[1ج/ رقم (560)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي
و أحمد بن علي وأحمد بن خالد وعمر الشبلي وعدنان البلوشي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (560)]:
مسند عبد الله بن أبي الجَذْعَاءِ رضي الله عنه
٥٦٠ – قال الترمذي رحمه الله (ج ٧ ص ١٣٠): حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَهْطٍ بِإِيلِيَاءَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سِوَاكَ؟ قَالَ: «سِوَايَ». فَلَمَّا قَامَ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ أَبِي الجَذْعَاءِ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَابْنُ أَبِي الجَذْعَاءِ هُوَ عَبْدُ اللهِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ لَهُ هَذَا الحَدِيثُ الْوَاحِدُ.
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيحٌ على شرط مسلم.
الحديث رواه ابن ماجه (ج ٢ ص ١٤٤٣)، والإمام أحمد (ج ٥ ص ٣٦٦).
وقال الحافظ المزي في «تحفة الأشراف»: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، منهم: سفيان الثوري، وبِشْرُ بن الْمُفَضَّل، وعبد الوهاب الثقفي، ويزيد بن زُرَيْعٍ، وعلي بن عاصم.
وأخرجه أيضًا الدارمي (ج ٢ ص ٤٢٣) فقال رحمه الله: حدثنا الْمُعَلَّى بن أسد، حدثنا وُهَيْبٌ، عن خالد به.
وأخرجه أبو يَعْلى (ج ١٢ ص ٢٨٠) فقال رحمه الله: حدثنا صالح بن حاتم بن وَرْدَان، حدثنا يزيد بن زُرَيْعٍ، حدثني خالد الحذاء به.
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام الترمذي رحمه الله في السنن، ٣٥ – أبواب: صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه، (٢٤٣٨). والباب الذي سبقه: “باب: ما جاء في الشفاعة”.
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٢- كتاب الإيمان، ٤٦ – شفاعة بعض المؤمنين، (٦٠١).
١٦ – كتاب الفضائل، ٨٦ – فضائل أمة محمد ﷺ، (٢٥٩٣).
٣٢ – كتاب الأدب، ١١٧ – أسماء القبائل والشعوب، (٣٧٤٠).
بوب عليه ابن خزيمة
بَابُ ذِكْرِ كَثْرَةِ مَنْ شَفَعَ لَهُ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْتُ قَبْلَ أَنْ يَشْفَعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام
التوحيد لابن خزيمة ٢/٧٣٩
بوب ابن حبان:
ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي الْقِيَامَةِ قَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ الأَنْبِيَاءِ
صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع ٦/٢١٣
وحكم الألباني رحمه الله تعالى أنه: صحيح.
والثاني: شرح وبيان الحديث
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَدْعَاءِ): بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، كَذَا فِي (جَامِعِ الْأُصُولِ) وَهَكَذَا ضُبِطَ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَأَيْضًا نُسِبَ إِلَى الْعَسْقَلَانِيِّ، لَكِنَّهُ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي (التَّقْرِيبِ) مِنْ أَنَّهُ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، كِنَانِيٌّ صَحَابِيٌّ، لَهُ حَدِيثَانِ، تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفَ: تَمِيمِيٌّ يُذْكَرُ فِي الْوُحْدَانِ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، وَعِدَادُهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ): وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ، فَقِيلَ: الرَّجُلُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – وَقِيلَ: أَوْسٌ الْقَرَنِيُّ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ رحمه الله: وَهَذَا أَقْرَبُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
[مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨/٣٥٦٩ ، الملا على القاري (ت ١٠١٤) – برقم (٥٦٠١)].
قال الاتيوبي في شرحه لصحيح مسلم :
(٥٦) – (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ رضي الله عنه -)
هو: أويس بن عامر، وقيل: عمرو، ويقال: أويس بن عامر بن جَزْء بن مالك بن عمرو بن مَسعدة بن عمرو بن سعد بن عُصوان بن قَرَن بن رَدْمان بن ناجية بن مُراد المراديّ القَرَنيّ الزاهد المشهور، أدرك النبيّ، ورَوَى عن عمر، وعليّ، ورَوَى عنه بَشير بن عمرو، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً، وذكره البخاري، فقال: في إسناده نظر، وقال ابن عبديّ: ليس له رواية، لكن كان مالك يُنكر وجوده، إلا أن شهرته وشهرة أخباره لا تسع أحدًا أن يشك فيه.
*وفي «الدلائل» اللبيهقيّ من طريق الثقفيّ، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن أبي الجدعاء، رَفَعه، قال: «يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم»، قال الثقفيّ: قال هشام بن حسان: كان الحسن يقول: هو أويس القرنيّ.*
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٤٠/١٥٩ — محمد الأثيوبي
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): معالم في الشفاعة:
(المطلب الأول): تعريف الشفاعة:
الشفاعة لغة: هي الوسيلة والطلب.
