[1ج/ رقم (558)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
شارك: أحمد بن علي طارق أبو تيسير ، ومحمد البلوشي وعبدالله المشجري وأحمد بن خالد وعمر الشبلي وعدنان البلوشي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (558)]:
قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج ٩ ص ٣١٤): حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
الحديث أخرجه ابن ماجه (ج ٢ ص ١٢٤٦).
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو عيسى الترمذي (ت ٢٧٩)، ٤٥ – أبواب الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر، (٣٣٧٥).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١ – كتاب العلم، ٢٣ – الطالب المقتصد، (٤٧).
٩ – كتاب الدعوات والأذكار، ٦٦ – فضل الذكر، (١٦١٩).
وحكم الألباني رحمه الله: صحيح.
والثاني: شرح وبيان الحديث
قال الترمذي رحمه الله تعالى: (بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ) أَيْ: ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى،
وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا: الْإِتْيَانُ بِالْأَلْفَاظِ الَّتِي وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي قَوْلِهَا وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا، مِثْلِ: الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَهِيَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ،
وَمَا يَلْتَحِقُ بِهَا مِنَ الْحَوْقَلَةِ وَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَسْبَلَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالدُّعَاءُ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
وَيُطْلَقُ ذِكْرُ اللَّهِ أَيْضًا وَيُرَادُ بِهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا أَوْجَبَهُ أَوْ نَدَبَ إِلَيْهِ، كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ وَمُدَارَسَةِ الْعِلْمِ وَالتَّنَفُّلِ بِالصَّلَاةِ،
ثُمَّ الذِّكْرُ يَقَعُ تَارَةً بِاللِّسَانِ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ النَّاطِقُ،
وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْضَارُهُ لِمَعْنَاه،ُ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَلَّا يُقْصَدَ بِهِ غَيْرُ مَعْنَاهُ،
ولمن انْضَافَ إِلَى النُّطْقِ الذِّكْرُ بِالْقَلْبِ فَهُوَ أَكْمَلُ، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ اسْتِحْضَارُ مَعْنَى الذِّكْرِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِ النَّقَائِصِ عَنْهُ ازْدَادَ كَمَالًا، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ مَهْمَا فُرِضَ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ازْدَادَ كَمَالًا، فَإِنْ صَحَّحَ التَّوْبَةَ وَأَخْلَصَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ فَهُوَ أَبْلَغُ الْكَمَالِ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
[٣٣٧٥] قَوْلُهُ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ) بْنِ حُضَيْرٍ الحضرمي (عن عمرو بن قيس) الكندي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ الْمَازِنِيِّ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالشَّامِ مِنَ الصَّحَابَةِ
قَوْلُهُ (إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّرِيعَةُ مَوْرِدُ الْإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي وَالْمُرَادُ مَا شَرَعَ اللَّهُ وَأَظْهَرَهُ لِعِبَادِهِ من الفرائض والسنن. انتهى
عندنا في لغة الكعبيين ( الشريعة ) مجمع الماء حتى ويكون لسقيا النخيل
قال القارىء: الظاهر أن المراد بها هنا النوافل؛ لقوله (قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُفْتَحُ أَيْ غَلَبَتْ عَلَيَّ بِالْكَثْرَةِ حَتَّى عَجَزْتُ عَنْهَا لِضَعْفِي (فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مُسْتَجْلِبٍ لِثَوَابٍ كَثِيرٍ. انْتَهَى
(أَتَشَبَّثُ بِهِ) أَيْ: أَتَعَلَّقُ بِهِ وَأَسْتَمْسِكُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ يَتْرُكُ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ رَأْسًا بَلْ طَلَبَ مَا يَتَشَبَّثُ بِهِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ عَنْ سَائِرِ مَا لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ لَا يَزَالُ أَيْ هُوَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ، (لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) أَيْ: طَرِيًّا مُشْتَغِلًا قَرِيبَ الْعَهْدِ مِنْهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الذِّكْرِ.
قَوْلُهُ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن ماجة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. [تحفة الأحوذي – عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣)].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): في بيان معنى قول النبي صل الله عليه وسلم: ((إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ)).
(المطلب الأول):
بوب مقبل في الجامع الصحيح ، الطالب المقتصد ثم أورد أحاديث
٤٥ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٥٩): حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير بن حازم حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق: أنه أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقرأ عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة، الآية: ٧ – ٨]، قال حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها.
٤٦ – قال الإمام أبو داود رحمه الله (ج ٣ ص ٩): حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا حسين بن علي عن زائدة عن سليمان عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لرجل «كيف تقول في الصلاة؟» قال أتشهد وأقول اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «حولها ندندن».
