[1ج/ رقم (543)] فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة محمد بنياد وطارق أبي شديد أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الإمام الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند [1ج/ رقم (543)]:
مسند عبد الله بن أَقْرَمَ بن زيد الخزاعي رضي الله عنه
٥٤٣ – قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى (ج ٢ ص ١٤٨): حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَقْرَمِ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي بِالْقَاعِ مِنْ نَمِرَةَ»، فَمَرَّتْ رَكَبَةٌ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، قَالَ: فَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ إِذَا سَجَدَ – أَرَى بَيَاضَهُ -.
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن أقرم حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث داود بن قيس ولا يعرف لعبد الله بن أقرم الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير هذا الحديث.
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح، إلا عبيد الله بن عبد الله بن أقرم، وقد وثَّقه النسائي كما في «تهذيب التهذيب».
والحديث من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري ومسلمًا أن يخرجاها، كما في «الإلزامات» (برقم ٣٣).
الحديث أخرجه النسائي (ج ٢ ص ٢١٣)، وأخرجه ابن ماجه (ج ١ ص ٢٨٥)، والحُمَيْدي (ج ٢ ص ١٠٣)، ويعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (ج ١ ص ٢٦٥)، وعبد الرزاق (ج ٢ ص ١٦٩)، وأحمد (ج ٤ ص ٣٥).
===================
ولتوضيح الحديث، يمكن تقسيم الكلام عليه من موجوه:
الوجه الأول:
أورد الحديث الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله في جامعه، أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ، باب: ما جاء في التجافي في السجود، (٢٧٤).
ثم قال الترمذي رحمه الله بعد أن أورد الحديث:
“وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ بُحَيْنَةَ، وَجَابِرٍ، وَأَحْمَرَ بْنِ جَزْءٍ، وَمَيْمُونَةَ، وَأَبِي حُمَيْدٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَأَبِي أُسَيْدٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ، وَعَائِشَةَ.
حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَقْرَمَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ.
وَلَا نَعْرِفُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَقْرَمَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَأَحْمَرُ بْنُ جَزْءٍ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَرْقَمَ الزُّهْرِيُّ كَاتِبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَقْرَمَ الْخُزَاعِيُّ إِنَّمَا يُعْرَفُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ”. انتهى.
والوادعي رحمه الله جعله في جامعه:
4 – كتاب الصلاة، ١١٥ – التفريج بين الإبطين إذا سجد، (٩٨٠).
والثاني: شرح وبيان الحديث
قال الإمام أبو عيسى الترمذي رحمه الله (بَاب: مَا جاء في التجافي في السجود) أي: التفرج فيه، وبوب عليه الوادعي رحمه الله في الجامع: “التفريج بين الإبطين إذا سجد”.
قال الإتيوبي رحمه الله: ” أي: هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية التجافي في حال السجود.
و«التجافي»: مصدر «تجافى»، «يتجافى»: إذا تباعد. ويقال فيه: «المجافاة» أيضا، قال ابن مالك رحمه الله تعالى:
لِفَاعَلَ الْفعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَامَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ
والمراد بالتجافي هنا: تباعد الأعضاء بعضها عن بعض، كاليدين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين. والله تعالى أعلم بالصواب.”. انتهى.
قال الترمذي رحمه الله: (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَقْرَمِ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ)، أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَقْرَمَ وَهُوَ صَحَابِيٌّ مُقِلٌّ
(قَالَ: «كُنْتُ مَعَ أَبِي بِالْقَاعِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْقَاعُ أَرْضٌ سَهْلَةٌ مُطْمَئِنَّة،ٌ قَدِ انْفَرَجَتْ عَنْهَا الجبال والآكام قِيعٌ وَقِيعَةٌ وَقِيعَانٌ بِكَسْرِهِنَّ وَأَقْوَاعٌ وَأَقْوُعٌ. انْتَهَى.
(مِنْ نَمِرَةَ»)، بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ، قَالَ فِي القاموس: نمرة كفرحة، مَوْضِعٌ بِعَرَفَاتٍ أَوِ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ عَلَى يَمِينِكَ خَارِجًا مِنَ الْمَأْزِمَيْنِ. انْتَهَى.
(فَمَرَّتْ رَكَبَةٌ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، قَالَ: فَكُنْتُ أَنْظُرُ) ذكر هذا ليكون أدعى للقبول.