وشرعًا: هي طلب الخير للغير في دفع ضر أو جلب نفع. [انظر لوامع الأنوار (٢/ ٢٠٤)].
قال ابن عثيمين رحمه الله:
“الشفاعة لغة: جعل الوتر شفعًا،
واصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة”. [تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد للعثيمين، (128) – تراث].
(المطلب الثاني): أنواع الشفاعة من حيث النفي والإثبات:
وقال الشِّنقيطيُّ رحمه الله تعالى: (إنَّ الشَّفاعةَ المَنفيَّةَ هيَ الشَّفاعةُ للكُفَّارِ، والشَّفاعةُ لغَيرِهم بدونِ إذْنِ رَبِّ السَّمَواتِ والأرضِ، أمَّا الشَّفاعةُ للمُؤمِنينَ بإذْنِه فهيَ ثابِتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ. فنَصَّ على عَدَمِ الشَّفاعةِ للكُفَّارِ بقَولِه: ((وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضَى ))21 28، وقد قال: (ولا يُرضى لعِبادِه الكَفرَ) 39 7، وقال تعالى عنهم مُقَرَّرًا له: (فما لَنا من شافِعينَ) 26 100 وقال: (فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافِعينَ) 74 48 إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ. وقال في الشَّفاعةِ بدونِ إذْنه: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) [الأنبياء: 28] ، وقال: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) [النجم: 26] ، وقال: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا )[طه: 109] ، إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ. وادِّعاءُ شُفَعاءَ عِندَ اللهِ للكُفَّارِ أو بغَيرِ إذْنِه: من أنواعِ الكُفرِ به جَلَّ وعلا، كما صَرحَ بذلك في قَولِه:( وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )[يونس: 18] .
تَنبيهٌ: هذا الذي قَرَّرناه من أنَّ الشَّفاعةَ للكُفَّارِ مُستَحيلةٌ شَرعًا مُطلَقًا، يُستَثنى منه شفاعتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِعَمِّه أبي طالِبٍ في نَقلِه من مَحَلٍّ من النَّارِ إلى مَحَلٍّ آخَرَ منها، كما ثَبَتَ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الصَّحيحِ، فهذه الصُّورةُ التي ذَكَرنا من تَخصيصِ الكِتابِ بالسُّنَّةِ) [انظر: ((أضواء البيان)) (1/ 35)].
وقال ابنُ عُثَيمين رحمه الله: (الشَّفاعةُ نَوعانِ:
النَّوعُ الأوَّلُ: شفاعةٌ ثابِتةٌ صَحيحةٌ، وهيَ التي أثبَتها اللهُ تعالى في كِتابِه، أو أثبَتها رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا تَكونُ إلَّا لأهلِ التَّوحيدِ والإخلاصِ؛ لأنَّ أبا هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه قال: يا رَسولَ اللهِ مَن أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتِك؟ قال: ((مَن قال لا إلَه إلَّا اللهُ خالِصًا من قَلبِه)) [أخرجه البخاري (99) باختلافٍ يسيرٍ].
وهذه الشَّفاعةُ لها شُروطٌ ثَلاثةٌ:
الشَّرطُ الأوَّلُ: رِضا اللهِ عن الشَّافِعِ.
الشَّرطُ الثَّاني: رِضا اللهِ عن المَشفوعِ له.
الشَّرطُ الثَّالِثُ: إذْنُ اللهِ تعالى للشَّافِعِ أن يَشفَعَ…
النَّوعُ الثَّاني: الشَّفاعةُ الباطِلةُ التي لا تَنفَعُ أصحابَها، وهيَ ما يَدَّعيه المُشرِكونَ من شفاعةِ آلِهَتِهم لهم عِندَ اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ فإنَّ هذه الشَّفاعةَ لا تَنفَعُهم، كما قال اللهُ تعالى: فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافِعينَ [المُدَّثِر: 48] ؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى لا يَرضى لهؤلاء المُشرِكينَ شِرْكَهم، ولا يُمكِنُ أن يَأذَنَ بالشَّفاعةِ لهم؛ لأنَّه لا شفاعةَ إلَّا لِمَنِ ارتَضاه اللهُ عزَّ وجَلَّ، واللهُ لا يَرضى لعِبادِه الكُفرَ ولا يُحِبُّ الفَسادَ، فتَعَلُّقُ المُشرِكينَ بآلِهَتِهم يَعبُدونَها ويَقولونَ: هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: 18] تَعَلُّقٌ باطِلٌ غَيرُ نافِعٍ، بَل هذا لا يَزيدُهم من اللهِ تعالى إلَّا بُعدًا، على أنَّ المُشرِكينَ يَرجُونَ شفاعةَ أصنامِهم بوسيلةٍ باطِلةٍ، وهيَ عِبادةُ هذه الأصنامِ، وهذا من سَفَهِهم أن يُحاوِلوا التَّقَرُّبَ إلى الله تعالى بما لا يَزيدُهم منه إلَّا بُعدًا!) [انظر: ((فتاوى أركان الإسلام)) (ص: 113-115)].
