[1ج/ رقم (551)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة : طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي
وأحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (551)]:
مسند عبد الله بن بسر رضي الله عنهما
قال أبو داود رحمه الله (ج ١٠ ص ٢٤٨): حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ، أخبرَنَا أَبِي، أخبرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِرْقٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا: الْغَرَّاءُ، يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ -يَعْنِي وَقَدْ ثُرِدَ فِيهَا- فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا، يُبَارَكْ فِيهَا».
هذا حديث حسنٌ، مسلسل بالحمصيين.
* الحديث أخرجه ابن ماجه (ج ٢ ص ١٠٩٠) فقال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِرْقٍ الْيَحْصَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَدَعُوا ذُرْوَتَهَا، يُبَارَكْ فِيهَا».
* وأخرجه ابن ماجه أيضًا (ج ٢ ص ١٠٨٦) فقال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِرْقٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ، قَالَ: أَهْدَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ شَاةً، فَجَثَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا». اهـ
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو داود رحمه الله في السنن، كتاب الأطعمة، ١٧ – باب في الأكل من أعلى الصحفة، (٣٧٧٣).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
٤ – كتاب الصلاة، ١٥٦ – شرعية صلاة الضحى، (١٠٤٦).
و١٤ – كتاب الشمائل المحمدية، ١٣ – تواضعه صلى الله عليه وسلم ، (٢١٥٨).
و١٧ – كتاب الأطعمة، ٦ – الجلوس على الطعام، (٢٦٥٨).
و٣٢ – كتاب الأدب، ٧٠ – ذم التجبر، (٣٦٠٩).
٣٣ – كتاب التفسير، قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾[سورة آل عمران، (١٥٩)]، (٣٩٦٦).
وأورد الحافظ النووي عفا الله عنه الحديث في رياض الصالحين، تحت “١٠٧- باب الأمر بالأكل من جانب القصعة والنهي عن الأكل من وسطها”، (٧٤٥).
وبوب عليه عبد العظيم المنذري (ت ٦٥٦) حمه الله في الترغيب: “الترغيب في الأكل من جوانب القصعة دون وسطها”.
قال محققو السنن: “ضعيف بهذه السياقة، على نكارة في قوله: كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها: الغرّاء، يحملها أربعة رجال. محمد بن عبد الرحمن بن عِرْق -وهو اليَحصبي الحمصي- قال فيه دُحيم: لا أعلمه إلا ثقة، وقال فيه ابن حبان: لا يُعتد بحديثه ما كان من حديث إسماعيل بن عياش وبقية ويحيى بن سعيد العطار وذويهم، بل يُعتبر بحديثه من رواية الثقات عنه، وذكره ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والايهام» ٤/ ٦١٧
في حديث رواه عن عبد الله بن بسر في باب الأحاديث التي سكت عنها عبد الحق الإشبيلي، وليست بصحيحة، وقال عنه: ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر له حالًا، فهي عنده مجهولة. قلنا: وخالفه جماعة فرووه عن عبد الله بن بُسر بسياقة أخرى ليست فيه تلك الجملة المنكرة.
وأخرجه مختصرًا ابن ماجه (٣٢٦٣) و(٣٢٧٥) عن عمرو بن عثمان، بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (١٧٦٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (٦٧٣٠) من طريق صفوان ابن عمرو، عن عبد الله بن بسر قال: بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوه إلى طعام، فجاء معي، فلما دنوتُ من المنزل أسرعتُ، فأعلمت أبويَّ فخرجا فتلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورحَّبا به، ووضعنا له قطيفة كانت عندنا زئبرية (أي ذات وبر) فقعد عليها، ثم قال أبي لأمي: هات طعامك، فجاءت بقصعة فيها دقيق قد عصدته بماء وملح، فوضعته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «خذوا باسم الله من حواليها، وذروا ذروتها، فإن البركة فيها» فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلنا معه، وفَضَل منها فضلة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم اغفر لهم وارحمهم، وبارك عليهم، ووسِّع عليهم في أرزاقهم». هذا لفظ أحمد، ولفظ النسائي مختصر.
وقد سلف عند المصنف مختصرًا بنحو لفظ صفوان برقم (٣٧٢٩)”. انتهى.
والوجه الثاني: شرح وبيان الحديث:
قال الإمام أبو داود رحمه الله: (٨ – (باب في الأكل من أعلى الصحفة)، قال صاحب عون المعبود : هِيَ إِنَاءٌ كَالْقَصْعَةِ الْمَبْسُوطَةِ وَجَمْعُهَا صِحَافٌ.
وقوله: (من أعلى الصحفة) أي: من أعلى ثريد الصحفة ونحوه كالكسكسو والفتيت وغير ذلك من الجوامد، وأما الأمراق فلا يأكل من وسطها، فإنه في معنى أعلى الثريد، وفي معنى الأعلى والوسط ما يلي الأكيل إن كان معه أحد.
والصحفة إناء كالقصعة المبسوطة جمعها صحاف ، وقال الزمخشري: الصحفة مستطيلة.
ولعله اعتبر اشتقاقها من الصحيفة؛ فإنها مستطيلة. قاله ابن رسلان في شرح السنن.
وقال الشيخ عبد المحسن العباد: “الصحفة هي التي يكون فيها طعام، وغالبًا يكون الطعام أعلاها في وسطها، ويكون فيه انسياب لجهة الأطراف، فالإنسان يأكل مما يليه ولا يأكل من وسط الصحفة”. انتهى.
قال ابن رسلان رحمه الله:
وفيه دليل على ما قاله الرافعي والنووي وغيرهما أنه يكره أن يأكل من أعلى الثريد ووسط القصعة، وأن يأكل مما يلي أكيله، ولا بأس بذلك في الفواكه.
وتعقبه الإسنوي بأن الشافعي نص على التحريم في ذلك، فإن لفظه في «الأم»: فإن أكل مما [لا] يليه أو من رأس الطعام أثم بالفعل الذي فعله إذا كان عالمًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم . وأشار بالنهي إلى هذا الحديث ونحوه، قال الغزالي: وكذا لا يأكل من وسط الرغيف بل من استدارته، إلا إذا قل الخبز فيكسر الخبز.