هذا حديث صحيحٌ على شرط الشَّيخين. وإبهام الصحابي لا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول.
٤٧ – قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج ٩ ص ٣١٤): حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
الحديث أخرجه ابن ماجه (ج ٢ ص ١٢٤٦).
٤٨ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٣٧٢): حدثنا أبو كامل حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن الأحنف بن قيس عن عم له: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال قل لي قولًا ينفعني وأقلل لعلي أعيه قال «لا تغضب» فعاد له مرارًا كل ذلك يرجع إليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أن لا تغضب».
هذا حديث صحيحٌ.
وأبو كامل هو مُظَفَّرُ بن مُدْرِكٍ، وزهير هو ابن معاوية أبو خيثمة.
* وقال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٣٧٣): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: قال رجل يا رسول الله أوصني قال «لا تغضب» قال قال الرجل ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله. [١ – كتاب العلم، ٢٣ – الطالب المقتصد، (٤٧)، الجامع الصحيح للوادعي رحمه الله].
(المسألة الثالثة): الترغيب في الإكثار من ذكر الله تعالى والترهيب من الغفلة عنه
ورد في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، نصوص كثيرة تحث على الذكر وأهميته، فالإكثار من ذكر الله والاستغفار والصلاة والسلام على رسول الله من أعظم أسباب طمأنينة القلوب وراحتها، وفي السكون إلى الله سبحانه وتعالى والأنس به، قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى:
“لا شك أن الإكثار من ذكر الله والاستغفار والصلاة والسلام على رسول الله من أعظم الأسباب في طمأنينة القلوب وراحتها، وفي السكون إلى الله سبحانه وتعالى، والأنس به سبحانه، وزوال الوحشة والذبذبة والحيرة”. [مجموع فتاوى ابن باز ١١/ ٢٠٩].
(المطلب الأول): في معنى الذكر
«الذّكْرُ» بالكسر: فقال المجد رحمه الله: هو الحِفْظُ للشيء، كالتَّذْكار، والشيءُ يَجْري على اللسان، والصِّيتُ، كالذُّكْرَةِ بالضم، والثَّناءُ، والشرفُ، والصلاةُ للهِ تعالى، والدُّعاءُ، والكتابُ فيه تفصيلُ الدِّينِ. انتهى [«القاموس المحيط» ص ٥٠٧].
وقال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله: الذّكر: تارة يقال، ويراد به هيئة للنفس، بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ، إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذِّكر يقال اعتبارًا باستحضاره، وتارةً يقال لحضور الشيء القلب، أو القول، ولذلك قيل: الذّكر ذِكران:
ذِكر بالقلب، وذِكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له: ذكر، فمن الذكر باللسان قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقوله: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] أي: القرآن، وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]؛ أي: شرف لك، ولقومك، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] أي: الكتب المتقدمة. وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠، ١١]، فقد قيل: الذكر ها هنا وَصْف للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول ابن عباس، أخرجه عنه ابن مردويه [راجع: «الدر المنثور» ٨/ ٢٠٩]، كما أن الكلمة وصف لعيسى عليه السلام من حيث إنه بُشِّر به في الكتب المتقدمة، فيكون قوله: رَسُولا بدلًا منه، وقيل: ﴿رَسُولًا﴾ منتصب بقوله: ﴿ذِكْرًا﴾ كأنه قال: قد أنزلنا إليكم كتابًا ذكرًا رسولًا يتلو، قال: ومن الذكر عن النسيان قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ومن الذكر بالقلب واللسان معًا قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوأَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]؛ أي: من بعد الكتاب المتقدم.
وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: ذِكر الله لعبده أكبر من ذِكر العبد له، وذلك حثّ على الإكثار من ذكره. والذكرى: كثرة الذكر، وهو أبلغ من الذكر، قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣]، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]، في آي كثيرة. انتهى كلام الراغب رحمه الله باختصار [«مفردات ألفاظ القرآن الكريم» ١/ ٣٢٨ – ٣٢٩]. [بواسطة البحر المحيط الثجاج].
(المطلب الثاني): الأمر بالإكثار من الذكر:
أ. في القرآن الكريم:
قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١].
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فِي قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. يَقُولُ: لَا يَفْرِضُ عَلَى عِبَادِهِ فَرِيضَةً إِلَّا جَعَلَ لَهَا حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أَهْلَهَا فِي حَالِ عُذْرٍ غَيْرِ الذِّكْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعْذُرْ أَحَدًا فِي تَرْكِهِ إِلَّا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَفِي السَفَرِ وَالْحَضَرِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالسَّقَمِ وَالصِّحَّةِ، وَالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]. فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؛ صَلَّى عَلَيْكُمْ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ، قَالَ اللَّهُ عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] [تفسير الطبري (١٠/ ٣٠٦) [الأحزاب: ٤١]].