(المطلب الثالث): أنواع الشفاعات المقبولة من أهلها:
الشفاعة يوم القيامة نوعان خاصة بالنبي ﷺ، وعامة له ولغيره. [تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد للعثيمين، (128) – تراث].
يقول السفاريني رحمة الله عليه: “يجب أن يعتقد أن غير النبي ﷺ من سائر الرسل والأنبياء والملائكة والصحابة والشهداء والصديقين والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون، وبقدر جاههم ووجاهتهم يشفعون؛ لثبوت الأخبار بذلك وترادف الآثار على ذلك، وهو أمر جائز غير مستحيل،
فيجب تصديقه والقول بموجبه؛ لثبوت الدليل. [لوامع الأنوار (٢/ ٢٠٩)].
وقال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: “وهذه الشفاعة – أي: النوع الثاني: الشفاعة العامة – تكون للنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين؛ لحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ وفيه: «فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا». متفق عليه. [تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد للعثيمين، (130) – تراث].
(المطلب الرابع): شروط الشفاعة:
الشفاعة – التي تكون يوم القيامة – لها شرطان لا بد من تحققهما:
الشرط الأول: إذن الله عز وجل للشافع أن يشفع.
الشرط الثاني: رضا الله عز وجل عن المشفوع له.
وهذان الشرطان مجتمعان في قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)} [النجم: ٢٦].
(المسألة الثانية): شفاعة المؤمنين:
الصَّالِحونُ من المُؤمِنينَ يَشفَعونَ في إخراجِ المُؤمِنينَ الذينَ دَخَلوا النَّارَ؛ تَطهيرًا لهم.
(المطلب الأول) منَ الأدِلَّةِ على شفاعتِهم:
1- عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((… فما أنتم بأشَدَّ لي مُناشَدةً في الحَقِّ قد تَبَيَّنَ لَكم من المُؤمِنِ يَومَئِذٍ للجَبَّارِ، وإذا رَأوا أنَّهم قد نَجَوا في إخوانِهم، يَقولونَ: رَبَّنا إخوانُنا كانوا يُصَلُّونَ مَعنا، ويَصومونَ مَعنا، ويَعمَلونَ مَعنا، فيَقولُ الله تعالى: اذهَبوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ دينارٍ من إيمانٍ فأخرِجوه، ويُحرِّمُ اللهُ صُوَرَهم على النَّارِ، فيَأتونَهم وبَعضُهم قد غابَ في النَّارِ إلى قَدَمِه، وإلى أنصافِ ساقَيه، فيُخرِجونَ من عَرَفوا، ثُمَّ يَعودونَ، فيَقولُ: اذهَبوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ نِصفِ دينارٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ من عَرَفوا، ثُمَّ يَعودونَ، فيَقولُ: اذهَبوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ ذَرَّةٍ من إيمانٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ من عَرَفوا.
قال أبو سَعيدٍ: فإن لَم تُصدِّقوني فاقرَؤوا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا، فيَشفَعُ النَّبيونُ، والمَلائِكةُ، والمُؤمِنونَ، فيَقولُ الجَبَّارُ: بَقِيَت شفاعتي)). [أخرجه مطولًا البخاري (7439) واللَّفظُ له، ومسلم (183) باختلافٍ يسيرٍ].
قال ابنُ بطالٍ رحمه الله: (قَولُه: ((فما أنتم بأشَدَّ لي مُناشَدةً في الحَقِّ قد تَبَيَّنَ لَكم من المُؤمِنِ يَومَئِذٍ للجَبَّارِ، فإذا رأَوا أنَّهم قد نَجَوا في إخوانِهم))
وفي هذا إثباتُ شفاعةِ المُؤمِنينَ بَعضِهم لبَعضٍ) [انظر: ((شرح صحيح البخاري)) (10/ 467)].
وقال الكَرمانيُّ رحمه الله: (قَولُه مُناشَدةً، أي: مُطالَبةً …
والغَرَضُ شِدَّةُ اعتِناءِ المُؤمِنينَ بالشَّفاعةِ لإخوانِهم). [انظر: ((الكواكب الدراري)) (25/ 149)].
