[1ج/ رقم (524)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: طارق أبي تيسير، ومحمد البلوشي
و أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (524)]:
مسند الطفيل بن سخبرة رضي الله عنه
٥٢٤ – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٧٢): حَدَّثَنَا بَهْزٌ، وَعَفَّانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ طُفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ، أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا، أَنَّهُ رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّهُ مَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ الْيَهُودُ، قَالَ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الْقَوْمُ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللهِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: وَأَنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللهُ، وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ النَّصَارَى، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ النَّصَارَى، فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الْقَوْمُ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، قَالُوا: وَأَنْتُمُ الْقَوْمُ (٢)، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللهُ، وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ (٣)، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟» قَالَ عَفَّانُ: قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا صَلَّوْا، خَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا فَأَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنُعُنِي الْحَيَاءُ مِنْكُمْ، أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا»، قَالَ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ».
هذا حديث صحيحٌ.
—–
حاشية مسند أحمد رحمه الله – ط: الرسالة -:
(١) قال السندي. طفيل بن سخبرة: أزدي، حليف قريش، له صحبة، وهو غير الذي روى عنه الزهري، فلا صحبة له، وهو أخو عائشة لأمها أم رومان، كان عبد الله بن الحارث بن سخبرة قدم مكة فحالف أبا بكر، فمات، فخلف أبو بكر بعده على أم رومان، فالطفيل أكبر من عائشة ومن أخيها عبد الرحمن.
(٢) في (م): وإنكم أنتم القوم.
(٣) في (ظ ١٠) و(س): ما شاء الله وشاء محمد، والمثبت من (ق) و(م) ونسخة في (س) .
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، (٢٠٦٩٤).
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
١ – كتاب العلم، ٩٣ – قبول الحق ممن جاء به، (١٤٠).
وفي ٣٣ – كتاب التفسير، سورة التوبة، ١٨٩ – قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، [سورة التوبة، الآية: ٣٠]، (٤١١١).
وقال محققو المسند – ط: الرسالة -:
“حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح غير صحابيه، فلم يرو له غير ابن ماجه، وقد اختلف في إسناده على عبد الملك بن عمير كما سيأتي بيانه…
وفي باب المرفوع منه عن ابن عباس، سلف برقم (١٨٣٩) .
قال السندي: قوله: «كان يمنعني الحياء.. إلخ»: فيه: أن ما يوهم المنكر يمكن السكوت عنه حياءً، ثم إنه إنما نهى عنه لما علم إيهام هذه الكلمة المساواة، لا بمجرد الرؤيا. وانظر «الفتح»١١/٥٤٠-٥٤١”. انتهى.
قال باحث :
والذي يظهر من دراسة طرق هذا الحديث أنّ الذي رأى في المنام هو الطّفيل أخو عائشة أمّ المؤمنين، وسمعه منه حذيفة وجابر بن سمرة، ولكن الرواة لم يحفظوا اسمه لقلّة روايته فأبهموه، ومن الخطأ أن يجعل هذا الحديث من مسند حذيفة أو جابر بن سمرة، واللَّه تعالى أعلم.
- وعن قُتَيْلة امرأة من جهينة، أنّ يهوديًّا أتى النّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّكم تندِّدون وإنّكم تشركون تقولون: ما شاء اللَّه وشئتَ! وتقولون: والكعبةِ!.
فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: «وربِّ الكعبة»، ويقولوا: «ما شاء اللَّه ثم شئت».
صحيح: رواه النسائيّ (٣٧٧٣) عن يوسف بن عيسى، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا مسعر، عن معبد بن خالد، عن عبد اللَّه بن يسار، عن قتيلة، فذكرته.
وإسناده صحيح. وقد صحّحه أيضًا الحافظ في «الإصابة» بعد أن عزاه إلى النسائي.
ورواه أحمد (٢٧٠٩٣) عن يحيى بن سعيد، قال: حدثنا المسعودي، قال حدثني معبد بن خالد، بإسناده، وهذا لفظه: عن قتيلة بنت صيفي الجهنية، قالت: أتى حَبرٌ من الأحبار إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد، نعم القومُ أنتم، لولا أنّكم تُشركون، قال: «سبحان اللَّه، وما ذاك؟». قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة. قالت: فأمهل رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم قال: «إنّه قد قال، فمن حلف فلْيحلِف بربِّ الكعبة». ثم قال: يا محمد، نعم القومُ أنتم، لولا أنكم تجعلون للَّه ندًّا، قال: «سبحان اللَّه، وما ذاك؟». قال: تقولون: ما شاء اللَّه وشئتَ. قال: فأمهل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا، ثم قال: «إنّه قد قال، فمن قال: ما شاء اللَّه، فليفصل بينهما: ثم شئتَ».
والمسعودي مختلط، ولكن يحيى بن سعيد يروي عنه قبل الاختلاط. رواه الحاكم (٤/ ٩٧) من وجه آخر عن المسعودي مختصرًا، وقال: صحيح الإسناد.
وأمّا ما رواه أبو داود (٤٩٨٠)، والإمام أحمد (٢٣٢٦٥) كلاهما من حديث شعبة، عن منصور، عن عبد اللَّه بن يسار، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مختصرًا: «لا تقولوا ما شاء اللَّه وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء اللَّه ثم شاء فلان».
فهو منقطع؛ فإنّ عبد اللَّه بن يسار لم يسمع من حذيفة كما قال ابن معين.
قال عثمان بن سعيد الدّارميّ: وسألت يحيى بن معين عن عبد اللَّه بن يسار الذي يروي عنه منصور، عن حذيفة: «لا تقولوا ما شاء اللَّه وشاء فلان» ألقيَ حذيفة؟ فقال: لا أعلمه.
انظر: تاريخ ابن معين (٥٦٧)، وكذا ذكره أيضًا العلائيّ في جامع التحصيل (٤٠٧).
وقد سبق أن تابعه ربعي بن حراش، عن حذيفة، ولكن رجّح البخاريّ وغيره أنه من مسند الطفيل بن سخبرة أخي عائشة كما سبق. كما أن البخاري رجح رواية منصور عن عبد اللَّه بن يسار عن حذيفة على رواية معبد بن خالد بن عبد اللَّه بن يسار، عن فتيلة. ذكره الترمذيّ في العلل الكبير (٢/ ٦٥٩) واللَّه أعلم بالصواب
والثاني: شرح وبيان الحديث
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل)
(المسألة الأولى): هل قول: “ما شاء الله وشاء محمد”، يدخل في شرك الألفاظ ؟
وفيه مطالب:
(المطلب الأول): وفيه تمهيد
من الشرك في الألفاظ: قول ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وما لي إلا الله وأنت، ونحو ذلك مما فيه مساواة بين الخالق والمخلوق.
