[1ج/ رقم (578)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: أحمد بن علي وطارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي ، وعمر الشبلي ، وأسامة ، وعبدالله المشجري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (578)]:
قال الحاكم رحمه الله (ج ١ ص ٤٥٨): حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَنْبَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السَّرِيِّ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، حدثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، حدثنا مُجَاهِدٌ، قَالَ: قَالَ لِي مَوْلَايَ عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّائِبِ: كُنْتُ فِيمَنْ بَنَى الْبَيْتَ، فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَسَوَّيْتُهُ، فَوَضَعْتُهُ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، قَالَ: فَكُنْتُ أَعْبُدُهُ، فَإِنْ كَانَ لَيَكُونُ فِي الْبَيْتِ الشَّيْءُ أَبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمًا لَبَنٌ طَيِّبٌ فَبَعَثْتُ بِهِ إِلَيْهِ فَصَبُّوهُ عَلَيْهِ.
وَإِنَّ قُرَيْشًا اخْتَلَفُوا فِي الْحَجَرِ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَضَعُوهُ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بِالسُّيُوفِ، فَقَالَ: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ.
فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ -وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: الْأَمِينَ-، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ رَضِينَا بِكَ.
فَدَعَا بِثَوْبٍ، فَبَسَطَهُ وَوَضَعَ الْحَجَرَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لِهَذَا الْبَطْنِ وَلِهَذَا الْبَطْنِ -غَيْرَ أَنَّهُ سَمَّى بُطُونًا-: «لِيَأْخُذْ كُلُّ بَطْنٍ مِنْكُمْ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ» فَفَعَلُوا، ثُمَّ رَفَعُوهُ، وَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
كذا قال الحاكم، وهلال بن خباب ليس من رجال مسلم كما في «التقريب».
الحديث أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» (ج ١ ص ٥٥)، وقال الهيثمي في «المجمع» (ج ٨ ص ٢٢٩): رجاله رجال الصحيح، غير هلال بن خباب، وهو ثقة.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥)، في مستدركه، كتاب الصوم، بسم الله الرحمن الرحيم، أول كتاب المناسك، (١٦٨٣).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٧ – كتاب الحج والعمرة، ٦٧ – ما جاء في بناء الكعبة، (١٤٣٤).
و١٤ – كتاب الشمائل المحمدية، ٤٩ – أسماؤه ﷺ -، (٢٢٣١).
– جاء في *مسند أحمد* ١٥٥٠٤ – حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ يَعْنِي أَبَا زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ يَعْنِي ابْنَ خَبَّابٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ مَوْلَاهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يَبْنِي الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: وَلِي حَجَرٌ أَنَا نَحَتُّهُ بِيَدَيَّ أَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللهِ تبارك وتعالى، فَأَجِيءُ بِاللَّبَنِ الْخَاثِرِ الَّذِي أَنْفَسُهُ عَلَى نَفْسِي، فَأَصُبُّهُ عَلَيْهِ، فَيَجِيءُ الْكَلْبُ فَيَلْحَسُهُ، ثُمَّ يَشْغَرُ فَيَبُولُ فَبَنَيْنَا حَتَّى بَلَغْنَا مَوْضِعَ الْحَجَرِ، وَمَا يَرَى الْحَجَرَ أَحَدٌ، فَإِذَا هُوَ وَسْطَ حِجَارَتِنَا مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَكَادُ يَتَرَاءَى مِنْهُ، وَجْهُ الرَّجُلِ فَقَالَ: بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ نَحْنُ نَضَعُهُ، وَقَالَ: آخَرُونَ نَحْنُ نَضَعُهُ، فَقَالُوا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا، قَالُوا: أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنَ الْفَجِّ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْأَمِينُ، فَقَالُوا لَهُ، «فَوَضَعَهُ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ فَأَخَذُوا بِنَوَاحِيهِ مَعَهُ، فَوَضَعَهُ هُوَ ﷺ»
قال محققو المسند: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير هلال بن خباب، فمن رجال أصحاب السنن، وهو ثقة. عبد الصمد: هو ابن عبد الوارث بن سعيد، وثابت أبو زيد: هو ابن يزيد الأحول، ومولى مجاهد: هو قيس بن السائب كما نص على ذلك ابن سعد، ووقع التصريح بذلك في بعض الروايات
عن مجاهد، انظر «طبقات ابن سعد» ٥/٤٤٦، و«الآحاد والمثاني» لابن أبي عاصم (٧٢٧)، و«معجم الطبراني الكبير» ١٨/ (٩٣١) .
*وإيراد هذا الحديث في مسند السائب بن أبي السائب نظن أنه وهم، وحقه أن يفرد، والله تعالى أعلم.* ومولى مجاهد، جعله الإمام أحمد السائب بن أبي السائب وله شاهد حسن يتقوى به عند أبي داود والطيالسي (١١٣)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٢/٥٦ من حديث علي قال: لما انهدم البيت بعد جرهم فبنته قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه، فاتفقوا على أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله ﷺ من باب بني شيبة، فأمر بثوب فوضع فأُخذ الحجر، ووضعه في وسطه، فأمر من كل أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فيرفعوه، وأخذه رسول الله ﷺ فوضعه.
وآخر مرسل عن ابن شهاب الزهري في»دلائل النبوة«٢/٥٧.