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (أَخْبَرَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ المهملة صحابي صغير ولأبيه صُحْبَةٌ، رضي الله عنهما.
(كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَصْعَةٌ) أَيْ: صَحْفَةٌ كَبِيرَةٌ (يُقَال:ُ لَهَا الْغَرَّاءُ)، تَأْنِيثُ الْأَغَرِّ، بِمَعْنَى: الْأَبْيَضِ الْأَنْوَرِ.
(فَلَمَّا أَضْحَوْا) بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: دَخَلُوا فِي الضُّحَى (وَسَجَدُوا الضُّحَى) أَيْ: صَلَّوْهَا.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين: “دليل على استحباب ركعتي الضحى لقوله: ” فلما سجد الضحى”، أي: لما صلوا صلاة الضحى،
وصلاة الضحى سنة، ووقتها: من ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني: من ربع ساعة من طلوع الشمس إلى قبيل الزوال، يعني: إلى أن يبقى على الظهر عشر دقائق، كل هذا وقت لها.
وهي سنة ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها؛ لأنها ركعتي الضحى تغني عن الصدقات التي تصبح على كل عضو من أعضاء البدن، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، يعني: كل عضو من أعضائك عليك به صدقة، كل يوم،
لكن ليس صدقة مال فقط، بل التسبيح صدقة، والتكبير صدقة، والتهليل صدقة، وقراءة القرآن صدقة، والأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، ومعونة الرجل على عفشه وما أشبه ذلك صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وإتيان الرجل زوجته صدقة،
كل شيء يتقرب به العبد إلى ربه فهو صدقة،
ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى، وهذا يدل على أن سنة الضحى سنة في كل يوم”. انتهى.
(أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ) أَيْ: جِيءَ بِهَا، (وَقَدْ ثُرِّدَ) بِضَمِّ مُثَلَّثَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، (فِيهَا) أَيْ: فِي الْقَصْعَةِ.
قال الفيومي: “وإنما ذكر الثريد على عادة العرب، فإن أفضل الطعام عندهم الثريد، وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»”.
أنشد سيبويه:
[إذا ما الخبز تأدمه بلحم] … فذاك [أمانة الله الثريد]
قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه والمراد بالفضيلة نفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ وتيسر تناوله وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعه وغيره ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة [شرح النووى على مسلم (١٥/ ١٩٩)]، أ. هـ.
قال القرطبي :
وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسار مؤنته وسهولة إساغته وعظم بركته ولأنه جل أطعمتهم وأكثرها بالنسبة لهم ولعوائدهم وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل وذلك بحسب العوائد في الأطعمة، [قاله] أبو العباس القرطبي [المفهم (٢٠/ ٧٣)].
وقال ابن بطال [شرح الصحيح (٩/ ٤٨٤) لابن بطال]: الثريد أزكى الطعام وأكثره بركة وهو طعام العرب وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل على سائر الطعام وكفى بذلك تفضيلا له وشرفا انتهى.
فالثريد أبلغ أنواع الأطعمة في الإشباع فكان أبلغ لهذا المعنى [وهو] أزكى الأطعمة لأنه إذا فت القرص أكل منه جماعة وإذا كان وحده ربما أكله واحد ولا يشبع منه. [فتح القريب المجيب، (9/ 359 – 362)، بتصرف يسير].
(فَالْتَفُّوا) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَضْمُومَةِ، أَيْ: اجْتَمَعُوا، (عَلَيْهَا) أَيْ: حَوْلَهَا، (فَلَمَّا كَثُرُوا) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ، (جَثَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ ضِيقِ الْمَكَانِ تَوْسِعَةً عَلَى الْإِخْوَانِ،
وَفِي الْقَامُوسِ كَدَعَا وَرَمَى، جُثُوًّا وَجُثِيًّا بِضَمِّهِمَا جَلَسَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، (مَا هذه الجلسة؟) بِكَسْرِ الْجِيمِ.
(إِنْ اللَّهُ تَعَالَى جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا)، أَيْ: مُتَوَاضِعًا سَخِيًّا، وَهَذِهِ الْجِلْسَةُ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَأَنَا عَبْدٌ، وَالتَّوَاضُعُ بِالْعَبْدِ أَلْيَقُ.
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: “العَنِيد: الْجَائِرُ عَنِ القَصْد، الباغِي الَّذِي يَرُدّ الْحَقَّ مَعَ العِلْم بِهِ”.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين:
“وفيه أيضًا: دليل على أن الإنسان عند الأكل لا يأكل متكئًا وإنما يأكل مستوفزًا، يعني: جاثيًا على ركبتيه؛ حتى لا يكثر من الأكل لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الإكثار من الأكل: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) هذا هو الأكل النافع الطبيعي، وإذا جعت فكل الأمر ليس مقصورًا على ساعات معينة،
يعني: لو قال الإنسان لو اقتصرت على ثلث وثلث وثلث يمكن أجوع قبل أن يأتي وقت العشاء، نقول: إذا جعت فكل الشيء الموجود، لكن كونك تأكل هذا الخفيف يكون أسهل للهضم وأسهل للمعدة، المعدة تهضمه براح، وإذا اشتهيت فكل،
وهذا من الطب النبوي، لكن لا بأس بالشبع أحيانًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقرّ أبا هريرة رضي الله عنه حينما سقاه اللبن، وقال: اشرب اشرب اشرب حتى، قال: والله لا أجد له مساغًا، يعني: لا أجد له مكانًا، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، إنما الذي ينبغي أن يكون الأكثر في أكلك أن يكون كما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس، والله الموفق”. انتهى.
(كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا) مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، أَيْ: لِيَأْكُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا يَلِيهِ مِنْ أَطْرَافِ الْقَصْعَةِ، (وَدَعُوا) أَيِ: اتْرُكُوا، (ذُرْوَتَهَا) بِتَثْلِيثٍ (بِضَمِّ) الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْكَسْرُ أَصَحُّ، أَيْ: وَسَطُهَا وَأَعْلَاهَا، (يُبَارَكْ) بالجزم على جواب الأمر.
