[1ج/ رقم (569)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
شارك : طارق أبو تيسير، ومحمد البلوشي وأحمد بن علي وعبدالله المشجري ومحمد سيفي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (569)]:
قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم رحمه الله في «السنة» (ج ٢ ص ٥٩٠): حدثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوَالَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ: «تَهْجِمُونَ عَلَى رَجُلٍ مُعْتَجِرٍ يُبَايِعُ النَّاسَ، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ». فَهَجَمْنَا عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَهُوَ يُبَايِعُ النَّاسَ.
هذا حديث صحيحٌ.
والجريري هو سعيد بن إياس، مختلط، ولكن حماد بن سلمة روى عنه قبل الاختلاط كما في «الكواكب النيرات».
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم وهو أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني (ت ٢٨٧هـ)، في السنة، باب في فضل عثمان بن عفان رضي الله عنه، (١٢٩٢).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١٦ – كتاب الفضائل، ٩ – فضل عثمان بن عفان رضي الله عنه، (٢٤٣٦).
٢٤ – كتاب الإمارة، ٩ – البيعة للإمام، (٣١٦٣).
٣٢ – كتاب الأدب، ١٠٦ – جواز مدح الشخص بما فيه إذا أمنت الفتنة، (٣٦٧٩).
وقال الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة:
“٣١١٨- (تَهجُمون على رجلٍ مُعتَجرٍ ببردٍ حَبِرَةٍ، يبايعُ الناسَ، من أهل الجنة)
أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (٢/٢٩٠/١٢٩٢)، والحاكم (٣/٩٨)، وابن عدي في «الكامل» (٣/٣٩٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٩/١٥٥- ١٥٦) من طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم … فذكره. وزاد:
فهجمنا على عثمان بن عفان وهو معتجر ببرد حبرة يبايع الناس. قال: يعني: الشراء والبيع. والسياق لابن عدي، وقال:
«وسعيد الجريري هذا مستقيم الحديث، وحديثه حجة؛ ممن سمع منه قبل الاختلاط».
قلت –والقائل: الألباني -: وحماد بن سلمة ممن سمع منه قبل الاختلاط كما في «التهذيب»، فهو صحيح الإسناد، وكذا قال الحاكم، ووافقه الذهبي.
وله شاهد بنحوه، وهو الآتي بعده.
ولعبد الله بن شقيق إسناد آخر، يرويه كَهْمس بن الحسن عنه قال: ثنا هَرَمِيُّ ابن الحارث وأسامة بن خُرَيْم- وكانا يغازيان، فحدثاني حديثًا، ولا يشعر كل واحد منهما أن صاحبه حدثنيه- عن مُرَّة البَهْزِي، قال:
بينما نحن مع نبي الله ﷺ في طريق من طرق المدينة، فقال: «كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟».
قالوا: نصنع ماذا يا نبي الله؟! قال:
«عليكم بهذا وأصحابه- أو: اتبعوا هذا وأصحابه-».
قال: فأسرعت حتى عطفت على الرجل، فقلت: هذا يا نبي الله؟! قال: «هذا». فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.
أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٩/٣١/٦٨٧٥- الإحسان) – وهو مما فات «الموارد»-، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢/٥٩١/١٢٩٦) من طريق أبي بكر ابن أبي شيبة- وهو في «المصنف» (١٢/٤٠- ٤١) -، وأحمد (٥/٣٣ و٣٥)، والطبراني أيضًا (٢٠/٣١٦/٧٥٢) من طريق أبي بكر وغيره (٧٥١) كلهم عن أبي أسامة عن كهمس.
قلت –والقائل: الألباني -: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير هرمي بن الحارث وأسامة بن خريم، فهما تابعيان مستوران لا يعرفان إلا برواية عبد الله بن شقيق هذه، ومع ذلك ذكرهما ابن حبان في «ثقاته» (٤/٤٤- ٤٥ و٥/٥١٤) على قاعدته! ولكن أحدهما يقوي الآخر.
وقد أسقطهما من الإسناد أبو هلال فقال: عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن مرَّة البهزي مرفوعًا مختصرًا، وفيه: فمر رجل مقنع، فقال:
«هذا وأصحابه يومئذٍ على الهدى». فإذا عثمان بن عفان.