(المطلب الثاني): التنديد نوعان:
1) تنديد أكبر: وهو مخرج من الملة،
2) تنديد أصغر: وهو ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، مثل: (ما شاء الله وشئت)، ولولا الله وأنت.
(المطلب الثالث):
“فالله له مشيئة والعبد له مشيئة، ومشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، قال تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}،
وقال تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما}، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصل ذلك، فروى النسائي وصححه عن قتيلة أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء” … .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو، عضو، نائب رئيس اللجنة، الرئيس
عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله بن باز [اللجنة الدائمة: السؤال الأول من الفتوى رقم (3571)].
وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: “وفي هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره: »ما شاء الله وشئت ” يعتبر شركا في نظر الشارع، وهو من شرك الألفاظ، لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب عزوجل، وسببه القرن بين المشيئتين، ومثل ذلك قول بعض العامة وأشباههم ممن يدعى العلم: ما لي غير الله وأنت، وتوكلنا على الله وعليك، ومثله قول بعض المحاضرين: «باسم الله والوطن»، أو «باسم الله والشعب» ونحو ذلك من الألفاظ الشركية، التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها، أدبًا مع الله تعالى.
ولقد غفل عن هذا الأدب الكريم كثير من العامة، وغير قليل من الخاصة الذين يبررون النطق بمثل هذه الشركيات كمناداتهم غير الله في الشدائد، والاستنجاد بالأموات من الصالحين، والحلف بهم من دون الله تعالى، والإقسام بهم على الله تعالى، فإذا ما أنكر ذلك عليهم عالم بالكتاب والسنة، فإنهم بدل أن يكونوا معه عونا على إنكار المنكر عادوا بالإنكار عليه، وقالوا: إن نية أولئك المنادين غير الله طيبة! وإنما الأعمال بالنيات كما جاء في الحديث!
فيجهلون أو يتجاهلون- إرضاء للعامة- أن النية الطيبة إن وجدت عند المذكورين، فهي لا تجعل العمل السيئ صالحًا، وأن معنى الحديث المذكور إنما الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، لا أن الأعمال المخالفة للشريعة تنقلب إلى أعمال صالحة مشروعة بسبب اقتران النية الصالحة بها، ذلك ما لا يقوله إلا جاهل أومغرض! ألا ترى أن رجلًا لو صلى تجاه القبر لكان ذلك منكَرًا من العمل لمخالفته للأحاديث والآثار الواردة في النهي عن استقبال القبر بالصلاة، فهل يقول عاقل أن الذي يعود إلى الاستقبال بعد علمه بنهي الشرع عنه أن نيته طيبة وعمله مشروع؟ كلا ثم كلا، فكذلك هؤلاء الذين يستغيثون بغير الله تعالى، وينسونه تعالى في حالة هم أحوج ما يكونون فيها إلى عونه ومدده، لا يعقل أن تكون نياتهم طيبة، فضلًا عن أن يكون عملهم صالحًا، وهم يصرون على هذا المنكر وهم يعلمون. [«الصحيحة» (١/ ١/٢٦٦)].
(المطلب الرابع): حكمه:
قائل ذلك: إما أن يقوم بقلبه تعظيم لذلك المسوى بينه وبين الله أو لا، فإن قام بقلبه تعظيم لذلك المسوى بينه وبين الله، وكان عالما فهو شرك أكبر، وإن كان جاهلا علم، فإن أصر فهو والعالم ابتداء سواء، كل منهما مشرك شركا أكبر.
وإن لم يقم بقلبه تعظيم لذلك المسوى بينه وبين الله فهو شرك أصغر، فإن كان جاهلا علم، فإن أصر فهو والعالم ابتداءا سواء كل منهما مشرك شركا أصغر [انظر: فتاوى اللجنة ج ١ ص ٢٢٤]. وسبق نقل قول الشيخ الألباني رحمة الله عليه.
وسيأتي الكلام عن إطلاق بعض الألفاظ في محله بإذن الله تعالى.
(المطلب الخامس):
مما جاء فيه النهي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعطف اسم المخلوق على اسم الخالق بالواو بعد المشئية ونحوها؛ لأن المعطوف بها يكون مساويًا للمعطوف عليه، لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسوية المخلوق بالخالق شرك.
قال ابن الأثير: «وإنما فرّق بين قول: “ما شاء الله وشئت”، “وما شاء الله ثم شئت”؛ لأن الواو تفيد الجمع دون الترتيب، وثم تجمع وترتب، فمع الواو يكون قد جمع بين الله وبينه في المشئية، ومع ثم يكون قد قدّم مشيئة الله على مشئيته» [النهاية (ش ي أ)].
(المطلب السادس): الأدلة على تحريمه.
الأدلة على تحريم قول ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ونحوهما كثيرة منها ما يلي:
أ. من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة الآية ٢٢].
قال ابن عباس في هذه الآية: (الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك. . . وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. . . . هذا كله شرك). رواه ابن أبي حاتم.
والآية نزلت في الشرك الأكبر إلا أنها حجة في الشرك الأصغر كما فسرها ابن عباس وغيره لأن الكل شرك [تيسير العزيز الحميد ص ٥٢٢ – ٥٢٣].
ب. من السنة:
النّهي عن أن يقال: ما شاء اللَّه وشئت، خوفًا من التسوية بينهما
[حديث الباب]
صحيح: رواه ابن ماجه (٢١١٨ المكرر) عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدّثنا أبو عوانة، عن عبد الملك، عن ربعي بن حراش، عن الطّفيل بن سخبرة، فذكره.
وقوله: «لا تقولوا ما شاء اللَّه وشاء فلان» لأنّه مما يوهم التسوية.
- عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : «إذا حلف أحدُكم فلا يقل: ما شاء اللَّه وشئت، ولكن ليقلْ: ما شاء اللَّه ثم شئت».
حسن: رواه ابن ماجه (٢١١٧) عن هشام بن عمار، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الأجلح الكنديّ، عن يزيد بن الأصمّ، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في الأجلح، وهو الأجلح بن عبد اللَّه بن حُجيَّة -مصغرًا- يكني أبا حجية الكنديّ، يقال: اسمه يحيى، مختلف فيه: فضعّفه أبو داود والنسائي وابن سعد وابن حبان وغيرهم، ومشّاه غيرهم، فقال ابن معين: صالح، وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة.