2- عن الصُّنَابِحيِّ عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أنَّه قال: دَخَلتُ عليه وهو في المَوتِ فبَكَيتُ، فقال: مَهلًا لمَ تَبكي؟! فو اللهِ لَئِنِ استُشهِدْتُ لأشهَدَنَّ لَك ولَئِن شُفِّعْتُ لأشفَعنَّ لَك، ولَئِنِ استَطَعتُ لأنفَعَنَّك، ثُمَّ قال: واللهِ ما من حَديثٍ سَمِعْتُه من رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَكم فيه خَيرٌ إلَّا حَدَّثتُكموه إلَّا حَديثًا واحِدًا، وسَوفَ أحدِّثُكموه اليَومَ وقد أحيطَ بنَفسي: سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((من شَهدِ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ عليه النَّارَ)) [أخرجه مسلم (29)].
(المطلب الثاني): من أقوالِ أهلِ العِلمِ في ذلك:
1- قال البَربَهاريُّ رحمه الله: (ما من نَبيٍّ إلَّا له شفاعةٌ، وكَذلك الصِّدِّيقونُ والشُّهداءُ والصَّالِحونُ) [انظر: ((شرح السنة)) (ص: 46)].
2- قال أبو عَمْرو الدَّاني رحمه الله: (مِن قَولِهم، أي: أهلِ السُّنَّةِ: إنَّ الله يُشفِّعُ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأهلَ بيتِه وصَحابَتَه، ومَن يَشاءُ من صالِحِ عِبادِه، في عُصاةِ أهلِ مِلَّتِه). [انظر: ((الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات)) (ص: 209-211)].
3- قال ابنُ قُدامةَ رحمه الله: (لسائِرِ الأنبياءِ والمُؤمِنينَ والمَلائِكةِ شفاعاتٌ) [انظر: ((لمعة الاعتقاد)) (ص: 33)].
4- قال ابنُ أبي العِزِّ رحمه الله في ذِكرِ شفاعاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (النَّوعُ الثَّامِنُ: شفاعتُه في أهلِ الكَبائِرِ من أمَّتِه مِمَّن دَخلَ النَّارَ، فيَخرُجونَ منها، وقد تَواتَرَت بهذا النَّوعِ الأحاديثُ…، وهذه الشَّفاعةُ تُشارِكُه فيها المَلائِكةُ والنَّبيونُ والمُؤمِنونَ أيضًا). [انظر: ((شرح الطحاوية)) (1/ 290)].
5- قال السَّفارينيُّ رحمه الله: (الحاصِلُ أنَّه يَجِبُ أن يُعتَقَدَ أنَّ غَيرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من سائِرِ الرُّسُلِ والأنبياءِ والمَلائِكةِ والصَّحابةِ، والشُّهداءِ والصِّدِّيقينَ والأولياءِ على اختِلافِ مَراتِبِهم ومَقاماتِهم عِندَ رَبهم يَشفَعونَ، وبِقَدرِ جاههم ووَجاهَتِهم يَشفَعونَ؛ لثُبوتِ الأخبارِ بذلك، وتَرادُفِ الآثارِ على ذلك، وهو أمرٌ جائِزٌ غَيرُ مُستَحيلٍ؛ فيَجِبُ تَصديقُه والقَولُ بموجَبِه؛ لثُبوتِ الدَّليلِ) [انظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (2/ 209)]. وقد تقدم ذكره.
6- قال مُحَمَّدُ بن عَبدِ الوَهابِ رحمه الله: (إنَّ الشَّفاعةَ أعطِيَها غَيرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فصحَّ أنَّ المَلائِكةَ يَشفَعونَ والأولياءَ يَشفَعونَ). [انظر: ((كشف الشبهات)) (ص: 25)].
7-قال ابنُ قاسِمٍ رحمه الله تعالى: (يَجِبُ أن يُعتَقَدَ أنَّ غَيرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من سائِرِ الرُّسُلِ والأنبياءِ والمَلائِكةِ والصَّحابةِ والعُلَماءِ، والشُّهداءِ والصَّالِحينَ والصِّدِّيقينَ والأولياءِ، والأفراطِ وغَيرِهم: يَشفَعونَ عِندَ الله بإذْنِه، لِمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، كما ثَبَتَت بذلك الأخبارُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأجمَعَ عليه المُسلِمونَ) [انظر: ((حاشية الدرة المضية)) (ص: 92)].
8- جاءَ في فتاوى اللَّجْنةِ الدَّائِمةِ رحمهم الله تعالى: (شفاعةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وشفاعةُ الصَّالِحينَ يَومَ القيامةِ ثابِتةٌ في القُرآنِ، وقد ورَدَتْ فيها أحاديثُ صَحيحةٌ تُفَسِّرُ ما جاءَ في القُرآنِ) [انظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى)) (3/ 472)].