أخرجه الطبراني (٢٠/٣١٥ /٧٥٠) واللفظ له، وأحمد (٥/٣٣).
وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي، وهو صدوق فيه لين؛ كما قال في «التقريب»، فلعل السقط منه.
وخالف أبا أسامة في إسناده- واسمه حماد بن أسامة-: يزيد- وهو ابن هارون الواسطي-؛ فقال: أنا كهمس بن الحسن: ثنا عبد الله بن شقيق: حدثني رجل من عنزة يقال له: زائدة أو مزيدة بن حوالة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر من أسفاره فنزل النبي في ظل دوحة … فذكر حديثًا آخر لابن حوالة، وفي آخره بعض حديث أبي أسامة لم يحفظه راويه.
أخرجه أحمد (٥/٣٣).
وأقول: يبدو لي من سياق الحديث والسند أن الراوي لم يتقن ضبطه وحفظه، ولكن لم يتعين عندي من هو؟ لأنهم جميعًا ثقات. وقد أورد الحافظ زائدة هذا في «الإصابة» من أجل رواية أحمد هذه؛ وما أرى ذلك بجيد، وخاصة أنه لم يرتضِ صنيع الإمام أحمد الذي ساق الحديث في «مسند عبد الله بن حوالة» بالتمام الذي ساقه من طريق يزيد بن هارون وزاد عليه؛ ولم يَفُتْه شيء منه، أخرجه أحمد (٤/١٠٩): ثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: ثنا الجريري عن عبد الله بن شقيق عن ابن حوالة قال:
أتيت رسول الله ﷺ، وهو جالس في ظل دوحة.. الحديث، وفيه قوله ﷺ له:
«كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض..» إلخ مثل ما في رواية أبي أسامة، وهو مما لم يحفظ في رواية يزيد بن هارون كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
فصنيع أحمد هذا لم يرضه الحافظ؛ بحجة أنه ليس في الخبر تسميته عبد الله؛ إلا أنه استدرك على نفسه فقال:
«لكن أخرجه الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن الجريري فسماه عبد الله».
وأقول –والقائل: الألباني -: ساق لفظ الطبراني الهيثميُّ في «المجمع» (٩/٨٨- ٨٩)، فقال:
«عن عبد الله بن حوالة قال: أتيت على رسول الله ﷺ..» الحديث مثل رواية أحمد من طريق إسماعيل، ثم قال:
«رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح».
قلت –والقائل: الألباني -: وكذلك سماه ابن أبي عاصم (١٢٩٤) من طريق حماد بن سلمة عن الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة قال:
«أتيت رسول الله ﷺ وهو بجنب دوحة …» الحديث بتمامه مثل رواية أحمد عن إسماعيل- وهو ابن علية-. فثبت بذلك صواب ما صنع الإمام، وأن راوي الحديث بهذا التمام هو عبد الله بن حوالة الصحابي المشهور، فمن الغريب قول الحافظ:
«وهو أشهر من زائدة راوي هذا الخبر، فلعل بعض رواته سماه عبد الله ظنَّا منه أنه ابن حوالة المشهور، فسماه عبد الله، والصواب زائدة أو مزيدة، على الشك».
فأقول: بل الصواب أنه عبد الله بن حوالة، وذلك لسببين:
الأول: اتفاق إسماعيل ابن عُليَّة، وحماد بن سلمة عليه: عن الجريري.
والآخر: أن الذي سماه زائدة تردد في تسميته بين زائدة ومزيدة كما سبق.
والتردد دليل عدم الضبط والحفظ، ومن المعلوم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ. والله أعلم.
هذا؛ ولحديث الترجمة شاهد من حديث ابن عمر قال:
ذكر رسول الله ﷺ فتنة؛ فمر رجل، فقال:
«يُقتل فيها هذا المقنَّع يومئذ مظلومًا».
قال: فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
أخرجه الترمذي (٩/٢٩٦/٣٧٠٨)، وأحمد (٢/١١٥) من طريق سنان بن هارون عن كليب بن وائل عن ابن عمر قال … فذكره، وقال الترمذي:
«حديث حسن غريب».