قال القارىء: وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، أَيْ: هُوَ سَبَبُ أَنْ تَكْثُرَ الْبَرَكَةُ، (فِيهَا)، أَيْ: فِي الْقَصْعَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُكِلَ مِنْ أَعْلَاهَا انْقَطَعَ الْبَرَكَةُ من أسفلها.
قال المنذري وأخرجه ابن مَاجَهْ.
وَبُسْرٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وبعدها راء مهملة”. انتهى. [عون المعبود وحاشية ابن القيم، (10/ 178)].
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): من الآداب الفعلية والقولية للأكل والشرب:
“للأكل آداب ينبغي الحرص عليها، وهي:
١ – التسمية عند ابتداء الأكل؛ لحديث عمر بن أبي سلمة – رضي الله عنه – قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت يدي تطيشُ في الصَّحْفَة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا غلام سَم الله، وكُلْ بيمينك، وكل مما يليك) فما زالت تلك طِعمتي بعد [رواه البخاري (٦/ ١٩٦)، ومسلم برقم (٢٠٢٢). ومعنى تطيش: تتحرك في نواحي القصعة ولا تقتصر على موضع واحد].
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في رياض الصالحين (2/204): “فإن يسمي عند الأكل، يقول: باسم الله،
والصحيح أن التسمية عند الأكل أو الشرب واجبة، وأن الإنسان يأثم إذا لم يسم الله عند أكله أو شربه، لأنه إذا لم يفعل، إذا لم يسم عند الأكل والشرب، فإن الشيطان يأكل معه ويشرب معه”. انتهى.
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله:
“السنة للمؤمن أن يبدأ بالتسمية، ويأكل بيمينه، يقول: باسم الله، أو بسم الله الرحمن الرحيم، …، ويسمي الله في أوله…”. [ ما يقال من الذكر قبل الطعام وبعده، نور على الدرب للإمام ابن باز رحمه الله].
٢ – الأكل باليمين؛ للحديث السابق.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في رياض الصالحين (2/204):
“فإن يأكل باليمين ويشرب باليمين، ولا يحل له أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله، فإن هذا حرام على القول الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، وأكل رجل بشماله عنده فقال: (كل بيمينك) قال: لا أستطيع، فقال: (لا استطعت)، فما استطاع الرجل بعد ذلك أن يرفع يده اليمنى إلى فمه؛ عوقب والعياذ بالله”. انتهى.
٣ – الأكل مما يلي الشخص؛ للحديث السابق أيضًا، إلا إذا علم أن مُجالسه لا يتأذى، ولا يكره ذلك، فلا بأس أن يأكل حينئذ من نواحي القصعة؛ لحديث أنس – رضي الله عنه – في قصة الخياط الذي دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام، قال أنس: (فرأيته -يعني النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة) [أخرجه البخاري برقم (٥٣٧٩)]. أو كان الشخص وحده ليس معه أحد، أو كان الطعام مشتملًا على ألوان متعددة، فيجوز له الأخذ مما ليس أمامه، ما لم يؤذ بذلك أحدًا.
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله:
” .. ثم يأكل بيمينه مما يليه، إذا كان الطعام نوعًا واحدًا كالرز أو الجريش أو نحوه، وإن كان أنواع الخبز والأرز فله أن يأكل من هذا، ويأكل من هذا، ولو كان من غير جنبه، النوع الذي ما هو بحوله”. [ ما يقال من الذكر قبل الطعام وبعده، نور على الدرب للإمام ابن باز رحمه الله].
٤ – الحمد في آخره؛ لحديث أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رُفعت المائدة من بين يديه، يقول: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مُوَدَّعٍ، ولا مستغنىً عنه ربنا) [رواه البخاري برقم (٥٤٥٩). ومعنى (غير مودع): غير متروك الطاعة]، ولقوله صلى الله عليه : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) [أخرجه مسلم برقم (٢٧٣٤)].
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله:
“.. ويحمد الله في آخره بالمحامد التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، [ ما يقال من الذكر قبل الطعام وبعده، نور على الدرب للإمام ابن باز رحمه الله].
٥ – الأكل على السُّفَر؛ لحديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: (ما أكل نبي الله صلى الله عليه وسلم على خِوان ولا في سُكُرُّجَة، ولا خُبزَ له مُرَقَّق، قال: فقلت لقتادة: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على هذه السُّفَرِ) [رواه البخاري برقم (٥٣٨٦). والخوان: ما يؤكل عليه، وهو المائدة، معرب. والسُّفرة: التي يؤكل عليها أيضًا، سميت كذلك لأنها تبسط إذا أكل عليها. والسكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، وهي فارسية.
وربما كان تركه الأكل على الخوان لأنه من عادة العجم يكون على هيئة معينة، وربما يقال ذلك في السكرجة أيضًا].
٦ – كراهية الأكل متكئًا: لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله كُلْ -جعلني الله فداك- متكئًا، فإنه أهون عليك، فأصغى برأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض، قال: (لا، بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) [أخرجه البغوي في شرح السنة (١١/ ٢٨٦ – ٢٨٧)، وأحمد في الزهد ص ٥، ٦ وصححه الأرناؤوط بشاهد مرسل (حاشية شرح السنة)]، ولحديث أبي جحيفة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إني لا آكل متكئًا) [رواه البخاري برقم (٥٣٩٨)].
٧ – عدم عيب الطعام الذي لا يريد أكله: لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: (ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه) [رواه البخاري برقم (٥٤٠٩)، ومسلم برقم (٢٠٦٤)].
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
” قوله ( ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما ) أي مباحا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه .
وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأن صنعة الله لا تعاب وصنعة الآدميين تعاب.
قلت: والذي يظهر التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع.
قال النووي: من آداب الطعام المتأكدة أن لا يعاب، كقوله : مالح حامض ، قليل الملح ، غليظ ، رقيق ، غير ناضج ، ونحو ذلك ” انتهى من”فتح الباري” (9 / 547 – 548).