وقال ابن القيم رحمه الله: فقيَّد الأمر بالذكر بالكثرة والشدة؛ لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأيُّ لحظةٍ خلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه لا له، وكان خُسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله عز وجل» [الوابل الصيب (ص/ ٨٩).].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقال تعالى عن زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١].
ب. في السنة النبوية:
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، …. وصححه الألباني في صحح الترغيب (١٤٩١). وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٩٣)، وهو حديث الباب].
وعن الحارث الأشعري رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِنَّ اللَّهَ عز وجل أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عليهما السلام بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ، وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، … وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ عز وجل كَثِيرًا، وَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ سِرَاعًا فِي أَثَرِهِ، فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا فَتَحَصَّنَ فِيهِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ أَحْصَنُ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عز وجل«[رواه أحمد (١٧١٧٠) والترمذي (٢٨٦٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٩٨). وكذلك صححه الوادعي في الصحيح المسند من دلائل النبوة رقم (٤٦٠)].
وقال عبد الله بن أبي الهذيل: إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا على الخلاء» [أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٥٩). وذكره ابن القيم في الوابل الصيب (ص/ ١٦٤)].
(المطلب الثالث): فضائل ذكر الله عز وجل:
قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
قال ابن القيم رحمه الله: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا» [الوابل الصيب (ص/ ٩٦)]. ثم أورد الحديث التالي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥)].
وعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» [رواه البخاري (٦٤٠٧)].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ». قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» [رواه مسلم (٢٦٧٦)].
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ». قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» [رواه الترمذي (٣٣٧٧) وابن ماجه (٣٧٩٠) وأحمد (٢١٧٠٤). وصححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح (٢٢٠٩)].
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم : أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ تعالى؟ قال: «أن تموتَ، ولِسانُك رَطْبٌ مِنْ ذِكرِ اللهِ» [أخرجه ابن حبان في صحيحه (٨١٨)، وحسنه ابن حجر في الفتوحات الربانية (١/ ٢٥٧) والألباني في صحيح الترغيب (١٤٩٢)].
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» [أخرجه أحمد في المسند (٢٢٠٧٩) واللفظ له، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٠٦٥) والطبراني في الأوسط (٢٢٩٦). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٤٤). وحسن إسناده ابن حجر في بلوغ المرام رقم (١٣٣٣)، وراواه مالك موقوفًا (٥٦٤)]. وعند الطبراني: قيل: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلا أن يضربَ بسَيْفِه حتى ينقطعَ«[أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٢٩٦) وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٤٩٧). من حديث جابر رضي الله عنه].
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: سَأَلْتَ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ قَبْلِكَ؛ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ رَوْحُكَ فِي السَّمَاءِ، وَذِكْرُكَ فِي الْأَرْضِ» [رواه أحمد (١١٧٧٤). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٤٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٨): رجاله ثقات].
وقال أبو بكر رضي الله عنه: ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ«. [رواه أحمد (١٥٦١٤)].
وكان ابن تيمية رحمه الله يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك؛ فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء» [مجموع الفتاوى (١٠/ ٨٥)].
اتفق أهل العلم على أن أفضل الذكر هو القرآن الكريم.
قال سفيان الثّوري رحمه الله: ” سمعنا أنّ قراءة القرآن أفضلُ الذِّكر إذا عمل به” فقه الأدعية والأذكار (1/50).
قال الإمام النووي: ” اعلم أن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار والمطلوب القراءة بالتدبر ” انتهى من ” الأذكار ” (101).
ولكن الجمع بين فضائل الأعمال من قراءة القرآن والأذكار أفضل عند التمكن منه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
” الشَّيْءَ إذَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَا لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ الْمَفْضُولُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي شُرِعَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الْفَاضِلِ الْمُطْلَقِ، كَمَا أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءُ بَعْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (24 / 236-237).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ” قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، مثاله: قراءة القرآن من أفضل الذكر، والقرآن أفضل الذكر، فلو كان رجل يقرأ وسمع المؤذن يؤذن، فهل الأفضل أن يستمر في قراءته أو أن يجيب المؤذن؟ هنا نقول: إن الأفضل أن يجيب المؤذن، وإن كان القرآن أفضل من الذكر، لكن الذكر في مكانه أفضل من قراءة القرآن؛ لأن قراءة القرآن غير مقيدة بوقت متى شئت فاقرأ، لكن إجابة المؤذن مربوطة بسماع المؤذن ” انتهى من “لقاءات الباب المفتوح”.
