[1ج/ رقم (572)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
شارك : طارق أبو تيسير، ومحمد البلوشي وأحمد بن علي وعبدالله المشجري ومحمد سيفي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (572)]:
قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٤ ص ٥): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: وَرَبِّ هَذِهِ الْكَعْبَةِ، لَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فُلَانًا، وَمَا وُلِدَ مِنْ صُلْبِهِ.
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح.
* الحديث أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (ج ٢ ص ٢٤٧) فقال رحمه الله: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ سَيَّارٍ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْن أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْكَعْبَةِ: وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، لَقَدْ لَعَنَ اللهُ الْحَكَمَ وَمَا وَلَدَ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
قال البزار: لا نعلمه عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد، ورواه محمد بن فُضَيْلٍ أيضًا، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن ابن الزبير.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الحافظ
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١ – كتاب العلم، ١٢٤ – الجرح، (٢٥٠).
٢٢ – كتاب الأيمان والنذور، ١٠ – كيفية كان يحلف السلف، (٣٠٩١).
٢٨ – كتاب الفتن، ١٩ – فتنة بني الحكم، (٣٣٨٣).
٣٢ – كتاب الأدب، ٨٩ – للنبي ﷺ أن يلعن معينا، (٣٦٣٧).
وقال محققو السنن – ط: الرسالة – :
“رجاله ثقات رجال الشيخين.
وأخرجه البزار (١٦٢٣) (زوائد) من طريق عبد الرزاق، بهذا الإسناد، ولفظه: ورَبِّ هذا البيت، لقد لعن الله الحكم وما ولد على لسان نبيه ﷺ.
وأخرجه الطبراني (٢٩٩) (قطعة من الجزء١٣) من طريقين عن إسماعيل ابن أبي خالد، به.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٨٩) (قطعة من الجزء١٣) .
وأخرجه الحاكم ٤/٤٨١ من طريق أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين المصري، عن إبراهيم بن منصور، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن سوقة، عن الشعبي، عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ لعن الحكم وولده، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: الرشديني ضعفه ابن عدي.
وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥/٢٤١، وقال: رواه أحمد والبزار، والطبراني بنحوه، وعنده رواية كرواية أحمد، ورجال أحمد رجال الصحيح.
وقد سلف من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بإسنادِ صحيح برقم (٦٥٢٠) وفيه قوله ﷺ: «ليدخلن عليكم رجل لعين» ولم يذكر ولده.
وعند البزار في «البحر الزخار» (٢٢٧٣) من طريق عبد الرحمن بن مغراء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن البهي مولى الزبير قال: كنت في= = المسجد ومروان يخطب، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: والله ما استخلف أحدًا من أهله، فقال مروان: أنت الذي نزلت فيك: (والذي قال لوالديه: أف لكما) فقال عبد الرحمن: كذبت، ولكن رسول الله ﷺ لعن أباك.
قال السندي: قوله: فلانًا: أي الحكم.
قوله: وما ولد: عطف على فلان: أي ولده فلان، والمراد مروان، والله تعالى أعلم. [مسند أحمد – ط الرسالة، (26/ 51 – 52)].
قال الألباني :
حديث
– (ليدخلن عليكم رجل لعين. يعني: الحكم بن أبي العاص) . أخرجه أحمد (2/163) ، والبزار في “مسنده ” (2/247) من طريق عبد الله
ابن نمير: ثنا عثمان بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله 3240 بن عمرو قال: كنا جلوسا عند النبي – صلى الله عليه وسلم -، وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني،
فقال ونحن عنده: … فذكر الحديث، فوالله! ما زلت وجلا أتشوف داخلا
وخارجا حتى دخل فلان: الحكم [بن أبي العاصي] .
والزيادة للبزار، وقال:
“لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو بهذا الإسناد”.
قلت: وهو إسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي (5/ 241) :
“رواه أحمد والبزار والطبراني في” الأ وسط “، ورجال أحمد رجال (الصحيح) “.
وله شاهدان قويان ساقهما البزار:
أحدهما: من طريق الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول- وهو
مستند إلى الكعبة-: ورب هذا البيت! لقد لعن الله الحكم- وما ولد- على لسان
نبيه – صلى الله عليه وسلم -.
وقال البزار:
“لا نعلمه عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد”.
قلت: وهو إسناد صحيح أيضا، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير شيخ البزار (أحمد بن منصور بن سيار) ، وهو ثقة، ولم يتفرد به كما يشعر بذلك تمام كلام البزار:
“ورواه محمد بن فضيل أيضا عن إسماعيل عن الشعبي عن ابن الزبير”.
ولذلك لم يسع الحافط الذهبي- مع تحفظه الذي سأذكره- إلا أن يصرح في “تاريخ الإسلام ” (2/57) بقوله:
“إسناده صحيح “. وسكت عنه في “السير” (2/108) ؛ ولم يعزه لأحد!
وقد أخرجه أحمد أيضا (5/5) : ثنا عبد الرزاق: أنا ابن عينية عن إسماعيل
ابن أبي خالد عن الشعبي.
وهذا صحيح على شرط الشيخين كما ترى.
