[1ج/ رقم (563)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي وأحمد بن علي ومحمد سيفي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (563)]:
قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ١ ص ٢٠٥):
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُبَشِّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ، وَلا نَصَبَ)).
هذا حديث حسنٌ.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، (١٧٥٨).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٢ – كتاب الإيمان، ٥٨ – الإيمان بالجنة – جعلنا الله من أهلها -، (٦٥٩).
و١٥ – كتاب دلائل النبوة، ٣٩ – إخباره ﷺ بأناس من أهل الجنة فلم ينقل أنهم غيروا أو بدلوا، (٢١٣٨).
و١٦ – كتاب الفضائل، ٧٠ – فضل خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، (٢٥٧٠).
وقال محققو المسند – ط: الرسالة – :
حديث صحيح، وهذا إسناد حسن، فقد صرح محمد بن إسحاق بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه وهو صدوق حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
يعقوب: هو ابن إبراهيم بن سعد.
وأخرجه الحاكم ٣/١٨٥ من طريق أحمد بن حنبل، بهذا الإسناد.
وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٩٩٦)، وأبو يعلى (٦٧٩٧) من طريق بكر بن سليمان، عن ابن إسحاق، به.
وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في«فضائل الصحابة» (١٥٩١)، وأبو يعلى (٦٧٩٥)، وابن حبان (٧٠٠٥)، والطبراني ٢٣/ (١٣)، والحاكم ٣/١٨٤ من طريق وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، به.
وفي الباب عن عبد الله بن أبي أوفى عند البخاري (١٧٩٢)، ومسلم (٢٤٣٣)، وصححه ابن حبان (٧٠٠٤)، ويأتي في «المسند» ٤/٣٥٥. وآخر من حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٤٣٢)، وصححه ابن حبان (٧٠٠٩) .
والقَصَبُ فيَ هذا الحديث: لؤلؤ مُجَوف واسع، كالقصر المنيف، وقد جاء تفسيره عند الطبراني من حديث أبي هريرة ولفظه: «بيت من لؤلؤة مجوفة».
والصخب: اختلاط الأصوات. والنصَب: التعب. [مسند الإمام أحمد، (3/ 283 – 284)].
والثاني: شرح وبيان الحديث
قال أبو بكر الإسكاف في «فوائد الأخبار»: المراد به بيت زائد على ما أَعدّ الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال: «لا نصب فيه»؛ أي: لم تتعب بسببه.
(مِنْ قَصَبٍ)، -بفتح القاف، والصاد المهملة، بعدها موحّدة- قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوّفة واسعة؛ كالقصر المنيف، وعند الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق أخرى، عن ابن أبي أوفى: «يعني: قصب اللؤلؤ»، وعنده في «الكبير» من حديث أبي هريرة: «بيت من لؤلؤة مجوّفة»، وأصله في مسلم، وعنده في «الأوسط» من حديث فاطمة: «قالت: قلت: يا رسول الله أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب، قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا، من القصب المنظوم بالدر، واللؤلؤ، والياقوت».
(لَا صَخَبَ فِيهِ)، الصَّخَب -بفتح الصاد المهملة، والخاء المعجمة، بعدها موحّدة-: الصياح، والمنازعة برفع الصوت.
(وَلا نَصَبَ)). -بفتح النون، والصاد المهملة، بعدها موحَّدة-: التَّعَب، وأغرب الداوديّ، فقال: الصخب: العيب، والنَّصَب: العِوَج، وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة، قاله في «الفتح» [«الفتح» ٨/ ٥٢٧، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٢٠)، بتصرف].
وقال عياض في «المشارق»: قوله: «ببيت من قصب» قد ذكر ابن وهب في روايته تفسيره في الحديث نفسه، قالت: «يا رسول الله ما بيت من قصب؟ قال: هو بيت من لؤلؤة مُجَبَّأَةٍ»، قال ابن وهب: أي: مجوّفة، ويروى: مجوَّبة بمعناه، قالوا: القصب هو اللؤلؤ المجوّف الواسع؛ كالقصر المنيف، قال الخليل: القصب ما كان من الجوهر مستطيلًا أجوف، ويؤيد تفسيرهم قوله في الحديث الآخر: «قباب اللؤلؤ»، وفي الآخر: «قصر من درة مجوّفة». انتهى [«مشارق الأنوار» ٢/ ١٨٧].