وأقول –والقائل: الألباني – : هو كما قال؛ بل أعلى بما قبله، وسنان بن هارون صدوق فيه لين؛ كما في «التقريب». وقد أقر الحافظ ابن كثير في «البداية» (٧/٢٠٨) الترمذيَّ على تحسينه إياه.*”. انتهى.
وفي الموسوعة العقدية: “رواه الطيالسي (١/ ١٧٦)، والحاكم (٣/ ١٠٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/ ٤٤٥): [فيه] سعيد الجريري مستقيم الحديث وحديثه حجة من سمع منه قبل الاختلاط.
قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٢): رواه أبوداود الطيالسي بسند صحيح. وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ١٢٧): [فيه] سعيد بن إياس تغير قليلًا،
وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣١١٨): صحيح الإسناد.”. انتهى.
والثاني: شرح وبيان الحديث:
سبق إيراد ما نقله الشيخ الألباني رحمه الله فيما يوضح ذلك، وسيأتي بما يزد ذلك إيضاحا في محله إن شاء الله تعالى.
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): ترجمة عثمان بن عفّان رضي الله عنهما، وبيان سبب قتله
1- هو: عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ الأمويّ، أمير المؤمنين، أبو عبد الله، وأبو عمر،
وأمه: أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها: البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ،
يَجتمع مع النبيّ ﷺ في عبد مناف، وعَدَد ما بينهما من الآباء متفاوت، فالنبيّ ﷺ من حيث العدد في درجة عفّان، كما وقع لعمر سواءً،
2- وُلد: بعد الفيل بست سنين على الصحيح،
3- وكان رَبْعَةً، حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين.
4- أسلم قديمًا، قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلّفًا لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به، فأسلم على يده فيما بلغني الزبير، وطلحة، وعثمان.
5- وزَوَّج النبيُّ ﷺ ابنته رقية من عثمان، وماتت عنده في أيام بدر، فزوّجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين.
6- وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله ﷺ بشّره بالجنة، وعدّه من أهل الجَنَّة، وشَهِد له بالشهادة.
7- وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان لمَّا أنْ حصروه انتشد الصحابة في أشياء، منها: تجهيزه جيش العسرة، ومنها: مبايعة النبيّ ﷺ عنه تحت الشجرة لمَّا أرسله إلى مكة، ومنها: شراؤه بئر رومة، وغير ذلك.
8- وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ومعه زوجته رقية،
9- وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتَب له النبيّ ﷺ بسهمه، وأجْره،
وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأنَّ النبيّ ﷺ كان بَعَثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: «هذه عن عثمان»،
وقال ابن مسعود لمّا بويع: بايَعْنا خَيْرنا، ولم نَأْلُ،
وقال عليّ: كان عثمان أوْصَلَنا للرحم، وكذا قالت عائشة لمّا بلغها قتله: قتلوه، وإنه لَأوصَلُهم للرحم، وأتقاهم للرب.
10- وكان سبب قَتْله: أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان مَن حجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان ليّن العريكة، كثير الإحسان والحِلْم،
وكان يستبدل ببعض أمرائه، فيرضيهم، ثم يعيده بعدُ إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فعزله، وكتب له كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك،
فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب، ورجعوا، وواجهو به، فحلف أنه ما كتب، ولا أَذِن، فقالوا: سلِّمنا كاتبك، فخشي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمة، فغضبوا، وحصروه في داره، واجتمع جماعة يحمونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه، فعَظُم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان.
12- وروى البخاريّ في قصة قَتْل عمر أنه عَهِد إلى ستة، وأمرهم أن يختاروا رجلًا، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرَّحمن بن عوف، فاختار عثمان، فبايعوه، ويقال: كان ذلك يوم السبت غُرّةَ المحرّم سنة أربع وعشرين.
وقال ابن إسحاق: قُتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وقال غيره: قُتل لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، رواه أحمد، عن إسحاق بن الطباع، عن أبي معشر.
وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر.
ودُفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حُشّ كوكب، كان عثمان اشتراه، فوسَّع به البقيع.
وقُتل، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور، وقيل: دون ذلك، وزعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين. انتهى ملخّصًا من «الإصابة». [«الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ٤٥٩، بزيادة يسيرة من «الفتح» ٨/ ٣٩٣].