والشاهد الآخر: يرويه عبد الرحمن بن معن (وهو ابن مغراء) : أنبأ إسماعيل
ابن أبي خالد عن عبد الله البهي- مولى الزبير- قال:
كنت في المسجد، ومروان يخطب، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: والله! ما استخلف أحدا من أهله. فقال مروان: أنت الذي نزلت فيك (والذي قال لوالديه
أف لكما) ، فقال عبد الرحمن: كذبت، ولكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لعن أباك، وقال البزار: “لا نعلمه عن عبد الرحمن إلا من هذا الوجه “.
قلت: واسناده حسن كما قال الهيثمي، وأقره الحافظ في “مختصر الزوائد” (1/686) .
وقد وجدت لابن مغراء متابعا قويا، وهو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وقد ساقه بسياق أتم وأوضح، رواه عنه ابن أبي حاتم- كما في “تفسير ابن كثير” (4/159) – عن عبد الله البهي قال:
إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين
في (يزيد) رأيا حسنا وأن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر عمر- رضي الله عنهما-. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر- رضي الله عنهما-: أهرقلية؟! إن أبا بكر- رضي
الله عنه- ما جعلها في أحد من ولده، وأحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية
إلا رحمة وكرامة لولده! فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: (أف لكما) ؟ فقال عبد الرحمن: ألست يا مروان! ابن اللعين الذي لعن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أباك؟! قال: وسمعتهما عائشة- رضي الله عنها-، فقالت: يا مروان! أنت القائل لعبد الرحمن
كذا وكذا؟! كذبت! ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب
مروان (!) ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف. قلت: سكت عنه ابن كثير، وهو إسناد صحيح.
وأخرجه البخاري في “صحيحه ” (4827) بإسناد آخر مختصرا، وفيه:
فقال (مروان) : خذوه! فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه.
وفيه إنكار عائشة على مروان.
وأخرجه النسائي في “الكبرى” (6/458- 459) من طريق ثالثة من رواية
شعبة عن محمد بن زياد قال:
لما بايع معاوية لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر! فقال عبد الرحمن بن
أبي بكر: سنة هرقل وقيصر!
وفيه أن عائشة قالت ردا على مروان:
كذب والله! ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن
رسول الله – صلى الله عليه وسلم -لعن [أبا] (1) مروان، ومروان في صلبه فضض (2) من لعنة الله. قلت: وإسناده صحيح، وعزاه الحافظ في “الفتح ” (13/577) السيوطي في
“الدر” (6/ 41) لعبد بن حميد، وا بن المنذر، والحاكم- وصححه-، وا بن مردويه.
ثم وجدت لحديث الترجمة طريقا أخرى عن ابن عمرو، من رواية ابن عبد البر في “الاستيعاب ” بإسناده الصحيح عن عبد الواحد بن زياد: حدثنا عثمان ابن حكيم قال: حدثنا شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – … فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح أيضا؛ فإن رجاله كلهم ثقات، وعبد الواحد بن زياد
ثقة محتج به في “الصحيحين “، ولم يتكلموا فيه إلا في روايته عن الأعمش خاصة، وهذه ليست منها كما ترى، وعليه: يكون لعثمان بن حكيم إسنادان صحيحان في هذا الحديث، وذلك مما يزيد في قوته والله سبحانه وتعالى أعلم
وهذه الطريق كالطريق الأولى؛ سكت عنها الذهبي في “التاريخ “!
هذا؛ وإني لأعجب أشد العجب من تواطؤ بعض الحفاظ المترجمين لـ (الحكم)
على عدم سوق بعض هذه الأحاديث وبيان صحتها في ترجمته، أهي رهبة الصحبة، وكونه عم عثمان بن عفان- رضي الله عنه-، وهم المعروفون بأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم؟! أم هي ظروف حكومية أو شعبية كانت تحول بينهم وبين ما كانوا يريدون التصريح به من الحق؟ فهذا مثلا ابن الأثير يقول في “أسد الغابة”:
“وقد روي في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة، لا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به: أن النبي – صلى الله عليه وسلم — مع حلمه وإغضائه على ما يكره- ما فعل به ذلك إلا لأمر عظيم “.
وأعجب منه صنيع الحافظ في “الإصابة”؛ فإنه- مع إطالته في ترجمته- صدرها بقوله:
“قال ابن السكن: يقال: إن النبي – صلى الله عليه وسلم – دعا عليه، ولم يثبت ذلك “!
وسكت عليه ولم يتعقبه بشيء، بل إنه أتبعه بروايات كثيرة فيها أدعية مختلفة عليه، كنت ذكرت بعضها في “الضعيفة”، وسكت عنها كلها وصرح بضعف بعضها، وختمها بذكر حديث عائشة المتقدم: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لعن أباك وأنت في صلبه. ولكنه- بديل أن يصرح بصحته- ألمح إلى إعلاله بمخالفته رواية البخاري المتقدمة، فقال عقبها:
“قلت: وأصل القصة عند البخاري بدون هذه الزيادة”!