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: «من قصب. . . إلخ» قال الهرويّ وغيره: القصب -هنا-: اللؤلؤ المجوَّف المستطيل، والبيت: هو القصر.
قال: وهذا نحو قوله ﷺ في الحديث الآخر: «إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوَّفة عرضها ستون ميلًا»، متّفقٌ عليه، وفي لفظ آخر: «من درَّة بيضاء طولها ستون ميلًا».
والصخب: اختلاط الأصوات، ويقال: بالسين والصاد، والنصب: التعب والمشقة. ويقال: نُصْبٌ، ونَصَبٌ؛ كحُزْن وحَزَن؛ أي: لا يصيبها ذلك؛ لأنَّ الجنة منزهة عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨]، وقيل: معناه: أن هذا البيت خالص لها، لا تُنازَع فيه، فيُصخب عليها فيه، وذلك من فضل الله تعالى عليها، لا بنصبها في العبادة، ولا اجتهادها في ذلك. انتهى. [«المفهم» ٦/ ٣١٦]. [البحر المحيط الثجاج].
قال ابن الجوزي رحمه الله: “وَفِي نفي الصخب وَالنّصب عَن هَذَا الْبَيْت وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَن النصب لابد فِي كل بَيت من تَعب فِي إِصْلَاحه وصخب بَين سكانه، فَأخْبر أَن قُصُور الْجنَّة على خلاف ذَلِك.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لما تعبت فِي تربية الْأَوْلَاد ناسب هَذَا ضَمَان الرَّاحَة”. [كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي (ت ٥٩٧)، (2/ 218)].
قال الوادعي رحمه الله عن الحديث: هذا حديث حسنٌ.
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في ترجمة خديجة بنت خُويلد رضي الله عنها
(المطلب الأول): نسبها:
هي: خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصيّ القرشيّة الأسديّة،
زوج النبيّ ﷺ، وأول من صدَّقت ببعثته مطلقًا.
قال الزبير بن بكار: كانت تدعى قبل البعثة: الطاهرة.
وأمها: فاطمة بنت زائدة، قرشية من بني عامر بن لؤيّ.
(المطلب الثاني): زواجها:
وكانت عند أبي هالة بن زرارة بن النباش بن عديّ التميميّ أوّلًا، ثم خَلَف عليها بعدَ أبي هالة: عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم خَلَف عليها رسول الله ﷺ، هذا قول ابن عبد البرّ، ونَسَبه للأكثر، وعن قتادة عَكْس هذا، إن أول أزواجها عتيق، ثم أبو هالة، ووافقه ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عنه، وهكذا في كتاب النَّسَب للزبير بن بكار، لكن حكى القول الأخير أيضًا عن بعض الناس.
(المطلب الثالث): حول زواج النبي محمد صلى الله عليه وسلم من خديجة، وأولادها رضي الله عنهم:
وكان تزويج النبيّ ﷺ خديجة قبل البعثة بخمس عشرة سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وكانت موسرةً.
وكان سبب رغبتها فيه: ما حكاه لها غلامها ميسرة، مما شاهده من علامات النبوة قبل البعثة، ومما سمعته من بَحِيرا الراهب في حقه ﷺ لمّا سافر معه ميسرة، في تجارة خديجة.
وولدت من رسول الله ﷺ أولاده كلهم، إلا إبراهيم.
وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها في حديث بدء الوحي ما صنعته خديجة من تقوية قلب النبيّ ﷺ لتلقّي ما أنزل الله عليه، فقال لها: «لقد خَشِيتُ على نفسي»، فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، وذَكَرَتْ خصاله الحميدة، وتوجهت به إلى ورقة، وهو في «الصحيح»، وقد ذكره ابن إسحاق، فقال: وكانت خديجة أول من آمن بالله، ورسوله، وصدَّق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله ﷺ، فكان لا يسمع شيئًا يكرهه من الردّ عليه، فيرجع إليها إلا تثبّته، وتهوّن عليه أمر الناس.