والخلاصة أنه حسن الحديث، وفي التقريب: «صدوق شيعي».
وهو شاهد قويّ لما سبق.
ومن هذا الطريق رواه الإمام أحمد (٢١١٧)، والنسائيّ (٩٨٨) كلاهما بلفظ: «أنّ رجلًا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فكلّمه في بعض الأمر، فقال: ما شاء اللَّه وشئت! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : »أجعلتني اللَّه عدلًا، بل قلْ: ما شاء اللَّه وحده«. [الجامع الكامل في الحديث الصحيح، (1/ 379 – 381)].
(المطلب السابع):
“قد اتفق جمهور [انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٥] العلماء على النهي عن هذا القول ونحوه مما فيه تسوية بين الخالق والمخلوق.
وأما قول من قال بالجواز محتجا بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآية.
فقول مردود، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم أنكره، وقال لمن قال ذلك أجعلتني لله ندا، فمن المحال أن يقال إن ذلك جائز مع إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم له ونهيه عنه.
وأما احتجاجهم بالآيات، فقد ذكر العلماء عن ذلك أجوبة منها:
الأول: أن ذلك لله وحده لا شريك له، كما أنه تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته فكذلك هذا.
الثاني: أن في قوله (ما شاء الله وشئت) تشريكا في المشيئة بين مشيئة الله ومشيئة العبد.
وأما الآيتان: فإنما أخبر بهما عن فعلين متغايرين، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن رسوله أغناهم، وهو من الله حقيقة؛ لأنه الذي قدر ذلك ومن الرسول حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذلك الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم أنعم عليه بالعتق.
وهذا بخلاف المشاركة في الفعل الواحد، فالكلام إنما هو فيه، والمنع إنما هو منه [انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٥ – ٥٣٦]. [مجلة البحوث الإسلامية، 37/ 239 – 240)].
(المطلب الثامن): كيفية اتقائه ؟
إذا عطفنا بثم فإنه يقتضي تقديم مشيئة الله وأنها فوق مشيئة المخلوق [دعوة التوحيد محمد خليل هراس ص ٦٥ تيسير العزيز الحميد ص ٥٣٦]. [مجلة البحوث الإسلامية، 37/ 240 – 241)].
إذًا: فهناك ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يقول: ما شاء الله وشئت، وهذا شرك أصغر.
والحالة الثانية: أن يقول: ما شاء الله ثم شئت، وهذه جائزة.
والحالة الثالثة: أن يقول: ما شاء الله وحده، وهذه أفضل الحالات”. [شرح تفسير ابن كثير – الراجحي، (22/ 3)].
وفي المطلب التالي سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.
(المطلب التاسع): حكم إطلاق ما شاء الله وشئت (أحكام وفوائد):
يتبين مما سبق أن هذا الإطلاق له صور ثلاث وهي كالتالي:
١ – “ما شاء الله وحده”، فهذه أفضلها؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «قل ما شاء الله وحده».
٢ – “ما شاء الله ثم شئت” فهذه تجوز؛ لأن فيه العطف بثم والعطف بثم يقتضي الترتيب والتراخي ولكونه صار تابعًا.
ففيه إثبات المشيئة لله وحده، وإثبات المشيئة للعبد وأنها تابعة لمشيئة الله تعالى.
٣ – “ما شاء الله وشاء فلان” وهذا شرك؛ لأن في اللفظة مساواة غير الله مع الله فيما هو من خصائص الله.
وجاء الحديث صريحًا في تحريم هذا القول وما أشبهه من الألفاظ مما فيه العطف بالواو؛ لأن العطف بالواو يقتضي الجمع والمساواة بين الخالق والمخلوق، وهذا شرك أصغر، ينافي كمال التوحيد.
قال في التيسير: “قال ابن القيم: ومن ذلك أي من الشرك بالله في الألفاظ قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وذكر الحديث. ثم قال: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة. لقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨].
فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض. والله وحياة فلان أو يقول: نذرًا لله ولفلان، وأنا تائب لله وفلان، وأرجو الله وفلانًا.
فوازن بين هذه الألفاظ، وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش.
يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله ندا بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه ندا لرب العالمين.
فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذر، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت والدعاء، كل ذلك محض حق لله الذي لا يصلح ولا ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبي مرسل.
وفي «مسند» الإمام أحمد أن رجلا أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، قد أذنب فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد. فقال: «عرف الحق لأهله»”. [تيسير العزيز الحميد ص ٦٠٨].
[انظر]: تيسير العزيز الحميد ٦٠٥. فتح المجيد ٤٩٧. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٣٠٧. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ – ٢/ ٣٣٠، ٣٣٩، ط ٢ – ٢/ ٤٠٨ ومن المجموع ١٠/ ٨٠٢، ٨١١. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٣/ ٧٦. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٣٩٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٧٧. [معجم التوحيد، (3/ 390 – 393)].
(المطلب العاشر): سبب تأخير بيان النبي صلى الله عليه وسلم لخطأ قولهم: ما شاء الله وشاء محمد
“هذه الرؤيا أقرها النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله: (قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها) جاء في بعض الروايات أنه كان يمنعه الحياء، وإنما منعه الحياء لأن الله لم يأمره بنهيهم عنها، ولو أمره الله بنهيهم عنها لما منعه الحياء، فكان هذا الأمر جائزًا في أول الإسلام، فكانوا يقولون: (ما شاء الله وشئت) في أول الهجرة، وكانوا يحلفون بآبائهم، ثم جاء النهي بعد ذلك عن الحلف بغير الله، والنهي عن قول (ما شاء الله وشئت)، قال صلى الله عليه وسلم : (لا تحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت).
وقد كانت هذه الرؤيا سببًا في التشريع، وفيها أن اليهود والنصارى فهموا أن قول المسلمين: (ما شاء الله وشاء محمد) من الشرك الأصغر، ولم يفهموا ولم يفقهوا ما هم عليه من الشرك الأكبر، فاليهود يقولون: عزير ابن الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله، وهذا شرك أكبر وكفر وردة عن الإسلام، فأنكروا على المسلمين قولهم: ما شاء الله وشاء محمد، ولم ينظروا إلى ما هم فيه من الشرك الأكبر، وهذا يدل على أن الخاسر والخائب لا ينظر إلى عيبه وإنما ينظر إلى عيوب الآخرين.