فأقول: ما قيمة هذا التعقب، وهو يعلم أن هذه الزيادة صحيحة السند، وأنها
من طريق غير طريق البخاري؟! وليس هذا فقط، بل ولها شواهد صحيحة أيضا كما تقدم؟! اكتفيت بها عن ذكر ما قد يصلح للاستشهاد به! فقد قال في آخر
شرحه لحديث: “هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش ” من “الفتح ” (13/11) : “وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد. أخرجها الطبراني وغيره؛ غالبها فيه مقال، وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك “!
وأعجب من ذلك كله تحفظ الحافظ الذهبي بقوله في ترجمة (الحكم) من
” تاريخه ” (2/ 96) :
“وقد وردت أحاديث منكرة في لعنه، لا يجوز الاحتجاج بها، وليس له في الجملة خصوص من الصحبة بل عمومها”!
كذا قال! مع أنه- بعد صفحة واحدة- ساق رواية الشعبي عن ابن الزبير مصححا إسناده كما تقدم!! ومثل هذا التلون أو التناقض مما يفسح المجال لأهل الأهواء أن يأخذوا منه ما يناسب أهواءهم! نسأل الله السلامة.
وبمناسبة قوله المذكور في صحبته؛ أعجبتني صراحته فيها في “السير” (2/107) ؛ فقد قال:
“وله أدنى نصيب من الصحبة”!
(تنبيه) : وأما ما رواه الحاكم (3/476) من طريق إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال:
بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- رضي الله عنهما- بمئة
ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، فردها عبد الرحمن وأبى أن يأخذها، وقال: أبيع ديني بدنياي؟! وخرج إلى مكة حتى مات بها.
بيض له الحاكم والذهبي، وكأنه لظهور ضعفه؛ فإن إبراهيم هذا قال ابن عدي: “عامة أحاديثه مناكير”.
من السلسلة الصحيحة / المكتبة الشاملة .
والثاني: شرح وبيان الحديث
سبق في التخريج الإشارة إلى بعض الألفاظ
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): ترجمة الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ رضي الله عنه:
(المطلب الأول): اسمه ونسبه رضي الله عنه:
الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. [معرفة الصحابة لأبي نعيم، (2/ 711)].
الحكم بن أبي العاص: ابن أمية، الأموي، ابْنُ عَمِّ أَبِي سُفْيَانَ، يُكْنَى: أَبَا مَرْوَانَ. [سير أعلام النبلاء، (3/ 407)]. الْقرشِي [الثقات لابن حبان، (3/ 84)].
وأمه: رقية بنت الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم.
أسلم يوم فتح مكة ولم يزل بها حتى كانت خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فأذن له فدخل المدينة فمات بها في خلافة عثمان ابن عفان، رضي الله عنه.
وهو أبو مروان بن الحكم، وعم عثمان بن عفان. [كتاب الطبقات الكبرى – ط دار صادر، لابن سعد، (5/ 447)].
وَهُوَ وَالِد مَرْوَان بن الحكم. [الثقات لابن حبان، (3/ 84)].
(المطلب الثاني): إسلامه رضي الله عنه.
مِنْ مُسْلِمَةِ الفَتْحِ. [سير أعلام النبلاء، (3/ 407)].
(المطلب الثالث): صحبته رضي الله عنه:
وَلَهُ أَدْنَى نَصِيْبٍ مِنَ الصحبة. [سير أعلام النبلاء، (3/ 407)].
لَهُ صُحْبَة. [الثقات لابن حبان، (3/ 84)].
(المطلب الثالث): نفيه رضي الله عنه:
1) قِيْلَ: نَفَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ لِكَوْنِهِ حَكَاهُ فِي مِشْيَتِهِ وَفِي بَعْضِ حَرَكَاتِهِ فَسَبَّهُ وَطَرَدَهُ. فَنَزَلَ بِوَادِي وَجٍّ. [سير أعلام النبلاء، (3/ 407)].
2) وَنَقَمَ جَمَاعَةٌ عَلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُثْمَانَ كَوْنَهُ عَطَفَ عَلَى عَمِّهِ الحَكَمِ وَآوَاهُ وَأَقْدَمَهُ المَدِيْنَةَ ووصله بمئة أَلْفٍ. [سير أعلام النبلاء، (3/ 407)].
وقد سبق في نقل ابن سعد أنه بقي في مكة، إلى أن خرج إلى المدينة في عهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه. وسيأتي الكلام عليه في محله بإذن الله تعالى، ووصف ابن تيمية رحمه الله تعالى بأن غير واحد من أهل العلم أن ذلك باطل، ولا دليل عليه.
(المطلب الرابع): وَيُرْوَى فِي سَبِّهِ أَحَادِيْثُ لَمْ تَصِحَّ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا لِي أُرِيْتُ بَنِي الحَكَمِ يَنْزُوْنَ عَلَى مِنْبَرِي نَزْوَ القِرَدَةِ».
رَوَاهُ العَلاَءُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي البَابِ أَحَادِيْثُ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: سَمِعتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يقول: ورب هذه الكعبة إن الحكم ابن أَبِي العَاصِ وَوُلْدَهُ مَلْعُوْنُوْنَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَدْ كَانَ لِلْحَكَمِ عِشْرُوْنَ ابْنًا وَثَمَانِيَةُ بَنَاتٍ.