أورده الهيثمي في»مجمع الزوائد«٣/٢٩١-٢٩٢، ٨/٢٢٩، وقال: رواه أحمد، وفيه هلال، وهو ثقة، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقد أخرجه الطبراني في»الكبير” (٦٦١٧) بنحوه مختصرًا من طريق الأعمش، عن مجاهد، به.
قال السندي: قوله: ولي حَجَر: أي صنم.
قوله: نحتُّه، بتشديد التاء: أي سويته.
قوله: الخاثر: أي الغليظ.
قوله: أنفسه، من نفس به كفَرِح، أي بخل به.
قوله: ثم يشغر، من شغر الكلب كمنع: أي: رفع إحدى رجليه.
قوله: فيبول: أي على الصنم، فهذا بطلان ما كانوا عليه.
قوله: موضع الحجر، المراد به الحجر الأسود.
قوله: أتاكم الأمين: فيه بيان اشتهاره ﷺ فيهم قبل النبوة بهذا اللقب، فكأنه ساق هذا الحديث لبطلان الشرك وتحقيق النبوة، والله تعالى أعلم.
والثاني: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
– بوب الشيخ مقبل بن هادي الوادعي (ت ١٤٢٢) على هذا الحديث في *الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين* ٣/٤٢٠:
* أسماؤه ﷺ: وأورد تحته:
– حديث الباب
– ٢٢٣٠ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٤٠٥): حدثنا روح وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول في سكة من سكك المدينة «أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والمقفى ونبي الرحمة».
وقال رحمه الله: ثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن عاصم به.
هذا حديث حسنٌ.
*هذا وما سُرِدَ في بعض المصاحف من أسمائه حتى انتهوا بها إلى تسعة وتسعين فهو قول مبتدع.*
– وبوب أيضا عليه في موضع آخر٦٧ – ما جاء في بناء الكعبة وأورد تحته:
– حديث الباب
– ١٤٣٣ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٤٥٤): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل قال: لما بني البيت كان الناس ينقلون الحجارة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينقل معهم فأخذ الثوب فوضعه على عاتقه فنودي لا تكشف عورتك فألقى الحجر ولبس ثوبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
هذا حديث حسنٌ. وهو مرسل من مراسيل الصحابة؛ فإن أبا الطفيل لم يكن ولد آنذاك.
* وقال الإمام أحمد رحمه الله (ص ٤٥٥): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن أبي الطفيل وذكر بناء الكعبة في الجاهلية قال: فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا فبينا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضع النمرة على عاتقه فيرى عورته من صغر النمرة فنودي يا محمد خمر عورتك فلم يرى عريانًا بعد ذلك.
الحديث أخرجه عبد الرزاق (ج ١ ص ٢٨٦).
* قال الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله في «مسنده» (ج ٣ ص ٩٩٣): أخبرنا عبد الرزاق نا معمر عن ابن خثيم عن أبي الطفيل قال: كانت الكعبة مبنية بالرضم ليس فيها مدر وكانت قدر ما يقتحمها العناق وكانت غير مسقفة إنما كان يوضع ثيابًا (١) عليها يسدل سدلًا وكان الركن موضوعًا على سؤرها (٢) باديًا وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة مربعة من جانب ومدورة من جانب فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبًا من جدة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا الخشب وكانت السفينة تريد الحبشة فوجدوا فيها رجلًا روميًّا فأخذوا الخشب فأعطاهم إياها وكان تاجرًا (٣) فأقبلوا بالخشب وبالرجل الرومي الذي كان في السفينة فقالوا نبني بهذا الخشب بيت ربنا فلما أرادوا هدمه فإذا هم بحية على سور البيت بيضاء البطن سوداء الظهر فجعلت كلما دنا أحد منهم إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته فتحت فاها وسعت نحوه فخرجت قريش حتى أتوا المقام فعجوا إلى الله عز وجل فقالوا ربنا لن نرع (١) إنما أردنا تشريف بيتك وتزيينه فإن كان ذلك وإلا فما بدا لك فافعل فسمعوا جوابًا (٢) في السماء فإذا هم بطائر أعظم من النسر أسود الظهر أبيض البطن والرجلين فغرز بمخالبه في قفا الحية فانطلق بها يجرها ساقط ذنبها حتى انطلق بها نحو أجياد فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي وكانت قريش تحملها على رقابها فرفعوه في السماء عشرين ذراعًا وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينما هو يحمل حجارة إذ سقط الحجر وضاقت عليه النمرة فذهب يضعها فبدا عورته من صغر النمرة فنودي يا محمد خمر عورتك وكان بين بنيانها وبين ما أنزل عليه الذكر خمس عشرة سنة.
فلما كان جيش الحصين بن نمير قدم تحريقها في زمن ابن الزبير قال ابن الزبير أخبرتني عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمتها فإنهم تركوا منها سبعة أذرع في الحجر قصرت بهم النفقة والخشب».
هذا حديث حسنٌ.
وحديث عائشة في «الصحيح».
ومضات في قصة بناء الكعبة وقضية التحكيم:
والحديث يكون في هذه الحادثة على شكل مسائل:
(تمهيد): قصة بناء الكعبة وقضية التحكيم:
“ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة، وذلك لأن الكعبة كانت رضما فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت – باعتبارها أثرا قديما – للعوادي التي أوهت بنيانها، وصدعت جدرانها.
وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم، وانحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الإنهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيبا، فلا يدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها،
فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومي، وتبعه الناس لما رأوا أنه لم يصبه شيء، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم،
ثم أرادوا الأخذ في البناء، فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزآ منها، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذو يبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه باقوم…..
وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الأرض، لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعا سقفوه على ستة أعمدة.
وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريبا يبلغ ارتفاعه ١٥ مترا، وطول ضلعه الذي فيه الحجر الأسود والمقابل له ١٠، ١٠ م، والحجر موضوع على ارتفاع ٥٠، ١ م من أرضية المطاف، والضلع الذي فيه الباب والمقابل له ١٢ م، وبابها على ارتفاع مترين من الأرض، ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها ٢٥، ٠ م ومتوسط عرضها ٣٠، ٠ م وتسمى بالشاذروان، وهي من أصل البيت لكن قريشا تركتها. [انظر في تفصيل بناء الكعبة ابن هشام ١٢/ ١٩٢ إلى ١٩٧، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص ٦٢، ٦٣، وصحيح البخاري باب فضل مكة وبنيانها ١/ ٢١٥، ومحاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ١/ ٦٤، ٦٥]. [الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى، (52 – 54)]. باختصار
(المسألة الأولى): تعريف الكعبة، وفيه مطلبين:
(المطلب الأول): التَّعْرِيفُ:
١ – الْكَعْبَةُ فِي اللُّغَةِ الْبَيْتُ الْمُرَبَّعُ، وَجَمْعُهُ كِعَابٌ.
قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: وَالْكَعْبَةُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ. [لسان العرب].
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَرْبِيعِهَا، وَالتَّكْعِيبُ: التَّرْبِيعُ، وَأَكْثَرُ بُيُوتِ الْعَرَبِ مُدَوَّرَةٌ لاَ مُرَبَّعَةٌ، وَقِيل: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِنُتُوئِهَا وَبُرُوزِهَا، وَكُل بَارِزٍ كَعْبٌ، مُسْتَدِيرًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، وَمِنْهُ كَعْبُ الْقَدَمِ.
قَال تَعَالَى: ﴿جَعَل اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ الآْيَةَ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ تُطْلَقُ عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، قَال النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَالْكَعْبَةُ الْمُعَظَّمَةُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ. [تهذيب الأسماء واللغات ٢ / ١١٦].
(المطلب الثاني): الأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ – الْقِبْلَةُ:
– الْقِبْلَةُ – بِكَسْرِ الْقَافِ – فِي اللُّغَةِ: الْجِهَةُ، وَكُل مَا يُسْتَقْبَل مِنَ الشَّيْءِ [تاج العروس، والقاموس].
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: جِهَةٌ يُصَلَّى نَحْوَهَا مِمَّا يُحَاذِي الْكَعْبَةَ أَوْ جِهَتَهَا، وَغَلَبَ هَذَا الاِسْمُ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ حَتَّى صَارَ كَالْعَلَمِ لَهَا وَصَارَتْ مَعْرِفَةً عِنْدَ الإِطْلاَقِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَنَّ النَّاسَ يُقَابِلُونَهَا فِي صَلاَتِهِمْ وَالْقِبْلَةُ أَعَمُّ مِنَ الْكَعْبَةِ. [حاشية مراقي الفلاح ١ / ١٧٠].
ب – الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ:
– يُطْلَقُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ، وَقَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ وَمَا حَوْلَهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَّةُ كُلُّهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَّةُ كُلُّهَا مَعَ الْحَرَمِ حَوْلَهَا بِكَمَالِهِ.
وَقَدْ جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بِهَذِهِ الأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ).
فَعَلَى الإِطْلاَقِ الأَوَّل وَأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ، يَكُونُ مُسَاوِيًا لَهَا، وَعَلَى غَيْرِهِ تَكُونُ الْكَعْبَةُ أَخَصَّ. [حرف الكاف: كعبة، الموسوعة الفقهية الكويتية، (34/ 261 – 261)].
(المسألة الثانية): ما جاء في نقض الكعبة وبنائها
[1] – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٤٥٤): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل قال: لما بني البيت كان الناس ينقلون الحجارة، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينقل معهم، فأخذ الثوب فوضعه على عاتقه، فنودي: لا تكشف عورتك. فألقى الحجر، ولبس ثوبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. [1433].
هذا حديث حسنٌ.
وهو مرسل من مراسيل الصحابة؛ فإن أبا الطفيل لم يكن ولد آنذاك.
* وقال الإمام أحمد رحمه الله (ص ٤٥٥): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن أبي الطفيل وذكر بناء الكعبة في الجاهلية، قال: فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحمل حجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فيرى عورته من صغر النمرة، فنودي: يا محمد خمر عورتك. فلم يرى عريانًا بعد ذلك.
الحديث أخرجه عبد الرزاق (ج ١ ص ٢٨٦).