وهذا من الأحاديث التي نقلها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعاىل في (كتاب التوحيد) في باب: (ما شاء الله وشئت)”.
وليس في الحديث السابق تأخير البيان عن وقت الحاجة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بأن ينهاهم، فقد كان هذا الأمر جائزًا في أول الإسلام، وكانت هذه الرؤيا سببًا في تشريع النهي عن قول (ما شاء الله وشئت)، فكانوا في الأول الأمر يقولون: ما شاء الله وشئت، وكانوا يحلفون بآبائهم، ثم استقرت الشريعة ونهي عن الحلف بغير الله، ونهي عن قول: ما شاء الله وشئت. [شرح تفسير ابن كثير – الراجحي، (22/ 3)].
وقال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله على السنة:
“هذه المسائل ليست من الشرك الأكبر، بل من الأصغر، كما دل عليه قوله في آخره: «قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها»، والنهي عن الشرك في الألفاظ أتى بالتدريج في تاريخ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وتبليغه أمته بالأوامر والنواهي، فكان الحلف بالآباء جائزا، ثم نهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وكذلك قول: ما شاء الله وشئت، ثم نهاهم عن ذلك؛ ولهذا قال المصنف – يقصد الشيخ محمد رحمه الله تعالى – في مسائل كتاب التوحيد: فيه أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لقوله: «كان يمنعني كذا وكذا»، ” وأما الشرك الأكبر فلا يجوز أن يؤخر إنكاره أو أن يمنع عنه مانع، أما شرك الألفاظ فقد تكون المصلحة والفقه – فقه الدعوة وفقه ترتيب الأهم والمهم وتقديم الأهم على المهم – أن يؤخر بعضه لتتم المصلحة العظمى، أما الشرك الأكبر فلا مصلحة تبقى مع وجوده”. [التمهيد لشرح كتاب التوحيد، (465 – 466)].
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
قوله: (يمنعني كذا وكذا)، أي: يمنعه الحياء كما في رواية أخرى، ولكن ليس الحياء من إنكار الباطل، ولكن من أن ينهى عنها دون أن يأمره الله بذلك، هذا الذي يجب أن تحمل عليه هذه اللفظة إن كانت محفوظة: أن الحياء الذي يمنعه ليس الحياء من الإنكار؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستحي من الحق، ولكن الحياء من أن ينكر شيئا قد درج على الألسنة وألفه الناس قبل أن يؤمر بالإنكار، مثل الخمر بقي الناس يشربونها حتى حرمت في سورة المائدة، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما لم يؤمر بالنهي عنها سكت، ولما حصل التنبيه على ذلك بإنكار هؤلاء اليهود والنصارى رأى صلى الله عليه وسلم أنه لا بد من إنكارها لدخول اللوم على المسلمين بالنطق بها”. [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، (10/ 818)].
[فائدة]:
قال الشيخ الألباني رحمة الله عليه مستنبطا من هذا الحديث :
إذا بدا لك أن السيئات والمفاسد ستكون أكثر من المصالح التي تبتغي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأمسك كما أمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هدم الكعبة، بل كما أمسك أيامًا عن أن يقول لأصحابه: «لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ليقل: ما شاء الله وحده». [«الهدى والنور» (٧٠٦/ ١٠: ٢١: ٠٠)].
(المطلب الحادي عشر): سد الذرائع: المنع من العبارات الموهمة للشرك ولو لم يُقصد معناها.
وسد النبي صلى الله عليه وسلم الذرائع إلى الشرك في حياته، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث، فقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأمر أصحابه رضي الله عنهم باللفظ الصحيح الموافق لعقيدة التوحيد، ونهاهم عما كانوا يقولون من ألفاظ فيها مخالفة لذلك حماية لهذه العقيدة، وسدا لكل ذريعة تخل بها أيا كان نوعها، أو قصد فاعلها.
وهذا كله صيانة، وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.
(المطلب الثاني عشر): تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره والأدب معه:
كان الصحابة رضوان الله عليهم أكثر الناس حبا وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم لمعايشتهم له وقربهم منه.
وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم يكون بالقلب، واللسان والجوارح، فالتعظيم بالقلب هو ما يستلزم اعتقاد كونه رسولا اصطفاه الله برسالته، وخصه بنبوته، وأعلى قدره، ورفع ذكره، وفضله على سائر الخلق أجمعين، كما يستلزم تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين.
أما التعظيم باللسان فيكون بالثناء عليه بما هو أهله، مما أثنى به على نفسه، أو أثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، ويدخل في ذلك الصلاة والسلام عليه، كما يشمل الأدب في الخطاب معه والحديث عنه صلى الله عليه وسلم.
وأما التعظيم بالجوارح فيشمل العمل بطاعته، وتجديد متابعته، وموافقته في حب ما يحبه، وبغض ما يبغضه والسعي في إظهار دينه، ونصرة شريعته، والذب عنه وصون حرمته.
وعلى ذلك فأساس التعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم وقاعدته التي ينبني عليها هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهي وزجر، وعبادة الله بما شرع. فمن فقد هذا الأساس أو أخل به فقد أخل بتعظيمه وتوقيره صلى الله عليه وسلم.
وهذا الإخلال يأتي من أمرين كليهما على طرفي نقيض:
أولهما:
الجفاء والتفريط في حقوقه صلى الله عليه وسلم. وذلك كنسبته إلى ما لا يليق بمقام النبوة كالطعن في صدقه أو أمانته وعدالته وذلك كصنيع ذي الخويصرة التميمي الذي طعن في قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم للغنائم …
ومما يلحق بالجفاء ترك الصلاة والسلام عليه لفظا وخطا، أو الاستهانة بهديه وسنته وقلة المبالاة بها أو التعظيم لشأن المفكرين والكتاب والقادة بما يغض من شأنه صلى الله عليه وسلم، مع أن هؤلاء مهما بلغوا لن يصلوا إلى مرتبة واحد من عامة الصحابة…
ولقد كان سلفنا الصالح إذا ذكر عندهم النبي صلى الله عليه وسلم أو حديثا من أحاديثه ظهر عليهم من الهيبة والإجلال والتأدب كما لو كان النبي صلى الله عليه وسلم أمامهم حتى إن بعضهم كان يبكي عند ذكره صلى الله عليه وسلم فكان محمد بن المنكدر إذا سئل عن حديث بكى حتى يرحمه الجالسون، وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحاضرين بالسكوت وقال: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب عند سماع قوله صلى الله عليه وسلم
وقد اشتملت سورة الحجرات في صدرها على مجموعة من التوجيهات التربوية للمسلمين في كيفية تعاملهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأدب معه.
فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ – إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ – إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ – وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 1 – 5]
فقد أشارت هذه الآيات إلى بعض وجوه الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم منها:
– عدم التقدم بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل أو إذن أو تصرف كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1]. قال ابن جرير في تفسير هذه الآية:
“لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي الله لكم فيه، ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله.
وهذا الأمر فرض باق على الأمة إلى يوم القيامة – مثل طاعته صلى الله عليه وسلم حيا وميتا- فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذوي العقول السليمة، فالأدب كل الأدب معه صلى الله عليه وسلم تقديم سنته وأقواله على كل قول أو رأي .
– ومنها عدم رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم الجهر له بالقول مخافة حبوط العمل. فالأدب معه في حياته غض الصوت عنده مع الهيبة والإجلال له، وأن يكون مجلس علم وحلم ووقار وسكينة، وأن يكون الحديث معه بتأدب وتلطف…
ومن تعظيمه صلى الله عليه وسلم الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، أو أثنى به عليه ربه سبحانه وتعالى من غير غلو ولا تقصير، ومن أعظم الثناء عليه: الصلاة والسلام عليه في مواطنها، وعند ورود ذكره الشريف على المسامع واللسان وعند الخط بالبنان…
وقد أخبر الله أنه وملائكته يصلون على النبي وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]
ومن تعظيمه صلى الله عليه وسلم نصرته والذب عنه، وقد أوجب الله على الأمة تعزير نبيه صلى الله عليه وسلم وتوقيره، وسبق أن بينا أن تعزيره صلى الله عليه وسلم يتضمن معنى النصرة والتعظيم. فواجب على الأمة أن تنصر الله ورسوله، وأن تنتصر لله ورسوله، وإذا كان نصر آحاد المسلمين واجبا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» .
وقوله عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» .
فكيف لا يكون نصر الرسول صلى الله عليه وسلم من أوجب الواجبات، بل حقه أن يفدى بالأنفس والأموال وأن يؤثر بكل عزيز وغال.
قال تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [التوبة: 120] الآية.
فحرم الله على المؤمنين التخلف عن نصرة نبيه والرغبة بالأنفس عنه، وأوجب على المؤمنين نصرته، وذلك في آيات عدة من القرآن منها:
قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .
وقال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة: 40] الآية
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} [الصف: 14] .
وامتدح الله المهاجرين بقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]
كما أثنى على الأنصار بقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] ونصر الرسول صلى الله عليه وسلم يشمل نصره باللسان والسنان والبنان، بالقول والفعل. نصرا له في ذات نفسه حماية لعرضه، وصونا لحرمته، وإرغاما لأعدائه ومبغضيه، وانتصارا له من كل من يؤذيه، وإجلالا لمقام النبوة من أي قدح أو عيب.
وقد أجمع أهل العلم على وجوب قتل من سب الرسول صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصا في نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له والإزراء عليه أو التحقير لشأنه…
ومن نصر الرسول صلى الله عليه وسلم نصر سنته والذب عن شريعته ودفع كيد الكائدين وطعن الطاعنين في سنته وسيرته، برد شبههم ودحض مفترياتهم وإظهار ما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق.
ويدخل في نصر الله ورسوله نصر الشريعة وأهلها والداعين إليها وتكثير سوادهم وإعانتهم على أمورهم، وقمع أعدائهم. ولا يتأتى هذا النصر ولا يتحقق إلا برفع علم الجهاد في سبيل الله جهادا للكفار والمنافقين، وتتبع الزنادقة والملحدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله في أرضه. وتطيق شرعه.
وترك النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه والتخاذل عنها تمكين لأعداء الإسلام من الطعن فيه وتشويهه وإضعاف شوكته وانتهاك حرماته وإذهاب هيبة النبي صلى الله عليه وسلم من النفوس.
الأمر الثاني:
الفرق بين التعظيم المشروع وغير المشروع:
ينبغي على المسلم أن يعلم أن التعظيم الذي أوجبه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم هو التعظيم المشروع اللائق بمقام النبوة والرسالة.
ومدار هذا التعظيم وأساسه هو الاتباع والاقتداء به صلى الله عليه وسلم فمن كان اتباعا واقتداء كان أكثر محبة وتعظيما، وأبعد عن الغلو والبدع. وليس كل ما يظن أنه من باب التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو في الحقيقة تعظيما مشروعا في حقه.
قال ابن عبد الهادي:
فالتعظيم نوعان: أحدهما: ما يحبه المعظم ويرضاه ويأمر به ويثنى على فاعله، فهذا هو التعظيم في الحقيقة.
والثاني: ما يكرهه ويبغضه ويذم فاعله، فهذا ليس بتعظيم، بل هو غلو مناف للتعظيم، ولهذا لم يكن الرافضة معظمين لعلي بدعواهم الإلهية والنبوة أو العصمة ونحو ذلك، ولم يكن النصارى معظمين للمسيح بدعواهم فيه ما ادعوا، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أنكر على من عظمه بما لم يشرعه، فأنكر على معاذ سجوده له، وهو محض التعظيم.
وفي المسند بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك: «أن رجلا قال: (يا محمد، يا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» .
وكان يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه، ونهاهم أن يصلوا خلفه قياما. وقال: «إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم» وكل هذا من التعظيم الذي يبغضه ويكرهه.
وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من قال له: ما شاء الله وشئت أخرج الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال أجعلتني والله عدلا. بل ما شاء الله وحده».
[تنبيه] سبق نقل ذلك، وبيان مظاهر محبة النبي صلى الله عليه وسلم في فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم، (2832)، (“[٥]” – (بابٌ فِيمَن يَوَدُّ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِأهْلِهِ ومالِهِ).
(المسألة الثانية): هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة؟
الرؤيا الصالحة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن تكون من الأنبياء:
وهذا القسم من أقسام الوحي يجب الإيمان بها والعمل بما دلت عليه؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي باتفاق الأمة، ولهذا ذكر الله تعالى في القرآن الكريم رؤيا إبراهيم في شأن ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام وكيف أقدم على ذبح ابنه واعتبر ما رآه في المنام أمرًا من الله تعالى، وكذلك قال الابن (يا أبت افعل ما تؤمر)، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢ – ١٠٥]، فلو لم تكن وحيًا لما جاز لإبراهيم عليه السلام الإقدام على ذبح ابنه.