وَقِيْلَ: كَانَ يُفْشِي سِرَّ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فأبعده لذلك. [سير أعلام النبلاء، (3/ 407)]. وسيأتي نقل بعض هذه الرويات وبيان حكم العلماء عليها في محله.
(المطلب الخامس): وفاته رضي الله عنه
وتوفي فِي خلافة عثمان رضي الله عنهما. [أسد الغابة في معرفة الصحابة ابن الأثير، (1/ 515)].
مات سنة إحدى وثلاثين. [سير أعلام النبلاء، (3/ 407)].
(المسألة الثانية): موقف العلماء من الأحاديث الواردة في لعن الحكم وأولاده:
(المطلب الأول): أنه ثبت صحبته رضي الله عنه، وعلى هذا فلا يجوز سبه، وهو داخل في العدالة المجمع عليها.
(المطلب الثاني): وأما ما ثبت من اللعن فيه، فالعلماء فيه على قولين:
1- منهم من لا يثبت ذلك، كابن السكن وغيره، قال ابن السّكن: “يقال إنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم دعا عليه، ولم يثبت ذلك”. [الإصابة لابن حجر، (2/91)].
وقال الذهبي: “وقد رُوِيَت أحاديث مُنْكرة في لَعْنه، لَا يجوز الاحتجاج بها، وليس له في الجملة خصوص الصُّحبة؛ بل عمومها “. [تاريخ الإسلام (2/198)].
وقال أيضا: “مِنْ مُسْلِمَةِ الفَتْحِ. وَلَهُ أَدْنَى نَصِيْبٍ مِنَ الصحبة …، وَيُرْوَى فِي سَبِّهِ أَحَادِيْثُ لَمْ تَصِحَّ”. انتهى. [سير أعلام النبلاء، (3/407)].
وقال ابن كثير في ذكر الحكم بن أبي العاص، قال: “وقد ورد في ذمه ولعنه أحاديث لا تثبت “. [جامع المسانيد والسنن، (2/512)].
وقال السخاوي: “وقد رويت أحاديث منكرة في لعنه لا يجوز الاحتجاج بها، وليس له في الجملة خصوص الصحبة، بل عمومها. وأعرضت – لأجلها – عن ذكر ما ترجمته من ذلك”. [التحفة اللطيفة، (1/301)].
وقال ابن القيم: وحديث عدد الخلفاء من ولد العباس كذب، وكذلك أحاديث ذم الوليد، وذمّ مروان بن الحكم … “. [المنار المنيف، ص (١١٧: ٢٦١: ٢٦٢)].
قال ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٣٨) (في ترجمة الحكم): «وقد روى في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، إلَّا أن الأمر المقطوع به أن النبي ﷺ مع حلمه وإغضائه على ما يكره، ما فعل به ذلك إلَّا لأمر عظيم».
2- ومنهم من يثبت ذلك، كالحافظ ابن حجر، فقال: “وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي لَعْنِ الْحَكَمِ، وَالِدِ مَرْوَانَ، وَمَا وَلَدَ. أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، غَالِبُهَا فِيهِ مَقَالٌ، وَبَعْضُهَا جَيِّدٌ”. [فتح الباري، (13/11)].
وعلى افتراض ذلك، فالجواب عن الحديث بأنه محمول – كما ثبت في صحيح البخاري ومسلم واللفظ لمسلم – على قوله ﷺ وبيانه لمن لعنه أو سبه: ((أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي، قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَىُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا)). وفي رواية: ((اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً)). وفي رواية: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَىُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلاَةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
وعلى هذا فلا نعتقد أنه يخرج من الصحبة وحيز العدالة بذلك، بل منقبة له رضي الله عنه وأنها كفارة له، وغير ذلك مما ورد، ولا يجوز التعدي عليه كغيره ممن ثبت له الصحبة رضي الله عنهم أجمعين.
وإليه أشار الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه: تثبيت الإِمام وترتيب الخلافة (ص ٢١٦)، «فإن قيل: فمن لعنه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، هَلْ يجوز أن لا تلحقه لعنة رسول الله ﷺ ودعوته؟
قيل له: إنا وإن خفنا عليه للعن الرسول ﷺ لمعصيته، فنرجو له غفر الله بدعاء رسوله، وليست اللعنة له بأكثر من الدعاء له مع أنا نعلم أن رسول الله ﷺ قد بعثه الله يدعو في صلاته لأمته ويستغفر لهم، لأحيائهم وأمواتهم، فلو كان كل دعوة مجابة لما كان أحد من أمته معذبًا أو دخل النار …
ثم قال:
مع أن لعن الرسول ﷺ على معنيين:
أحدهما: في غير غضب، يريد بذلك إعلام أمته بعظم ما عظم الله والتحذير مما حذر الله كلعنه من أكل الربا، ومن أحدَّث حدثًا، لعن فاعليها في حال الرضا تأكيدًا لما أكد الله.
والمعنى الثاني: أن يلعن في حال غضب وموجدة، فذلك مرفوع عنهم، ولا يلحقهم بقوله: “إنما أنا بشر مثلكم … “، ذكر الحديث المتقدم بمعناه. [حاشية المطالب العالية محققا، (18/ 260 – 265)].
