[1ج/ رقم (575)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
شارك : أحمد بن علي وطارق أبو تيسير، ومحمد البلوشي ، و عبدالله المشجري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (575)]:
مسند عبد الله بن زيد بن عَبْدِ رَبِّه رضي الله عنهما
قال أبو داود رحمه الله (ج ٢ ص ١٦٩): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ.
قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى. قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: ثم تَقُولُ إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ».
هذا حديث حسنٌ.
الحديث أخرجه الترمذي (ج ١ ص ٥٦٣)، وابن ماجه (ج ١ ص ٢٣٢)، وقال الترمذي: حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح.
وقال ابن خزيمة (ج ١ ص ١٩٣): سمعت محمد بن يحيى يقول: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه.
وقال ابن خزيمة أيضًا (ج ١ ص ١٩٧): وخبر محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عَبْدِ رَبِّه، عن أبيه، ثابتٌ صحيحٌ من جهة النقل؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد قد سمعه من أبيه، ومحمد بن إسحاق قد سمعه من محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وليس هو مما دلسه محمد بن إسحاق.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو داود رحمة الله عليه في السنن، ٢ – كتاب الصلاة، ٢٧ – باب كيف الأذان؟ (٥١٢).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٤ – كتاب الصلاة، ٥٦ – تربيع التكبير، (٨٨٢).
٣٢ – كتاب الأدب، ١٤٣ – تحريم التشبه بالكفار، (٣٧٩٩).
وفي صحيح سنن أبي داود ط غراس، (2/ 407 – 408) – تراث:
(قلت: إسناده حسن صحيح.
وقال النووي: «إسناده صحيح».
وقال البخاري وابن خزيمة: «حديث صحيح». وقال الترمذي: «حسن صحيح».
وقال محمد بن يحيى الذُّهليُّ: «ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان أصح من هذا». ورواه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»).
إسناده: حدثنا محمد بن منصور الطُّوسِيُّ: ثنا يعقوب: ثنا أبي عن محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه: حدثني أبي عبد الله بن زيد.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٤٣): ثنا يعقوب … به.
ومن طريق أحمد: أخرجه الدارقطني (ص ٨٩)، والبيهقي (١/ ٣٩١).
وأخرجه الدارمي (١/ ٢٦٩)، والبيهقي (١/ ٣٩٠ – ٣٩١) من طرق أخرى عن يعقوب … به.
وابن ماجة (١/ ٢٣٩ – ٢٤١) -عن محمد بن سلمة الحَرَّاني-، والدارمي -عن سلمة؛ وهو ابن الفضل الأبرش- كلاهما عن ابن إسحاق … به نحوه.
وأخرجه الترمذي (١/ ٣٥٨ – ٣٦٠) من طريق أخرى عنه … مختصرًا، وقال: «حديث حسن صحيح».
وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» من حديث يعقوب بن إبراهيم … به.
وكذلك رواه البخاري في «أفعال العباد» (ص ٧٦).
ثم روى البيهقي عن محمد بن يحيى -وهو الذُّهْلي- أنه قال:
«ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان أصح من هذا. وفي كتاب»العلل«لأبي عيسى الترمذي قال:
سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث؛ يعني: حديث محمد ابن إبراهيم التيمي؟ فقال: هو عندي حديث صحيح». وقال ابن خزيمة في «صحيحه»:
«هذا حديث صحيح ثابت من جهة النقل؛ لأن محمدًا سمع من أبيه، وابن إسحاق سمع من التيمي؛ وليس هذا مما دلسه». وقال الخَطَّابي في «المعالم»:
«روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة، وهذا الإسناد أصحها». وقال النووي في «المجموع» (٣/ ٧٦):
«إسناده صحيح». وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٦٢):
«وشاهده: حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب … مرسلًا، ومنهم من وصله عن سعيد عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادًا».
قلت: والموصول هذا؛ قد علقه المصنف؛ وهو:
٥١٣ – قال أبو داود: «هكذا رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد؛ وقال فيه ابن إسحاق عن الزهري: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر».
(قلت: وصله أحمد من طريق ابن إسحاق، وهو حديث صحيح). … . انتهى المراد. ثم ذكر رحمه الله تخريج هذا الحديث.
وقال الأرنؤوط في تحقيق السنن (1/ 372):
“إسناده حسن، محمَّد بن إسحاق صدوق حسن الحديث، وقد صرح بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه، وباقي رجاله ثقات. يعقوب: هو ابن إبراهيم بن سعد الزُّهريّ.
وأخرجه الترمذي (١٨٧)، وابن ماجه (٧٠٦) من طريقين عن محمَّد بن إسحاق، بهذا الإسناد. ورواية ابن ماجه ليس فيها ذكر الإقامة، ورواية الترمذي مختصرة بآخره. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهو في «مسند أحمد» (١٦٤٧٨)، و«صحيح ابن حبان» (١٦٧٩).
قوله: «طاف بي رجل» هو من الطيف وهو الخيال الذي يلم بالنائم، يقال منه: طاف يطيف، ومن الطواف: يطوف، ومن الإحاطة بالشيء. أطاف يطيف.
وقوله: «فإنه أندى صوتًا» أي: أرفع”. انتهى المراد.
والثاني: شرح وبيان الحديث
قول الإمام أبو داود رحمه الله: “باب كيف الأذان”.
المقصود من هذه الترجمة بيان كيفية الأذان، أي: ألفاظه، وصيغه، وكيفية أدائه، وبيان كيف يؤذن المؤذن، والألفاظ التي يؤذن بها، وهل يرفع صوته بذلك، واستحباب اختيار من يكون صوته نديًا، فإنه يكون مقدمًا على غيره في ذلك، كل هذا هو المقصود من الترجمة.
وقد أورد المصنف رحمه الله جملة من الأحاديث التي فيها بيان كيفية الأذان، وهي بصيغ مختلفة في الزيادة والنقصان، وكذلك الإقامة، وما صح من ذلك، فإن الاختلاف فيه من قبيل اختلاف التنوع، فكلها حق، وإذا أخذ المؤذن بأي صيغة مما ورد وثبت فإن ذلك يكون صحيحًا ويكون حقًا، وهو مثل ألفاظ التشهد وألفاظ الاستفتاح التي جاءت بصيغ مختلفة، …. قاله الشيخ عبد المحسن العباد. [وسيأتي كلام عن هذا في محله بإذن الله تعالى].
وأورد المصنف رحمه الله حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري رضي الله تعالى عنه في شأن الأذان، رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه في منامه أنه أتاه آتٍ فعلّمه الأذان، كما مرّ آنفًا، وهو خمس عشر جملة، فيها التربيع للتكبير أولًا، ثم الشهادة لله بالوحدانية والإلهية مرتين، والشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة مرتين، ثم (حي على الصلاة) مرتين، و(حي على الفلاح) مرتين، و(الله أكبر) في آخر الأذان مرتين، وفي الختام: (لا إله إلا الله)، فيكون المجموع خمس عشرة جملة.