٨ – الأكل من جوانب القصعة وكراهية الأكل من وسط القصعة: لحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بقصعة من ثريد فقال: (كلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها، فإن البركة تنزل في وسطها) [ رواه أحمد (١/ ٢٧٠)، والترمذي برقم (١٨٠٥) وقال: حسن صحيح، وأبو داود برقم (٣٧٧٢)، وابن ماجه برقم (٣٢٧٧)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه برقم ٢٦٥٠)].
٩ – الأكل بثلاثة أصابع، ولعقها بعد الأكل: لحديث كعب بن مالك – رضي الله عنه – قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاثة أصابع، ولا يمسح يده حتى يَلْعَقَها) [رواه مسلم برقم (٢٠٣٢)].
١٠ – أكل ما سقط منه أثناء الطعام أو تناثر: لقوله صلى الله عليه وسلم : (إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان) [أخرجه مسلم برقم (٢٣٠٥)].
١١ – مسح القصعة التي يأكل فيها ولعقها: لقول أنس – رضي الله عنه – في الحديث الماضي: (وأمرنا -يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن نَسْلُتَ القصعة) يعني: نمسحها، ونتتبع ما بقي فيها من طعام. وفي رواية: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: (إنكم لا تدرون في أيِّه البركة) [أخرجه مسلم برقم (٢٠٣٣)].[الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، بتصرف].
١٢- الكلام على الطعام
نص النووي – رحمه الله – على استحباب الكلام على الطعام واستدل بكلامه – صلى الله عليه وسلم – على الطعام كما في حديث جابر – رضي الله عنه -: ” نعم الأدم الخل …”.
وذكر أبو حامد الغزالي – رحمه الله – أن السكوت على الطعام من فعل الأعاجم.
ولازال الفقهاء – رحمهم الله – يذكرون من آداب الطعام الكلام عليه ومؤانسة الضيف بطيب الحديث وكراهة سيئه.
ووما يتفرع عن هذه المسألة ظن بعض العامة أن السلام على الآكل ممنوع، ويقولون: ما على الطعام سلام.
وإنما نص العلماء على كراهة المصافحة دون السلام كما هو مقر ر في كتب الآداب. والله أعلم.
وكذلك نص ابن القيم رحمه الله على استحبابه مخالفة لليهود فأنهم يتعمدون السكوت ….
مما يستدل به على مشروعية الكلام بخير على الطعام ما رواه الإمام البخاري في صحيحه قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
” كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة، وقال: أنا سيد القوم يوم القيامة هل تدرون بم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس ….. ” الحديث ..
وهو مخرج أيضا في صحيح مسلم والترمذي وابن ماجه وغيرهم …
كل هذا اذا لم يكن ثمة ضرر على الآكل
والا حرم عليه الكلام لأنه لاضرر ولاضرار
منع من لم يسم الله من الطعام :
١٨٦ – وعن حذيفة رضي الله عنه قال: «كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاما لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده، وإنا حضرنا معه مرة طعاما فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يدها». رواه مسلم (٢٠١٧).
قوله: كأنها تدفع، وفي رواية: «كأنها تطرد»، يعني: لشدة سرعتها.
١٣- الاجتماع على الطعام :
عن وحشي بن حرب بن وحشي، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: «أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: فلعلكم تفترقون؟ قالوا: نعم. قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه». رواه أبو داود (٣٧٦٤)، وابن ماجه (٣٢٨٦).
١٤ -ماذا يقول من أراد الطعام أو الشراب
” اللهم أطعم من أطعمني واسق من سقاني “. وفيه حديث رواه مسلم (2055) عن المقداد
وفيه قول المقداد : والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس.
١٥ -دعاء الضيف لصاحب الطعام :
– “اللهم بارك لهم فيما رزقتهم , واغفر لهم وارحمهم”.
رواه مسلم (2042) عن عبدالله بن بسر قال : نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قال فقربنا إليه طعاما ووطبة فأكل منها ثم أتي بتمر فكان يأكله ويلقي النوى بين إصبعيه ويجمع السبابة والوسطى، ثم أتي بشراب فشربه ثم ناوله الذي عن يمينه قال فقال أبي وأخذ بلجام دابته ادع الله لنا فقال:” اللهم بارك لهم فيما رزقتهم , واغفر لهم وارحمهم “.
وكذلك يقول : ” أكل طعامكم الأبرار وأفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة “.
رواه الطحاوي كما في مشكل الآثار (112) بسند صحيح عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار فإذا جاء إلى دور الأنصار جاء صبيان الأنصار يدورون حوله فيدعو لهم ويمسح رءوسهم ويسلم عليهم فأتى إلى باب سعد بن عبادة فسلم عليهم ، فقال : ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ” فرد سعد فلم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد فوق ثلاث تسليمات ، فإن أذن له وإلا انصرف فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فجاء سعد مبادرا ، فقال : يا رسول الله ما سلمت تسليمة إلا قد سمعتها ورددتها ولكن أردت أن تكثر علينا من السلام والرحمة فادخل يا رسول الله ، فدخل ، فجلس فقرب إليه سعد طعاما فأصاب منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينصرف قال : ” أكل طعامكم الأبرار وأفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة “.
– ” جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار ، يقومون الليل ، ويصومون النهار ، ليسوا بأثمة ولا فجار ” وهو في الصحيح المسند 92،وعزاه لعبد بن حميد في المنتخب وفي تعليقنا عليه ذكرنا أوجه الخلاف في رفعه ووقفه ولم نرجح.
قال باحث :رواه عبد بن حميد (3 /483) عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد لأحد في الدعاء قال : ” جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار ، يقومون الليل ، ويصومون النهار ، ليسوا بأثمة ولا فجار “. ورجاله ثقات لكن الصواب أنه موقوف على أنس والوهم فيه من عبد بن حميد كما قال أبو الفضل الشهيد .