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: ” الأوراد الشرعية من الأذكار والدعوات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم: فالأفضل أن يؤتى بها في طرفي النهار بعد صلاة الفجر وصلاة العصر، وذلك أفضل من قراءة القرآن؛ لأنها عبادة مؤقتة تفوت بفوات وقتها، أما قراءة القرآن فوقتها واسع “.انتهى من “مجموع فتاوى ابن باز” (8 / 312)، وينظر أيضا: (26 / 72).
——
(المطلب الرابع): الذكر من صفات الأنبياء الأخيار والصالحين الأبرار:
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ – ١٩١].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “سأَل موسى ربَّه عن ستِّ خِصالٍ، كان يظُنُّ أنَّها له خالصةٌ والسَّابعةُ لم يكُنْ موسى يُحِبُّها، قال: يا ربِّ أيُّ عبادِك أتقى؟ قال: الَّذي يذكُرُ ولا يَنسى. قال: فأيُّ عبادِك أهدى؟ قال: الَّذي يتَّبِعُ الهُدى. قال: فأيُّ عبادِك أحكَمُ؟ قال: الَّذي يحكُمُ للنَّاسِ كما يحكُمُ لنفسِه. قال: فأيُّ عبادِك أعلَمُ؟ قال: عالمٌ لا يشبَعُ مِنْ العِلمِ؛ يجمَعُ عِلمَ النَّاسِ إلى عِلمِه. قال: فأيُّ عبادِك أعَزُّ؟ قال: الَّذي إذا قدَر غفَر. قال: فأيُّ عبادِك أغنى؟ قال: الَّذي يَرضى بما يُؤتَى. قال: فأيُّ عبادِك أفقَرُ؟ قال: صاحبٌ منقوصٌ» [رواه ابن حبان في صحيحه (٦٢١٧) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٥٠) وشعيب الأرناؤوط في تخريج صحيح ابن حبان (٦٢١٧)].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ «ثلاثةٌ لا يرُدُّ اللهُ دعاءَهم: الذاكرُ اللهَ كثيرًا، ودعوةُ المظلومِ، والإمامُ المُقسِطُ» [رواه البزار (٨٧٥١) والطبراني في الدعاء (١٣١٦) والبيهقي في شعب الإيمان (٥٨٨) باختلاف يسير، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢١١)].
(المطلب الخامس): الترهيب من الغفلة عن ذكر الله عز وجل:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٤ – ١٢٧].
وقال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً» [رواه أبو داود (٤٨٥٥) والترمذي (٣٣٨٠). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٠٨)، وقال الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١٣٢٨): حسن على شرط مسلم].
وفي لفظ عند الترمذي: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ» [رواه الترمذي (٢٣٢٢) وابن ماجه (٤١١٢)، وحسنه ابن القيم في عدة الصابرين (١/ ٢٦٠) والألباني في الصحيحة رقم (٢٧٩٧)].
وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ، لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ» [رواه الترمذي (٢٤١٢) وابن ماجه (٣٩٧٤)، وحسنه المناوي في تخريج أحاديث المصابيح (٢/ ٢٦٩)].
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الشيطانُ جاثِمٌ على قلبِ ابنِ آدمَ؛ فإذا ذَكَر اللهَ خَنَسَ، وإذا غَفَل وَسْوَسَ» [أخرجه البخاري معلقًا في آخر كتاب التفسير، بصيغة التمريض قبل حديث (٤٩٧٧) بنحوه، وأخرجه موصولًا أبو داود في الزهد (٣٣٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٩١٩) واللفظ لهما. وصححه الألباني في تخرجي مشكاة المصابيح (٢٢٢١)].
(المطلب السادس): وصدأُ القلب وجلاؤه
قال ابن القيم رحمه الله: ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرِك الذِّكرُ صَدِئ، فإذا ذُكِرَ جلاه.
وصدأُ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب،
وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر؛ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصداؤه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أَظْلَم، فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسْوَدَّ، ورَكِبَهُ الرَّانُ، فسَدَ تصوُّره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا؛ وهذا أعظم عقوبات القلب.
وأصلُ ذلك من الغفلة، واتباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]”. [الوابل الصيب (ص/ ٩٢)].