وكذلك يقال في الرؤى التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بها أمرًا أو نهيًا [انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (٦١٣) طبعة فها تنبيهات الشيخ عبد العزيز بن باز].
القسم الثاني: رؤيا الصحابة التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم:
وهذه كذلك مصدر من مصادر التشريع؛ لأنها نوع من أنواع السنة وهي إقرارات النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب الإيمان بما دلت عليه والعمل بذلك أمرًا ونهيًا وأمثلة ذلك كثيرة جدًا، فمن ذلك: رؤيا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين للأذان، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
[وحديث الباب حديث طفيل بن سَخْبرة]
فهذه الرؤيا حق أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل بمقتضاها.
ولهذا لما بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب: «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد» بابًا في قول: (ما شاء الله وشئت) استشهد بحديث الطفيل السابق ثم ذكر من مسائل هذا الباب: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي [التوحيد مع شرحه فتح المجيد (ص٦١٣)].
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه: «تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد» في شرح هذا الحديث «كان صلى الله عليه وسلم يعتني بالرؤيا؛ لأنها من أقسام الوحي، وكان إذا صلى الصبح كثيرًا ما يقول: «هل رأى أحد منكم رؤيا» قال: (وفيه أن الرؤيا قد تكون سببًا لشرع بعض الأحكام كما في هذا الحديث، وحديث الأذان، وحديث الذكر بعد الصلوات) [تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد (ص٦٠٥، ٦٠٦)].
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» في شرح هذا الحديث: «قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي، يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرًا ونهيًا، والله أعلم [فتح المجيد (٦١٣)].
والأمثلة على ذلك لا تحصى.
القسم الثالث: رؤيا الصالحين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم :
فهل يعتمد عليها في إثبات الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وهل يعتمد بها دليلا مستقبلًا من أدلة الشرع في الإثبات والنفي؟ وفي أي مجال يكون اعتبارها والاعتداد به؟
والحق في ذلك ما اتفق عليه أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، ولا تتخذ دليلًا شرعيًا، وإنما هي تبشير وتحذير وتنبيه، ولهذا سماها الرسول صلى الله عليه وسلم : «المبشرات».
ولكنها قد تعتبر وتصلح للاستئناس فقط إذا وافقت حجة شرعية صحيحة.
يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله: (… اتفق أهل العلم على أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس رضي الله عنهما. [التنكيل (٢/ ٢٥٩)]. وحديث ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة؟ [المتعة: هي العمرة في أشهر الحج وانظر فتح الباري (٣/ ٤٢٣)] فأمرني بها وسألته عن الهدي؟ فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم، قال: وكأن ناسًا كرهوها، فنمت، فرأيت في المنام وكأن إنسانًا ينادي حج مبرور ومتعة منقلبة، فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته، فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. [صحيح البخاري كتاب الحج (١/ ٥١٥) الحديث رقم (١٦٨٨) وصحيح مسلم الحديث (١٢٤٢)].
قال ابن حجر عفا الله عنه في شرح هذا الحديث: (ويؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم) [فتح الباري (٣/ ٤٣١)].
فمجرد الاستبشار بالرؤيا الصالحة، لا يضر؛ لأن العمدة في الموضوع إنما هو الاستدلال الشرعي، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها».
وفي حديث أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب». [أخرجه هذه الرواية مسلم في صحيحه كتاب الرؤيا (٤/ ١٧٧٢)]، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستبشار بالرؤيا الحسنة.
يقول ابن القيم رحم الله: (ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام بالرؤيا).
وأما رؤيا غيرهم:
فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لا يعمل بها،
فإن قيل: فما تقولون إذا كانت الرؤيا صادقة، أو تواطأت؟
قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه فينتبه بالرؤيا على ذلك. [مدارج السالكين (١/ ٦٢، ٦٣) وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٩/ ٥، ٧) وجامع الرسائل، لشيخ الإٍسلام ابن تيمية (٢/ ٩٢) تحقيق الدكتور: محمد رشاد سالم].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيء بالاتفاق). [مجموع الفتاوى لشيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله (٢٧/ ٤٥٧)].
ويقول الشاطبي رحمه الله في كتابه الاعتصام: (الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، أما استفادة الأحكام فلا).
ويقول رحمه الله أيضًا: (نعم يأتي المرئى تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلًا، وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها والله أعلم [الاعتصام (١/ ٣٥٧)].
وما يحكى عن بعض العلماء من الخلاف في حجة رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذلك فيما إذا وافقت حكمًا شرعيًا فالعبرة في هذه الحالة بالحكم الشرعي لا بها،
يقصدون رؤيا بعض الناس النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يأمرهم بشيء أو ينهاهم
قال الشوكاني رحمه الله في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم: (وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم قد كمله الله تعالى، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) [إرشاد الفحول (ص٢٤٩)].
وقال ابن بدران رحمه الله: (وقيل: إنه يعمل به ما لم يخالف شرعًا ثابتًا، وهذا القول هو والعدم سواء؛ لأن العمل يكون بما ثبت من الشرع لا به، ثم لا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا، قد كمله الله لنا …). [المدخل لابن بدران (ص٢٩٧) تحقيق الدكتور عبد الله التركي، وانظر: الموافقات للشاطبين (٢/ ٢٦٦، ٢٧٣، ٢٧٥) وطرح التثريب للعراقي (٨/ ٢١٥) والمدخل لابن الحاج (٤/ ٢٨٦ – ٢٩٢)].
[إذا] الرؤيا الصالحة مجرد مبشرات يستأنس بها كما دلت على ذلك النصوص، وفعل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن بعدهم من العلماء [انظر: الموافقات (١/ ٨٢) (٢/ ٢٦٦)].
وعلى ذلك يحمل ما ورد عن أهل العلم من الاستشهاد بالرؤيا الصالحة في بيان فضل العلماء ومكانتهم وما يقال في أهل البدع [وانظر: كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في المسائل التالية (٢/ ٦٣٦) سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن من رآه في المنام رأى الحق، وأن الشيطان لا يتمثل به، وفيمن رآه وسأله عن القرآن فأجاب بأنه غير مخلوق، من العلماء الصالحين (٤/ ٧٤٤) سياق ما روي عن الرؤيا السوء في المعتزلة و(٦/ ١٠١١) سياق ما روي عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وما حفظ من قوله في المرجئة]. [الرؤى عند أهل السنة].