9- قال ابنُ عُثَيمين رحمه الله: (الشَّفاعةُ العامَّةُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولِجَميعِ المُؤمِنينَ، وهيَ أنواعٌ:
النَّوعُ الأوَّلُ: الشَّفاعةُ فيمَنِ استَحَقَّ النَّارُ ألَّا يَدخُلَها…
النَّوعُ الثَّاني: الشَّفاعةُ فيمَن دَخلَ النَّارَ أن يَخرُجَ منها، وقد تَواتَرَت بها الأحاديثُ وأجمَعتْ عليها الصَّحابةُ…
النَّوعُ الثَّالِثُ: الشَّفاعةُ في رَفعِ دَرَجاتِ المُؤمِنينَ، وهذه تُؤخَذُ من دِعاءِ المُؤمِنينَ بَعضِهم لبَعضٍ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أبي سَلَمةَ: ((اللهُمَّ اغفِرْ لأبي سَلَمةَ، وارفَع دَرَجَتَه في المَهديِّينَ، وأفسِحَ له في قَبرِه، ونوِّرْ له فيه، واخلُفْه في عَقِبِه )) [أخرجه مسلم (920) مطولًا باختلافٍ يسيرٍ من حديثِ أم سلمة رَضِيَ اللهُ عنها]، والدُّعاءُ شفاعةٌ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما من مُسلِمٍ يَموتُ فيَقومُ على جَنازَتِه أربَعونَ رَجُلًا لا يُشرِكونَ بالله شَيئًا، إلَّا شَفَّعَهمُ اللهُ فيه )) [أخرجه مسلم (948) باختلافٍ يسيرٍ من حديثِ عبد الله بن عباس رَضِيَ اللهُ عنهما]” [نظر: ((القول المفيد)) (1/ 333)].
(المطلب الثالث):
قال الطيبي (ت ٧٤٣) رحمه الله:
“قوله: «شفاعتي لأهل الكبائر» مح: قال القاضي: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعًا بصريح؛ قوله تعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾.
وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها،
ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتعلقوا بمذهبهم في تخليد المذنبين في النار؛ بقوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ وبقوله: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾.
وأجيب:
أن الآيتين في الكافرين، والمراد بالظلم الشرك، وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها مختصة بزيادة الدرجات فباطل، وألفاظ الأحاديث في الكتاب وغيره صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار”. [شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن، (11/ 3545)].
قال ابن عثيمين رحمة الله عليه: “وهذه الشفاعة ينكرها المعتزلة والخوارج؛ بناء على مذهبهم: “أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، فلا تنفعه الشفاعة”، ونرد عليهم بما يأتي:
١- أن ذلك مخالف للمتواتر من الأحاديث عن النبي ﷺ.
٢- أنه مخالف لإجماع السلف”. ثم ذكر شروط الشفاعة. [تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد للعثيمين، (130) – تراث].
قال ابن عثيمين أيضا :
قال النَّاظم:
ممَّا تواتر حديثُ مَنْ كَذَب
ومَنْ بَنَى لله بيتًا واحتسب
ورؤيةٌ شفاعةٌ والحوض
ومسحُ خُفَّين وهذي بعض
الشرح الممتع
(المطلب الرابع):
قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي (ت ١٤٢٢) رحمه الله: “فصل: في شفاعة المؤمنين:
قد تقدمت أحاديث في شفاعة الأنبياء والملائكة والمؤمنين، وهذه بقية الأحاديث الواردة في شفاعة المؤمنين. (( تنبيه حذفنا الأحاديث الضعيفة إلا الذي اردنا معرفة ضعفه لنكارة شديدة )
١٢٢ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج٤ ص٢١٢): ثنا حسن بن موسى ثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن عبد الله بن قيس قال: سمعت الحارث بن أقيش يحدث أن أبا برزة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يقول: «إنّ من أمّتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر، وإنّ من أمّتي لمن يعظم للنّار حتّى يكون ركنًا من أركانها».
ثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عبد الله بن قيس عن الحارث بن أقيش قال: كنا عند أبي برزة ليلةً فحدّث ليلتئذ عن النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم أنّه قال: «ما من مسلمين يموت لهما أربعة أفراط إلاّ أدخلهما الله الجنّة بفضل رحمته» قالوا: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: «وثلاثة» قالوا: واثنان (١)؟ «وإنّ من أمّتي لمن يدخل الجنّة بشفاعته مثل مضر» قال: «واثنان -قال:- وإنّ من أمّتي لمن يعظم للنّار حتّى يكون أحد زواياها (٢».
الحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٣١٢) من حديث الحارث بن أقيش عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وابن خزيمة ص (٣١٣ – ٣١٤)، وابن ماجه (ج٢ ص١٤٤٦)، والطبراني في «الكبير» (ج٣ ص٣٠١)، والحاكم (ج١ ص٧١ وج٤ ص٥٩٣) وقال في الموضعين: صحيح على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي.