رواه البخاري في الأدب المفرد (631) باب دعاء الاخ بظهر الغيب وذكر أحاديث ثم ذكر باب بدون عنوان عن ثابت قال : كان أنس إذا دعا لأخيه يقول جعل الله عليه صلاة قوم أبرار ليسوا بظلمة ولا فجار يقومون الليل ويصومون النهار. وباقي من رواه من المحدثين رحمهم الله بلفظ كان يقول بعضهم لبعض.
١٦ – دعاء من دعي إلى وليمة وهو صائم
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا دعي أحدكم فليجب , فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم “. رواه مسلم (1431)
١٧- قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:
فصل:
وأما الأكل واللباس: فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وكان خلقه في الأكل أنه يأكل ما تيسر إذا اشتهاه ولا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا فكان إن حضر خبز ولحم أكله وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله وإن حضر حلو أو عسل طعمه أيضا وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد وكان يأكل القثاء. بالرطب فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة. وكان أحيانا يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار ولا يأكلون إلا التمر والماء ….وذكر لباسه صلى الله عليه وسلم
ثم قال ابن تيمية : وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها} وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر} .
فهذه الطريق التي كان عليها رسول صلى الله عليه وسلم هي أعدل الطرق وأقومها. والانحراف عنها إلى وجهين. قوم يسرفون في تناول الشهوات مع إعراضهم عن القيام بالواجبات وقد قال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} وقال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} . وقوم يحرمون الطيبات ويبتدعون رهبانية لم يشرعها الله تعالى ولا رهبانية في الإسلام. وقد قال تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} …..و خير الأعمال ما كان لله أطوع ولصاحبه أنفع وقد يكون ذلك أيسر العملين وقد يكون أشدهما فليس كل شديد فاضلا ولا كل يسير مفضولا.
بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة لا لمجرد تعذيب النفس. كالجهاد الذي قال فيه تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} [مجموع الفتاوى (22/ 310)].
[تنبيه]: البحث السابق مقتبس من ٢٤ – بابُ اسْتِحْبابِ حَمْدِ اللهِ تَعالى بَعْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ، فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم (2734).
(المسألة الثانية): ما يتعلق بحديث الباب
(المطلب الأول): هيئة جلوس النبي صل الله عليه وسلم للأكل
مر حديث الباب
وروى مسلم رحمه الله في صحيحه عن (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا). [رواه الإمام مسلم في صحيحه [٥٣٢٠] (٢٠٤٤)، (١٢) – (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَوَاضُعِ الآكِلِ، وَصِفَةِ قُعُودِهِ)].
(قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُقْعِيًا) بضمّ أوله اسم فاعل من الإقعاء: وهو الجلوس على إليتيه، ونَصْب ساقيه، قال ابن الأثير رحمه الله: قوله: «مُقعيًا» أراد أنه كان يجلس عند الأكل على وركيه، مُستوفِزًا، غير متمكِّن، قال ابن شُميل: الإقعاء أن يجلس الرجل على وِرْكيه، وهو الاحتفاز، والاستيفاز. انتهى [«النهاية في غريب الأثر» ٤/ ٨٩، و«لسان العرب» ١٥/ ١٩٢].
وقال الفيّوميّ رحمه الله: أقْعَى إقْعَاءً: ألصق أليتيه بالأرض، ونَصَب ساقيه، ووضع يديه على الأرض، كما يُقْعِي الكلبُ، وقال الجوهريّ: الإقْعَاءُ عند أهل اللغة، وأورد نحو ما تقدم، وجعل مكان وضع يديه على الأرض: ويتساند إلى ظهره، وقال ابن القطاع: أقعى الكلبُ: جلس على أليتيه، ونصب فخذيه، والرجل جلس تلك الْجِلْسَة. انتهى [«المصباح المنير» ٢/ ٥١٠ – ٥١١].
وقال النوويّ رحمه الله: قوله: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مُقعيًا يأكل تمرًا»، وفي الرواية الأخرى: «أُتِي بتمر، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يقسمه، وهو مُحتفز، يأكل منه أكلًا ذَريعًا»، وفي رواية: «أكلًا حثيثًا».
قوله: «مُقعيًا»؛ أي: جالسًا على أليتيه [ألية الشاة بفتح الهمزة، ولا تُكسر، قاله في «المصباح»] ناصبًا ساقيه، ومُحتفزٌ هو بالزاي؛ أي: مُستعجلٌ، مُستوفزٌ، غير متمكن في جلوسه، وهو بمعنى قوله: «مُقعيًا»، وهو أيضًا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر في «صحيح البخاريّ» وغيره: «لا آكل متكئًا»، على ما فسَّره الإمام الخطابيّ، فإنه قال: المتكئ هنا: المتمكِّن في جلوسه، من التربّع وشِبهه المعتمد على الوِطاء تحته، قال: وكل من استوى قاعدًا على وِطاء فهو متكئ، ومعناه: لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام، ويقعد له متمكنًا، بل أقعد مستوفزًا، وآكل قليلًا”. [البحر المحيط الثجاج للإتيوبي رحمه الله تعالى، (34/ 326 )].
(المطلب الثاني): حكم الأكل من حافتي القصعة ووسطه
قال الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه: “ينبغي للناس أن يأكلوا من حواف القصعة، يعني: من جوانبها لا من وسطها ولا من أعلاها، ففي حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن بسر رضي الله عنهما ما يدل على ذلك، وأن الإنسان إذا قدم إليه الطعام فلا يأكل من أعلاه بل يأكل من الجانب،
وإذا كان معه جماعة فليأكل مما يليه ولا يأكل مما يلي غيره،
وقوله صلى الله عليه وسلم : ((إن البركة تتنزل في وسط الطعام)) يدل على أن الإنسان إذا أكل من أعلاه، أي: من الوسط نزعت البركة من الطعام.
قال أهل العلم: إلا إذا كان الطعام أنواعا، وكان نوع منه في الوسط وأراد أن يأخذ منه شيئا، فلا بأس، مثل أن يوضع اللحم في وسط الصحفة، فإنه لا بأس أن تأكل من اللحم ولو كان في وسطها؛ لأنه ليس له نظير في جوانبها فلا حرج؛ كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتتبع الدباء يلتقطها من الصحفة كلها، والدباء هي القرع”. انتهى من شرح رياض الصالحين.