وقال القرطبيّ : وتفصيل كيفية قَتْله، وما جرى لهم [أي: للخوارج الذين خرجوا عليه] معه مذكور في التواريخ، وجملة الأمر: أن قومًا من أهل مصرِ وغيرهم غلب عليهم الجهل، والهوي، والتعصب،
فنَقَموا عليه أمورًا، أكثرها كَذِب، وسائرها له فيها أوجهٌ من المعاذير، وليس فيها شيء يوجب خَلْعه، ولا قَتْله،
فتحزَّبوا، واجتمعوا بالمدينة، وحاصروه في داره، فقيل: شهران، وقيل: تسعة وأربعون يومًا،
وهو في كل ذلك يعظهم، ويذكّرهم بحقوقه، ويتنصل مما نسبوه إليه، ويعتذر منه، ويصرح بالتوبة، ويحتج عليهم بحجج صحيحة، لا مَخْلَص لهم عنها، ولا جواب عليها،
لكن أعْمَتْهم الأهواء ليغلب القضاء، فدخلوا عليه، وقتلوه مظلومًا، كما شَهِد له النبيّ ﷺ، وجماعة أهل السُّنَّة، وأُلقي على مزبلة، فأقام فيها ثلاثة أيام، لم يقدر أحدٌ على دفنه، حتى جاء جماعة بالليل خفية، وحملوه على لوح، وصلّوا عليه، ودُفن في موضع من البقيع، يسمى: «حش كوكب»، وكان مما حبَّسه هو، وزاده في البقيع، وكان إذا مرّ فيه يقول: يُدفن فيك رجل صالح، فكان هو المدفون فيه،
وعُمِّي قبره؛ لئلا يُعرف،
وقد نَسَب أهلُ الشام قَتْله إلى علي رضي الله عنه، وهي نسبة كذب، وباطل، فقد صحَّ عنه أنه كان في المسجد، وقت دُخِل عليه في الدار، ولمّا بلغه ذلك قال لِقَتَلته: تبًا لكم آخر الدهر، ثم إنه قد تبرأ من ذلك، وأقسم عليه، وقال: من تبرأ من دِين عثمان، فقد تبرأ من الإيمان، والله ما أعَنْت على قتله، ولا أمرت، ولا رضيت، لكنه لم يقدر على المدافعة بنفسه، وقد كان عثمان منعهم من ذلك.
وكان مقتل عثمان في أوسط أيام التشريق، على ما قاله أبو عثمان النَّهْديّ،
قال ابن إسحاق: على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا، واثنين وعشرين يومًا من مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلى رأس خمس وعشرين سنة من مُتوفَّى رسول الله ﷺ،
وقال الواقدي: قُتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة؛ يوم التروية سنة خمس وثلاثين، وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة،
قال ابن إسحاق: وبويع له بالخلافة يوم السبت غرَّة محرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بثلاثة أيام، فكانت خلافته إحدى عشرة سنة، إلا أيامًا اختُلِف فيها حَسَب ما بيَّناه،
وقد كان انتهى من الفضل، والعلم، والعبادة إلى الغاية القصوي، كان يصوم الدهر، ويقوم الليل يقرأ القرآن كله في ركعة الوتر.
وروى الترمذي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حيّ: أبو بكر، وعمر، وعثمان. وقال فيه: حديثٌ صحيحٌ حسن.
وقد شَهِد له رسول الله ﷺ بأنه شهيد، ومن أهل الجنة، وقَتَلَته مخطئون قطعًا، وقد قَدِموا على ما قَدِمُوا عليه. انتهى. [«المفهم» ٦/ ٢٦٦ – ٢٦٧]، والله تعالى أعلم بالصواب. [البحر المحيط الثجاج، (38/ 516 – 520)].
تنبيه:
سبق الحديث عن ترجمة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في التعليق على صحيح مسلم وغيره.
(المسألة الثانية):
روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه [٦١٩٢] (٢٤٠٣) – (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حَائِطِ الْمَدِينَة، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، يَرْكُزُ بِعُودٍ مَعَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّين، إِذَ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ: «افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، قَالَ: فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، قَالَ: ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: «افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، قَالَ: فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة، عَلَى بَلْوَى تَكُونُ»، قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَالَ: فَفَتَحْتُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، قَالَ: وَقُلْتُ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَبْرًا، أَوِ اللهُ الْمُسْتَعَانُ).