(إِلَى عُفْرَتَيْ) الْعُفْرَةُ بِالضَّمِّ هُوَ بَيَاضٌ غَيْرُ خَالِصٍ، بَلْ كَلَوْنِ عُفْرِ الْأَرْضِ وَهُوَ وَجْهُهَا، أَرَادَ مَنْبَتَ الشَّعَرِ مِنَ الْإِبْطَيْنِ بِمُخَالَطَةِ بَيَاضِ الْجِلْدِ سَوَادَ الشَّعَرِ، كَذَا فِي الْمَجْمَعِ.
قال السندي رحمه الله تعالى: وكأنه كان ينظر في الصلاة، وهذا لا يضر حديث أبي هريرة السابق؛ينفع لأنه مختلف حسب اختلاف الناس في الصلاة. انتهى [«شرح السندي» ج ٢ ص ٢١٣].
وَالْحَدِيثُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي السُّجُودِ أَنْ يُنَحِّيَ يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. قاله المباركفوري رحمه الله. [تحفة الأحوذي، (2/ 129 – 110)، بتصرف يسير].
وفي رواية الإمام أحمد في مسنده (١٦٤٠٣)، ذكره بأطول من هذا، فقال:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَقْرَمَ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِيهِ بِالْقَاعِ مِنْ نَمِرَةَ، قَالَ: فَمَرَّ بِنَا رَكْبٌ فَأَنَاخُوا بِنَاحِيَةِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ، كُنْ فِي بَهْمِكَ حَتَّى آتِيَ هَؤُلَاءِ الرَّكْبَ فَأُسَائِلَهُمْ، قَالَ: دَنَا مِنْهُمْ وَدَنَوْتُ مِنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَإِذَا فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَصَلَّيْتُ مَعَهُمْ وَكَأَنِّي «أَنْظُرُ إِلَى عُفْرَتَيْ إِبْطَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ». وقال محققو المسند: “إسناده صحيح”.
والثالث: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
كانت صلاة النبي ﷺ، صلاة رغبة ونشاط، وكان يعطى كل عضو حقه – من العبادة.
ولهذا كان إذا سجد فرج بين يديه، ومن شدة التفريج بينهما، يظهر بياض إبطيه.
كل ذلك عنوان النشاط في الصلاة، والرغبة في العبادة، وتباعدًا عن هيئة الكسلان، الذي يضم بعض أعضائه إلى بعض، فيزيل عن بعضها عناء العبادة.
(المسألة الأولى): بيان الهيئة المشروعة في حالة السجود.
عَن ابْن عَبَّاس قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: «أُمرت أَن أَسجد عَلَى سَبْعَة أعظم من الْجَبْهَة وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنفه وَالْيَدَيْنِ والركبتين وأطراف الْقَدَمَيْنِ وَلَا نكفت الثِّيَاب وَالشعر» مُتَّفق عَلَيْهِ، وَلَفظه للْبُخَارِيّ.
قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله على السنة: “هذا الحديث الذي فيه أعضاء السجود وأنها سبعة وهما الجبهة والأنف واليدين والركبتين وأطراف القدمين هذه هي الأعضاء السبعة التي يكون عليها السجود، والتي بينها الرسول بقوله “أمرت أن أسجد على سبعة أعظم”، وذكرها، فهذه هي الهيئة التي يكون عليها السجود،
وهيئة السجود هي التي يكون بها استغلال الأرض أكثر، الإنسان عندما كان يصلي يستغل الأرض في حال سجوده أكثر من جميع الأحوال الأخرى؛ لأنه في حال قيامه وفي حال ركوعه ما على الأرض إلا رجليه والباقي ليس على الأرض، وفي حال جلوسه أشرف شيء فيه هو وجهه وكذلك يداه لا يصلان الأرض، وإنما في حال سجوده كل هذه الأعضاء يصلها الأرض،
ولهذا قيل لأماكن العبادة مساجد أخذت من حالة السجود؛ لأنها هي التي استغلوا فيها الأرض أكثر من غيرها ما قيل لها مراكع ولا قيل لها مواقف ولا قيل لها مجالس؛ لأن أحوال المصلي أربعة لا خامس لها، فهو إما قائم وإما راكع وإما ساجد وإما جالس في التشهدين وبين السجدتين،
فلهذا أطلق على أماكن العبادة مساجد؛ لأنها هي كما هو معلوم تستغل الأرض أكثر في حال السجود منها في حال الأحوال الأخرى،
“ولا تكفت الثياب والشعر”، يعني: الإنسان لا يرفع ويشمر ثيابه ويحزمها وإنما يتركها كما هي دون أن يشمرها، وكذلك شعر الرأس إذا كان ينسدل على الجبهة شيئا من الرأس فإنه لا يزيله ويكفته إلى أن يكون من الخلف، بل يخليه يسجد معه هذا الذي يكون يظهر من مقدم الرأس على جبهته أو على أطراف جبهته فإنه لا يكفته ويجعل العمامة تغطيه وإنما يتركه”. [شرح المحرر في الحديث].