(المطلب السابع): ذِكر الله تعالى ضربان:
ما قاله القاضي عياض رحمه الله: ذِكر الله تعالى ضربان: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان:
أحدهما – وهو أرفع الأذكار، وأجلّها -: الفكر في عظمة الله تعالى وجلا له، وجبروته، وملكوته، وآياته في سمواته وأرضه، ومنه الحديث: «خير الذكر الخفي» [قال الإتيوبي في حاشية البحر: “حديث ضعيف، أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» ٣/ ٩١، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «خير الذكر الخفيّ، وخير الرزق – أو العيش – ما يكفي»، وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة: ضعيف”.]، والمراد به هذا.
والثاني: ذِكره بالقلب عند الأمر، والنهي، فيمتثل ما أمر به، ويترك ما نَهَى عنه، ويقف عما أشكل عليه.
وأما ذكر اللسان: مجردًا فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه فضل عظيم، كما جاءت به الأحاديث، قال: وذَكر ابن جرير الطبريّ وغيره اختلاف السلف في ذِكر القلب واللسان أيهما أفضل؟
قال القاضي: والخلاف عندي إنما يُتصور في مجرد ذكر القلب تسبيحًا، وتهليلًا، وشِبههما، وعليه يدلّ كلامهم، لا أنهم مختلفون في الذكر الخفي الذي ذكرناه، وإلا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان، فكيف يفاضله، وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح المجرد، ونحوه، والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب، فإن كان لاهيًا فلا.
واحتَجّ من رَجّح ذكر القلب بأن عمل السر أفضل، ومن رجح ذكر اللسان قال: لأن العمل فيه أكثر، فإن زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة أجر.
قال القاضي: واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب؟ فقيل: تكتبه، ويجعل الله تعالى لهم علامة، يعرفونه بها، وقيل: لا يكتبونه؛ لأنه لا يَطّلع عليه غير الله.
قال النوويّ رحمه الله: الصحيح أنهم يكتبونه، وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده، والله أعلم. انتهى [«إكمال المعلم» ٨/ ١٨٩، و«شرح النوويّ» ١٧/ ١٥ – ١٦].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: ما صححه النوويّ رحمه الله هو الصحيح عندي؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط الثجاج للإتيوبي (42/ 126 – 127)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
” فإن الناس في الذكر أربع طبقات:
(إحداها) الذكر بالقلب واللسان ، وهو المأمور به.
(الثاني) الذكر بالقلب فقط، فإن كان مع عجز اللسان : فحسن ، وإن كان مع قدرته : فترك للأفضل.
(الثالث) الذكر باللسان فقط، وهو كون لسانه رطبا بذكر الله، وفيه حكاية التي لم تجد الملائكة فيه خيرا إلا حركة لسانه بذكر الله. ويقول الله تعالى: ( أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه ) .
(الرابع) عدم الأمرين ، وهو حال الخاسرين ” انتهى، من “مجموع الفتاوى” (10 / 566) .
قال ابن القيم رحمه الله :
والله تعالى لا يُضيع أجر ذكر اللسان المجرَّد، بل يثيب الذاكر، وإن كان قلبه غافلًا، ولكن ثوابٌ دون ثواب.
[روضة المحبين ونزهة المشتاقين ط عطاءات العلم صـ430]
قال ابن عثيمين:
قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ختَمَ الآيةَ الكريمةَ
بهذا الوَصْفِ العَظيمِ، وهو ذِكْر اللَّه عز وجل، وهو شامِل لكل عِبادة، فكلُّ عِبادة فهي ذِكْر للَّه عز وجل، حتى دِراسة العِلْم هي مِن ذِكْر اللَّه؛ ولهذا تُسمَّى حِلَق العِلْم حِلَقَ الذِّكْر، أو مَجالِسَ الذِّكْر، فكلُّ ما يُقرِّب إلى اللَّه تعالى كلُّ عِبادة فهي من ذِكْر اللَّه تعالى.
وذِكْر اللَّه عز وجل يَكون بالقَلْب، ويَكون باللِّسان، ويَكون بالجوارِح، فبالقَلْب التَّفكُّر، وباللِّسان النُّطْق، وبالجَوارِح الفِعْل والعمَل، أيُّها أفضَلُ: ذِكْر اللَّه سبحانه وتعالى باللِّسان، أو ذِكْر اللَّه تعالى بالقَلْب أو ذِكْر اللَّه تعالى بالجَوارِح؟
لا شَكَّ أن الجَمْع أَفضَلُ وهذا مَعلوم، فالقَلْب وحدَه لا يَكفِي، واللِّسان وحدَه لا يَكفِي، والجوارِحُ وحدَها لا تَكفِي [تفسير العثيمين: الأحزاب ١/١٦٦]
الأذكار والأدعية والأقوال المشروعة : لابد فيها من حركة اللسان ، وسماع الإنسان صوت نفسه، عند الجمهور.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجزئ أن يحرك لسانه ويخرج الحروف دون صوت، وهو مذهب المالكية، والحنفية في قولهم الآخر، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وقد علل الفقهاء ذلك بأنه : دون تحريك اللسان ، لا يحصل الكلام، وإنما يكون تفكرا وحديث نفس، كما دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعمَلُوا بِهِ رواه البخاري (2528) ومسلم (127)، فميز بين حديث النفس والكلام.