قال الشافعي: فإن أكل مما يملي غيره أو من رأس الطعام أثم بالفعل الذي فعله، إذا كان عالمًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم . [تطريز رياض الصالحين، ص(473)].
وقال السفاريني (ت ١١٨٨) رحمه الله، في غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (2/ 91): “مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ الْأَكْلِ مِنْ ذُرْوَةِ الطَّعَامِ وَمِنْ وَسَطِهِ.
(تَتِمَّةٌ) يُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ ذُرْوَةِ الطَّعَامِ وَمِنْ وَسَطِهِ، بَلْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَيْلُ،
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُكْرَهُ مِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ وَالصَّحْفَةِ وَأَعْلَاهَا، وَكَذَلِكَ الْكَيْلُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَّتَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّفْحَةِ وَلَكِنْ لِيَأْكُلْ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَصْعَةٌ يُقَالُ لَهَا الْغَرَّاءُ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى أَتَى بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ يَعْنِي، وَقَدْ أَثْرَدَ فِيهَا فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا فَلَمَّا كَثُرُوا جَثَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَذَرُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكُ فِيهَا»
ذِرْوَتُهَا: بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَعْلَاهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ”. انتهى.
قال الشيخ عبد المحسن العباد: “أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : [(إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها)] يعني: أنه لا يمد يده إلى وسط الطعام ويأكل منه، وإنما يأكل مما يليه، كما قال عليه الصلاة والسلام لـ عمر بن أبي سلمة: (يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).
قوله: [(فإن البركة تنزل من أعلاها)] يعني: الذي هو وسطها، فالإنسان يأكل شيئًا فشيئًا من أطرافها، فإن ذلك من أسباب البركة ومن أسباب النفع، وأما الأكل من الوسط فهو مخالف للأدب؛ لأن كون الإنسان تطيش يده وتتجاوز إلى مكان غير الذي يليه، يجعل الناس يشمئزون وينفرون منه”. انتهى.
وسيأتي تمام ذلك في المطلب الرابع.
(المطلب الثالث): حكم الأكل من وسط الصحفة عند اختلاف الطعام
إذا كان الطعام في الصحفة يختلف عما في حواليها، وليس نوعًا واحدًا، مثل أن يكون في أعلى الصحفة لحم وفي الجوانب أرز؛ فهو يأكل من الأرز مما يليه ويأخذ من اللحم مما يليه.
أما إذا كان الطعام كله نوعًا واحدًا، فإنه يأكل مما يليه.
وإذا كان الإناء كله لحم، فإنه يأكل مما يليه من اللحم، ووسطه يتركه”. [شرح سنن أبي داود للعباد].
تقدم كلام الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه عن ذلك.
(المطلب الرابع): في معنى الأكل متّكئًا، وعلة النهي عن ذلك
قال الإمام البخاريّ رحمه الله في «صحيحه»: «باب الأكل متّكئًا»، ثم أورد حديث أبي جُحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني لا آكل متّكئًا»، وفي رواية: «كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقال لرجل عنده: لا آكل وأنا متّكئ».
قال في «الفتح»: وكان سبب هذا الحديث قصة الأعرابي المذكور في حديث عبد الله بن بُسر عند ابن ماجه، والطبرانيّ بإسناد حسن، قال: «أُهديت للنبيّ صلى الله عليه وسلم شاة، فجثا على ركبتيه يأكل، فقال له أعرابيّ: ما هذه الْجِلْسة؟ فقال: إن الله جعلني عبدًا كريمًا، ولم يجعلني جبارًا عنيدًا».
قال ابن بطال: إنما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعًا لله، ثم ذكر من طريق أيوب، عن الزهريّ قال: «أَتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَلَكٌ لم يأته قبلها، فقال: إن ربك يُخَيِّرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا، أو مَلِكًا نبيًّا، قال: فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأومأ إليه أنْ تواضَعْ، فقال: بل عبدًا نبيًّا، قال: فما أكل متكئًا». انتهى، وهذا مرسلٌ، أو معضلٌ، وقد وصله النسائيّ من طريق الزبيديّ، عن الزهريّ، عن محمد بن عبد الله بن عباس، قال: كان ابن عباس يحدِّث، فذكر نحوه.
وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «ما رؤي النبيّ صلى الله عليه وسلم يأكل متكئًا قط».
وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد، قال: «ما أكل النبيّ صلى الله عليه وسلم متكئًا إلا مرّةً، ثم نزع، فقال: اللهم إني عبدك ورسولك»، وهذا مرسلٌ.
ويمكن الجمع بأن تلك المرّة التي في أثر مجاهد ما اطّلع عليها عبد الله بن عمرو، فقد أخرج ابن شاهين في «ناسخه» من مرسل عطاء بن يسار: «أن جبريل رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم يأكل متكئًا، فنهاه»، ومن حديث أنس: «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا نهاه جبريل عن الأكل متكئًا لم يأكل متكئًا بعد ذلك».
واختُلِف في صفة الاتكاء:
فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أيّ صفة كان،
وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض،
قال الخطابيّ: تحسب العامة أن المتكئ هو الآكل على أحد شقيه، وليس كذلك، بل هو المعتمد على الوِطاء الذي تحته، قال: ومعنى الحديث: إني لا أقعد متكئًا على الوطاء عند الأكل فِعْلَ مَن يَستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البُلْغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزًا.
وفي حديث أنس: «أنه صلى الله عليه وسلم أكل تمرًا، وهو مُقْعٍ»، وفي رواية: «وهو مُحتفزٌ»، والمراد: الجلوس على وركيه، غير متمكِّن.
وأخرج ابن عديّ بسند ضعيف: «زجر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل».
قال مالك: هو نوع من الاتكاء، قال الحافظ: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يُعَدّ الآكل فيه متكئًا، ولا يختص بصفة بعينها.
وجزم ابن الجوزيّ في تفسير الاتكاء بأنه الميل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابيّ ذلك.