وقال الحافظ في «الإصابة» في ترجمة الحارث بن أقيش: أخرج ابن ماجة حديثه في الشفاعة بسند صحيح، وله حديث آخر فيمن مات له ثلاثة من الولد، وقد أخرجه ابن خزيمة مجموعًا إلى الحديث الآخر، ووقع عند البغوي تصريحه بسماعه من النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.
تنبيهان:
الأول: الحديث في «مسند أحمد» (ج٤ ص٢١٢) من حديث أبي بزة، وقد قال الهيثمي في «المجمع» (ج٣ ص٨ وج١٠ ص٣٨١): رواه أحمد ورجاله ثقات.
فينظر في سند البغوي الذي فيه تصريح الحارث بن أقيش بالسماع.
الثاني: الحديث من جميع طرقه، سواء أكان من مسند أبي برزة أم من مسند الحارث بن أقيش، يدور على عبد الله بن قيس النخعي وهو مجهول كما في «التقريب». وقال علي بن المديني كما في «تهذيب التهذيب»: عبد الله بن قيس الذي روى عنه داود بن أبي هند سمع الحارث بن وقيش (١)، وعنه داود بن أبي هند مجهول لم يرو عنه غير داود ليس إسناده بالصافي. اهـ
فعلى هذا فقول الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) في الموضعين وقول الحافظ في «الإصابة»: (إن سنده صحيح) ليس بصحيح، بل هو حديث ضعيف والله أعلم.
١٢٣ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج٥ ص٢٥٧): ثنا يزيد قال: ثنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي أمامة أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يقول: «ليدخلنّ الجنّة بشفاعة رجل ليس بنبيّ مثل الحيّين أو مثل أحد الحيّين ربيعة ومضر» فقال رجل: يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر؟ فقال: «إنّما أقول ما أقوّل».
الحديث أخرجه أيضًا ص (٢٦١) وص (٢٦٧)، والآجري في «الشريعة» ص (٣٥١) والطبراني (ج٨ ص١٦٩).
والحديث رجاله رجال الصحيح إلا عبد الرحمن بن ميسرة أبا سلمة الحمصي فقد قال ابن المديني: إنه مجهول، ولكنه قد روى عنه ثلاثة،وتوبع
١٢٤ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج٣ ص٤٦٩): ثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: ثنا خالد عن عبد الله بن شقيق …. فذكره وهو حديث ابن أبي الجدعاء
١٣٥ – قال الطبراني رحمه الله كما في «الكبير» (ج٢٢ ص٣٠٤): حدثنا أحمد ابن خليد الحلبي ثنا أبوتوبة الربيع بن نافع ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن عامر أن قيس بن الحارث الكندي حدّث الوليد أن أبا سعد الأنصاري حدثه أن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «إنّ ربّي وعدني أن يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفًا بغير حساب، ويشفع كلّ ألف لسبعين ألفًا، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفّيه» قال قيس: فقلت لأبي سعد: أنت سمعت هذا من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم؟ فقال: نعم، بأذني ووعاه قلبي. قال أبوسعد: قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «وذاك إن شاء الله مستوعب مهاجري أمّتي ويوفي الله من أعرابنا».
وقد روى هذا الحديث أبوسهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناد مثله وزاد: قال أبوسعيد: فحسب ذلك عند رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألفًا.
الحديث قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في «الإصابة» في ترجمة أبي سعيد الأنماري: وقال أبوأحمد: لست أحفظ له اسمًا ولا نسبًا، وحديثه في أهل الشام. ثم أورد من طريق مروان بن محمد عن معاوية بن سلام أخي زيد بن سلام أنه سمع جده أبا سلام الحبشي (١) قال: حدثني عبد الله بن عامر اليحصبي سمعت قيس بن حجر يحدث عن عبد الملك بن مروان قال: حدثني أبوسعيد الأنماري أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يقول: … وذكر الحديث. ثم قال الحافظ: سنده صحيح، وكلهم من رجال الصحيح إلا قيس بن حجر وهو شامي ثقة، ولكن أخرجه الحاكم أبوأحمد أيضًا من طريق أبي توبة عن معاوية بن سلام فقال: إن قيس بن حجر الكندي حدث الوليد بن عبد الملك أن أبا سعيد الخير حدثه.
وأخرجه الطبراني من طريق أبي توبة فقال: إن أبا سعيد الأنماري، وقال: قيس بن الحارث.
وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن الزبيدي عن عبد الله بن عامر فقال: عن قيس بن الحارث أن أبا سعد الخير الأنصاري حدثه، فذكر طرفًا منه.