فرؤيا الصالحين قد تكون حقًا: إذا وافقت النصوص الشرعية.
(المسألة الثالثة): أدب النهي: الحياء لا يمنع النهي عن المنكر إذا ثبت تحريمه.
سبق إيراد ما يتعلق بهذا في (المطلب العاشر) من المسألة الأولى
(المسألة الرابعة): التدرج في الدعوة والتعليم، النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه الصحابة مباشرة حتى وجد الفرصة المناسبة.
سبق إيراد كلام الألباني رحمه الله، وكلام صالح آل الشيخ حفظه الله تعالى في (المطلب العاشر) من المسألة الأولى.
(المسألة الخامسة): قبول الحق ممن جاء به:
(المطلب الأول): فهم الإنسان إذا كان له هوى.
فهؤلاء اليهود هم أهل الشرك يقولون: عزير ابن الله، ويشركون بالله – جل وعلا – لكنهم مع كونهم مشركين نقموا على أهل الإسلام أنهم يشركون، وهذا لأجل الطعن فيهم، فالهوى وطلب تنقص أهل الإسلام والنقد عليهم ومخاطبتهم بما يسوؤهم، كل هذا كان قصدا لهم؛ ولهذا فهموا من أين يدخلون، فأهل الإسلام أهل التوحيد قالوا لهم: إنكم تشركون، وهم أهل الشرك، فردوا عليهم بما قالوا، مما يستفاد منه أن صاحب الهوى قد يفهم الصواب، فإذا فهم الصواب فإن الواجب أن يقبل منه. [التمهيد لشرح كتاب التوحيد ١/٤٦4].
(المطلب الثاني): أن على طالب الحقّ، ومتّبع الصواب أن يأخذ الحقّ أينما وجده، ولو كان عند غير أهله
قال الشيخ صالح آل الشيخ رحمه الله تعالى:
“المسلم يجب عليه أن يقبل الحق ممن جاء به، ولو كان يهوديا أو نصرانيا، فهذا اليهودي والنصراني توجها إلى المؤمنين بالقدح فيهم بالشرك، ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من قبول الحق الذي قالوه أنهم يهود، بل قبل ما جاء به ذلك اليهودي فأوصاهم أن يتركوا ذلك التنديد، لأن الحق هو ضالة المؤمن أين وجده أخذه، فلا يمنعه من قبول الحق أن قاله مشرك، أو قاله كافر، أو قاله فاسق، أو قاله مبتدع، أو قاله ضال، إذا كان الكلام في نفسه حقا؛ لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها» [أخرجه ابن ماجه (٤١٦٩)]”. [التمهيد لشرح كتاب التوحيد ١/٤٦4].
وقال الإتيوبي رحمه الله:
“أن على طالب الحقّ، ومتّبع الصواب أن يأخذ الحقّ أينما وجده، ولو كان عند غير أهله، كما يقال: “الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها”،
فلا يمنع الإنسان العداوة الشخصيّة، أو الدينيّة، أو غيرها من قبول الحقّ، والإذعان له كيفما كان،
وهذا هو المصيبة الطامة عند العوامّ، فإنهم لا يتلقّون الحقّ إلا عند من يعتقدونه، ولو أتاهم غيره بالحق الواضح لا يقبلونه، بل يردّونه، فقول من يعتقدونه؛ قال الشيخ الفلانيّ، أحبّ إليهم من قول من لا يعتقدونه: قال اللَّه تعالى، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ،
وهذه هي الداهية العُظمى حلّت بضعفاء الإيمان، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا أتاه هذا اليهوديّ، وقاله ما تقدّم قبل منه ذلك؛ لأنه حقّ، ونبّه أمته، وأرشدهم إلى ما هو الصواب، ولم يقل: إنه يهوديّ لا يؤمن به، فيُردّ قوله كلا، وحاشا، اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. آمين. [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، (30/ 306 – 307)].
[تنبيه]: لا يعني ذلك أن طالب العلم والباحث عن الحق أن يتقصد أخذ العلم عن أهل البدع، والمجاهيل، وقد كثر في الآونة الأخيرة ذلك في وسائل التواصل الذي قرب البعيد!
(المطلب الثالث): القاعدة عند أهل السنة والإيمان أن البدعة لا ترد ببدعة والباطل لا يرد بباطل
“هذا فيه أن صاحب الهوى أو صاحب الملة الباطلة قد يرد على صاحب الحق بأن عنده باطلا كما أن عند ذاك باطلا، فإذا واجهه بذلك فالواجب عليه أن يتجرد للحق وأن لا يرد الحق لأجل أن من أتى به صاحب باطل، فالقاعدة عند أهل السنة والإيمان أن البدعة لا ترد ببدعة والباطل لا يرد بباطل، وقد حصل كثير من البدع في تاريخ الإسلام، وحصلت الشبهات، وقويت بعض الضلالات بسبب أن من وجه بحق لم يتقبله ورده؛ لأن الذي واجهه بذلك الحق صاحب باطل، فلما لم يقبل الحق صار يوجه الأدلة ويؤولها؛ من أجل إبطال ذلك الحق، وهذا كما فعله طائفة من أهل البدع، والواجب أيضا ألا ترد البدعة ببدعة، وإنما ترد البدعة بحق، وإذا جهل المرء كيف يرد البدعة بحق، فليصبر حتى يتعلم، أو يسأل أهل العلم، وليس من الواجب عليك أن ترد مباشرة، بل إذا ووجهت بحق ولو كان من أضل الضلال فاقبل، فإبليس – الشيطان – قبل منه بعض الحق الذي جاء به، وأرشد إليه أبا هريرة، وهؤلاء اليهود والنصارى في هذين الحديثين قبلنا منهما حقا أرشدونا إليه في أعظم المسائل وأجل المطالب، وهو توحيد الله عزوجل “. [التمهيد لشرح كتاب التوحيد، (465)].
تنبيهات:
هذا الحديث أصلٌ في سلامة الاعتقاد وحماية التوحيد، وفيه توجيهات:
– تنقية الألفاظ: فالسلف كانوا يتورعون عن العبارات المُجملة، كقولهم: “ما شاء الله ثم شئت”.
– الفرق بين المشيئة: مشيئة الله مطلقة، ومشيئة العبد مقيدة بإذنه تعالى، فلا يُقرن اسمُ المخلوق مع الخالق في المشيئة.
– الاستدلال بالرؤيا: لا تُعتبر دليلًا مستقلًا، بل تُعرض على النصوص، فإن وافقتها قُبلت.