ثم علمه الإقامة، وهي إحدى عشر جملة
وقد جاءت ألفاظ الأذان كلها ذكرًا لله عز وجل وثناء عليه، وتوحيدًا له، ودعوة إلى الصلاة وإلى الفلاح، وما يترتب على الصلاة من فلاح ونجاح وخير في الدنيا والآخرة.
فجاء في أول الأذان: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) وجاء في صحيح مسلم: أنه يقول: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أي: يقول كل تكبيرتين في نَفَس واحد، ويؤتى بهما جملة واحدة، كما جاء في الصحيح: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر يقول أحدكم: الله أكبر الله أكبر وإذا قال: الله أكبر الله أكبر، يقول أحدكم: الله أكبر الله أكبر، وإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله) إلى آخر الأذان، فكان ذكر الأربع التكبيرات في جملتين، أي: في نَفَسين. [شرح سنن أبي داود للعباد، (3/ 70) تفريغ].
والثالث : فوائد الحديث:
قال الشيخ عبد المحسن العباد في شرح المحرر
1 – (منها): قوله: «فقلت: يا عبدالله» هذا فيه أن الذي لا يعرف عندما يخاطب يقال له يا عبدالله؛ لأن كل الناس عباد الله.
2 – (ومنها): قوله: «فإنه أندى صوتا منك» وهذا فيه بيان اختيار المؤذن يكون حسن الصوت يكون جهوري الصوت حتى يبلغ الناس وحتى يحصل إبلاغ الناس على الوجه الذي ينبغي.
3 – (ومنها): فقوله ﷺ: «فلله الحمد» وهذا يدل على أن حمد الله عند تجدد النعم وعند حصول الأمور السارة والأمور المحبوبة والمرغوبة.
وقال الشيخ الإتيوبي رحمه الله:
4 – (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعمر، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما.
5 – (ومنها): أنه يجب مخالفة اليهود والنصارى، وغيرهم من أهل الملل المخالفة للإسلام فيما يستعملونه في عباداتهم، وعاداتهم الخاصّة بهم.
6 – (ومنها): بيان شرف رؤيا المؤمن .
7 – (ومنها): مشروعيّة القيام للأذان، على ما الراجح في قوله ﷺ: «قم يا بلال»، وقال القاضي عياض ﷺ: في الحديث حجة لشرع الأذان من قيام، وأنه لا يجوز الأذان قاعدًا، قال: وهو مذهب العلماء كافّةً إلا أبا ثور، فإنه جوّزه، ووافقه أبو الفرج المالكيّ.
وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا الذي قاله ضعيف لوجهين: أحدهما: أنّا قدمنا عنه أن المراد بهذا النداء الإعلام بالصلاة، لا الأذان المعروف، والثاني: أن المراد: قُمْ فاذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرّض للقيام في حال الأذان، لكن يُحْتَجُّ للقيام في الأذان بأحاديث معروفة غير هذا.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: عندي أن احتجاج القاضي بقوله: «قم يا بلال» على القيام ظاهرٌ، وقد احتجّ به قبله ابن المنذر في «الأوسط» [«الأوسط» ٣/ ١٢].
وكذا كون المراد من قوله: «فناد بالصلاة» الأذان المعروف هو الأظهر، كما أسلفنا تحقيقه، وأما قول عمر رضي الله عنه: «ينادي بالصلاة» فحمله على مطلق الإعلام هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
قال: وأما قوله: مذهب العلماء كافة أن القيام واجبٌ، فليس كما قال، بل مذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذّن قاعدًا بغير عذر صح أذانه، لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذّن مضطجعًا مع قدرته على القيام صحّ أذانه على الأصح؛ لأن المراد الإعلام، وقد حَصَل، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله [«شرح النوويّ» ٤/ ٧٧].
8 – (ومنها): ما قيل: سبب تخصيص بلال رضي الله عنه بالنداء والإعلام هو ما جاء مبينًا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما في الحديث الصحيح، حديثِ عبد الله بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال له: «أَلْقِه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك»، قيل: معناه أرفع صوتًا، وقيل: أطيب، فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع الصوت وحسنه، وهذا متفق عليه، قال أصحابنا: فلو وجدنا مؤذنًا حسن الصوت يَطلُب على أذانه رزقًا، وآخر يتبرع بالأذان، لكنه غير حسن الصوت، فأيهما يؤخذ؟ فيه وجهان؛ أصحهما يُرْزَق حسن الصوت، وهو قول ابن سريج، والله أعلم. انتهى.
وقال ابن المنذر رحمه الله بعد إخراجه حديث رؤيا عبد الله بن زيد للأذان – ما نصّه: ويدلّ هذا الحديث على أن من كان أرفع صوتًا أحقّ بالأذان؛ لأن النداء إنما جُعل لاجتماع الناس للصلاة، بَيَّنَ ذلك في قوله: «ألقها عليه، فإنه أندى صوتًا منك». انتهى [«الأوسط» ٣/ ١٣].
وانظر: صحيح مسلم، (٤) – (كتاب الصلاة)، (١) – (باب بدء الأذان)، البحر المحيط الثجاج (9/ 15 وما بعد ذلك). ذكر فيها مسائل غير ما تقدم.
والرابع : فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى):
(المطلب الأول): الْمُرَادُ بالْأَذَان والنِّدَاء:
الْأَذَانَ لُغَةً: الْأَذَانُ لُغَةً: الْإِعْلَامُ.
قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا}، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ}،
وَالْأَذَانُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، شِعَارًا لِلْمُسْلِمِينَ وَنِدَاءً لِلصَّلَاةِ.
وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ هُوَ الْأَذَانُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا}.
وَمِنَ السُّنَةِ قَوْلُهُ ﷺ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ».
وَقِيلَ: النِّدَاءُ لُغَةً هُوَ النِّدَاءُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ لِحَدِيثِ: «فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا».
(المطلب الثاني): بَدْءُ مَشْرُوعِيَّتِهِ:
اخْتُلِفَ فِي بَدْءِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بُدِئَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَجَاءَتْ نُصُوصٌ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ: أَنَّهُ شُرِعَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ بِمَكَّةَ.
مِنْهَا: عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، عِنْدَ الْبَزَّارِ: أَنَّهُ شُرِعَ مَعَ الصَّلَاةِ.
وَمِنْهَا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: أَنَّهُ شُرِعَ بِمَكَّةَ عَنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
أَمَّا مَشْرُوعِيَّتُهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَفِي الْمَدِينَةِ فَفِيهَا نُصُوصٌ عَدِيدَةٌ، صَحِيحَةٌ، تُبَيِّنُ بَدْأَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ:
مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ: «كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ”، وَفِي الْمُوَطَّأِ لِمَالِكٍ رحمه الله: أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يَضْرِبُ بِهِمَا؛ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ، فَأُرِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ خَشَبَتَيْنِ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ لَنَحْوٌ مِمَّا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا تُؤَذِّنُونَ لِلصَّلَاةِ؟ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَذَانِ».
وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى عَنْ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ وَعِنْدَ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى، وَصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهَا قَالُوا: «انْصِبْ رَايَةً فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ أَذَّنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَيْ: أَعْلَمَهُ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ فَذُكِرَ لَهُ الْقِنْعُ، وَهُوَ الشَّبُّورُ لِلْيَهُودِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فَقَالَ هَذَا مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ».
وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ «أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا فَلَمْ يُعْجِبْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ».
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ؛ لِيَضْرِبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَوَاتِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ …
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَفِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.
(المطلب الثالث): سُؤَالٌ حَوْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ
وَهُنَا سُؤَالٌ حَوْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ، قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَيْفَ يُتْرَكُ أَمْرُ الْأَذَانِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْأَهَمِّيَّةِ مِنَ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ أَمْرَ مَشْرُوعِيَّتِهِ رُؤْيَا يَرَاهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَطَعَنَ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: «قُمْ يَا بِلَالُ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ»،
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ:
مِنْهَا: سَنَدُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ صَحِيحٌ، وَقَدْ نَاقَشَهُ الشَّوْكَانِيُّ رحمه الله، وَذَكَرَ تَصْحِيحَهُ وَمَنْ صَحَّحَهُ وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ بِإِرَادَةِ اتِّخَاذِ خَشَبَتَيْنِ، فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ خَشَبَتَيْنِ الْحَدِيثَ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِثْبَاتُ التَّشَاوُرِ فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ حِينَ الصَّلَاةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ أَلْفَاظَ النِّدَاءِ فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إِمَّا أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُنَادِي بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّيغَةِ، ثُمَّ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ الْأَذَانَ فَعَلَّمَهُ بِلَالًا.
وَقَدْ يَشْهَدُ لِهَذَا الْوَجْهِ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: أُحِيلَتِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: “لَقَدْ أَعْجَبَنِي أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةً، حَتَّى لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبُثَّ رِجَالًا فِي الدُّورِ يُنَادُونَ النَّاسَ بِحِينِ الصَّلَاةِ، وَحَتَّى هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رِجَالًا يَقُومُونَ عَلَى الْآطَامِ يُنَادُونَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَقَسُوا أَوْ كَادُوا أَنْ يَنْقُسُوا»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمَّا رَجَعْتُ لِمَا رَأَيْتُ مِنِ اهْتِمَامِكَ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ فَقَامَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ لَقُلْتُ إِنِّي كُنْتُ يَقْظَانَ غَيْرَ نَائِمٍ.
فَقَالَ ﷺ: «لَقَدْ أَرَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَمُرْ بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى وَلَكِنِّي لَمَّا سُبِقْتُ اسْتَحْيَيْتُ». لِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا. صححه الألباني
فَفِيهِ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ هَمَّ أَنْ يَبُثَّ رِجَالًا فِي الدُّورِ، وَعَلَى الْآطَامِ يُنَادُونَ لِلصَّلَاةِ، فَيَكُونُ نِدَاءُ بِلَالٍ أَوَّلًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ دُونَ تَعْيِينِ أَلْفَاظٍ…
وَمِنْهَا أَيْضًا: أَنَّ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ لِلْأَذَانِ لَا تَجْعَلُهُ مَشْرُوعًا لَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
وَهَذَا النَّظْمُ لِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ هذا الْقِسْمِ فَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنِ الْوَسَاوِسِ، وَالْهَوَاجِسِ لِمَا فِيهَا مِنْ إِعْلَانِ الْعَقِيدَةِ وَإِرْغَامِ الشَّيْطَانِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ أَدْبَرَ» إِلَخْ.
ثُمَّ إِنَّهُ ﷺ لَمَّا سَمِعَهَا أَقَرَّهَا،
ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْلِيمُهُ ﷺ لِأَبِي مَحْذُورَةَ فَصَارَ سُنَّةً ثَابِتَةً
وَمِنْهَا: أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ جَاءَهُ بِهِ، وَلَمَّا أَخْبَرَهُ عُمَرُ قَالَ لَهُ: «سَبَقَكَ بِذَلِكَ الْوَحْيُ» ذُكِرَ فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ بَسْطُ الْكَلَامِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالرُّؤْيَا، ذَكَرَهُمَا الْمُعَلِّقُ عَلَى بَذْلِ الْمَجْهُودِ.
[أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (8/ 121 – 126)].
(المسألة الثانية): فَضْلُ الْأَذَانِ، وَآدَابُ الْمُؤَذِّنِ:
(المطلب الأول): فضل الأذان:
لَا شَكَّ أَنَّ الْأَذَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَشْهَدُ لَهُ مَا سَمِعَ صَوْتَهُ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ. إِلَخْ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ ﷺ: «أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [«صحيح مسلم»].
وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْتُ.
وَقَالَ ﷺ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنٌ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَذَانِ، فَقِيلَ: مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْوَقْتِ، وَقِيلَ: مُؤْتَمَنٌ عَلَى عَوْرَاتِ الْبُيُوتِ عِنْدَ الْأَذَانِ، فَقَدْ حَثَّ ﷺ الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى الْوُضُوءِ لَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ: «لَا يُنَادِي لِلصَّلَاةِ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ» وَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ لَا يُبْطِلُهُ اتِّفَاقًا.
[وفي «البخاري» عن أبي سعيد مرفوعًا: «فإنه لا يسمع صوت المؤذن جِنٌّ، ولا إنسٌ، ولا شيء؛ إلا شهد له يوم القيامة»، وفي الباب أدلة أخرى في فضله الكبير، وبيان الأجر العظيم فيه].
(المطلب الثاني): آدَابٌ فِي حَقِّ الْمُؤَذِّنِينَ:
مِنْهَا: أَنْ يَكُونُوا مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، كَمَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ»، وَعَلَيْهِ حَذَّرَ ﷺ مِنْ تَوَلِّي الْفَسَقَةِ الْأَذَانَ كَمَا فِي حَدِيثِ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» الْمُتَقَدِّمِ. فَإِنَّ فِيهِ زِيَادَةً عِنْدَ الْبَزَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَقَدْ تَرَكْتَنَا نَتَنَافَسُ فِي الْأَذَانِ بَعْدَكَ. فَقَالَ: «إِنَّهُ يَكُونُ بَعْدِي أَوْ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ سِفْلَتُهُمْ مُؤَذِّنُوهُمْ».
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّغَنِّي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ إِلَى أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَكِنِّي أُبْغِضُكَ فِي اللَّهِ، فَقَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ تَتَغَنَّى فِي أَذَانِكَ.
وَفِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ: وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ صَبِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ، أَيْ ظَاهِرِ الْفِسْقِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَا يُحَاكِي فِي أَذَانِهِ الْفَسَقَةَ.