قال الاتيوبي :
وقد وردت أحاديث في لعن الحَكَم والد مروان، وما وَلَد، أخرجها الطبرانيّ وغيره، غالبها فيه مقال، وبعضها جيّد، ولعل المراد تخصيص الغلمة المذكورين بذلك، قاله في «الفتح» .
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٤٤/٤٤٥
[تنبيه]: قد سبق ذكر هذه المسألة في التعليق على صحيح مسلم، 25 – باب: مَنْ لَعَنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْ سَبَّهُ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ أَهْلاً لِذَلِكَ كَانَ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا وَرَحْمَةً.
(المطلب الثالث): إشكال
وأما متنه وهو لعن الرسول ﷺ الحكم وما ولد من صلبه فهو مشكل، وهو يعارض قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [سورة النجم: ٣٨] إذ لو صح لعن الحكم، فما ذنب ولده حتى تشملهم اللعنة!؟
1- خاصة وفيهم من عده أهل السنَّة خامس الخلفاء الراشدين وهو: عمر بن عبد العزيز رحمه الله،
2- وفيهم من عرف بالتقى والصلاح كيزيد بن الوليد بن عبد الملك المعروف بـ: الناقص،
3- بل إن بني أُمية ممن نصر الله بهم الدين فنشروه في سائر المعمورة، ورفعوا رايات الجهاد، وهو الذين اتسعت الفتوحات في وقتهم.
قال محقق المطالب العالية :
قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (٩/ ٩٣): “فكانت سوق الجهاد قائمة في بني أُمية ليس لهم شغل إلَّا ذلك، قد علت كلمة الإِسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبًا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلَّا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو، الصالحون والأولياء والعلماء، من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة، ينصر الله بهم دينه، فقتيبة بن مسلم يفتح في بلاد الشرك، يقتل ويسبي، ويغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه، وأرسل له الهدايا، وتحفا، وأموالًا كثيرة، هدية، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده، بحيث إن ملوك تلك النواحي كلها تؤدي إليه الخراج خوفًا منه.
ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد الصين، ولم يبق إلَّا أن يلتقي مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر، ثم إن قتيبة قتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين،
ومسلمة بن عبد الملك بن مروان، وابن أمير المؤمنين الوليد، وأخوه الآخر، يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا القسطنطينية، وبني بها مسلمة جامعًا يعبد الله فيه، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعبًا.
ومحمد بن القاسم بن أخي الحجاج يجاهد في بلاد الهند، ويفتح مدنها في طائفة من جيش العراق وغيرهم.
وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب، ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم، وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإِسلام، وتركوا عبادة الأوثان.
وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر، وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي، ودخلوا في مبانيها بعد هذه الأقاليم الكبار، مثل الشام، ومصر والعراق، واليمن وأوائل بلاد الترك إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند، فكان سوق الجهاد قائمًا في القرن الأول من بعد الهجرة، إلى انقضاء دولة بني أُمية، وفي أثناء خلافة بني العباس مثل أيام المنصور وأولاده، والرشيد وأولاده، في بلاد الروم والترك والهند.
وفتح محمود بن سبكتكين وولده في أيام ملكهم بلادًا كثيرة من بلاد الهند.
ولما دخل طائفة ممن هرب من بني أُمية إلى بلاد المغرب وتملكوها، أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها، ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها، فأخذو منها بلادًا كثيرة وضعف الإِسلام فيها». اهـ.
ولا شك أن هذه الأعمال الجليلة التي قام بها بنو أُمية كان لها الأثر الكبير في نشر الإِسلام وفتح البلاد الكافرة، ومن هنا تضايق أعداء الإِسلام وحاولوا الطعن في من كان هدفه نشر الإِسلام، ومنهم بنو أُمية، فمثل هذه الأحاديث انتقدها بعض من سبق من الأئمة مثل الذهبي وابن القيم، وغيرهما، وها هو البخاري رحمه الله يخرج حديث عائشة المذكور في صحيحه (٨/ ٤٣٩) بدون ذكر اللعن، وها هو الإِمام أحمد رحمه الله تعالى يخرج حديث عبد الله بن الزبير فلا يفصح باسم الحكم وإنما قال: «فلان». انتهى كلام محقق المطالب العالية
لكن قوله لم يصرح الإمام أحمد باسمه فيه نظر
الحديث في مسند عبدالله بن عمرو صرح باسمه
٦٥٢٠ – حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ ذَهَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَلْبَسُ ثِيَابَهُ لِيَلْحَقَنِي، فَقَالَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: «لَيَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ لَعِينٌ» فَوَاللهِ مَا زِلْتُ وَجِلًا، أَتَشَوَّفُ دَاخِلًا
وَخَارِجًا ، حَتَّى دَخَلَ فُلَانٌ ، يَعْنِي الْحَكَمَ
وهو في الصحيح المسند 780 وعزاه لأحمد
قال محققو المسند : إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عثمان بن حكيم، وهو ابن عباد بن حُنيْف الأنصاري، فمن رجال مسلم. ابن نُمير: هو عبد الله، وأبو أمامة: هو أسعد….