وذكر الواقدي منِ حديث نفيسة أخت يعلى بن أمية قالت: كانت خديجة ذات شرف وجمال، فذَكَر قصة إرسالها إلى النبيّ ﷺ، وخروجه في التجارة لها إلى سوق بُصْرَى، فربح ضَعف ما كان غيره يربح، قالت نفيسة: فأرسلتني خديجة إليه دسيسًا أَعْرِض عليه نكاحها، فقَبِل، وتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنةً، فولدت له القاسم، وعبد الله، وهو الطيب، وهو الطاهر، سُمِّي بذلك؛ لأنها ولدته في الإسلام، وبناته الأربع.
وقد أسند الواقديّ أيضًا قصة تزويج خديجة من طريق أم سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية أخت يعلى، قالت: كانت خديجة امرأة شريفةً، جَلْدةً، كثيرة المال، ولمّا تأيّمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فلما أن سافر النبيّ ﷺ في تجارتها، ورجع بربح وافر رغبت فيه، فأرسلتني دسيسًا إليه، فقلت له: ما يمنعك أن تزوَّج؟ فقال: «ما في يدي شيء»، فقلت: فإن كُفيت، ودُعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: «ومن؟» قلت: خديجة فأجاب.
(المطلب الرابع): وفاتها رضي الله عنها
ماتت خديجة رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين، على الصحيح، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، وقالت عائشة: ماتت قبل أن تُفرض الصلاة؛ يعني: قبل أن يُعرج بالنبيّ ﷺ، ويقال: كان موتها في رمضان، وقال الواقديّ: توفيت لعشر خلون من رمضان،
وهي بنت خمس وستين سنة، ثم أسند من حديث حكيم بن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة، بعد خروج بني هاشم من الشِّعْب،
ودُفنت: بالحجون، ونزل النبيّ ﷺ في حفرتها، ولم تكن شُرعت الصلاة على الجنائز. انتهى ملخّصًا من «الإصابة» [«الإصابة في تمييز الصحابة» ٨/ ٩٩ – ١٠٣، بواسطة البحر المحيط].
وقال القرطبيّ رحمه الله: كانت خديجة رضي الله عنها تُدعى في الجاهلية: الطاهرة،
تزوَّجها رسول الله ﷺ قبل النبوة ثيّبًا بعد زواج زوجين: أبي هالة؛ هند بن النباش التميميّ، فولدت له هندًا، وعتيقِ بن عائذ المخزوميّ،
ثم تزوَّجها رسول الله ﷺ، وهي بنت أربعين سنة، وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة،
وتُوفيت، وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر،
وكان رسول الله ﷺ إذ تزوج خديجة ابن إحدى وعشرين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة، وهو قول الأكثر. وقيل: ابن ثلاثين.
وأجمع أهل النقل: أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم.
وأجمعوا أنها ولدت له ابنًا يُسمَّى: القاسم، وبه كان يكنى،
واختلفوا هل ولدت له ذكرًا غير القاسم؛ فقيل: لم تلد له ذكرًا غيره. وقيل: ولدت له ثلاثة ذكور: عبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: بل ولدت له: عبد الله، والطيب والطاهر: اسمان له. والخلاف في ذلك كثير، والله تعالى أعلم.
ومات القاسم بمكة صغيرًا. قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعش إلا أيامًا يسيرة،
ولم يكن للنبيّ ﷺ ولد من غير خديجة إلا إبراهيم، ولدته مارية القبطية بالمدينة، وبها توفي وهو رضيع.
ومات بنات النبيّ ﷺ كلهن قبل موته إلا فاطمة، فإنَّها توفيت بعده بستة أشهر.
وكانت خديجة رضي الله عنها امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات مال، وقد تقدَّم أنها أول من آمن بالنبيّ ﷺ، وأنه ﷺ نُبِّئ يوم الإثنين، فصلّت آخر ذلك اليوم،
وكانت عونًا للنبيّ ﷺ على حاله كله، وردءًا له تثبِّتُه على أمره، وتصدّقه فيما يقوله، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت.
قيل: كانت وفاتها قبل مُهاجَر النبيّ ﷺ إلى المدينة بسبع سنين. وقيل: بخمس. وقيل: بأربع. وقيل: بثلاث، وهو أصحها، وأشهرها -إن شاء الله تعالى-.
وتوفيت هي وأبو طالب – عم رسول الله ﷺ – في سنة واحدة. قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودُفنت بالحجون. انتهى. [«المفهم» ٦/ ٣١٣ – ٣١٤].