وَمِنْهَا: أَلَّا يَلْحَنَ فِيهِ لَحْنًا بَيِّنًا، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيُكْرَهُ اللَّحْنُ فِي الْأَذَانِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَيَّرَ الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ وَنَصَبَ لَامَ رَسُولٍ. أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا.
وَلَا يَمُدُّ لَفْظَةَ أَكْبَرَ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ فِيهَا أَلِفًا فَيَصِيرُ جَمْعُ كَبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ، وَلَا يُسْقِطُ الْهَاءَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَلَا الْحَاءَ مِنَ الْفَلَاحِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ» الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ أَلْثَغَ لَا تَتَفَاحَشُ جَازَ أَذَانُهُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَقُولُ: أَسْهَدُ بِجَعْلِ الشِّينِ سِينًا، نَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ، وَلَكِنْ لَا أَصْلَ لِهَذَا الْأَثَرِ مَعَ شُهْرَتِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، كَمَا فِي كَشْفِ الْخَفَاءِ وَمُزِيلِ الْإِلْبَاسِ.
وَمِنْ هَذَا يَنْبَغِي تَعَهُّدُ الْمُؤَذِّنِينَ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ اللَّحْنِ وَالتَّلْحِينِ وَكَذَلِكَ الْفِسْقُ، وَصِفَةُ الْمُؤَذِّنِينَ وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مَهْبِطِ الْوَحْيِ وَمَصْدَرِ التَّأَسِّي، وَمَوْفِدِ الْقَادِمِينَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ لِيَأْخُذُوا آدَابَ الْأَذَانِ وَالْمُؤَذِّنِينَ عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ الْمُقَدَّسَةِ. [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (8/ 126 – 127)].
(المسألة الثالثة):
(المطلب الأول): أَلْفَاظُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهَا مَعَ بَيَانِ التَّثْوِيبِ وَالتَّرْجِيعِ:
(المطلب الأول): أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ:
مَدَارُ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْأَصْلِ عَلَى حَدِيثَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ بِالْمَدِينَةِ، وَحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَمَا عَدَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا كَحَدِيثِ بِلَالٍ وَغَيْرِهِ رضي الله عنهم.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْجُودٌ فِي السُّنَنِ، أَيْ: فِيمَا عَدَا الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ مِنْ حَيْثُ الْزَمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي مَبْحَثِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ، وَأَنَّهُ كَانَ ابْتِدَاءً فِي الْمَدِينَةِ أَوَّلَ مَقْدِمِهِ ﷺ إِلَيْهَا.
وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ مَوْجُودٌ فِي السُّنَنِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ قِصَّةَ سَبَبِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَحَدِيثَ: أُمِرِ بِلَالٌ أَنْ يُشْفِعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَعَلَيْهِ سَنُقَدِّمُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ؛ لِتَقَدُّمِهِ فِي الزَّمَنِ،
وَأَلْفَاظُهُ:
كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، هِيَ:
وَمَجْمُوعُهُ خَمْسَةَ عَشَرَةَ (25) كَلِمَةً
حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ:
وَحَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ كَمَا فِي السُّنَنِ
أَمَّا أَلْفَاظُهُ:
فَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ، وَالْبَاقِي كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مَعَ زِيَادَةِ ذِكْرِ التَّرْجِيعِ، وَقَدْ سَاقَهُ مُسْلِمٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَبِلَفْظِ التَّكْبِيرِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ
(المطلب الثاني):
وَبِالنَّظَرِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ نَجِدُهُ لَمْ تَخْتَلِفْ أَلْفَاظُهُ لَا فِي الْأَذَانِ وَلَا فِي الْإِقَامَةِ، وَهُوَ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ وَبِدُونِ تَثْوِيبٍ وَلَا تَرْجِيعٍ، وَبِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فَجَاءَ بِعِدَّةِ صُوَرٍ فِي الْأَذَانِ وَفِي الْإِقَامَةِ.
أَمَّا الْأَذَانُ فَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ بِتَرْبِيعِهِ، وَعِنْدَ الْجَمِيعِ إِثْبَاتُ التَّرْجِيعِ فِي الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَنَّ الْأُولَى مُنْخَفِضَةٌ، وَالثَّانِيَةَ مُرْتَفِعَةٌ، كَبَقِيَّةِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَجَاءَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَجَاءَتْ مِثْلَ الْأَذَانِ تَمَامًا عِنْدَ غَيْرِ مُسْلِمٍ سِوَى التَّرْجِيعِ وَالتَّثْوِيبِ مَعَ تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ، فَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ كَالْآتِي:
فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ ثَلَاثُ نِقَاطٍ:
أَوَّلًا: ذِكْرُ التَّرْجِيعِ.
ثَانِيًا: التَّثْوِيبُ.
ثَالِثًا: عَدَدُ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهِ.
وَأَمَّا التَّثْوِيبُ فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ، وَكَانَ أَيْضًا مُتَأَخِّرًا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ قَطْعًا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ لِلصُّبْحِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَائِمٌ فَصَرَخَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأُدْخِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّأْذِينِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، أَيْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «اجْعَلْ ذَلِكَ فِي أَذَانِكَ» فَاخْتُصَّتْ بِالْفَجْرِ.
وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ رحمه الله فِي الْمُغْنِي عَنْ بِلَالٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَاهُ أَنْ يُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ فَخَرَجَ فَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ؟ فَقَالَ: أَخْرَجَتْنِي الْبِدْعَةُ، فَلَزِمَ بِهَذَا كُلِّهِ الْأَخْذُ بِهَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ خَاصَّةً.
(المطلب الثالث):
ثُمَّ نَسُوقُ مَا أَخَذَ بِهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَعَ بَيَانِ النَّتِيجَةِ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْجَمِيعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبِدَايَةِ مَا نَصُّهُ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَذَانِ عَلَى أَرْبَعِ صِفَاتٍ مَشْهُورَةٍ:
إِحْدَاهُمَا: تَثْنِيَةُ التَّكْبِيرِ وَتَرْبِيعُ الشَّهَادَتَيْنِ وَبَاقِيهِ مُثَنًّى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ التَّرْجِيعَ فِي الشَّهَادَتَيْنِ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنَ الْأَذَانِ.
وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: أَذَانُ الْمَكِّيِّينَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَالشَّهَادَتَيْنِ، وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الْأَذَانِ.
وَالصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: أَذَانُ الْكُوفِيِّينَ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الْأَذَانِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالصِّفَةُ الرَّابِعَةُ: أَذَانُ الْبَصْرِيِّينَ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ وَتَثْلِيثُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَحَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، يَبْدَأُ بِأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ يُعِيدُ كَذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً أَعْنِي الْأَرْبَعَ كَلِمَاتٍ تَبَعًا ثُمَّ يُعِيدُهُنَّ ثَالِثَةً، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ الْأَرْبَعِ:
اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَاخْتِلَافُ اتِّصَالِ الْعَمَلِ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَدَنِيِّينَ يَحْتَجُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ بِالْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ، وَالْمَكِّيُّونَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَحْتَجُّونَ بِالْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ وَالْبَصْرِيُّونَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آثَارٌ تَشْهَدُ لِقَوْلِهِ. اهـ.