* قال الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله في «مسنده» (ج ٣ ص ٩٩٣): أخبرنا عبد الرزاق نا معمر عن ابن خثيم عن أبي الطفيل قال: كانت الكعبة مبنية بالرضم ليس فيها مدر وكانت قدر ما يقتحمها العناق وكانت غير مسقفة إنما كان يوضع ثيابًا (١) عليها يسدل سدلًا وكان الركن موضوعًا على سؤرها (٢) باديًا وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة مربعة من جانب ومدورة من جانب فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبًا من جدة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا الخشب وكانت السفينة تريد الحبشة فوجدوا فيها رجلًا روميًّا فأخذوا الخشب فأعطاهم إياها وكان تاجرًا (٣) فأقبلوا بالخشب وبالرجل الرومي الذي كان في السفينة فقالوا نبني بهذا الخشب بيت ربنا فلما أرادوا هدمه فإذا هم بحية على سور البيت بيضاء البطن سوداء الظهر فجعلت كلما دنا أحد منهم إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته فتحت فاها وسعت نحوه فخرجت قريش حتى أتوا المقام فعجوا إلى الله عز وجل فقالوا ربنا لن نرع (4) إنما أردنا تشريف بيتك وتزيينه فإن كان ذلك وإلا فما بدا لك فافعل فسمعوا جوابًا (5) في السماء فإذا هم بطائر أعظم من النسر أسود الظهر أبيض البطن والرجلين فغرز بمخالبه في قفا الحية فانطلق بها يجرها ساقط ذنبها حتى انطلق بها نحو أجياد فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي وكانت قريش تحملها على رقابها فرفعوه في السماء عشرين ذراعًا وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بينما هو يحمل حجارة إذ سقط الحجر وضاقت عليه النمرة فذهب يضعها فبدا عورته من صغر النمرة فنودي يا محمد خمر عورتك وكان بين بنيانها وبين ما أنزل عليه الذكر خمس عشرة سنة.
فلما كان جيش الحصين بن نمير قدم تحريقها في زمن ابن الزبير قال ابن الزبير أخبرتني عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمتها فإنهم تركوا منها سبعة أذرع في الحجر قصرت بهم النفقة والخشب».
هذا حديث حسنٌ.
وحديث عائشة في «الصحيح».
[2] – [حديث الباب] [1434].
[٦٧ – ما جاء في بناء الكعبة، الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين، (2/ 445 – 448)].
[3] عن سعيد بن ميناء، قال: سمعتُ ابن الزبير يقول وهو على المنبر حين أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها: حدّثتني عائشة خالتي، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال لها: «يَا عَائِشَةُ! لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهُا بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِن الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَت الْكَعْبَة».
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠١) عن محمد بن حاتم، حدّثني ابن مهدي، حدّثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، فذكره.
واللفظ لابن حبان (٣٨١٨) من وجه آخر عن سليم بن حيان، فإنّ مسلمًا لم يذكر «على المنبر حين أراد أن يهدم الكعبة ويبنيها».
[4] عن عطاء قال: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ -أَوْ يُحَرِّبَهُمْ- عَلَى أَهْل الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاس: فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النِّبِيُّ ﷺ.
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟! إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلاثًا ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِن السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: “لَوْلا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِن النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِن الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ”.
قَال: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ. قَال: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِن الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ وَالآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ.
فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عبد الملك بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرَ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عبد الملك: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ! أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِن الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ. فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِه».
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠٢) عن هنّاد بن السّريّ، حدّثنا ابن أبي زائدة، أخبرني ابن أبي سليمان، عن عطاء قال (فذكره).
[5] عن عبد الله بن عبيدٍ قال: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عبد الله عَلَى عبد الملك بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلافَتِهِ، فَقَالَ عبد الملك: ما أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ -يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ- سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا! قَالَ الْحَارِثُ: بَلَى أَنَا سَمْعْتُهُ مِنْهَا.
قَال: سَمْعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَال: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ وَلَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ». فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ.
هَذَا حَدِيثُ عبد الله بْنِ عُبَيْدٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الأَرْضِ شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا.
وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟”.
قَالَتْ: قُلْتُ: لا، قَال: “تَعَزُّزًا أَنْ لا يَدْخُلَهَا إِلا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ”. قَالَ عبد الملك لِلْحَارِثِ: “أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟”. قَال: نَعَمْ قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ وَمَا تَحَمَّلَ».
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٣٣: ٤٠٣) عن محمد بن حاتم، حدّثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير، والوليد بن عطاء يحدّثان عن الحارث ابن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: «وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته» فذكر بقية الحديث.
[6] عن أَبِي قَزَعَةَ أَنَّ عبد الملك بْنَ مَرْوَانَ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَال: قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ سَمْعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ! لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِن الْحِجْرِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ».
فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عبد الله بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا.
قَال: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ.
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٣٣: ٤٠٤) عن محمد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن بكر السهميّ، حدّثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قزعة، فذكره. [٤٠ – باب نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم، الجامع الكامل في الحديث لمحمد ضياء الرحمن الأعظمي (ت ١٤٤١)، (5/ 181 – 183)].
(المسألة الثالثة): تنبيه يتعلّق ببناء الكعبة:
أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي الطفيل قال: «كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرَّضْم [»الرَّضْمُ«بفتح، فسكون، ويُحرّك، وككتاب: صُخُور عِظامٌ، يُرضم بعضها فوق بعض في الأبنية، قاله في “القاموس المحيط” ٤/ ١٢٠]، ليس فيها مَدَرٌ، وكانت قدر ما يقتحمها الْعَنَاق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَدْلًا، وكانت ذات ركنين، كهيئة الحلقة، فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيها نَجّارًا، فقَدِمُوا به وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كُلَّما أرادوا القرب منه لهدمه بَدَت لهم حية فاتحة فاها، فبعث الله طيرًا أعظم من النَّسْر، فغرز مخالبه فيها، فالقاها نحو أجياد، فهَدَمَت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ ﷺ يَحْمِل الحجارة من أجياد، وعليه نَمِرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمد خَمِّر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك، وكان بين ذلك وبين المبعث خمس سنين».