والتفكر والتدبر أو الذكر القلبي : يثاب الإنسان عليه، لكن لا يقال لمن تفكر: إنه دعا، ولا نعلم ما يفيد أن الدعاء يكون بالقلب.
قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ الأعراف/55
وقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ الأعراف (205).
وقال تعالى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا الإسراء /110.
قالت عائشة رضي الله عنها: “نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الدُّعَاءِ ” رواه البخاري (7526) ،ومسلم (447).
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: ” قد ذكر في الأصل اختلاف عائشة وابن عباس في سبب نزولها، وأيهما كان ، فمقصود الآية التوسط في القراءة والدعاء، فلا يُفْرِط في الجهر، ولا يفرط في الإسرار، ولكن بين المُخافتة والجهر، وخير الأمور أوساطها ” انتهى من “المفهم” (7 / 358 – 359).
قال الزيلعي رحمه الله: ” اختلفوا في حد الجهر والإخفاء ، فقال الهندواني: الجهر أن يُسمع غيره، والمخافتة أن يُسمع نفسه. وقال الكرخي: الجهر أن يُسمِع نفسه ، والمخافتة تصحيح الحروف؛ لأن القراءة فعلُ اللسان دون الصِّماخ. والأول أصح؛ لأن مجرد حركة اللسان لا تسمى قراءة بدون الصوت.
وعلى هذا الخلاف: كلُّ ما يتعلق بالنطق، كالتسمية على الذبيحة ، ووجوب السجدة بالتلاوة والعتاق والطلاق والاستثناء” انتهى من تبيين الحقائق (1/ 127).
وقال ابن الهمام رحمه الله: ” واعلم أن القراءة، وإن كانت فعل اللسان ، لكن فعله الذي هو كلام ، والكلام بالحروف ، والحرف كيفية تعرض للصوت ، وهو أخص من النفَس ، فإنه النفس المعروض بالقرع، فالحرف عارض للصوت، لا للنفس، فمجرد تصحيحها بلا صوت: إيماءٌ إلى الحروف بعضلات المخارج، لا حروف؛ فلا كلام” انتهى من فتح القدير (1/ 331).
وقال النووي رحمه الله في “المجموع” (3/256) : ” وأدنى الإسرار: أن يُسمع نفسه، إذا كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لغط وغيره .
وهذا عام في القراءة ، والتكبير ، والتسبيح في الركوع وغيره , والتشهد ، والسلام ، والدعاء ؛ سواء واجبها ونفلها ؛ لا يحسب شيء منها حتى يُسمع نفسه ، إذا كان صحيح السمع ، ولا عارض .
فإن لم يكن كذلك : رفع ، بحيث يسمع ، لو كان كذلك ، لا يجزيه غير ذلك ، هكذا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ” انتهى .
وقال في “الأذكار” ص 35 : ” اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها ، واجبة كانت أو مستحبة ، لا يحسب شيء منها ، ولا يعتد به : حتى يتلفظ به ، بحيث يُسمع نفسه إذا كان صحيح السمع ، لا عارض له ” انتهى.
وقال المرداوي رحمه الله في “الإنصاف” (2/44) : ” قوله ( وبالقراءة بقدر ما يسمع نفسه ) : يعني أنه يجب على المصلي أن يجهر بالقراءة ، في صلاة السر ، وفي التكبير وما في معناه ، بقدر ما يسمع نفسه .
وهذا المذهب ، وعليه الأصحاب . وقطع به أكثرهم .
واختار الشيخ تقي الدين الاكتفاء بالإتيان بالحروف ، وإن لم يَسْمعها , وذكره وجها في المذهب . قلت : والنفس تميل إليه .
واعتبر بعض الأصحاب سماع مَن بِقُرْبه ، قال في الفروع : ويتوجه مثله في كل ما يتعلق بالنطق، كطلاق وغيره . قلت : وهو الصواب .
تنبيه : مراده بقوله ” بقدر ما يسمع نفسه ” : إن لم يكن ثم مانع ، كطرش ، أو أصوات يسمعها تمنعه من سماع نفسه. فإن كان ثم مانع أتى به ، بحيث يحصل السماع مع عدم المعارض” انتهى.