ثُمَّ سَاقَ نُصُوصَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا سَابِقًا، وَلَمْ يُورِدْ نَصًّا لِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ الَّذِي فِيهِ التَّثْلِيثُ الْمَذْكُورُ، وَقَدْ وُجِدَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مُجَلَّدَ (١) ص (٥٦٤) وَجَاءَ مَرْوِيًّا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي الْمُصَنَّفِ الْمَذْكُورِ.
وَقَالَ فِي الْإِقَامَةِ:
أَمَّا صِفَتُهَا: فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِهَا، وَبِإِفْرَادِ بَاقِيهَا إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَرَّتَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَهِيَ مَثْنَى مَثْنَى، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَقَدْ خَيَّرَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ فِيهَا اهـ.
تِلْكَ هِيَ خُلَاصَةُ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَقَدْ أَجْمَلَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله فِي زَادِ الْمَعَادِ تَحْتَ عُنْوَانِ: فَصْلُ مُؤَذِّنِيهِ ﷺ قَالَ مَا نَصُّهُ:
وَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ يُرَجِّعُ الْأَذَانَ وَيُثَنِّي الْإِقَامَةَ وَبِلَالٌ لَا يُرَجِّعُ وَيُفْرِدُ الْإِقَامَةَ، فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ مَكَّةَ بِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَإِقَامَةِ بِلَالٍ، وَيَعْنِي بِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ عَلَى رِوَايَةِ تَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ، وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَإِقَامَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَأَخَذَ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَإِقَامَتِهِ، أَيْ: بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ وَبِدُونِ تَرْجِيعٍ، وَبِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ إِلَى لَفْظِ الْإِقَامَةِ، قَالَ: وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِعَادَةَ التَّكْبِيرِ وَتَثْنِيَةَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُهَا اهـ.
وَمُرَادُهُ بِمُخَالَفَةِ مَالِكٍ هُنَا لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَّفِقٌ مَعَ بَعْضِ الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
أَمَّا فِي عَدَمِ إِعَادَةِ التَّكْبِيرِ، فَعَلَى حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَدَمِ تَكْرِيرِهِ لِلَفْظِ الْإِقَامَةِ، فَعَلَى بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ بِلَالٍ أَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ أَيْ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ،
وَبِهَذَا مَرَّةً أُخْرَى يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ، وَأَنَّهَا مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ التَّنَوُّعِ وَكُلٌّ ذَهَبَ إِلَى مَا هُوَ صَحِيحٌ وَرَاجِحٌ عِنْدَهُ، وَلَا تَعَارُضَ مُطْلَقًا إِلَّا قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ بِالتَّثْلِيثِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ كَلِمَةَ فَصْلٍ فِي ذَلِكَ، فِي الْمَجْمُوعِ ج ٢٢ ص ٦٦ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَصُّهُ:
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ تَسْوِيغُ كُلِّ مَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَكْرَهُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، إِذْ تَنَوُّعُ صِفَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَتَنَوُّعِ صِفَةِ الْقِرَاءَاتِ وَالتَّشَهُّدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْرَهَ مَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ:
مِمَّا لَا يَنْبَغِي الْخِلَافُ فِيهِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يُعَنَّفُ فِيهِ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا مَنْ تَرَكَهُ.
وَهَذَا كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكِهِ، وَكَالْخِلَافِ فِي أَنْوَاعِ التَّشَهُّدَاتِ وَأَنْوَاعِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَنْوَاعِ النُّسُكِ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.
تَنْبِيهٌ:
قَدْ جَاءَ فِي التَّثْوِيبِ بَعْضُ الْآثَارِ عَنْ عُمَرَ وَبَعْضِ الْأُمَرَاءِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، كَمَا فِي قِصَّةِ بِلَالٍ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَوْ غَيْرِهِ يَكُونُ تَكْرَارًا لَمَّا سَبَقَ أَنْ جَاءَ عَنْ بِلَالٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقِيلَ فِيهَا هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ أَوْ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يَكُونُ الْإِمَامُ نَائِمًا فِيهَا؟
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْفَجْرِ وَفِي الْأَذَانِ لَا عِنْدَ بَابِ الْأَمِيرِ أَوِ الْإِمَامِ، وَتَقَدَّمَ أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَنْ ثَوَّبَ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِدْعَةً وَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ.
(المسألة الرابعة): كَيْفِيَّةُ أَدَاءِ الْأَذَانِ
يُؤَدَّى الْأَذَانُ بِتَرَسُّلٍ وَتَمَهُّلٍ؛ لِأَنَّهُ إِعْلَانٌ لِلْبَعِيدِ، وَالْإِقَامَةُ حَدْرًا؛ لِأَنَّهَا لِلْحَاضِرِ الْقَرِيبِ، أَمَّا النُّطْقُ بِالْأَذَانِ فَيَكُونُ جَزْمًا غَيْرَ مُعْرَبٍ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، أَنَّهُ حَالُ تَرَسُّلِهِ وَدَرْجِهِ أَيْ: فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، لَا يَصِلُ الْكَلَامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بَلْ جَزْمًا.
وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ، قَالَ: وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى إِجْمَاعِهِمْ.
(المسألة الخامسة): حُكْمُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ:
(المطلب الأول): حُكْمِ الْأَذَانِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؟
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله في كتابه «الأوسط»: «ذكرُ الأمر بالأذان، ووجوبه»، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ الآية [المائدة: ٥٨].
قال: ولا نعلم أذانًا كان على عهد رسول الله ﷺ إلا للصلاة المكتوبة، وقد ثَبَت أن رسول الله ﷺ أمر بالأذان والإقامة للمسافر، ثم أخرج بسنده عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه أتى النبيّ ﷺ هو وصاحب له، فقال: «إذا سافرتما، فأذّنا ثم أقيما، وليؤمّكما أكبركما»، متّفقٌ عليه.
قال: فالأذان والإقامة واجبتان على كلّ جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبيّ ﷺ أمر بالأذان، وأَمْرُه على الفرض، وقد أمر النبيّ ﷺ أبا محذورة أن يؤذّن بمكة، وأمر بلالًا بالأذان، وكل هذا يدلّ على وجوب الأذان.
وقد اختَلَف أهل العلم فيمن صلَّى بغير أذان ولا إقامة، فرُوي عن عطاء أنه قال فيمن نسي الإقامة: يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعيّ، ثم قال الأوزاعيّ فيمن نسي الأذان: يُعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت فلا إعادة، وكان يقول في الأذان والإقامة: يُجزئ أحدهما عن الآخر، وقد رُوي عن مجاهد أنه قال: من نسي الإقامة في السفر أعاد.