(فَقَالَ) عثمان رضي الله عنه (اللَّهُمَّ صَبْرًا)؛ أي: يا الله أسألك أن ترزقني صبرًا فيما يُصيبني من البلوى، (أَوِ) للشّكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (اللهُ الْمُسْتَعَانُ)، وفي بعض النسخ: “والله المستعان” بالواو؛ أي: المطلوب منه المعونة هو الله تعالى، لا غيره.
وقال القرطبيّ رحمه الله: قول عثمان: “اللهم صبرًا، والله المستعان”؛ أي: اللهم صبِّرني صبرًا، وأعنّي على ما قَدّرت عليّ. [«المفهم» ٦/ ٢٦٧ – ٢٦٨]، والله تعالى أعلم.
قال ابن بطال رحمه الله: إنما خُصَّ عثمان رضي الله عنه بذكر البلاء مع أن عمر رضي الله عنه قُتل أيضًا؛ لكون عمر لم يُمتحن بمثل ما امتُحِن عثمان، مِن تسلّط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم، مع تنصّله من ذلك، واعتذاره عن كل ما أوردوه عليه، ثم هجومهم عليه داره، وهَتْكهم سِتْر أهله، وكل ذلك زيادة على قَتْله، وحاصله: أن المراد بالبلاء الذي خُص به: الأمور الزائدة على القتل. انتهى [«شرح البخاريّ» لابن بطال ١٠/ ٤٨ – ٤٩، بزيادة من «فتح الباري» ١٦/ ٥١٠].
[تنبيه]: أشار النبيّ ﷺ بالبلوى المذكورة إلى ما أصاب عثمان في آخر خلافته من الشهادة يوم الدار، وقد وَرَدَ عنه ﷺ أصرح من هذا، فروى أحمد من طريق كُليب بن وائل، عن ابن عمر: «قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنةً، فمرّ رجل، فقال: يُقتل فيها هذا يومئذ ظلمًا، قال: فنظرت، فإذا هو عثمان»، وإسناده صحيح. [»الفتح«٨/ ٣٦٦]. [البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الثالثة): النصوص الواردة في الباب:
في (الصحيح) عن عثمان بن موهب قال: «جاء رجلٌ من أهل مصر حجّ البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر، إنّي سائلك عن شيءٍ فحدّثني عنه، هل تعلم أنّ عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم. قال: هل تعلم أنّه تغيّب عن بيعة الرضوان، فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبيّن لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه وغفر له. وأمّا تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ: إنّ لك أجر رجلٍ ممن شهد بدرًا وسهمه. وأمّا تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحدٌ أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر رضي الله عنه: اذهب بها الآن معك» [رواه البخاري (٣٦٩٨)].
وفي (الصحيح) عن عروة أنّ عبد الله بن عدي بن الخيار أخبره أنّ المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: «ما منعك أن تكلم عثمان لأخيك الوليد فقد أكثر الناس فيه، فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة، قلت: إنّ لي إليك حاجة وهي نصيحةٌ لك. قال: يا أيّها المرء أعوذ بالله منك، فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان، فأتيته فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إنّ الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممّن استجاب لله تعالى ولرسوله ﷺ، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه. وقد أكثر الناس في شأن الوليد. قال: أدركت رسول الله ﷺ؟ قلت: لا، ولكن خلص إليّ من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها. قال: أمّا بعد فإنّ الله بعث محمدًا ﷺ بالحقّ فكنت ممّن استجاب لله ولرسوله ﷺ وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين – كما قلت – وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته، فوالله ما عصيته، ولا غششته، حتى توفّاه الله عز وجل ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسآخذ فيه بالحقّ إن شاء الله. ثم دعا عليًّا فأمره أن يجلده، فجلده ثمانين» [رواه البخاري (٣٦٩٦)].