تنبيه : ربما محقق المطالب العالية يقصد بحديث عائشة الذي في البخاري ما في صحيح البخاري :
٤٨٢٧ – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: «كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي».
صحيح البخاري – ط السلطانية ٦/١٣٣
فليس في طرق الحديث أن في لفظه ذكر اللعن وأن البخاري أعرض عنه لكن البخاري أدى الرواية التي سمعها . نعم ورد من طريق أخرى عند النسائي
١١٤٢٧ – أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: لَمَّا بَايَعَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِهِ، قَالَ مَرْوَانُ: سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: سُنَّةُ هِرَقْلَ وَقَيْصَرَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧] الْآيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: «كَذَبَ وَاللهِ، مَا هُوَ بِهِ، وَإِنْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ أَبَا مَرْوَانَ، وَمَرْوَانُ فِي صُلْبِهِ، فَمَرْوَانُ فضَضٌ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ»
السنن الكبرى – النسائي – ط الرسالة ١٠/٢٥٧ — النسائي (ت ٣٠٣
وعزاه ابن الملقن في التوضيح شرح الصحيح للاسماعيلي .
(المسألة الثالثة): القول بأنه نفي:
أما القول بأنه نفي، فالجواب عليه كالتالي:
1) أن ابن سعد رحمه الله ذكر أنه كان في مكة منذ أن أسلم رضي الله عنه، ثم خرج إلى المدينة في عهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه.
2) قال ابن تيمية رحمة الله عليه في معرض رده على الرافضي، فقال: “وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَوَقَعَتِ اخْتِلَافَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا رَدُّهُ الْحَكَمَ بْنَ أُمَيَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ طَرَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يُسَمَّى طَرِيدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَعْدَ أَنْ كَانَ يَشْفَعُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَيَّامَ خِلَافَتِهِمَا، فَمَا أَجَابَاهُ إِلَى ذَلِكَ، وَنَفَاهُ عُمَرُ مِنْ مُقَامِهِ بِالْيَمَنِ أَرْبَعِينَ فَرْسَخًا».
فَيُقَالُ:
مِثْلُ هَذَا إِنْ جَعْلَهُ اخْتِلَافًا جُعِلَ كُلَّمَا حَكَمَ خَلِيفَةٌ بِحُكْمٍ وَنَازَعَهُ فِيهِ قَوْمٌ اخْتِلَافًا، وَقَدْ كَانَ ذِكْرُكَ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْمَوَارِيثِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَصَحَّ وَأَنْفَعَ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ مَنْقُولٌ عِنْدَ [أَهْلِ] الْعِلْمِ، يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِذِكْرِهِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِيهِ.
وَهُوَ خِلَافٌ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ يَصْلُحُ أَنْ تَقَعَ فِيهِ الْمُنَاظَرَةُ.
وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمُورُ فَغَايَتُهَا جُزْئِيَّةٌ، وَلَا تُجْعَلُ مَسَائِلَ خِلَافٍ يَتَنَاظَرُ فِيهَا النَّاسُ.
هَذَا مَعَ أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ كَذِبًا كَثِيرًا، مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَمْرِ الْحَكَمِ، وَأَنَّهُ طَرَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يُسَمَّى طَرِيدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ اسْتَشْفَعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَيَّامَ خِلَافَتِهِمَا فَمَا أَجَابَاهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ عُمَرَ نَفَاهُ مِنْ مُقَامِهِ بِالْيَمَنِ أَرْبَعِينَ فَرْسَخًا.
فَمَنِ الَّذِي نَقَلَ ذَلِكَ؟ وَأَيْنَ إِسْنَادُهُ؟ وَمَتَى ذَهَبَ هَذَا إِلَى الْيَمَنِ؟ وَمَا الْمُوجِبُ لِنَفْيِهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَا يَدْعُونَهُ بِالطَّائِفِ، وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مِنَ الْيَمَنِ؟ فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ أَقَرَّهُ قَرِيبًا مِنْهُ، فَمَا الْمُوجِبُ لِنَفْيِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ إِلَى الْيَمَنِ؟ .
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ نَفْيَ الْحَكَمِ بَاطِلٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْفِهِ إِلَى الطَّائِفِ، بَلْ هُوَ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ نَفَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إِسْنَادًا صَحِيحًا بِكَيْفِيَّةِ الْقِصَّةِ وَسَبَبِهَا.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ فِيمَنْ يَجِبُ نَفْيُهُ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفْيَ الدَّائِمَ، بَلْ مَا مِنْ ذَنْبٍ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ النَّفْيَ إِلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْإِعَادَةَ إِلَى وَطَنِهِ، فَإِنَّ النَّفْيَ إِمَّا مُؤَقَّتٌ، كَنَفِي الزَّانِي الْبِكْرِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ سَنَةً، فَهَذَا يُعَادُ بَعْدَ السَّنَةِ، وَإِمَّا نَفْيٌ مُطْلَقٌ، كَنَفِي الْمُخَنَّثِ، فَهَذَا يُنْفَى إِلَى أَنْ يَتُوبَ. وَكَذَلِكَ نَفَى عُمَرُ فِي تَعْزِيرِ الْخَمْرِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَنْبَ الْحَكَمِ الَّذِي نُفِي مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ فِي مُدَّةِ بِضْعِ عَشْرَةَ سَنَةً، وَإِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ – مَعَ طُولِ هَذِهِ الْمُدَّةِ – جَازَ أَنْ يُعَادَ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَجْرِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا خَمْسِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَلَّمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ.