وفي حكم التعويل على الرؤيا في إثبات الأحكام الشرعية، قال الشيخ عبد المحسن العباد:
“قال المصنف – أي: أبو داود – رحمه الله تعالى: [قال في حديث حماد: فرأى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم، فقال: يا رسول الله! إن أبا عياش يحدث عنك بكذا وكذا، قال: صدق أبو عياش].
يعني: هذه الرؤيا مطابقة لشيء ثابت بالإسناد، والأصل أن لا يعول على ما يأتي من طريق الرؤى، ولكن هذا مطابق لشيء ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما إذا ادعى أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال له: افعل كذا، أو قال له عن شيء لا يعرف له أساس في السنة ولا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعول عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما فارق الحياة الدنيا إلا وقد أكمل الله به الدين وأتم على الأمة النعمة، كما قال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة:٣]”.[شرح سنن أبي داود للعباد ٥٧٦/٢٦].
سبق بيان ما يتعلق بذلك.
والربع: فوائد الحديث:
1 – (منها): أن قول الإنسان: ما شاء اللَّه، وشئت من الإشراك باللَّه تعالى، فيحرم عليه، فإن كان يعتقد التشريك، فهو شرك أكبر، مخرج من الملّة، وإن كان لا يعتقد ذلك، فهو إشراك في اللفظ، فيكون شركًا أصغر، محرّمًا تجب التوبة منه.
وقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده»، والمصنّف في «عمْل اليوم والليلة»، وابن ماجه في «سننه»، من رواية يزيد بن الأصم، عن ابن عبّاس، قال. قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : «إذا حلف أحدكم، فلا يقل: ما شاء اللَّه وشئت، ولكن ليقل: ما شاء اللَّه ثم شئت».
وفي أول حديث أحمد، والنسائيّ، قصّة، ولفظها: «أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما شاء اللَّه، وشئت، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم : »أجعلتني واللَّه عَدْلًا [بنصب «اللَّهَ» على المعية، و«عَدْلا» بالفتح: أي مثلًا]، بل ما شاء اللَّه وحده«.
وأخرج أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه أيضًا، عن حذيفة رضي الله عنه: “أن رجلا من المسلمين، رأى في النوم، أنه لقي رجلا من أهل الكتاب، فقال: نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون، تقولون: ما شاء اللَّه، وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: أما واللَّه، إن كنت لأعرفها لكم، قولوا: ما شاء اللَّه، ثم شاء محمد«. لفظ ابن ماجه.
هكذا رواية ابن عيينة، عن عبد الملك بن عُمير، عن ربعي، عن حذيفة، وخالفه غيره، حماد بن سلمة، عند أحمد، وشعبة، وعبد اللَّه بن إدريس، وأبو عوانة كلهم عن عبد الملك بن عمير، عن ربعيّ، عن الطفيل بن سَخْبرة، أخي عائشة رضي الله عنها، وهو الذي رجحه الحفاظ، وقالوا: إن ابن عيينة وَهِم في قوله: عن حذيفة.
ولفظ أحمد-٢٠١٧١ – من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حِرَاش، عن طُفَيل بن سَخْبَرة، أخي عائشة لأمها، أنه رأى فيما يرى النائم، كأنه مَرّ برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟، قالوا: نحن اليهود، قال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن اللَّه، فقالت اليهود: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء اللَّه، وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى، فقال: من أنتم؟، قالوا: نحن النصارى، فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن اللَّه، قالوا: وإنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء اللَّه، وما شاء محمد، فلما أصبح أخبر بها، من أخبر، ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأخبره، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ -قال عفان- قال: نعم، فدما صَلَّوا خطبهم، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال:»إن طُفيلا رأى رؤيا، فأخبر بها من أخبر منكم، وانكم كنتم تقولون كلمة، كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: لا تقودوا: ما شاء اللَّه، وما شاء محمد». انتهى.
2 – (ومنها): أنه يدلّ على أن الشرك جريمة كبرى، معروفة حتى في الأديان المحرّفة، كاليهوديّة، والنصرانيّة، فإنهم يعرفون خطر الشرك، ثم يقعون فيه. [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، (30/ 306 – 308)].
3 – (ومنها): أهمية العناية بتوحيد الألفاظ، فحتى العبارات اليسيرة قد يكون لها أثر في العقيدة.
4 – (ومنها): الدقة في الكلام عن الله تعالى، فلا يجوز قول ما قد يوهم التشريك بينه وبين المخلوق.
5 – (ومنها): حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حماية التوحيد؛ حتى في الألفاظ المتداولة بين المسلمين.
6 – (ومنها): أن الحياء لا يمنع من تصحيح العقيدة.
7 – (ومنها): “بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى مَنْ سَدَّ بَابًا مُحَرَّمًا أَنْ يَفْتَحَ لَهُم بَابًا مُبَاحًا”.
8 – (ومنها): “إنكار المنكر وإن كان في أمر يتعلق بالمنكر، لقوله صلى الله عليه «أجعلتني لله ندًا»، مع أنه فعل ذلك تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا إذا انحنى لك شخص عند السلام، فالواجب عليك الإنكار.
9 – (ومنها): أن من حسن الدعوة إلى الله تعالى أن تذكر ما يباح إذا ذكرت ما يحرم، لأنه صلى الله عليه وسلم لما منعه من قوله: «ما شاء الله وشئت» أرشده إلى الجائز وهو قوله: «بل ما شاء الله وحده».
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: «رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت، أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحدًا؟. قلت نعم قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده».
10 – (ومنها): “أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، لِقَوْلِهِ (يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا).
11 – (ومنها): أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ مِنْ أَقْسَامِ الوَحْي.
12 – (ومنها): أَنَّهَا قَدْ تَكُوْنُ سَبَبًا لِشَرْعِ بَعْضِ الأَحْكَامِ”.
13 – (ومنها): أهمية مراجعة الأقوال والعبارات المتداولة، وفق الضوابط الشرعية.
14 – (ومنها): بيان حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأخطاء.
15 – (ومنها): بيان حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في التربية باللين أولًا، ثم النهي عند ظهور المفسدة.
16 – (ومنها): تعليم الأدب في مخاطبة المخالفين، كما في رد اليهود والنصارى في الرؤيا.
17 – (ومنها): استغلال الدعاة للفرص؛ لتصحيح المفاهيم في المحافل والمجالس، وغيرها.