قال معمر: وأما الزهريّ، فقال: الَمّا بَلَغَ رسول الله ﷺ «الْحُلُم، أجمرت امرأة الكعبةَ، فطارت شِرارة من مِجْمَرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد: إن الله لا يُهلك مَن يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت، ومعه العباس، فقال: اللهم لا نريد إلَّا الإصلاح، ثم هَدَم، فلما رأوه سالمًا تابعوه».
قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريجٍ، قال: قال مجاهد: كان ذلك قبل المبحث بخمس عشرة سنةً، وكذا رواه ابن عبد البر، من طريق محمد بن جبير بن مطعم، بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في «مغازيه»، والأول أشهر، وبه جزم ابن إسحاق.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدم وقته على الشروع في البناء.
وذكر ابن إسحاق أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها، وكان رَضْمًا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وذلك أن نَفَرًا سَرَقُوا كنز الكعبة، فذَكَر القصة مطولةً في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يَضَع الحجر الأسود، حتى رَضُوا باول داخل، فدخل النبيّ ﷺ، فحَكَّمُوه في ذلك، فوضعه بيده، قال: وكانت الكعبة على عهد النبيّ ﷺ ثمانية عشر ذراعًا.
ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى، عن ابن خُثَيم، عن أبي الطفيل: أن اسم النجار المذكور باقوم، وللفاكهيّ من طريق ابن جريجٍ مثله، قال: وكان يَتّجِر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: إن أجريتم عِيري مع عِيركم إلى الشام، أعطيتكم الخشب، ففعلوا.
ورَوَى سفيان بن عيينة في «جامعه» عن عمرو بن دينار، أنه سمع عُبيد بن عُمير يقول: اسم الذي بَنَى الكعبة لقريش باقوم، وكان رُومِيًّا.
وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتَصَرت قريش منها على ثمانية عشر، ونَقَصُوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الْحِجْر، والله تعالى أعلم [«الفتح» ٣/ ٥١٦ – ٥١٧ «كتاب الحج» رقم (١٥٨٦)، بواسطة البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الرابعة): كيفية بناء المسجد الحرام
اعلم أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَ صَغِيرًا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جِدَارٌ، إِنَّمَا كَانَتِ الدُّورُ مُحْدِقَةٌ بِهِ، وَبَيْنَ الدُّورِ أَبْوَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ الْمَسْجِدُ، فَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [رضي الله عنه] دُورًا فَهَدَمَهَا، ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ جِدَارًا قَصِيرًا، ثُمَّ وَسَّعَ المسجد عُثْمَانُ [بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه]، وَاشْتَرَى من قوم، ثم زاد ابن الزبير [رضي الله عنه] في المسجد واشترى دورًا وأدخلها فِيهِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَقَلَ إِلَيْهِ أَسَاطِينَ الرُّخَامِ وَسَقَّفَهُ بِالسَّاجِ الْمُزَخْرَفِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ زَادَ الْمَنْصُورُ فِي شِقِّهِ الشَّامِيِّ، ثُمَّ زَادَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ فِي جَانِبٍ، فَأَحَبَّ أَنْ تَكُونَ وَسَطًا، فَاشْتَرَى مِنَ النَّاسِ الدُّورَ ووسطها. [مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن لابن الجوزي (ت ٥٩٧) رحمه الله تعالى، 1/ 358].
(المسألة الخامسة): الفرق في الاسم والوصف بين أرض مكة المكرمة، وأرض المسجد الحرام مما ذكر في القرآن الكريم:
(المطلب الأول): مكة المكرمة:
تقع في الجهة الغربية من شبه الجزيرة العربية، غربي مدينة الطائف، وشرقي مدينة جدة، وجنوبي المدينة المنورة، وهضبة نجد.
وبطن مكة ليس فيه ماء، ولم يكن لأحد فيه قرار.
بدأت أهميتها للمسلمين بلدًا مقدسًا منذ أن أسكن فيها إبراهيم إبنه إسماعيل عليهما السلام مع أمه (هاجر) بأمر من الله. ثم أمره ببناء الببت قال ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج /٢٩] .
ومنذ ذلك النداء الخالد أصبح لمكة المكرمة – قرية المسجد الحرام – مكانة قدسية راسخة في عقول العباد، ونفوسهم على مدى العصور والأزمان، يؤمون كعبتها بقدر كبير من الخشوع، والتعظيم، حتى إذا أشرق نور الإسلام، وبعث الله محمدًا بالفرقان، أكد – تعالى – وجوب قصد البيت الحرام على كل مسلم مرة في العمر، عند استطاعته ذلك: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران/٩٧] .
وأقسم تعالى في كتابه العزيز بالبلد الأمين: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد/١-٢] . وقال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين/١-٣] .
وورد في القرآن الكريم ذكرها في أكثر من آية، وبأكثر من اسم:
فهي (البلد)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنا﴾ [إبراهيم/٣٥] .
والبلد في اللغة: صدر القُرى.
وهي (البلدة) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل/٩١] .
وهي (أم القرى) في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى/٧] .
وهي (بكة) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران/٩٦] .
وقال عكرمة، ومقاتل بن حيَّان:
البيت وما حوله (بكَّة) وما وراء ذلك (مكة) [انظر: تفسير ابن كثير عند تفسير آية آل عمران رقم (٩٦)].
وهي خير وأحب الأرضين إلى الله قال ﷺ: «والله إنك لخير أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» [أخرجه الترمذي (٣٩٢٥)، وابن ماجه (٣١٠٨)، وأحمد (٤/٣٠٥)، والدارمي (٢٥١٣) كلهم من طرق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح].