وَعُمَرُ رضي الله عنه نَفَى صُبَيْغَ بْنَ عَسَلٍ التَّمِيمِيَّ لَمَّا أَظْهَرَ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَضَرَبَهُ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِهَجْرِهِ سَنَةً بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ، فَلَمَّا تَابَ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِكَلَامِهِ.
وَبِهَذَا أَخَذَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْبِدْعَةِ إِذَا تَابَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، كَمَا أَجَّلَ عُمَرُ صُبَيْغًا، وَكَذَلِكَ الْفَاسِقُ إِذَا تَابَ، وَاعْتَبَرَ مَعَ التَّوْبَةِ صَلَاحَ الْعَمَلِ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ النَّفْيَ الدَّائِمَ، فَغَايَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادًا اجْتَهَدَهُ عُثْمَانُ فِي رَدِّهِ، لِصَاحِبِهِ أَجْرٌ مَغْفُورٌ لَهُ، أَوْ ذَنْبًا لَهُ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ تُوجِبُ غُفْرَانَهُ. [منهاج السنة النبوية لابن تيمية (ت ٧٢٨)، (6/ 352 – 355)].
وقال :
الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ كَانَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَكَانُوا أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَمَرْوَانُ ابْنُهُ كَانَ صَغِيرًا إِذْ ذَاكَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَقْرَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عُمْرُهُ حِينَ الْفَتْحِ سِنَّ التَّمْيِيزِ: إِمَّا سَبْعُ سِنِينَ، أَوْ أَكْثَرُ بِقَلِيلٍ، أَوْ أَقَلُّ بِقَلِيلٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِمَرْوَانَ ذَنْبٌ يُطْرَدُ عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ تَكُنِ الطُّلَقَاءُ تَسْكُنُ بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ. فَإِنْ كَانَ قَدْ طَرَدَهُ، فَإِنَّمَا طَرَدَهُ مِنْ مَكَّةَ لَا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ طَرَدَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ لَكَانَ يُرْسِلُهُ إِلَى مَكَّةَ. وَقَدْ طَعَنَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي نَفْيِهِ، وَقَالُوا: هُوَ ذَهَبَ بِاخْتِيَارِهِ.
وَقِصَّةُ نَفْيِ الْحَكَمِ لَيْسَتْ فِي الصِّحَاحِ، وَلَا لَهَا إِسْنَادٌ يُعْرَفُ بِهِ أَمْرُهَا.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْوِي أَنَّهُ حَاكَى (٢) النَّبِيَّ ﷺ فِي مِشْيَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ نَفَاهُ إِلَى الطَّائِفِ.
وَالطُّلَقَاءُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هَاجَرَ، بَلْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»» (١) .
وَلَمَّا (٢) قَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مُهَاجِرًا أَمْرَهُ النَّبِيُّ ﷺ[بِالرُّجُوعِ] (٣) إِلَى مَكَّةَ. وَلَمَّا أَتَاهُ الْعَبَّاسُ بِرَجُلٍ (٤) لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ، أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: ««[إِنِّي] (٥) أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي وَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ»».
وَكَانَ الْعَبَّاسُ قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ وُصُولِ النَّبِيِّ ﷺ[إِلَيْهَا] (٦) عَامَ الْفَتْحِ، فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ. فَلَمْ تَكُنِ الطُّلَقَاءُ تَسْكُنُ بِالْمَدِينَةِ. فَإِنْ كَانَ قَدْ طَرَدَهُ فَإِنَّمَا طَرَدَهُ مِنْ مَكَّةَ لَا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ طَرَدَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ لَكَانَ يُرْسِلُهُ إِلَى مَكَّةَ.
وَقَدْ طَعَنَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي نَفْيِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالُوا: هُوَ ذَهَبَ بِاخْتِيَارِهِ.