وقال الإتيوبي رحمه الله: فينبغي للساجد أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عنها، وعن جنبيه رفعا بليغا بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستورا، وهذا مما لا خلاف فيه.
قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: والحكمة في هذا أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، فإن المنبسط كشبه الكلب، ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة، والله تعالى أعلم. انتهى. [«شرح مسلم» ج ٤ ص ٢٠٩]. [ذخيرة العقبى].
(المسألة الثانية): وَعَن عبد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة: «أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ كَانَ إِذا صَلَّى فرّج [بَين] يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ» مُتَّفق عَلَيْهِ.
قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله على السنة: “ثم ذكر هذه الهيئة للسجود وهو أنه إذا سجد فرق بين يديه حتى يرى إبطه وذلك؛ لأنه ما كان يلصقها بجنبه عند سجوده، وإنما يجافي فيه مجافاة عند السجود، بحيث يضع يديه على الأرض ويجافي بعضديه عن جنبيه، فلا يلصقهما لا بجنبه ولا على فخذه وإنما يجافيهما”. انتهى. [شرح المحرر في الحديث].
[تنبيه]:
إذا كان في صلاة جماعة وخشي أن يؤذي غيره، فهنا لا يستحب فعلها، لما يحصل فيها من الإيذاء لمن بجانبه.
قال في “كشاف القناع” (1/353) :
” ( وَيُسَنُّ ) لِلسَّاجِدِ ( أَنْ يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ) وَأَنْ يُجَافِيَ ( بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ ) وَأَنْ يُجَافِيَ ( فَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ ) … ( مَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ ) الَّذِي بِجَانِبَيْهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ ، فَيَجِبُ تَرْكُهُ ، لِحُصُولِ الْإِيذَاءِ الْمُحَرَّمِ مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ ” انتهى .
وقال المرداوي في “الإنصاف” (2/69) :
” وَذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ ؛ فَإِنْ آذَى جَارَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ ” انتهى .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” ينبغي كذلك أن يفرِّج يديه عن جنبيه ، ولكنه مشروط بما إذا لم يكن فيه أذيَّة ، فإنْ كان فيه أذيَّة لِمَن كان إلى جنبه فإنه لا ينبغي للإِنسان أن يفعل سُنَّة يؤذي بها غيره ؛ لأن الأذية فيها تشويش على المصلِّي إلى جنبه وتلبيس عليه ، ثم إنه يُخشى أن يكون ذلك داخلاً في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِينا ً) ، فإنَّ هذا يشمَل الأذى القولي والفِعلي” انتهى .
“الشرح الممتع” ( 3/90) .
(المسألة الثالثة): رفع المرفقين عن الأرض في السجود.
أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم – كما في حديث البراء رضي الله عنه «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ – برفع المرفقين، وعليه فيجب على الساجد أن يرفع مرفقيه عن الأرض، ولا يضعهما على الأرض؛ فإنَّ ذلك من فعل بعض السباع.
وفي «الصحيحين» عن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».
(المسألة الرابعة): الحكمة من التجافي في السجود
أ. لتكون اليدان في عمل من أعمال الصلاة.
ب. عدم التكاسل، والاستهانة بالعبادة.
ج. لأنها هيئة تدل على التواضع،
د. أبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود أنه يخف بها اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر أنفه، ولا جبهته، ولا يتأذى بملاقاة الأرض.
وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان.
وقال ناصر الدين ابن المُنَيِّر رحمه الله في «الحاشية»: الحكمة فيه أن يظهر كل عضو بنفسه، ويتميز، حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يستقلّ كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضدّ ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض؛ لأن المقصود هناك إظهار الاتحاد بين المصلين حتى كأنهم جسد واحد.