فمن هذا الاختلاف يتوقف في الجزم بصحة هذا السند. اهـ المراد من «الإصابة».
١٤٢ – قال البغوي في «معجمه» وأبويعلى في «مسنده» كما في «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» (ج١ ص١٣٩): حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا عزرة بن قيس الأزدي حدثنا أبوالحسن الكوفي عن عمرو ابن أوس قال: قال محمد بن عمرو بن عثمان عن عثمان بن عفان عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «إذا بلغ العبد الأربعين خفّف الله تعالى عنه حسابه، فإذا بلغ الخمسين ليّن الله عليه الحساب، فإذا بلغ السّتين رزقه الله الإنابة إليه، فإذا بلغ سبعين أحبّه أهل السّماء، فإذا بلغ الثّمانين أثبتتْ حسناته، ومحيتْ سيّئاته، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وشفّعه في أهل بيته، وكتب في أهل السّماء أسير الله في أرضه».
قال أبوعبد الرحمن: غالب أسانيد هذه الأحاديث تدور على مجروحين ومجاهيل إلا الحديث الذي رواه البيهقي في «الزهد» مع متابعة بكر بن سهل، فالذي يظهر لي أن الحديث بمجموع طرقه صالح للحجية. والله أعلم.
وإن كنت تريد المزيد راجعت «القول المسدد في الذبّ عن مسند أحمد» ص (٢٩) -إلى آخر البحث حول الحديث-، و«اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» (ج١ ص١٣٨) -إلى آخر البحث حول الحديث-، و«الخصال المكفرة» للحافظ ابن حجر (ج١ ص٢٦٤) -من الرسائل المنيرية- و«مجمع الزوائد» (ج١٠ ص٢٠٥ – ٢٠٦)، فقد قال في بعض طرق حديث أنس: رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات.
١٤٥ – قال ابن خزيمة رحمه الله ص (٣١٥): حدثنا إسحاق بن منصور قال: ثنا عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرني ثابت البناني أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «إنّ الرّجل يشفع للرّجلين وللثّلاثة، والرّجل للرّجل».
الحديث رجاله رجال الصحيح، وفي رواية معمر عن ثابت ضعف لكنها تصلح في الشواهد والمتابعات.
١٤٨ – قال الترمذي رحمه الله (ج٣ ص١٠٦): حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن حدثنا نعيم بن حماد حدثنا بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «للشّهيد عند الله ستّ خصال: يغفر له في أوّل دفعة، ويرى مقعده من الجنّة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدّنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه».
هذا حديث حسن صحيح غريب.
الحديث أخرجه ابن ماجه (ج٢ ص٩٣٥) فقال: حدثنا هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش حدثني بحير بن سعيد به.
وأخرجه أحمد (ج٣ ص١٣١)، والآجري في «الشريعة» ص (٣٤٩).
والحديث يدور علي بحير بن سعيد وهو ثقة، يرويه عن خالد بن معدان وخالد ثقة لكنه يرسل كثيرًا ولم يصرح بالتحديث من المقدام، وقد قال الإسماعيلي كما في «تهذيب التهذيب»: بينه وبين المقدام بن معد يكرب جبير بن نفير، قال الحافظ: وحديثه عن المقدام في «صحيح البخاري». اهـ
وكون حديثه عنه في «صحيح البخاري» لا يلزم أنه لا يرسل عنه لكن الحديث في الشواهد فلا يضر.
١٥٠ – قال البزار رحمه الله كما في «كشف الأستار» (ج٢ ص٨): حدثنا محمد بن عمر بن هياج ثنا يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي ثنا عبيدة بن الأسود عن سنان بن الحارث عن طلحة بن مصرف عن مجاهد عن ابن عمر قال: كنت جالسًا مع النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم -فذكر الحديث في فضل الحج وفيه- «إنّ الله يقول لهم عند وقوفهم بعرفة: أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم له» الحديث.
قال البزار: قد روي هذا الحديث من وجوه، ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق.
وقال الهيثمي في «المجمع» (ج٤ ص٢٧٥): رواه البزار ورجاله موثقون.
قال أبوعبد الرحمن: سنان بن الحارث ذكره ابن أبي حاتم، وذكر أنه روى عنه ثلاثة ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مستور الحال، وعبيدة ابن الأسود قال أبوحاتم: ما بحديثه بأس. وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يعتبر حديثه إذا بيّن السّماع وكان فوقه ودونه ثقات. اهـ من «تهذيب التهذيب».
ويحيى بن عبد الرحمن الأرحبي: قال الذهبي في «الميزان»: صويلح، وقال الدارقطني: صالح يعتبر به. ومحمد بن عمر بن هياج: قال النسائي: لا بأس به. وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: كان ثقة. فعلى هذا فالحديث صالح في الشواهد والمتابعات.”. انتهى. [الشفاعة – ، ص (195 – 299)].