[تنبيه]: انظر: فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم، التعليق على “12 – بَابُ: فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا”.
وفتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند، (110).
(المسألة الثانية):
ومما يذكر في عقيدة الفرقة الناجية: “ـ[(وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمِنُونَ بَأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الآخِرَةِ: خُصُوصًا خَدِيجَةَ رضي الله عنها أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلاَدِهِ، وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاَضَدَهُ عَلَى أَمْرِه، وَكَانَ لَهَا مِنْهُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ. وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ رضي الله عنها، الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» [رواه البخاري ومسلم]» .]ـ
/ش/ أَزْوَاجُهُ ﷺ هُنَّ مَن تزوجهُنَّ بِنِكَاحٍ، فَأَوَّلُهُنَّ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها، تزوَّجها بِمَكَّةَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، وَكَانَتْ سِنُّهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ هِيَ تَكْبُرُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَلَمْ يتزوَّج عَلَيْهَا حَتَّى توفِّيت، وَقَدْ رُزِقَ مِنْهَا بِكُلِّ أَوْلَادِهِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وقوَّاه عَلَى احْتِمَالِ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ، وَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، فَتَزَوَّجَ بَعْدَهَا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها .
وَعَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها، وَكَانَتْ بِنْتَ سِتِّ سِنِينَ، حَتَّى إِذَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ.
وَمِنْ زَوْجَاتِهِ أَيْضًا أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ.
وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَطْلِيقِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لَهَا، أَوْ عَلَى الْأَصَحِّ زَوَّجَهُ اللَّهُ إِيَّاهَا.
وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، وَكُلُّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُنَّ أَزْوَاجُهُ ﷺ فِي الْآخِرَةِ، وَأَفْضَلُهُنَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ رضي الله عنهما. [شرح العقيدة الواسطية للهراس، (274 – 275)- تراث].
(المسألة الثالثة): ما ورد في فضلها رضي الله عنها:
لأم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فضائل كثيرة جدا؛ فهي زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من النساء، وقد واسته بمالها، وكانت تتميز بقوة يقينها، ووفرة عقلها، وصحة عزمها.
مما ورد في فضل: سيدات بيت النبوة:
١ – باب: ما جاء في فضائل خديجة وفاطمة رضي الله عنهن.
- عن عائشة، قالت لفاطمة بنت رسول الله: ﷺ ألا أبشرك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ، وخديجة بنت خويلد، وآسية امرأه فرعون».
صحيح: رواه أحمد في فضائل الصحابة (١٣٣٦) ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٨٥) عن سعد بن إبراهيم ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا أبي، عن صالح (هو: ابن كيسان)، عن ابن شهاب، عن عروة قال: قالت عائشة: فذكرته.
وإسناده صحيح. وسكت عليه الحاكم.
- عن أنس أن النبي ﷺ قال: «حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ، وآسية امرأة فرعون».
صحيح: رواه عبد الرزاق (٢٠٩١٩) – ومن طريقه الترمذي (٣٨٧٨) – وأحمد (١٢٣٩١) والبزار في مسنده (٧٢٥٦) وابن حبان (٧٠٠٣) كلهم من طرق، عن عبد الرزاق، عن قتادة، عن أنس فذكره.
وقال الترمذي: «هذا حديث صحيح».
- عن ابن عباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، قال: «تدرون ما هذا؟». فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران».
صحيح: رواه أحمد (٢٦٦٨)، وعبد بن حميد (٥٩٧)، والطحاوي في شرح المشكل (١٤٨)، وابن حبان (٧٠١٠) كلهم من طرق، عن داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
وعلباء: هو ابن أحمر اليشكري، من رجال مسلم وثّقه يحيى بن معين، وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات.
وفي رواية: «نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة، وخديجة، وآسية امرأة فرعون».
رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٤١٥)، والأوسط (٢/ ٦٦) من طرق عن أبي جعفر عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن محمد الدراوردي فإنه حسن الحديث.
٢ – باب: في فضائل خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها:
- عن علي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة بنت خويلد».
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٥) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٠) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه قال: سمعت عليا يقول: فذكره.