وفي (المسند) و(السنن) عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف: «انطلقنا حجاجًا فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آتٍ فقال: الناس في المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفرٍ في المسجد، قال فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا عليٌّ بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، قال فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي. فقال: ههنا علي؟ قالوا: نعم، قال: ههنا الزبير؟ قالوا: نعم. قال: ههنا طلحة؟ قالوا: نعم. قال: ههنا سعد بن أبي وقاص؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له» فابتعته، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني قد ابتعته، فقال: «اجعله في مسجدنا وأجره لك»؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «من يبتاع بئر رومة» فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إنّي قد ابتعتها – يعني بئر رومة – قال: «اجعلها سقايةً للمسلمين، ولك أجرها»؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أنّ رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: «من يجهّز هؤلاء غفر الله له» فجهزتهم حتى ما يفقدون خطامًا ولا عقالًا؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف رضي الله عنه) [رواه النسائي (٦/ ٤٦)، وأحمد (١/ ٧٠) (٥١١). قال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ٢٤٨): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي»].
وروى أحمد والترمذي والنسائي عن ثمامة بن حزن القشيري قال: «شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فاطلع عليه اطلاعة، فقال: ادعوا لي صاحبيكم اللذين ألّباكم عليّ، فدعيا له، فقال: أنشدكما الله، تعلمان أّنّ رسول الله ﷺ لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله فقال: من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون كالمسلمين وله خيرٌ منها في الجنة فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين، وأنتم تمنعوني أن أصلّي فيها ركعتين. ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ لما قدم المدينة لم يكن فيها غير بئر يستعذب منه إلا بئر رومة فقال رسول الله ﷺ: من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين وله خير منها في الجنّة فاشتريتها من خالص مالي، وأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أنّي صاحب جيش العسرة؟ قالوا: اللهم نعم». وقال الترمذي حسن [رواه الترمذي (٣٧٠٣)، والنسائي (٦/ ٢٣٥)، وأحمد (١/ ٧٤) (٥٥٥). قال الترمذي: هذا حديث حسن وقد روي من غير وجه عن عثمان. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». وقال شعيب الأرناؤوط محقق «مسند أحمد»: إسناده حسن].
أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند 555 قال:حدثني محمد بن أبي بكر بن علي المقدمي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا هلال بن حق، عن الجريري، عن ثمامة بن حزن القشيري به مطولا.
فيه هلال بن حق أبو يحيى، روى عنه جمع من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، تابعه يحيى بن أبي الحجاج المنقري، عن أبي مسعود الجريري، عن ثمامة بن حزن القشيري به نحوه. أخرجه الترمذي 3703 ويحيى فيه ضعف، قال الترمذي: “هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن عثمان”. أصله في صحيح البخاري 2778 وليس فيه موضع الشاهد، وفيه حفر بئر رومة وتجهيز جيس العسرة.
وله عن عبد الرحمن بن سمرة قال: «جاء عثمان إلى رسول الله ﷺ بألف دينار في كمّه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فقال عبد الرحمن: فرأيت النّبيّ ﷺ يقلبها في حجره ويقول: ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم – مرّتين-» حسّنه الترمذي [رواه الترمذي (٣٧٠١)، والحاكم (٣/ ١١٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي»].
وروى الإمام أحمد وأصحاب (السنن) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة توعدهم إيّاه بالقتل، قال: «ولم يقتلونني؟ فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجلٌ كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس. فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت بدلًا بديني منذ هداني الله له، ولا قتلت نفسًا. فبم يقتلونني!». [رواه أبو داود (٤٥٠٢)، والنسائي (٧/ ٩١)، وأحمد (١/ ٦١) (٤٣٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الذهبي في «المهذب» (٦/ ٣١٠٣): تابعه حماد بن سلمة وخالفهما يحيى القطان وغيره فروياه موقوفًا. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ٢٣١): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود»].
وروى الإمام أحمد وغيره عن النعمان بن بشير عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان فأقبل عليه رسول الله ﷺ، فلما رأينا إقبال رسول الله ﷺ على عثمان أقبلت إحدانا على الأخرى، فكان من آخر كلمةٍ أن ضرب على منكبه وقال: يا عثمان، إنّ الله تعالى عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني – ثلاثًا-». [رواه أحمد (٦/ ٨٦) (٢٤٦١٠). والحديث رواه الترمذي (٣٧٠٥)، وابن ماجه (١١٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٧٩٤٧). وقال الوادعي في «الصحيح المسند» (١٦٤٧): صحيح على شرط مسلم].