—-
بيان الشفاعة الممنوعة من كلام ابن تيمية :
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى
وكنت وأنا بالديار المصرية في سنة إحدى عشرة وسبعمائة قد استفتيت عن [ ص: 313 ] التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم فكتبت في ذلك جوابا مبسوطا وقد أحببت إيراده هنا لما في ذلك من مزيد الفائدة فإن هذه القواعد – المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم مادة الشرك والغلو – كلما تنوع بيانها ووضحت عباراتها كان ذلك نورا على نور . والله المستعان . وصورة السؤال : المسئول من السادة العلماء أئمة الدين أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين .
وصورة الجواب : الحمد لله رب العالمين . أجمع
المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة . ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين واستفاضت به السنن من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع أيضا لعموم الخلق . فله صلى الله عليه وسلم شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين لكن ما له فيها أفضل مما لغيره فإنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه ومن ذلك ” المقام [ ص: 314 ] المحمود ” الذي يغبطه به الأولون والآخرون وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة منها في الصحيحين أحاديث متعددة وفي السنن والمساند مما يكثر عدده .
وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع بعض الدرجات وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقا . وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال ” اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ” فيسقون . وفي البخاري أيضا عن ابن عمر أنه قال : ربما ذكرت قول الشاعر – وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب –
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكره عمر بن الخطاب قد جاء مفسرا في سائر أحاديث الاستسقاء وهو من جنس الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته ونحن نقدمه بين أيدينا شافعا وسائلا لنا بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم وكذلك معاوية بن أبي سفيان – لما أجدب الناس بالشام – استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي فقال : ” اللهم إنا نستشفع – ونتوسل – بخيارنا . يا يزيد ارفع يديك ” فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا .
ولهذا قال العلماء : يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح وإذا كانوا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحسن . وهذا الاستشفاع والتوسل حقيقته التوسل بدعائه ; فإنه كان يدعو للمتوسل به المستشفع به والناس يدعون معه كما { أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه أعرابي فقال : يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا . فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا وما في السماء قزعة ; فنشأت سحابة من جهة البحر فمطروا أسبوعا لا يرون فيه الشمس ; حتى دخل عليهم الأعرابي – أو غيره – فقال : يا رسول الله انقطعت السبل وتهدم البنيان فادع الله يكشفها عنا . فرفع يديه وقال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب ومنابت الشجر وبطون الأودية فانجابت عن المدينة كما ينجاب الثوب } . والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما . وفي حديث آخر في سنن أبي داود وغيره { أن رجلا قال له : إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك . فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رئي ذلك في وجوه أصحابه وقال ويحك أتدري ما الله ؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك } .
وهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالشخص – في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه – هو استشفاع بدعائه وشفاعته ليس هو السؤال بذاته ; فإنه لو كان هذا [ ص: 316 ] السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق ولكن لما كان معناه هو الأول أنكر النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ” نستشفع بالله عليك ” ولم ينكر قوله نستشفع بك على الله ; لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب ; والله تعالى لا يسأل أحدا من عباده أن يقضي حوائج خلقه …. الى آخر ما قرر رحمه الله
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): أنَّه يَجِبُ أن يُعتَقَدَ أنَّ غَيرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من سائِرِ الرُّسُلِ والأنبياءِ والمَلائِكةِ والصَّحابةِ، والشُّهداءِ والصِّدِّيقينَ والأولياءِ على اختِلافِ مَراتِبِهم ومَقاماتِهم عِندَ رَبهم يَشفَعونَ، وبِقَدرِ جاههم ووَجاهَتِهم يَشفَعونَ؛ لثُبوتِ الأخبارِ بذلك، وتَرادُفِ الآثارِ على ذلك، وهو أمرٌ جائِزٌ غَيرُ مُستَحيلٍ؛ فيَجِبُ تَصديقُه والقَولُ بموجَبِه؛ لثُبوتِ الدَّليلِ) [انظر: ((لوامع الأنوار البهية)) (2/ 209)].
2 – (ومنها): بيان شفاعة أناس من أمة النبي صلى الله عليه وسلم.
3 – (ومنها): أهمية الشفاعة يوم القيامة، وأنها ستكون سبباً لدخول الجنة.
4 – (ومنها): أن هناك رجلاً من أمة النبي سيكون له مكانة عظيمة عند الله تعالى.
5 – (ومنها): يحث الحديث المسلمين على العمل الصالح والتقرب إلى الله تعالى؛ لعلهم يكونون ممن يحظون بشفاعة هذا الرجل أو غيره من الصالحين.