قوله: «خير نسائها» ورد في صحيح مسلم قال أبو كريب، وأشار وكيع إلى السماء والأرض يعني: كل من بين السماء والأرض من نسائها، فبيّن وكيع مراد الضمير في نسائها.
٣ – باب: ما جاء في سلام الله وجبريل على خديجة وبشارتها ببيت في الجنة:
- عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومني، وبشرها ببيتٍ في الجنة لا صخب فيه ولا نصب.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٢٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٢) كلاهما من طرق، عن محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
- عن إسماعيل قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أكان رسول الله ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة؟ قال: نعم، بشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٩)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٣ – ٧٢) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى، فذكره.
- عن عائشة قالت: بشر رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٤) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
- عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أبشر خديجة ببيتٍ في الجنة من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب».
حسن: رواه أحمد (١٧٥٨)، وأبو يعلى (٦٧٩٧)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٠٥)، والحاكم (٣/ ١٨٥، ١٨٤) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرح.
قوله: «من قصب» القصب: لؤلؤ مجوف واسع يعني بيت من لؤلؤة مجوفة.
قوله: «الصخب»: اختلاط الأصوات.
وقوله: «النصب»: التعب.
٤ – باب: في حب النبي ﷺ لخديجة وصديقاتها:
- عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة للنبي ﷺ ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيتٍ من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٦) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٥) كلاهما من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فذكره.
وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه، وزاد – بعد قوله: أن يتزوجني -: «بثلاث سنين» كما زاد – بعد قوله: من قصب -: «في الجنة».
وفي لفظ: «قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه عز وجل أو جبريل عليه السلام أن يبشّرها ببيتٍ في الجنة من قصب».
رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٧)، عن قتيبة بن سعيد حدثنا: حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته.
تنبيه :(وتزوجني بعدها بثلاث سنين) قال ابن عبد البر : فمن قال المراد بقول عائشة تزوجني بعد خديجة بثلاث سنين المراد الدخول لأن مدة العقد أكثر من ثلاث سنين . انتهى
- عن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطّعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٨)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٥ – ٧٥) كلاهما من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكره.
وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه، وفيه زيادة قوله: قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله ﷺ: «إني قد رزقت حبها».
- عن عائشة قالت: ما غرت للنبي ﷺ على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة، لكثرة ذكره إياها، وما رأيتها قط.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٥ – ٧٦) عن عبد بن حميد، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة فذكرته.
- عن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: «اللهم هالة». قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٢١) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٦) كلاهما من طريق علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: فذكرته.
تنبيه : زيادة ( ما ابدلني الله خيرا منها ) ضعيف راجع الضعيفة 6224
و ابن تيمية :
تأول حديث الترجمة – بعد أن
أشار لضعفه – بتأويل آخر فقال:
«إن صح – معناه: ما أبدلني بخير لي منها، لأن خديجة نفعته في أول
الإسلام نفعًا لم يقم غيرها فيه مقامها؛ فكانت خيرًا له من هذا الوجه …» إلخ
كلامه، فراجعه مجموع الفتاوى (٤/٣٠١ – ٣٠٨)،
- عن عائشة قالت: لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت.
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٧٧: ٢٤٣٦) عن عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: فذكرته.
وفي الباب عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا أوتي بشيء قال: «اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة».
رواه ابن حبان (٧٠٠٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٢)، والحاكم (٤/ ١٧٥)، كلهم من طريق أسد بن موسى، حدثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
ومبارك بن فضالة – بفتح الفاء – مختلف فيه فقال ابن معين: لا بأس به، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو زرعة، وأبو داود: كان شديد التدليس. كان يدلس ويسوّي فمثله يجب تصريحه بالسماع، ولم أقف عليه.
[انظر: الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه، محمد ضياء الرحمن الأعظمي (ت ١٤٤١)، (9/ 285 – 288)].
وانظر: ٧٠ – فضل خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، في الجامع الصحيح للشيخ الوادعي رحمه الله.
وانظر: المبحث الثاني ما ورد في تفصيل فضائل الصحابيات على الانفراد، المطلب الأول: من عُرفن بأعيانهن .. وفيه ستة وستون قسما: القسم الأول: ما ورد في فضائل خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، (11/ 36 وما بعدها) تكلم عن الروايات.