وقال مالك: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يُجمع فيها الصلاة.
وقالت طائفة: لا إعادة على من ترك الأذان والإقامة، وروينا عن الحسن أنه قال: من نسي في السفر فلا إعادة عليه، وكذلك قال النخعيّ، وقال الزهريّ وقتادة: من نسي الإقامة لم يُعِد صلاته، وقال مالك: لا شيء عليه إذا صلّى بغير إقامة، وإن تعمّد يستغفر الله، ولا شيء عليه، وقال أحمد، وإسحاق، والنعمان، وصاحباه في قوم صلَّوا بغير أذان ولا إقامة، قالوا: صلاتهم جائزة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله [«الأوسط» ٣/ ٢٤ – ٢٥].
وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله: ولا تُجزئ صلاة فريضةٌ في جماعة: اثنين فصاعدًا إلا بأذان وإقامة، سواء كانت في وقتها، أو كانت مقضيّة لنوم أو لنسيان، متى قُضيت، السفر والحضر سواء في كلّ ذلك، فإن صلّى شيئًا من ذلك بلا أذان ولا إقامة، فلا صلاة لهم، حاشا الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة، فإنمها يُجمعان بأذان لكلّ صلاة، وإقامة للصلاتين معًا؛ لأثر في ذلك.
ثم ذكر حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه المتقدّم، ثم قال: وما نعلم من لم ير ذلك فرضًا حُجّةً أصلًا، ولو لم يكن إلا استحلال رسول الله ﷺ دماء من لم يسمع عندهم أذانًا وأموالهم، وسبيهم لكفى في وجوب فرض ذلك، وهو إجماع متيقّنٌ من جميع من كان معه من الصحابة رضي الله عنهم بلا شك. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله [»المحلَّى«٣/ ١٢٢ – ١٢٥].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: عندي أن القول بوجوب الأذان والإقامة هو الأرجح؛ للأدلة الكثيرة الواضحة في ذلك، وقد ذكرت كثيرًا منها في «شرح النسائيّ» [راجع:»ذخيرة العقبى في شرح المجتبى«٧/ ٦٦٧ – ٦٦٨]، فراجعه تستفد [البحر المحيط الثجاج، (9/ 31 – 33)].
وفي أضواء البيان:
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْأَذَانِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؟ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا، فَهَلْ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؟ اهـ.
فَتَرَاهُ يَدُورُ حُكْمُهُ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ، اخْتِلَافُهُمْ فِي وِجْهَةِ النَّظَرِ فِي الْغَرَضِ مِنَ الْأَذَانِ، هَلْ هُوَ مِنْ حَقِّ الْوَقْتِ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِهِ أَوْ مِنْ حَقِّ الصَّلَاةِ، كَذِكْرٍ مِنْ أَذْكَارِهَا أَوْ هُوَ شِعَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُمَيِّزُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ؟
وَسَنُجْمِلُ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ رحمهم الله مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَأْخَذِ كُلٍّ مِنْهُمْ ثُمَّ بَيَانِ الرَّاجِحِ
إِنْ شَاءَ اللَّهُ:
أَوَّلًا: اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ الْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْحَضَرِ وَفِي السَّفَرِ، أَيْ: أَنَّهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْ: لِلْجَمَاعَةِ أَوْ لِلْجُمُعَةِ خَاصَّةً، وَالدَّلِيلُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْمُسِئِ صَلَاتَهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ مَعَهَا الْوُضُوءَ، وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُعَلِّمْهُ أَمْرَ الْأَذَانِ وَلَا الْإِقَامَةِ.
ثَانِيًا: مَالِكٌ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى الْمَسَاجِدِ الَّتِي لِلْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَرْضًا وَلَا سُنَّةً.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ، فَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَمَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ. وَفِي مَتْنِ خَلِيلٍ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِجَمَاعَةٍ تَطْلُبُ غَيْرَهَا فِي فَرْضٍ وَقْتِيٍّ، وَلَوْ جُمُعَةٍ أَيْ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ أَصْلًا. وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ عَنْهُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ مَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ إِلَّا فِي الصُّبْحِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَذَانُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ لَهُ النَّاسُ، رَوَاهُ مَالِكٌ.
وَكَذَلِكَ أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ، صَلَّوْا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ. قَالَ سُفْيَانُ: كَفَتْهُمْ إِقَامَةُ الْمِصْرِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِقَامَةُ الْمِصْرِ تَكْفِي، رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِلِينٍ.
ثَالِثًا: وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: قَالَ الْخِرَقِيُّ: هُوَ سُنَّةٌ أَيْ كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرُ الْخِرَقِيِّ قَالَ كَقَوْلِ مَالِكٍ.
رَابِعًا: عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ، قَالَ لَهُمَا ﷺ: «إِذَا كُنْتُمَا فِي سَفَرٍ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَحَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ.
هَذَا مُوجَزُ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ رحمهم الله مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَدِلَّتِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَحُكْمُهُ كَمَا رَأَيْتَ دَائِرٌ بَيْنَ السُّنَّةِ عُمُومًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ.
وَالسُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ أَوْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ.
(المطلب الثاني):
وَقَدْ رَأَيْتُ النُّصُوصَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَلَكِنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ فِي حُكْمِ الْأَذَانِ هُوَ تَرَدُّدُ النَّظَرِ فِيهِ، هَلْ هُوَ فِي حَقِّ الْوَقْتِ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، أَوْ هُوَ حَقُّ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا، أَوْ هُوَ شِعَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ؟
فَعَلَى أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْوَقْتِ، فَأَذَانٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ وَيَكْفِي عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا يُؤَذِّنُ مَنْ فَاتَهُ أَوَّلُ الْوَقْتِ، وَلَا مَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَتْ فِيهِ الْفَرِيضَةُ أَوَّلًا وَلَا لِلْفَوَائِتِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ حَقِّ الصَّلَاةِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
وَعَلَى أَنَّهُ لِلْوَقْتِ لِلْإِعْلَامِ بِهِ، فَإِنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ قِصَّةِ تَعْرِيسِهِمْ آخِرَ اللَّيْلِ، وَلَمْ يُوقِظْهُمْ إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَأَمْرُهُ ﷺ بِالِانْتِقَالِ عَنْ ذَلِكَ الْوَادِي ثُمَّ نُزُولُهُمْ وَالْأَمْرُ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ لِلْوَقْتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ.
وَعَلَى أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ فَلَهُ جِهَتَانِ:
الْأُولَى: إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَلَا يَطْلُبُ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً.
فَإِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا لَا يَطْلُبُ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي كَوْنِهِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَقْصِدُ إِعْلَامَهُ.
وَلِحَدِيثِ الْمُسِئِ صَلَاتَهُ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَقَدْ يَدُلُّ لِذَلِكَ ظَاهِرُ نُصُوصِ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ: الطَّهَارَةُ، وَالْوَقْتُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ.