وحَكَى ابن الأثير في «النهاية» أن من فسَّر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوّله على مذهب الطبّ بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا، ولا يُسيغه هنيئًا، وربما تأذى به.
واختلف السلف في حكم الأكل متكئًا:
فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية، وتعقّبه البيهقيّ، فقال: قد يُكره لغيره أيضًا؛ لأنه من فِعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، قال: فإن كان بالمرء مانع لا يَتمكَّن معه من الأكل إلا متكئًا لم يكن في ذلك كراهة، ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حَمْل ذلك عنهم على الضرورة، وفي الحمل نَظَر.
وقد أخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، وخالد بن الوليد، وعَبيدة السَّلْمانيّ، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن يسار، والزهريّ جواز ذلك مطلقًا.
وإذا ثبت كونه مكروهًا، أو خلاف الأَولى، فالمستحب في صفة الجلوس للأكل أن يكون جاثيًا على ركبتيه، وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى، ويجلس على اليسرى.
واستثنى الغزاليّ من كراهة الأكل مضطجعًا أكل البقل، واختُلف في علة الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعيّ قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءةً مخافة أن تعظم بطونهم، وإلى ذلك يشير بقية ما ورد فيه من الأخبار، فهو المعتمد، ووجه الكراهة فيه ظاهر، وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطبّ. انتهى [«الفتح» ١٢/ ٣١٩ – ٣٢١، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٩٨)].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: الذي يظهر مما سبق من الأدلّة أنه لا ينبغي الأكل متّكئًا؛ لمخالفته هدي النبيّ ﷺ، وأما النهي عنه فلم يثبت، فالأَولى أن يأكل مستوفزًا، مقعيًا؛ اتّباعًا للسُّنَّة، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط الثجاج للإتيوبي رحمه الله تعالى، (34/ 326 – 329)].
قال صاحب ” الفواكه الداواني” (2/317(ومن آداب الأكل ) المقارنة له ( أن تجعل بطنك ) ثلاثة أقسام ( ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس ) لاعتدال الجسد وخفته ; لأنه يترتب على الشبع ثقل البدن وهو يورث الكسل عن العبادة , ولأنه إذا أكثر من الأكل لما بقي للنفس موضع إلا على وجه يضر به , ولما ورد : { المعدة بيت الداء , والحمية رأس الدواء , وأصل كل داء البردة . والحمية خلو البطن من الطعام , والبردة إدخال الطعام على الطعام , ولفظ المعدة } إلخ من كلام بعض الحكماء أدخله بعض الوضاع في المسند المرفوع ترويجا له…
ومن كلامهم أيضا ما قاله مالك : ومن طب الأطباء أن ترفع يدك من الطعام وأنت تشتهيه… وقال سحنون : كل شيء يعمل على الشبع إلا ابن آدم إذا شبع رقد
طريقة أكل النبي صلى الله عليه وسلم :
فعن أنس رضي الله عنه قال: ” رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جالسا ً مقعياً يأكل تمراً ” رواه مسلم ٣٨٠٧
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ” والإقعاء أن ينصب قدميه ويجلس على عقبيه هذا هو الإقعاء وإنما أكل النبي صلى الله عليه وسلم كذلك لئلا يستقر في الجلسة، فيأكل أكلا كثيراً؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا كان مقعياً لا يكون مطمئنا في الجلوس فلا يأكل كثيراً وإذا كان غير مطمئن فلن يأكل كثيراً وإذا كان مطمئناً، فإنه يأكل كثيراً هذا هو الغالب…” انتهى من شرح “رياض الصالحين” .
وقال الحافظ رحمه الله : ” فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه أو ينصب الرجل اليمني ويجلس على اليسرى…” انتهى من “فتح الباري“
فهذه ثلاث جلسات للآكل :
1ـ الإقعاء..
2ـ أن يعتمد على ركبتيه وظهور قدميه.
3ـ أن يجلس على اليسرى وينصب اليمنى.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “…ولكن أحسن ما يكون ألا تجلس جلسة الإنسان المطمئن المستقر لئلا يكون ذلك سبباً لإكثار الطعام وإكثار الطعام لا ينبغي” انتهى من شرح “رياض الصالحين“
ولهذه الجلسه فوائد عظيمه من الناحية الطبية
أن الجهاز الهضمي يحتاج إلى كمية كبيرة من الدم ليستطيع القيام بما يلزم لاستقبال
الطعام الوارد،والتهيؤ لهضمه لذا كان الإجراء الطبي الصحيح لذلك وجوب الجلوس وثني الساقين تحت الجسم لحصر الدم في منطقة الجهاز الهضمي ، مع وضع الساق اليسرى منثنية واليمنى مرتكزة على القدم لجعل المعدة حرةطليقة بعيدةعن أي ضغط مسلط باتجاهها
من الخارج .
وهذا هو أصح حالة لعمل الجهاز الهضمي وهذا الوضع “جلسة الطعام” التي طبقها أستاذ البشرية سيدنا محمد (صلى الله عليهوسلم هو أصح وأسلم في حالة الجلوس على الأرض
أن الجلوس على المقعدة (التربيع) يؤدي إلى انبساط المعدة وإلى أن تأخذ المعدة مجالاً واسعاً
فتزيد قابليتها أو أحدهما مما يضيق حيز المعدة ويقلل اتساعها مما يؤدي بهاالإمتلاء
بمقدار أقل من الطعام حيث يشعر المرء بالشبع بآلية انعكاسية فيقل مطعمه ولا يصاب بالتخمة.