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): فضل خديجة رضي الله عنها، الحديث يبين منزلتها عند الله، وقد بشرت ببيت في الجنة.
2 – (ومنها): فضل خديجة رضي الله عنها، وأنها من أهل الجنة بنص صحيح.
3 – (ومنها): الجنة فيها مساكن عظيمة، ومن ذلك القصور والبيوت من اللؤلؤ.
4 – (ومنها): الوحي قد ينزل بأمر خاص كالبشارة لأفراد معينين.
5 – (ومنها): عظم قدر من نصر النبي ﷺ في أول الدعوة، وكان له أثر بالغ.
6 – (ومنها): مكانة المرأة الصالحة، وأن ثباتها وصبرها ودعمها لدين الله مما يعظم أجرها ويرفع درجتها.
7 – (ومنها): أن التبشير بالجنة أمر مشروع، وله أثر في تثبيت النفوس، خاصة في الشدائد.
8 – (ومنها): أدب البيت في الجنة، أن الجنة دار راحة لا ضجيج فيها ولا كدر ولا تعب.
9 – (ومنها): الجزاء من جنس العمل، فخديجة رضي الله عنها كانت لا ترفع صوتها على النبي ﷺ، ولا تؤذيه، وكانت تواسيه وتسانده، فكان جزاؤها بيتًا لا صخب فيه ولا نصب.
10 – (ومنها): بيان فضل خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-؛ فهي من السابقين للإسلام، وقد أعانت رسول الله في شِدَّته.
11 – (ومنها): “ما قاله في «الفتح» نقلًا عن السهيليّ رحمه الله: النكتة في قوله: «من قصب»، ولم يقل: من لؤلؤ: أن في لفظ القصب مناسبةً لكونها أَحرزت قصب السَّبْق بمبادرتها إلى الإيمان، دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ هذا الحديث. انتهى.
قال: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها؛ إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يَصْدُر منها ما يُغضبه قطّ، كما وقع لغيرها.
12 – (ومنها): ما قاله السهيليّ رحمه الله أيضًا: مناسبة نفي هاتين الصفتين -يعني: الصخب، والنصب-، أنه ﷺ لمّا دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا، فلم تُحْوجه إلى رفع صوت، ولا منازعة، ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهوّنت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشّرها به ربها بالصفة المقابلة لِفعلها. انتهى. [«الفتح» ٨/ ٥٢٧، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٢٠)].
13 – (ومنها): ما نقله في «الفتح» عن السهيليّ أيضًا، قال: لِذِكر البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث، ثم صارت ربة بيت في الإسلام، منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بُعِث النبيّ ﷺ بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها، قال: وجزاء الفعل يُذكر غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت، دون لفظ القصر. انتهى.
قال: وفي ذِكر البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبيّ ﷺ إليها؛ لِمَا ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قالت أم سلمة: «لمّا نزلت دعا النبيّ ﷺ فاطمة، وعليًّا، والحسن، والحسين، فجلّلهم بكساء، فقال: اللَّهُمَّ هؤلاء أهل بيتي. . .» الحديث، أخرجه الترمذيّ، وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة؛ لأن الحَسَنَيْن من فاطمة، وفاطمة بنتها، وعليّ نشأ في بيت خديجة، وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبويّ إلى خديجة دون غيرها. [«الفتح» ٨/ ٥٢٧، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٢٠)].
14 – (ومنها): ما قيل: يُستدلّ بهذا الحديث على فضل عائشة على خديجة رضي الله عنها، وتُعُقّب بأن ذلك ليس بلازمٍ؛ لأنه يحتمل أن يكون المراد من النساء في هذا الحديث نساء زمنها، وقال السبكيّ الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع، وقال ابن تيميّة: جهات الفضل بين خديجة وعائشَة متقاربة، وكأنه رأى التوقّف،
وقال ابن القيّم: إن أُريدَ بالتفضيل كثرة الثواب عند الله، فذاك أمر لا يُطَّلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف السيادة، فقد ثبت النصّ لفاطمة وحدها.