فَفِي الطَّهَارَةِ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ [٥ \ ٦] .
وَفِي الْوَقْتِ قَالَ تَعَالَى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ الْآيَةَ [١١ \ ١١٤] وَنَحْوَهَا.
وَفِي الْعَوْرَةِ قَالَ تَعَالَى: يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الْآيَةَ [٧ \ ٣١] .
وَفِي الْقِبْلَةِ قَالَ تَعَالَى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [٢ \ ١٤٤] .
وَأَمَّا فِي الْأَذَانِ فَقَالَ تَعَالَى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا [٥ \ ٥٨].
وَقَالَ فِي سُورَةِ «الْجُمُعَةِ» فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [٦٢ \ ٩] وَكِلَاهُمَا حِكَايَةُ وَاقِعٍ، وَلَيْسَ فِيهِمَا صِيغَةُ أَمْرٍ كَغَيْرِ الْأَذَانِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الْحُوَيْرِثِ فَهُوَ فِي خُصُوصِ جَمَاعَةٍ، وَلَيْسَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ كَمَا هُوَ نَصُّ الْحَدِيثِ.
وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيهِ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ، هَلْ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمْ أَمْ عَلَى النَّدْبِ؟ وَإِذَا كَانَ بِالنُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْفَرْدِ، فَلَيْسَ هُوَ إِذًا بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَيُجْعَلُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى النَّدْبِ.
وَعَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ لَهُ: «أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالنَّسَائِيُّ.
وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ فِيهِ قَوْلُهُ رضي الله عنه: فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْحَثُّ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ لِمَنْ يُؤَذِّنُ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْأَجْرِ.
أَمَّا كَوْنُهُ شِعَارًا لِلْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَسَاجِدِ فِي الْحَضَرِ، فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا، كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي حَقِّ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ إِنْ تَرَكُوهُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ لِدَلِيلِ الْإِغَارَةِ فِي الصُّبْحِ أَوِ التَّرْكِ بِسَبَبِ سَمَاعِهِ، وَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ فِي السَّفَرِ بِالْإِمَامِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْهِ لِفِعْلِهِ ﷺ فِي كُلِّ أَسْفَارِهِ فِي غَزَوَاتِهِ وَفِي حَجِّهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ لَا شَكَّ سُنَّةٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا.
وَلِابْنِ تَيْمِيَةَ تَقْسِيمٌ نَحْوُ هَذَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ: وَلِلْأَذَانِ عِدَّةُ جَوَانِبَ تَبَعٌ لِذَلِكَ مِنْهَا فِي حَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلْأُولَى مِنْهُمَا، وَالِاكْتِفَاءِ بِالْإِقَامَةِ لِلثَّانِيَةِ، كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا أَذَانَ عَلَى النِّسَاءِ أَيْ لَا وُجُوبَ، وَإِنْ أَرَدْنَ الْفَضِيلَةَ أَتَيْنَ بِهِ سِرًّا، وَقَدْ عَقَدَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بَابًا قَالَ فِيهِ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَسَاقَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، قَالَ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، ثُمَّ سَاقَ عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها مَرْفُوعًا: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَلَا جُمُعَةٌ وَلَا اغْتِسَالُ جُمُعَةٍ، وَلَا تَقَدَّمُهُنَّ امْرَأَةٌ، وَلَكِنْ تَقُومُ فِي وَسَطِهِنَّ» هَكَذَا رَوَاهُ الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَيْلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ: وَرُوِّينَاهُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا، وَرَفْعُهُ ضَعِيفٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ. [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (8/ – 138)].
(المسألة السادسة): الْحِكْمَةُ فِي الْأَذَانِ:
أَمَّا الْحِكْمَةُ فِي الْأَذَانِ فَإِنَّ أَعْظَمَهَا أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَصْلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أُصُولِ عَقَائِدِ التَّوْحِيدِ تُعْلَنُ عَلَى الْمَلَأِ، تَمْلَأُ الْأَسْمَاعَ حَتَّى صَارَ شِعَارَ الْمُسْلِمِينَ.
وَنُقِلَ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ رحمه الله قَوْلُهُ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَذَانَ كَلَامٌ جَامِعٌ لِعَقِيدَةِ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَوْعِهِ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ:
فَأَوَّلُهُ: إِثْبَاتُ الذَّاتِ وَمَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْكِمَالَاتِ، وَالتَّنْزِيهِ عَنْ أَضْدَادِهَا، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: “اللَّهُ أَكْبَرُ”، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعَ اخْتِصَارِ لَفْظِهَا دَالَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
ثُمَّ يُصَرِّحُ بِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَنَفْيِ ضِدِّهَا مِنَ الشَّرِكَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ فِي حَقِّهِ سبحانه وتعالى، وَهَذِهِ عُمْدَةُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى كُلِّ وَظَائِفِ الدِّينِ،
ثُمَّ يُصَرِّحُ بِإِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ وَالشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَمَوْضِعُهَا بَعْدَ التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ الْجَائِزَةِ الْوُقُوعِ، وَتِلْكَ الْمُقَدِّمَاتُ مِنْ بَابِ الْوَاجِبَاتِ.
وَبَعْدَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ كَلِمَاتُ الْعَقَائِدِ الْعَقْلِيَّاتِ، فَدَعَا إِلَى الصَّلَاةِ وَجَعَلَهَا عَقِبَ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ وُجُوبِهَا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ.
ثُمَّ دَعَا إِلَى الْفَلَاحِ وَهُوَ الْفَوْزُ وَالْبَقَاءُ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ مِنَ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَهِيَ آخِرُ تَرَاجِمِ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ، ثم كَرَّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دَخَل فيه، وعظمة حق من يعبد، وجزيل ثوابه. هذا آخر كلام القاضي رحمه الله، وهو من النفائس الجليلة، وبالله تعالى التوفيق. [راجع:. «إكمال المعلم» ٢/ ٢٥٣ – ٢٥٤، و«المجموع» ٣/ ٨٠].
وقال في أضواء البيان معلقا:
“وَمُرَادُهُ بِالْعَقْلِيَّاتِ فِي الْعَقَائِدِ أَيْ إِثْبَاتُ وُجُودِ اللَّهِ وَأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ بِقَانُونِ الْإِلْزَامِ، الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: إِنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا جَائِزُ الْوُجُودِ أَوْ وَاجِبُهُ، فَجَائِزُ الْوُجُودِ جَائِزُ الْعَدَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَاسْتَوَى الْوُجُودُ وَالْبَقَاءُ فِي الْعَدَمِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ، فَتَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلَى بَقَائِهِ فِي الْعَدَمِ، وَهَذَا التَّرْجِيحُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَاجِبُ الْوُجُودِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُوجِدٍ، وَلَمْ يَجُزْ فِي صِفَةِ عَدَمٍ وَإِلَّا لَاحْتَاجَ مُوجِدُهُ إِلَى مُوجِدٍ، وَمُرَجِّحُ وُجُودِهِ عَلَى مَوْجُودٍ.