وروى أحمد والتّرمذي وقال: حسن غريب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنةً فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذٍ مظلومًا فنظرنا فإذا هو عثمان بن عفان».
[رواه الترمذي (٣٧٠٨)، وأحمد (٢/ ١١٥) (٥٩٥٣)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٨/ ١٧١): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن الإسناد].
وروى أحمد بإسنادٍ جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّكم تلقون بعدي فتنةً واختلافًا أو قال اختلافًا وفتنة -. فقال قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان بذلك».
[رواه أحمد (٢/ ٣٤٤) (٨٥٢٢)، والحاكم (٤/ ٤٨٠). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٢٢٠): تفرد به أحمد وإسناده جيد حسن ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٦/ ٢٢٤): إسناده صحيح، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣١٨٨): رجاله ثقات رجال الصحيح؛ غير أبي حبيبة [التابعي] … فهو ثقة إن شاء الله تعالى].
وله عن مرة البهزي قال: «بينما نحن مع رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة قال: كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنّها صياصي البقر قالوا: نصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليكم هذا وأصحابه، أو اتبعوا هذا وأصحابه قال: فأسرعت حتى عييت، فأدركت الرجل فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا، فإذا هو عثمان بن عفان، فقال هذا وأصحابه يذكره».
[رواه أحمد (٥/ ٣٥) (٢٠٣٨٨). قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٥/ ٢٧٩): [فيه] عبد الله بن شقيق ما بأحاديثه إن شاء الله بأس. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٣١٥): إسناده جيد].
وروى الترمذي في (جامعه) عنه رضي الله عنه قال لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما تكلّمت «وذكر الفتن فقربها، فمرّ رجلٌ متقنع في ثوب فقال: هذا يومئذٍ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان. فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال: نعم» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[رواه الترمذي (٣٧٠٤)، والحاكم (٢/ ١٠٩)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح] …
وروى أحمد وابن ماجه وغيرهما عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنةً فقرّبها وعظّمها، قال: ثم مرّ رجلٌ مقنع في ملحفة فقال: هذا يومئذ على الحقّ. قال فانطلقت مسرعًا – أو محضرًا – وأخذت بضبعيه، فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا»
[رواه ابن ماجه (١١١)، وأحمد (٤/ ٢٤٢) (١٨١٤٣). وقال الشافعي في «حلية الأولياء» (٩/ ١١٤): ما صح في الفتنة حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا حديث عثمان بن عفان أنه مر بالنبي ﷺ فقال: «هذا يومئذٍ على الحق».
وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١/ ١٨): هذا إسناد منقطع؛ قال أبو حاتم محمد بن سيرين لم يسمع من كعب بن عجرة، ورجال الإسناد ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح].
وروى أبو داود الطيالسي بإسنادٍ رجاله ثقات عن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تهجمون على رجلٍ معتجر ببردة من أهل الجنّة يبايع الناس، قال: فهجمنا على عثمان بن عفان معتجرًا يبايع الناس».
[رواه الطيالسي (١/ ١٧٦)، والحاكم (٣/ ١٠٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/ ٤٤٥): [فيه] سعيد الجريري مستقيم الحديث وحديثه حجة من سمع منه قبل الاختلاط. قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٢): رواه أبوداود الطيالسي بسند صحيح. وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ١٢٧): [فيه] سعيد بن إياس تغير قليلًا، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣١١٨): صحيح الإسناد].
وقد تقدم من الأحاديث التي تشير إلى خلافته وأشياء من فضائله مع ذكر صاحبيه رضي الله عنهما، وفي فضائله منفردًا ومع غيره من السابقين أحاديث كثيرة، وفيما أشرنا إليه كفاية.
وكان الاعتداء على حياته رضي الله عنه يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا؛ لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين.
وأما عمره رضي الله عنه فإنه قد جاوز ثنتين وثمانين سنة. والله أعلم. [معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ الحكمي – ٣/ ١٣٤٨ – ١٣٦٠].
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): بيان فضيلة عثمان رضي الله عنهم، وأنه من أهل الجنة.
2 – (ومنها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ ﷺ لإخباره بقصة عثمان، والبلوى، وأن الثلاثة – أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين – يستمرون على الإيمان والهدى.