عدم الأكل منبطحاً أو الجلوس على ما حرم :
عن عمر رضي الله عنه ” أن رسول الله نهى عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه(بو داود وابن ماجة والحاكم وحسنه الألباني)
قال العباد :
شرح حديث (كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها)
أورد أبو داود حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنهما، وفيه أن الرسول ﷺ كان له قصعة، وكان يحملها أربعة رجال، وأنه أتي بها فالتف الناس حولها، ولما ازدحموا جثا الرسول ﷺ على ركبتيه؛ حتى يوسع في المكان، فقال أحد الحاضرين: ما هذه الجلسة؟ يعني: كأنه يريد أنها جلسة لا تليق بالنبي ﷺ، وأنها جلسة ليست مناسبة في حقه، فالنبي ﷺ قال: [(إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا)] يعني: هذا من تواضعه ﷺ، حيث يكون على هذه الهيئة، فيجثو على ركبتيه، ويكون معتمدًا على ركبتيه؛ لأن هذا يكون أسهل وأخف وأوسع للحاضرين، بحيث لا يضيق المكان عليهم.
شرح سنن أبي داود للعباد ٤٢٦/٣٣-٣٤
——
قال ابن القيم رحمه الله : والاتكاء على ثلاثة أنواع :
أحدها : الاتكاء على الجنب.
والثاني : التربع .
والثالث : الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى.
والثلاث مذمومة ” [زاد المعاد 1/148
قال ابن القيم رحمه الله : ” ويذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يجلس للأكل متوركاً على ركبتيه ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى تواضعاً لربه عز وجل وأدباً بين يديه واحتراماً للطعام وللموآكل فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها “[ زاد المعاد 4/221 .].
وعن أنس قال: ” أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم : بتمر فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع ” [مسلم].قال النووي رحمه الله : المقعي الذي يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه . اهـ وهو غير الاتكاء المنهي عنه.
قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله : وإذا ثبت كون الاتكاء مكروهاً أو خلاف الأولى فالسنة أن يجلس على اليسرى” [أشرف الوسائل ص 207] .
ومن هديه صلى الله عليه وسلم غسل اليدين قبل الطعام:
عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وإذا أراد أن يأكل غسل يديه “( النسائي وأحمد وابن حبان)
——
قال النووي :
“وَمَعْنَاهُ : لَا آكُل أَكْل مَنْ يُرِيد الِاسْتِكْثَار مِنْ الطَّعَام وَيَقْعُد لَهُ مُتَمَكِّنًا, بَلْ أَقْعُد مُسْتَوْفِزًا, وَآكُل قَلِيلًا ” انتهى من “شرح مسلم” .
قال الحافظ رحمه الله : ” واختلف في صفة الاتكاء فقيل أن يتمكن في الجلوس للآكل على أي صفة كان وقيل أن يميل على أحد شقيه وقيل أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض. قال الخطابي: تحسب العامة أن المتكئ هو الأكل على أحد شقيه وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته قال ومعنى الحديث إني لا أقعد متكئاً على الوطاء عند الأكل فعل من يستكثر من الطعام، فإني لا آكل إلا البلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزاً ” انتهى من “فتح الباري”(9/541)، وينظر معالم السنن للخطابي(4/242) وينظر أيضاً وزاد المعاد لابن القيم(4/202)
فتاوى :
السؤال: هل الأكل متربعًا من الأكل مُتكئًا؟
الجواب: لا، المُتكئ يكون مُتكئ على شيء على جنبه أو على ظهره، على جدار أو على مخدة أو على مسند، أما الأكل وهو متبرع هذا خلاف الجلسة التي سبقت لكم أنه يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى، المتبرع خلاف ذلك خلاف السنة.
تفريغ مقطع مرئي للشيخ صالح الفوزان حفظه الله
————————–
قال الشيخ عزيز فرحان العنزي -حفظه الله-:
هل التربع المشتهر عند الناس هو نوع من أنواع الاتكاء؟ ذكر بعضهم أنه نعم من أنواع الاتكاء، والقول الثاني قالوا أنه ليس هو من الاتكاء، وإنما نهى بعض العلماء الأكل متكئاً لا لأنه متكئ، وإنما لأن هذه الجلسة تجعل الإنسان يأكل أكثر من قدر الحاجة، والذي يظهر لي أن التربع المعروف ليس من الاتكاء.
تفريغ مختصر لمقطع على اليوتيوب بعنوان: (حكم الأكل متكئاً أو متربعاً؟)
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): الحث والإرشاد إلى التواضع لله تعالى.
2 – (ومنها): أن البركة في الاجتماع على الطعام مع الأكل من جوانبه.
3 – (ومنها): جواز تخصيص قصعة للطعام.
4 – (ومنها): جواز إطلاق وصف على القصعة، أو تسميتها بما اشتهرت به.
5 – (ومنها): كرم النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعه، وعنايته بأصحابه وجلسائه.
6 – (ومنها): جواز الجلوس جماعة بعد الفجر لانتظار صلاة الضحى وصلاتها فرادى.
7 – (ومنها): خدمة الأصحاب وإعانتهم لأخيهم وحملهم حاجته له.
8 – (ومنها): استحباب الاجتماع على الطعام، واستحباب الجلسة المذكورة، وخاصة عند ضيق المجلس، وأنها من شأن الكرام.
قال في تطريز رياض الصالحين: ” استحباب هذه الجلسة عند ضيق المجلس وأن الأكل من الجوانب مع ذكر الله تعالى سبب لحصول البركة”. انتهى.
9 – (ومنها): بيان استحباب مشاركة الكبير والقادة والأمراء وغيرهم لعامة الناس في طعامهم وشرابهم.
10 – (ومنها): التنفير من الكبر والترفع على الآخرين وردّ الحق.
11 – (ومنها): البدء بالطعام من جوانب القصعة، والحرص على إبقاء ما فيه من البركة والخير وعدم إزالته.
12 – (ومنها): مشروعية الأكل من جوانب الطعام قبل وسطه.
13 – (ومنها): مراقبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له، واستفسارهم عما لم يعقلوا أو جهلوا حكمته ليقتدوا به.
14 – (ومنها): البركة تكون في الوسط، وهي تؤثر في الطعام كله.
15 – (ومنها): تعليم الناس كيفية الأكل. [].
16 – (ومنها): استحباب ركعتي الضحى.
17 – (ومنها): علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته التواضع لله في كل الأمور، وكان يفعل بنفسه ما يدل على ذلك؛ فيعلمنا بالفعل كما يعلمنا بالقول.