وَالطَّرْدُ هُوَ النَّفْيُ، وَالنَّفْيُ قَدْ جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي الزَّانِي وَفِي الْمُخَنَّثِينَ، وَكَانُوا يُعَزَّرُونَ بِالنَّفْيِ. وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَزَّرَ رَجُلًا بِالنَّفْيِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَبْقَى مَنْفِيًّا طُولَ الزَّمَانِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ بِذَنْبٍ يَبْقَى صَاحِبُهُ مَنْفِيًّا [دَائِمًا] (١)، بَلْ غَايَةُ النَّفْيِ الْمُقَدَّرِ سَنَةً، وَهُوَ نَفْيُ الزَّانِي وَالْمُخَنَّثِ حَتَّى يَتُوبَ مِنَ التَّخْنِيثِ، فَإِنْ كَانَ تَعْزِيرُ الْحَاكِمِ لِذَنْبٍ حَتَّى يَتُوبَ مِنْهُ، فَإِذَا تَابَ سَقَطَتِ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ فَهُوَ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ لَمْ يُقَدَّرْ فِيهِ قَدْرٌ، وَلَمْ يُوَقَّتْ فِيهِ وَقْتٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالنَّفْيُ كَانَ فِي آخِرِ الْهِجْرَةِ، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ طَالَتْ مُدَّتُهُ، وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ شَفَعَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ كَاتِبًا لِلْوَحْيِ، وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ فِيمَنْ أَهْدَرَ، ثُمَّ جَاءَ [بِهِ] (٢) عُثْمَانُ فَقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ شَفَاعَتَهُ فِيهِ وَبَايَعَهُ، فَكَيْفَ لَا يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ فِي الْحَكَمِ؟ !
منهاج السنة النبوية ٦/٢٦٥-٢٦٧
[تنويه]:
انظر: للروايات التي في الباب والحكم عليها ٣١ – بَابُ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحكم بن أبي العاص وبنيه وبني أُمية، “المطالب العالية محققا” لمحقق: مجموعة من الباحثين في ١٧ رسالة جامعية تنسيق: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشَّثري الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع – دار الغيث للنشر والتوزيع الطبعة: الأولى، [(18/ 257 – 286)].
وانظر: التعليق على الصحيح المسند (1435).
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): ثبوت صحبة الحكم بن أبي العاص بن أمية رضي الله عنه.
2 – (ومنها): كل صحابي عدل حتى يثبت خلافه بدليل يقيني.
3 – لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لعانا
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى:
” فدعا الله تعالى، ورغب إليه في أنه: إن وقع منه شيء من ذلك لغير مستحق؛ في ألا يفعل بالمدعو عليه مقتضى ظاهر ذلك الدعاء، وأن يعوِّضه من ذلك مغفرة لذنوبه ورفعة في درجاته، فأجاب الله تعالى طلبة نبيه صلى الله عليه وسلم ووعده بذلك، فلزم ذلك بوعده الصدق وقوله الحق، وعن هذا عبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( شارطت ربي )، و ( شرط علي ربي )، و ( اتخذت عنده عهدا لن يخلفنيه )… ” انتهى من “المفهم” (6 / 584).
فبهذا يظهر أن ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم من لعن لبعض الأشخاص لا يعد معصية ولا كبيرة؛ لأن اللعن الذي يعد من كبائر الذنوب هو ما كان على وجه الظلم والاعتداء. وأما النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن من هديه اللعن أصلا، وما وقع منه فهو نادر، وعلى وجه الاجتهاد، ومع ذلك، فقد احتاط، فطلب من الله تعالى أن يجعل هذا اللعن للمؤمن كفارة له، وهذا محض إحسان منه صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون الاحسان كبيرة؟!
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى:
” فإن قيل: فكيف يجوز أن يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم لعن أو سب، أو جلد لغير مستحقه، وهو معصوم من مثل ذلك في الغضب والرضا؛ لأنَّ كل ذلك محرم، وكبيرة، والأنبياء معصومون عن الكبائر، إما بدليل العقل، أو بدليل الإجماع، كما تقدَّم؟
قلت: قد أشكل هذا على العلماء، وراموا التخلص من ذلك بأوجه متعددة، أوضحها وجه واحد، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يغضب لِما يرى من المغضوب عليه من مخالفة الشرع، فغضبه لله تعالى لا لنفسه، فإنَّه ما كان يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وقد قررنا في الأصول: أن الظاهر من غضبه تحريم الفعل المغضوب من أجله.
وعلى هذا فيجوز له أن يؤدب المخالف له باللعن والسب والجلد والدعاء عليه بالمكروه، وذلك بحسب مخالفة المخالف.
غير أن ذلك المخالف قد يكون ما صدر منه فلتة أوجبتها غفلة، أو غلبة نفس، أو شيطان، وله فيما بينه وبين الله تعالى عمل خالص، وحال صادق، يدفع الله عنه بسبب ذلك أثر ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم له من ذلك القول أو الفعل.
وعن هذا عبّر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن تجعلها له طهورا )…” انتهى من “المفهم” (6 / 584).
وقال النووي رحمه الله تعالى:
” فإن قيل: كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه أو يسبه أو يلعنه ونحو ذلك؟
فالجواب: ما أجاب به العلماء، ومختصره وجهان:
أحدهما: أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى، وفي باطن الأمر، ولكنه في الظاهر مستوجب له؛ فيظهر له صلى الله عليه وسلم استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك، وهو صلى الله عليه وسلم مأمور بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
والثاني: أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية، كقوله: ( تربت يمينك )، ( وعقرى )، ( حلقى )، وفي هذا الحديث: ( لا كبرت سنك )، وفي حديث معاوية: ( لا أشبع الله بطنه )، ونحو ذلك، لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيءٌ من ذلك إجابةً، فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا ” انتهى. “شرح صحيح مسلم” (16 / 152).
والله أعلم.