٤ – (ومنها): أن في قوله: «اللهمّ صبرًا، والله المستعان» استسلامًا لأمر الله تعالى، ورضًا بما قدَّره الله تعالى، فينبغي أن يقوله المسلم في مثل هذه الحال.
٥ – (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: قوله: «على بلوى تكون»، وفي لفظ: «مع بلوى تصيبه» هذا من النبيّ ﷺ إعلام لعثمان رضي الله عنه بما يصيبه من البلاء والمحنة في حال خلافته، وقد جاء من الأخبار ما يدلّ على تفصيل ما يجري عليه من القتل وغيره.
فمن ذلك ما خرَّجه الترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يا عثمان! لعل الله يقمِّصك قميصًا، فإنْ أرادوك على خلعه، فلا تخلعه لهم»، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب.
وفيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذَكر رسول الله ﷺ فتنةً، فقال: «يُقتل فيها مظلومًا» لعثمان، وقال: حديث حسنٌ غريب.
ورَوَى أبو عمر بن عبد البرّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ادعوا لي بعض أصحابي»، فقلت: أبو بكر؟ فقال: «لا»، فقلت: فعمر؟ فقال: «لا»، قالت: قلت: ابن عمك عليًّا؟ فقال: «لا»، فقلت له: عثمان؟ قال: «نعم»، فلما جاءه، فقال لي بيده، فتنحَّيت، فجعل رسول الله ﷺ يسارّه، ولون عثمان يتغيَّر، فلما كان يوم الدار، وحُصر قيل له: «ألا نقاتل عنك؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عَهِد إليّ عهدًا، وأنا صابرٌ عليه».
فهذه الأحاديث وغيرها مما يطول تتبّعه تدلّ على أن النبيّ ﷺ أخبره بتفصيل ما جرى عليه، وأنه صبر نفسه لمّا عَلِم من أن ذلك قَدَرٌ سَبَق، وقضاء وَجَب، ولذلك منع كل من أراد القتال دونه، والدفع عنه -ممن كان معه في الدار، وفي المدينة – من نصرته. انتهى [«المفهم» ٦/ ٢٦٥ – ٢٦٦]، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط].
٦ – تنبيه : روى الإمام أحمد بسند ضعيف عن عبدالله بن الحسن قال :
قال النبي ﷺ : ” لو كانت عندي ثالثة لزوجته – يعني عثمان – وما زوجته إلا بوحي من السماء “.
قال الشيخ شُعيب الأرنؤوط : وفي باب تزويج عثمان رضي الله عنه بوحي من السماء عن غير واحد من الصحابة ، ولا يخلو إسناد أحدها من مقال.
وفي الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة ٦/١٢٦ — سعود بن عيد الصاعدي (ت ١٤٣٩) :
٩٨٧ – [٥٦] عن عصمة بن مالك – رضى الله عنه – قال: لما ماتت بنت رسول اللّه ﷺ التي تحت عثمان، قال رسول اللّه ﷺ: (زَوِّجُوا عثمانَ، لَو كانَ لي ثَالثةٌ لزوَّجتُه، ومَا زوَّجتُهُ إلَّا بِوحْي منَ السَّمَاء).
رواه: الطبراني في الكبير (١) عن أحمد بن رشدين المصري عن خالد بن عبد السلام الصدفي عن الفضل بن المختار عن عبد اللّه بن موهب عنه به … وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢)، وعزاه إليه، ثم قال: (وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف) اهـ.
والفضل مجهول يحدث بالأباطيل والمناكير شبه الموضوعات. وفي السند شيخ الطبراني أحمد بن رشدين كذبوه، وأنكرت عليه أشياء؛ *فالحديث: موضوع.*
والمنزلة العالية لعثمان رضي الله عنه عند اللّه، وعند رسوله ﷺ ثابتة في عشرات الأحاديث غير هذا. ويحفظ أهل الإسلام له مكانته، ويُراعون موضعه؛ ديانة للّه – تعالى -.
وراجع الضعيفة للالباني حيث حكم عليه بالوضع
وراجع أحاديث أخرى فيها ضعف في مجمع الزوائد
وانظر فيما يتعلق بالباب: التعليق على الصحيح المسند (1095).