وَهَكَذَا فَاقْتَضَى الْإِلْزَامُ الْعَقْلِيُّ وُجُوبَ وُجُودِ مُوجِدٍ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ فَقَطْ، وَقَدْ أُدْخِلَ الْعَقْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُهَا الْوُجُودُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَقْلَ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْعَقَائِدِ مِنْ حَيْثُ الْإِثْبَاتُ أَوِ النَّفْيُ ; لِأَنَّهَا سَمْعِيَّةٌ وَلَا تُؤْخَذُ إِلَّا عَنِ الشَّارِعِ الْحَكِيمِ، لِأَنَّ الْعَقْلَ يَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ، وَمُرَادُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى إِدْخَالِ الْعَقْلِيَّاتِ هُنَا فَقَطْ.
وَقَدْ سُقْنَا كَلَامَ الْقَاضِي عِيَاضٍ هَذَا فِي حِكْمَةِ الْأَذَانِ لِوَجَاهَتِهِ، وَلِتَعْلَمَ مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْأَذَانِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَلْصَلَةِ نَاقُوسٍ أَجْوَفَ، وَلَا أَصْوَاتِ بُوقٍ أَهْوَجَ، وَلَا دَقَّاتِ طَبْلٍ أَرْعَنَ، كَمَا هُوَ الْحَالُ عِنْدَ الْآخَرِينَ، بَلْ هُوَ كَلِمَاتٌ وَنِدَاءٌ يُوقِظُ الْقُلُوبَ مِنْ سُبَاتِهَا، وَتُفِيقُ النُّفُوسُ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَتَكُفُّ الْأَذْهَانُ عَنْ تَشَاغُلِهَا، وَتُهَيِّئُ الْمُسْلِمَ إِلَى هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْعُظْمَى، ثَانِيَةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَعَمُودِهِ.
فَإِذَا مَا سَمِعَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ مَرَّتَيْنِ، عَظُمَ اللَّهُ فِي نَفْسِهِ، وَاسْتَحْضَرَ جَلَالَهُ وَقَدَّسَهُ وَاسْتَصْغَرَ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ اللَّهِ، فَلَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا يَشْغَلُ نَفْسَهُ عَنْهُ أَيُّ شَيْءٍ.
فَإِذَا سَمِعَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَلِمَ أَنَّ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهِ طَاعَةَ اللَّهِ وَعِبَادَتَهُ.
وَإِذَا سَمِعَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، عَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِجَابَةُ دَاعِي اللَّهِ.
وَإِذَا سَمِعَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، عَلِمَ أَنَّ فَلَاحَهُ فِي صِلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا لَا فِيمَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا.
وَهَكَذَا فَكَانَ مَمْشَاهُ إِلَيْهَا تَخَشُّعًا، وَخُطَاهُ إِلَى الْمَسْجِدِ تَطَوُّعًا مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ وَاسْتِجْمَاعِ الشُّعُورِ.
وَمِنْ هُنَا أَيْضًا نُدْرِكُ السِّرَّ فِي طَلَبِ السَّامِعِ مُحَاكَاةَ الْأَذَانِ تَبَعًا لِلْمُؤَذِّنِ لِيَرْتَبِطَ مَعَهُ فِي إِعْلَانِهِ وَعَقِيدَتِهِ وَشُعُورِهِ، كَمَا جَاءَ فِي أَثَرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُلْ مِثْلَ مَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَاسْأَلْ تُعْطَهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْمَوْضُوعَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ مَنْهَجِ الْكِتَابِ، وَلَكِنْ لِمُوجِبِ اقْتِضَاءٍ، وَلِمُنَاسَبَةِ مَبْحَثِ الْأَذَانِ.
أَمَّا الْمُوجِبُ فَهُوَ أَنِّي سَمِعْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ فِي مَبَاحِثِ الْأَذَانِ، وَسَمِعْتُ مِنْ إِذَاعَةٍ لِبَلَدٍ عَرَبِيٍّ مُسْلِمٍ أَنَّ كَاتِبًا اسْتَنْكَرَ الْأَذَانَ فِي الصُّبْحِ خَاصَّةً، وَفِي بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ بِوَاسِطَةِ الْمُكَبِّرِ لِلصَّوْتِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُرْهِقُ الْأَعْصَابَ وَخَاصَّةً عِنْدَ أَدَاءِ النَّاسِ لِأَعْمَالِهِمْ أَوْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَالْعَوْدَةِ لِرَاحَتِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْفَجْرِ عِنْدَ نَوْمِهِمْ، فَكَانَ وَقْعُهُ أَلِيمًا أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ وَيُنْشَرَ، وَلَكِنْ أَجَابَ عَلَيْهِ أَحَدُ خُطَبَاءِ الْجُمَعِ فِي خُطْبَةٍ وَافِيَةٍ، وَأَفْهَمَهُ أَنَّ الْإِرْهَاقَ وَالِاضْطِرَابَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِجَابَةِ لِهَذَا النِّدَاءِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَبُولُ فِي أُذُنِ النَّائِمِ، وَأَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ عُقَدٍ، فَإِذَا مَا اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ أُخْرَى، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقْدَةُ الثَّالِثَةُ، وَأَصْبَحَ نَشِيطًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ الْكَافِي.
وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْكِتَابَةِ لَا تَصْدُرُ إِلَّا مِمَّنْ لَا يَعِي مَعْنَى الْأَذَانِ.
هَذَا مَا اسْتَوْجَبَ عَرْضَ الْحِكْمَةِ مِنَ الْأَذَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مُجَانِبَةً لِمَنْهَجِ الْكِتَابِ، وَلَكِنْ بِمُنَاسَبَةِ مَبَاحِثِ الْأَذَانِ يُغْتَفَرُ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (8/ 147 – 150)]. وذكر مباحث أخر بعد ذلك، وقبل ذلك ذكر مسألة محاكاة المؤذن.
وقال في «الفتح»: قال القرطبيّ وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثَنّى بالتوحيد، ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد ﷺ، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصةَ عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تُعرف إلا من جهة الرسول ﷺ، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى الْمَعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا.
ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول، وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان.
واختُلِف أيما أفضل: الأذان أو الإمامة؟ ثالثها إن عَلِم من نفسه القيامَ بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وفي كلام الشافعي ما يومئ إليه.
واختُلِف أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البيهقي من حديث جابر مرفوعًا النهي عن ذلك، لكن سنده ضعيف، وصح عن عمر رضي الله عنه: لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذّنت، رواه سعيد بن منصور وغيره، وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: يستحبّ، وصححه النووي. انتهى [«الفتح» ٢/ ٩٢].