ابن هشام 2/ 37 – 39 بإسناد حسن.
ولم تذكر المصادر وقوع البيعة منهم، ومع ذلك فقد عدَّها بيعة من ذكر وقوع ثلاث بيعات عند عقبة منى وهم ابن عبد البر (الدرر67) وابن سيد الناس (عيون الأثر 1/ 156) والصالحي (3/ 267). أما ابن إسحاق وابن سعد والطبري فلم يعدوها بيعة].
وذكر ابن إسحاق إسلامهم وقيامهم بالدعوة في المدينة [المصدر السابق بدون إسناد]
– ولعل استشعار الأنصار لحاجتهم إلى عقيدة تربط بينهم بعد التمزق والعداوة التي خلفتها وقعة بعاث قبل سنتين فقط من هذا اللقاء، لعل ذلك كان سبباً هيأه الله تعالى لإسلامهم، و كذلك فإن مقتل رؤسائهم في بعاث خفف من التزاحم على الزعامة والأنفة من الدخول في الإسلام خوف فقدان السلطان والزعامة،
– وكذلك فإن الأنصار كانوا يجاورون يهود -وهم أهل كتاب-، فكانوا يعرفون قضايا الوحي والنبوة والبعث والجنة والنار فلا شك أن أذهانهم كانت مهيئة لفهم الإسلام أكثر من سواهم.
[بيعة العقبة الأولى]:
وقد جرت بيعة العقبة الأولى في العام التالي على لقاء وفد الخزرج، حيث حضر اثنا عشر رجلاً؛ عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، مما يشير إلى أن نشاط وفد الخزرج الذين أسلموا في العام الماضي تركز على وسطهم القبلي بالدرجة الأولى لكنهم تمكنوا بنفس الوقت من اجتذاب رجال من الأوس، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام.
إن مصدر المعلومات الصحيحة الرئيسي عن بيعة العقبة الأولى هو عبادة بن الصامت الخزرجي – وهو شاهد عيان مشارك بالبيعة – وقد جاءت روايته في الصحيحين: وسيرة ابن إسحاق، لكنها عند ابن إسحاق أوضح وأكمل ونصها كما يلي.
قال عبادة بن الصامت: “كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء – وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب: على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفترته من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء غفر وإن شاء عذب”. [سيرة ابن هشام 2/ 41، 42 بإسناد صحيح لغيره فإن حديث عبادة بن الصامت في صحيح البخاري قريب من سياق ابن إسحاق (فتح الباري 1/ 66 وصحيح مسلم 3/ 1333].
والمقصود أنهم بايعوا على وفق بيعة النساء التي نزلت بها الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} الممتحنة 12، بعد صلح الحديبية. حيث لم يرد في بيعة العقبة الأولى ذكر القتال.
[بيعة العقبة الثانية]
ولما انتشر الإسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد من الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية.
قال جابر بن عبد الله الأنصاري: “فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك.
قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.
قال: فقمنا إليه فبايعناه. وأخذ بيده أسعد من زرارة – وهو من أصغرهم – فقال: رويدا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله.
قالوا: أمط عنا يا أسعد، فو الله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها.
قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة.
“وقد نظر العباس في وجوه وفد الأنصار ثم قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. مما يدل على غلبة الشباب على الوفد.
[مسند أحمد 3/ 322 – 323، 339 – 340 بإسناد حسن ومستدرك الحاكم 2/ 624 – 625 وصححه وأقره الذهبي. والسيرة النبوية لابن كثير 2/ 196 وصححه على شرط مسلم ويرى ابن حجر أن فيه علة تدليس أبي الزبير وقد عنعن. ويقول: فعلى تصحيحه أو تحسينه بالنظر لشواهده (فتح الباري 7/ 222 – 223].
وهكذا بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت بيعة الحرب. [سيرة ابن هشام 2 – 63 ومسند أحمد 5/ 316 بإسناد صحيح لغيره].
وتقِّدم رواية الصحابي كعب بن مالك الأنصاري- وهو أحد المبايعين في العقبة الثانية – تفاصيل مهمة؛ قال: “خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا … ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق … وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا … فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعين رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب .. ، وأسماء بنت عمرو … فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس ابن عبد المطلب – وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له – فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب “فبين أن الرسول في منعة من قومه بني هاشم ولكنه يريد الهجرة إلى المدينة، ولذلك فإن العباس يريد التأكد من حماية الأنصار له وإلا فليدعوه. فطلب الأنصار أن يتكلم رسول الله فيأخذ لنفسه ولربه ما يحب من الشروط.
“فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن، دعا إلى الله ورغَّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر” فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان متسائلاً: “يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم بالدم والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم”.
ثم قال: أَخْرِجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس”
وقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم الانصراف إلى رحالهم، وقد سمعوا الشيطان يصرخ منذراً قريشاً، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنَّ على أهل منى غداً بأسيافنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم”.
رجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش، يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي ودعوتهم له للهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم!
[سيرة ابن هشام 1/ 439 – 443، 447 – 448 بإسناد حسن، وقد صححه ابن حبان كما في فتح الباري 7/ 221.
وأخرجه أحمد في مسنده 3/ 460 من طريق ابن إسحق أيضاً وفي فضائل الصحابة 2/ 923 مختصراً.
ووقع في سند ابن إسحاق مرة ذكر الزهري واسطةً لتحميله عن معبد بن كعب، وهو وهم سلك فيه الراوي الجادة (سيرة ابن هشام تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد 2/ 47 ووقع في ط.
السقا بالاستناد إلى أصلين دون ذكر الزهري (سيرة ابن هشام 1/ 447) وكذلك في فتح الباري 7/ 221، وابن إسحاق يروي مباشرة عن معبد بن كعب ولا يحتاج إلى واسطة].
وهكذا مرت البيعة بسلام وعاد الأنصار إلى المدينة.
ينتظرون هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم بتلهف كبير. [انظر: كتاب السيرة النبوية الصحيحة للعمري، بتصرف]