والحاصل : أن في المسألة قولين معتبرين : وجوب أن يُسمع الإنسان نفسه، أو الاكتفاء بالإتيان بالحروف، ولا يكون ذلك إلا بحركة اللسان والشفتين ، ولو قليلا.
ومن تأمل النصوص الواردة في الدعاء يجد فيها التصريح بالقول، وتارة بالنداء وهو رفع الصوت.
قال تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ آل عمران/38.
وقال: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ الأعراف/151.
وقال: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي طه/25 .
وقال: قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ المؤمنون/26 .
وقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ التحريم/11 .
وقال: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ الأنبياء/76 .
وقال: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ الأنبياء/83 .
وقال: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ الأنبياء/89 .
ولم نقف على شيء في الدعاء بالقلب دون اللسان.
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: ” كونه ينوي بقلبه، ويذكر بقلبه، ولا يتكلم بلسانه، ما يسمى قارئاً، ولا يسمى داعيا، ولا يسمى ذاكرا، فهذا ذكر بالقلب، يسمى ذكر القلب، لكن المأمور في الصلاة أن تقرأ كما أمرك الرسول -صلى الله عليه وسلم- تقرأ، وكذلك المأمور في الدعاء أن تدعو، ولا تسمى داعياً، ولا قارئاً إلا إذا تلفظت…
الذكر أنواع ثلاثة، ذكر القلب، وذكر اللسان، وذكر العمل. فإذا ذكر بقلبه من الله خوف، وتعظيم، وتتذكر، عظمته، وخوفه، ورجاءه، والشوق إليه -سبحانه وتعالى-، ومحبته : هذا ذكر في القلب، وذكر اللسان سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والحوقلة، وذكر العمل كونه يصلي، ويصوم، ويتصدق يرجو ثواب الله، هذا ذكر بالعمل مع القلب” انتهى من فتاوى ابن باز:
وسئل رحمه لله ما نصه: “قال بعض أهل العلم: إن الدعاء إذا لم يتلفظ به الإنسان لا يستجاب.
فأجاب: ما يسمى دعاء. ما يسمى دعاء إلا إذا تلفظ. لابد أن يحرك لسانه” انتهى
(المطلب الثامن): من المأثور في الذكر:
فيما نقله الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (3/ 1287 – 1290 وما بعدها)
– وقال الحسن: «أحب عباد اللّه إلى الله أكثرهم له ذكرًا، وأتقاهم قلبًا» [وروى الخرائطي في الشكر ح ٢٥ من حديث أبي عمرو الشيباني قال:»بلغنا أن موسى ﷺ سأل ربه: أي عبادنا أحب إليك؟ قال: أكثرهم ذكرًا”].
– وقال ابن مسعود: قال موسى عليه السلام: رب! أيّ الأعمال أحبُّ إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني فلا تنساني.
– وخرج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعًا: «من لم يكثر ذكرَ اللّه فقد برئَ من الإيمان» [حديث موضوع راجع السلسلة ٢/ ٢٩٢ – ٢٩٣ ح ٨٩٠].
ويشهد لهذا المعنى أن الله وصف المنافقين؛ بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلًا. فمن أكثر ذكر الله فقد باينهم في أوصافهم؛ ولهذا خُتِمَتْ سورةُ المنافقين بالأمر بذكر اللّه، وأن لا يلهي المؤمنَ عن ذلكَ مالٌ، ولا ولدٌ، وأنّ مَنْ أَلْهَاهُ ذلك عن ذِكْرِ اللّهِ؛ فهوَ مِنَ الخَاسِرِينَ.
– ثم قال الحافظ ابن رجب:
كان بعض عُبّادِ السلف يقول في مناجاته: «إذا سئم البطالون من بطالتهم؛ فلن يسأم محبّوك من مُنَاجَاتِكِ وذكرِكَ».
– وقال أبو جعفر المحوَّلي [ نسبة إلى مُحَوَّل، قرية بالعراق، على فرسخين من بغداد؛ الأنساب ٥/ ٢٢١، ولب اللباب ٢/ ٢٤١]: «وليُّ اللّه المحبُّ للّه، لا يخلو قلبُهُ مِنْ ذِكْرِ ربّه، ولا يسأمُ مِنْ خِدْمته».
ويدل عليه حديث عائشة: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر اللّه على كل أحيانه.
والمعنى: في حال قيامِه ومشيه وقعوده واضطجاعِه.
– وكان خالد بن مَعْدَان يسبّح كل يوم أربعين ألف تسبيحة، سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره لِيُغَسَّل؛ فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح.
– وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانَك يفتُر؟؛ فكم تسبّح كُلَّ يوم؟ قال: مائة ألف تسبيحة، إلا أن تخطئ الأصابع. يعني أنه يعدّ ذلك بأصابعه.
– كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أَحَدٌ. أحَد!
فإذا قالوا له قل: واللاتِ والعزى قال: لا أُحْسِنُه.
يُرادُ من القلب نسيانُكُم … وتأبى الطباعُ عَلى النَّاقِلِ.
كما قويت المعرفة، صار الذكر يجري على لسان الذاكر، من غير كُلْفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يُلْهَم أهلُ الجنة التسبيحَ، كما يلهَمُون النَّفَسَ، وتصير «لا إله إلا اللّه» لهم كالماء البارد لأهل الدّنيا.
كان بعضهم يُنْشِد:
لا لأني أنساك أُكْثِرُ ذِكْرَا … كَ لكن بِذاكَ يجرِي لسَانِي
* * *
أقوال أهل العلم :
قال الشنقيطي:
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ الآية؛ أي: الوسواس عند الغفلة عن ذكر الله. الخناس الذي يخنس ويتأخر صاغرًا عند ذكر الله، فإذا ذهب الشَّيطان ذهب النسيان. [أضواء البيان ٤/١٠٢]
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]
قال السعدي رحمه الله:
*أي: في حال قيامكم وقعودكم، وفي تصرفاتكم وأحوالكم كلها، فإن ذكر الله طريق الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، ومن المناسب في هذا أن يجعل المعاملة الحسنة والإحسان إلى الخلق نصب عينيه، فإن هذا من ذكر الله، فكل ما قرب إلى الله فإنه من ذكره، وكل أمر يحتسبه العبد فإنه من ذكره، فإذا نصح في معاملته وترك الغش تقرب في هذه المعاملة إلى الله؛ لأن الله يحبها، ولأنها تمنع العبد من المعاملة الضارة، وكلما سامح أحدا أو حاباه في ثمن أو مثمن أو تيسير أو إنظار أو نحوه فإنه من الإحسان والفضل، وهو من ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]*.
[تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ١/٨٧]
قال ابن القيم رحمه الله :
والذِّكر منشور الولاية الذي من أُعطِيه اتّصل، ومن مُنِعه عزل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها (١) صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارةُ ديارهم فمتى تعطَّلت عنه (٢) صارت بُورًا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قُطَّاعَ الطّريق، وماؤهم الذي يُطفِئون به التهابَ الحريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكستْ منهم القلوب، والسّبب الواصل والعِلاقة التي بينهم وبين علّام الغيوب.
إذا مرِضنا تداوينا بذكرِكُم … فنترك الذِّكرَ أحيانًا فننتكسُ
به يستدفعون الآفاتِ، ويستكشفون الكُرُبات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلَّهم البلاءُ فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النّوازلُ فإليه مفزَعُهم. فهو رياضُ جنّتهم التي فيها يتقلّبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتّجرون. يَدَعُ القلبَ الحزين ضاحكًا مسرورًا، ويُوصِل الذّاكر إلى المذكور، بل يعيد الذّاكر مذكورًا.
مدارج السالكين – ط عطاءات العلم ٣/٢٠٧
وقال أيضاً :
قال ابن القيم:
قال الوليد بن مسلم قال محمد بن عجلان: سمعت عمرو مولى غفرة يقول: إذا انكشف الغطاء [للناس] يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يروا عملًا أفضل ثوابًا من الذكر، فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون: ما كان شيء أيسر علينا من الذكر.
الوابل الصيب – ط دار الحديث ١/٧٨
[تنبيه]: سبق في صحيح مسلم وغيره الحديث عن الذكر ومسائله.
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): فضل المداومة على ذكر الله تعالى.
2 – (ومنها): من عظيم فضل الله تيسير أسباب الأجر.
3 – (ومنها): تفاضل العباد في نصيبهم من أبواب البر والخير.
4 – (ومنها): كثرة ذكر الله باللسان تسبيحًا وتحميدًا وتهليلًا وتكبيرًا وغير ذلك مع مواطأة القلب يقوم مقام كثير من نوافل الطاعات.
5 – (ومنها): مراعاته صلى الله عليه وسلم للسائلين بإجابة كلٍّ بما يناسبه.
6 – (ومنها): اختلاف قدرات الناس في العلم والحفظ، والاستيعاب والعمل.
7 – (ومنها): تيسير العبادات في غير الفريضة على الناس، وإخبارهم بما يناسب قدراتهم.
8 – (ومنها): إن الذكر هو أفضل الأقوال لمن داوم عليه وأنه جامع للخير والسعادة.
تنبيه : ذكر أصحاب الموسوعة الفقهية الكويتية مسائل عديدة متعلقة بذكر الله تعالى . فلتراجع