وهي (مكة) كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح/٢٤] .
وهي (الحرم) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص/٥٧] .
وفي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت/٦٧] .
قال ابن كثير: «أخبر الله عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى، حيث قالوا لرسوله: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا مِن أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال الله تعالى مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد آمن، وحَرَمٍ معظَّم، آمِن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمِنًا لهم في حال كفرهم، وشركهم، ولا يكون آمنًا لهم وقد أسلموا، وتابعوا الحق[انظر: تفسير ابن كثير عند تفسير الآية (٥٧) من سورة القصص]؟
قال الأزهري: “فإن قيل: كيف يكون حرمًا آمنًا وقد أخيفوا، وقُتِلوا في الحرم؟، فالجواب بأن الله عز وجل جعله حَرَمًا آمنًا أمرًا، وتعَبُّدًا لهم بذلك لا إجبارًا فمن آمن بذلك كفّ عما نُهي عنه اتباعًا، وانتهاءً إلى ما أمر به، ومن ألحد وأنكر أَمْرَ الحرمِ وحُرمَتَهُ فهو كافر مباح الدم، ومن أقرَّ وركب النهي فهو فاسق. [انظر تهذيب اللغة (٥/٤٣)].
(المطلب الثاني): المسجد الحرام:
نصت أكثر آيات الكتاب الكريم على تسميته بالمسجد الحرام، كما في سورة:
البقرة الآيات: (١٤٤، ١٤٩، ١٥٠، ١٩١، ١٩٦، ٢١٧)
والتوبة الآيات: (٢، ٧، ١٩، ٢٧)
والأنفال الآية: (٣٤)
والإسراء الآية: (١)
والحج الآية: (٢٥)
والفتح الآيتان: (٢٥، ٢٧)
و(الحرام) ضد (الحلال)، و(أحرم) الرجل بالحج والعمرة لأَنَّه يَحْرُمُ عليه ما كان حلالًا من قبل كالصيد، والنساء.
و(المسجد الحرام) عَلَمٌ على المسجد الذي بداخله الكعبة المشرفة، بيت الله. وكذلك (البيت الحرام) ، و(البيت العتيق) ، و(البيت) ،
عند تتبع الآيات الواردة في الكتاب الكريم التي تصف مكة المكرمة، والأخرى التي تصف بيت الله المسجد الحرام، يظهر بجلاء الفرق بين الموضعين، فمكة المكرمة قرية تضم الدور
والمسجد الحرام: الذي يضم في جنباته الكعبة المشرفة، ومقام إبراهيم، وحجر إسماعيل عليهما السلام، وبئر زمزم، والركن اليماني، والحجر الأسود، وما يحيط بكل ذلك من ساحات، وأروقة، وما ينتظم فيها من صفوف المصلين خلف إمام واحد مهما اتَّسعت دائرة المصلِّين حول البيت المعمور، وما استحدث ويستحدث من ساحات حول المسجد الحرام تكتظ بالمصلين عند كثرة الآمِّين للمسجد الحرام في موسم الحج والعمرة وغيرهما.
فإذا اتصلت الصفوف من هناك إلى حيث من يؤم المصلين فهو من المسجد الحرام، عينًا، وحكمًا.
بعد ذلك ندرك أن لكل منهما وصفًا قائمًا بذاته، وخصوصيته ثابتة لا تجوز على أحدهما بدل الآخر، أو يشتركان فيه. [انظر المطالب العالية لابن حجر (١/٣٦٣)].
والكعبة من المسجد قِبْلة المسلمين أينما وجدوا، وحيث ما حلوا تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة/١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة/١٥٠] .
قال الإمام الشافعي: (شطره) جهته في كلام العرب، وكذلك (تلقاءه) أي: استقبل تلقاءه، وجهته.
إذا كان مُعَاينًا فبالصواب، وإذا كان مُغيَّبًا، فبالإجتهاد بالتوجه إليه، وذلك أكثر ما يمكنه فيه [انظر الرسالة للشافعي (ص٣٤ـ٣٨)، ومعرفة الآثار والسنن للبيهقي (٢/٣١٥)].
– ذكر شيخ الإسلام في *الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح* ٥/٣٦٢ — ابن تيمية (ت ٧٢٨) في أدلة عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم:
*[فَصْلٌ: الدَّلَائِلُ الْقَاطِعَةُ عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ]*
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْمَهُ الْمُعَادِينَ لَهُ غَايَةَ الْعَدَاوَةِ مَا زَالُوا مُعْتَرِفِينَ بِصِدْقِهِ ﷺ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُجَرِّبُوا عَلَيْهِ كَذِبًا، بَلْ وَمُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ مَا يَقُولُهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاحِرٍ، وَكَانُوا فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يُرْسِلُونَ إِلَى الْبِلَادِ الَّتِي فِيهَا عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ بِهَا ذَلِكَ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: “انْطَلَقْتُ إِلَى الشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ:: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا. فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي. فَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ.