وقد أخرج الطحاويّ، والحاكم بسند جيّد عن عائشة؛ أن النبيّ ﷺ قال في حقّ زينب ابنته لمّا أوذيت عند خروجها من مكة: «هي أفضل بناتي، أصيبت فيَّ»، راجع «الفتح»”. [«الفتح» ٧/ ١٠٩. وراجع: «تكملة فتح الملهم» أيضًا ٥/ ١٤٠ – ١٤١]، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط الثجاج].
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي قِصَّةِ مَجِيءِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ رضي الله عنه بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ ﷺ: «هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي أُصِيبَتْ فِيَّ».
فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَقَدِّمًا، ثُمَّ وَهَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِفَاطِمَةَ مِنَ الأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَالكَمَالِ مَا لَمْ يُشَارِكْهَا أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
15 – (ومنها): دلالة على حسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًّا وميتًا.
16 – (ومنها): أن الجنة لا تعب فيها؛ لأنها منزل تشريف وإجلال لا دار تكليف وأعمال.
17 – (ومنها): يبشر الله -عز وجل- من شاء من عباده بما له في الآخرة بعد موته.
تنبيه :
*الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة ١١/٢٥٦ — سعود بن عيد الصاعدي (ت ١٤٣٩)*
١٩٦٣ – [٢] عن عائشة – رضى الله عنها – قالت: كان رسول الله ﷺ يقول،: (هِي أَفْضَلُ بَنَاتِي؛ أُصِيْبَتْ فِيّ) – يعني: زينبًا -.
رواه: البزار (٢) عن عمر بن الخطاب السجستاني، ورواه: الطبراني في الكبير (٣) عن يحيى بن أيوب العلاف المصري، كلاهما عن سعيد بن أبي مريم (٤) عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عمر بن عبد الله بن عروة عن عروة بن الزبير عنها به، في قصة … قال البزار: (لا نعلم رواه عن عروة بن الزبير بهذا اللفظ إلّا عمر) اهـ. ورواه: الحاكم في المستدرك (١) بسنده عن محمد بن الهيثم القاضي عن سعيد بن أبي مريم به، وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، *وتعقبه الذهبي في التلخيص (٢) بقوله: (هو خبر منكر، ويحيى ليس بالقوي) اهـ،* يعني: يحيى بن أيوب، وهو: الغافقي المصري – راويه عن يزيد بن الهاد -، وهو صدوق في نفسه، يهم ويخطئ لسوء حفظه، ولا يحتمل تفرده بالحديث سندًا، ومتنًا. *والنكارة في قوله فيه: (هي أفضل بناتي)، إذ إنه ثبت في فضل فاطمة رضي الله عنها من الفضائل ما لم يثبت في حق غيرها من بنات النبي ﷺ (٣).* وفي إسناد الحديث – أيضًا -: عمر بن عبد الله بن عروة، وتقدم أن فيه جهالة.
والحديث جوّد إسناده الحافظ في الفتح (٤)، وفي نظري أنّه ضعيف إسنادًا، وفي متنه نكارة، وأورده الهيثمى في مجمع الزوائد (٥)، وقال: (رواه: الطبراني في الكبير، والأوسط بعضه، ورواه البزار، ورجاله رجال الصحيح) اهـ، وقوله: (رجاله رجال الصحيح) أدق من قول الحاكم: إنه على شرط الشيخين.
وللحديث شاهد من مراسيل ابن شهاب الزهري … رواه: الحاكم في المستدرك (٦) بسنده عن يونس ابن يزيد عنه به، بنحوه، وسكت هو، والذهبي في التلخيص (١) عنه … ومراسيل الزهري شبه لا شيء، وهو هنا من رواية يونس بن يزيد عنه، وفي روايته عنه بعض الوهم – كما تقدم -.
* وتقدم في فضائلها: ما رواه: الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس مرفوعًا أمّا من أهل الجنة … لكنه حديث لم يثبت، هو حديث موضوع (٢).
* وما رواه: أبو يعلى، وغيره من حديث خديجة قالت: قلت: يا رسول الله، أين أطفالي منك؟ قال: (في الجنة). وهو حديث حسن لغيره (٣).
* خلاصة: اشتمل هذا القسم على أربعة أحاديث، موصولة. منها حديث حسن. وحديث ضعيف. وحديث منكر. وحديث موضوع. وذكرت فيه حديثين من خارج كتب نطاق البحث في الشواهد، أو على إثر أحاديث بعض الأحاديث – والله أعلم -.