قَالَ: فَقَالَ: وَايْمِ اللَّهِ! لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ كَذِبٌ لَكَذَبْتُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَنْ مَلَكَ، قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا “، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ:
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، لَمَّا قَالَ لِأُمَيَّةَ: إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ (يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ)، وَفَزِعَ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ هُوَ – فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى -: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ، وَعَزَمَ أَنْ لَا يَخْرُجَ خَوْفًا مِنْ هَذَا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ. وَأَرَادَ التَّخَلُّفَ عَنْ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ هَذَا الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ. فَقَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي فَلَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ، وَذَكَّرَتْهُ امْرَأَتُهُ بِقَوْلِ سَعْدٍ، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ
أَكُونَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي وَغَيْرُهُمْ «أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ لَمَّا
بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَنَا أَقْتُلُهُ، ثُمَّ طَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَدَشَهُ، وَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يُجَزِّعُونَهُ وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا هُوَ خَدْشٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِمُضَرَ لَقَتَلَهُمْ، أَلَيْسَ قَالَ: “لَأَقْتُلَنَّكَ» . وَعَنْ مُجَاهِدٍ: قَالَ مَوْلَايَ السَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ: كُنْتُ فِيمَنْ بَنَى الْبَيْتَ، وَأَنَّ قُرَيْشًا اخْتَلَفُوا فِي الْحَجَرِ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَضَعُوهُ، حَتَّى كَادُوا يَقَعُ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بِالسُّيُوفِ، فَقَالَ: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأَمِينَ.
فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ رَضِينَا بِكَ.
وَعَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: “«جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَأْتِينَا فِي كَعْبَتِنَا وَنَادِينَا وَيُسْمِعُنَا
مَا يُؤْذِينَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا فَافْعَلْ. قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا عَقِيلُ الْتَمِسِ ابْنَ عَمِّكَ. قَالَ: فَأَخْرَجْتُهُ مِنْ كِبْسٍ مِنْ أَكْبَاسِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنْ كُنْتَ لِي مُطِيعًا، وَقَدْ جَاءَنِي قَوْمُكَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَأْتِيهِمْ فِي كَعْبَتِهِمْ وَنَادِيهِمْ فَتُسْمِعُهُمْ مَا يُؤْذِيهِمْ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكُفَّ عَنْهُمْ؟ قَالَ: فَحَلَّقَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ مَا بُعِثْتُ بِهِ مِنْ أَنْ يُشْعِلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ شُعْلَةً مِنَ النَّارِ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّهُ – وَاللَّهِ – مَا كَذَبَ قَطُّ فَارْجِعُوا رَاشِدِينَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَأَبُو زُرْعَةَ فِي الدَّلَائِلِ، وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَرِيبًا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، وَقَالَ: «فَأَخْرَجْتُهُ مِنْ حِفْشٍ – وَهُوَ بَيْتٌ صَغِيرٌ – وَقَالَ فِيهِ: فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ، وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ، وَضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، فَقَالَ: «يَا عَمِّ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِي طَلَبِهِ» …. وطول في ذكر الأدلة إلى أن قال :
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْيَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَغَيْرِهِ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَسَائِلَ، يَقُولُونَ فِيهَا: لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ: أَيْ وَمَنْ تَعَلَّمَهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ السَّائِلِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَهَا، كَمَا جَاءَ – أَيْضًا -: «لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ». فَكَانُوا يَمْتَحِنُونَهُ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ لِيَتَبَيَّنَ هَلْ يَعْلَمُهَا، وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، كَانَ نَبِيًّا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ بِذَلِكَ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كَانَ تَعَلَّمَهَا بَعْضُ النَّاسِ، لَكِنْ تَعَلَّمَهَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ لَمْ يُعَلِّمْهُ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْعِلْمِ ; إِذْ لَوْ جَوَّزُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُمْ مِنِ امْتِحَانِهِ ; هَلْ هُوَ نَبِيٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُمْ إِذَا جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ تَعَلَّمَ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَانَ مِنْ جِنْسِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِهِ بِهَا وَإِجَابَتِهِمْ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ.
فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ السَّائِلُونَ يَقْطَعُونَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ مَنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ. وَهَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بِضْعَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَانْتَشَرَ أَمْرُهُ، وَكَذَّبَهُ قَوْمُهُ، وَحَرَصُوا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَتِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، أَوْ لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي طَرِيقٍ فَتَعَلَّمَ مِنْهُ، لَكَانَ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي مَقْصُودِ هَؤُلَاءِ السَّائِلِينَ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا مِنَ الْغَيْبِ مِنْ بَشَرٍ، لَا سِيَّمَا وَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَدْ كَذَّبَهُمْ وَحَارَبَهُمْ، لَأَظْهَرُوا ذَلِكَ، وَلَشَاعَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَكَانَ إِذَا أَجَابَهُمْ قَالُوا: هَذَا تَعَلَّمْتَهُ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ مِنَّا، أَوْ هَذَا عَلَّمَكَهُ بَعْضُ أَهْلِ دِينِنَا. وَهَذَا كَمَا كَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَسْأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ، وَيَقُولُونَ: إِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَقَوِّلٌ، وَيَقُولُونَ: سَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ.
فَهَذَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ قُرَيْشٍ قَوْمُهُ، يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْمَهُ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْبَشَرِ، إِذْ لَوْ جَوَّزُوا ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولُوا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعًا يَعْلَمُونَ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْلَمُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ، وَبِذَلِكَ يُعْرَفُ هَلْ يُجِيبُ فِيهَا بِمَا قَالَتْهُ الْأَنْبِيَاءُ، أَوْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ كَانَ تَعَلَّمَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُمْ لَا يَدُلُّ جَوَابُهُ عَنْهَا عَلَى نُبُوَّتِهِ كَمَا لَوْ أَجَابَ عَنْ تِلْكَ
الْمَسَائِلِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَمَا لَوْ سَأَلَ فِي زَمَانِنَا بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا نَبِيٌّ: أَيْ لَا يَعْلَمُهَا ابْتِدَاءً بِدُونِ تَعْلِيمٍ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا نَبِيٌّ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا جَمِيعًا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ بَشَرٍ مَعَ انْتِشَارِ أَخْبَارِهِ، وَمَعَ اطِّلَاعِ قَوْمِهِ عَلَى أَسْرَارِهِ، وَمَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ – لَوْ وُجِدَ – وَمَعَ أَنَّهُمْ لَوْ جَوَّزُوا تَجْوِيزًا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّمَهَا مِنْ بَشَرٍ فِي الْبَاطِنِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَاطِعِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ؛ لَا فِي الْبَاطِنِ، وَلَا فِي الظَّاهِرِ، وَهَذَا طَرِيقٌ بَيِّنٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ ذَلِكَ مِنْ بَشَرٍ سِوَى الطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا.
فوائد الحديث:
1 – (منها): “بيان بعض ما أكرم الله تعالى به رسولَه ﷺ، وأنه كان مصونًا محميًّا عن القبائح، وأخلاق الجاهلية، [ومعلوم] عصمة الأنبياء – صلوات الله عليهم -، وجاء في رواية في غير «الصحيحين»: «أن الملك نَزَل، فشَدّ عليه ﷺ إزاره»، والله تعالى أعلم.
2 – (ومنها): بيان أنه ﷺ كان جبله الله تعالى على أحسن الأخلاق، والحياء الكامل، حتى كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، فلذلك غُشِي عليه لَمّا تعرّى من إزاره، وانكشفت عورته، فلم يُرَ بعد ذلك عريانًا.
3 – (ومنها): أنه لا يجوز التعري للإنسان بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشي عريانًا بحيث لا يَأْمَن أعين الآدميين إلَّا ما رُخّص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عُرَاةً.
4 – (ومنها): استحباب المشاركة في فعل الخير، والمسارعة إليه؛ فقد ذهب النبيّ ﷺ لنقل الحجارة مع قريش لبناء الكعبة الشريفة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرج الطبرانيّ بسنده عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن العباس قال: كنا ننقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، وأفردت قريش رجلين رجلين ينقلون الحجارة، والنساء ينقلن الشِّيد، وكنت أنا وابن أخي، فكنا ننقل على رقابنا، وأزُرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس اتزرنا، فبينا أنا أمشي ومحمد ﷺ قُدّامي، ليمس عليه إزار خَرّ، فانبطح على وجهه، فجئت أسعى، والقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره، فقال: «نُهِيت أن أمشي عُريانًا»، فقلت: اكتُمْها مخافةَ أن يقولوا مجنون. انتهى.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: هذا الحديث، وإن كان في سنده مقال؛ لأن سماكًا مضطرب في روايته عن عكرمة، لكنه صحيح بشواهده، كحديث جابر رضي الله عنه المذكور في الباب.
ثم قيل: إنه يدُلّ على أنه لا يجوز التعرّي في الخلوة، ولو لَمْ يكن مع الناس.
لكن الذي يظهر لي أنه محمول على الحال التي كان عليها النبيّ ﷺ؛ إذ كانت قريش، رجالُها ونساؤها تنقل معه الحجارة، فقال: “نهيت أن أمشي عريانًا”، أي في مثل هذه الحالة، فلو كان ذلك نَهْيًا عن التعري في كلّ مكان، لكان قد نهاه عنه في غسل الجناية في الموضع الذي قد أَمِن أن يراه فيه أحد، ولكنه نهاه عن التعرّي بحيث يراه فيه أحد.
قال العينيّ رحمه الله؛ والقعودُ بحيث يراه مَن لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عريانًا، ولذلك نَهَى الشارع عن دخول الحمام بغير إزار. انتهى. [«عمدة القاري» ٤/ ١٠٧]. [البحر المحيط الثجاج].
5 – (ومنها): أحاط الله تعالى نبيه بالرعاية منذ صغره وقبل أن يبعثه بالرسالة، وصانه عن كل عيب ونقيصة.
6 – (ومنها): يظهر في قول عبد الله بن السائب: “فكنت أعبده”، حيث يبين حال أهل الجاهلية في عبادة الأحجار، وفيه تقرير بطلان عبادة غير الله.
7 – (ومنها): إثبات لقب النبي ﷺ قبل بعثته: “الأمين”، وما فيه من تقرير فضيلة الصدق والأمانة.
8 – (ومنها): ألقاب النبي ﷺ وأوصافه في الجاهلية دليل على صدقه وأمانته قبل البعثة.
9 – (ومنها): يجوز التحكيم عند النزاع إذا اتفق الخصوم على المحكم، ويكون حكمه نافذا إذا كان بالعدل.
10 – (ومنها): حكمة النبي صل الله عليه وسلم في مواطن النزاع وغيره.
11 – (ومنها): بيان مشروعية إعادة بناء المساجد وترميمها عند الحاجة، مع مراعاة الضوابط الشرعية.
12 – (ومنها): مشروعية التشاور في الأمور العامة (قوله: «اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ أَوَّلَ رَجُلٍ يَدْخُلُ»).
13 – (ومنها): التأكيد على حرمة الكعبة ووجوب تعظيم شعائر الله تعالى.