وروى الطبراني وغيره من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بإسناد صحيح، أنه قال: «لا تفترش افتراش السبع، وادعم على راحتيك، وأبد ضبعيك، فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك».
ولمسلم من حديث عائشة رضي الله عنهما: «نهى النبي ﷺ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراشَ السبع».
وأخرج الترمذي، وحسنه من حديث عبد الله بن أرقم رضي الله عنه: «صليت مع النبي، فكنت أنظر إلى بياض عُفْرَتَي إبطيه إذا سجد».
ولابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، رفعه: «إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، وليضم فخذيه».
وللحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما نحو حديث عبد الله بن أرقم، وعنه عند الحاكم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد، يُرَى وَضَحُ إبطيه». وله من حديثه، ولمسلم من حديث البراء رضي الله عنه، رفعه: «إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك».
حديث ( وليضم فخذيه ) أخرجه ابوداود
٩٠١ – حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَفْتَرِشْ يَدَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ، وَلْيَضُمَّ فَخْذَيْهِ»
[حكم الألباني]: ضعيف
(المسألة الخامسة): حكم التفريج بين اليدين في السجود.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذه الأحاديث، مع حديث ميمونة رضي الله عنها عند مسلم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجافي يديه، فلو أن بَهْمَةً أرادت أن تمرّ لمرّت». مع حديث ابن بحينة هذا ظاهرها وجوب التفريج المذكور.
لكن أخرج أبو داود ما يدلّ على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: شكا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: «استعينوا بالرُّكَبِ». وترجم له [باب الرخصة في ذلك] أي: في ترك التفريج، قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود، وأعيا [«فتح» جـ ٢ ص ٥٥٣ – ٥٥٤].
وقال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى: وقد يجاب عنه بأن ما استُدلّ به على الاستحباب أدلّ منه على الوجوب، فإن الترخيص فرع العزيمة، وهو مخصوص بحالة المشقة، فلابدّ من مسلك صحيح، يعمّ الحكم به جميعَ الأحوال، على أن قوله صلى الله عليه وسلم : «استعينوا بالركب» أظهر في تكميل الواجب، وعدم الترخيص فيه. انتهى [«العدّة حاشية العمدة» ج ٢ ص ٣٤٣].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: ما قاله الصنعاني رحمه الله تعالى تَعَقُّب وجيه، فدلالة هذه الأحاديث على الوجوب ظاهر، لا معارض له، وحديث «استعينوا بالركب» دلالته على الوجوب أظهر من دلالته على الاستحباب، ولو سُلِّمَ فهو لمن يتضرر بالتفريج فقط. والله تعالى أعلم.
وقد أخرج الترمذي الحديث المذكور، ولم يقع في روايته «إذا انفرجوا»، فترجم له «ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود»، فجعل محلّ الاستعانة بالركب لمن يرفع من السجود طالبا للقيام، واللفظ محتمل ما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تعيّن المراد. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى [«فتح» جـ ٢ ص ٥٥٤]. [ذخيرة العقبى].
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في «فتح الباري» (٨٠٧): وفي استحباب التجافي في السجود أحاديث كثيرة، لم يخرج البخاري منها غير هذا -يعني حديث ابن بحينة- والقول باستحبابه قول جمهور العلماء، وذكر الترمذي أن العمل عندهم عليه، وهذا يشعر بأنه إجماع منهم.
ثم قال ابن رجب رحمه الله: فان أطال السجود ولحقته مشقة بالتفريج، فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه، وقد روى ابن عجلان، عن سُمَي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مَشَقَّةَ السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: «استعينوا بالركب» خَرَّجَه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وهذا لفظه، وابن حبان في «صحيحه» والحاكم، ورواه الثوري، وابن عيينة، وغيرهما، عن سُمَي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي ﷺ مرسلًا، والمرسل أصح عند البخاري وأبي حاتم الرازي والترمذي والدارقطني وغيرهم، ورخص فيه عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك في النافلة، وكذلك قال بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي، والمنصوص عن أحمد في رواية حرب أنه لا يفعل، بل يجافي، ومتى كان التجافي يَضُرُّ بمن يليه في الصف للزحام؛ فإنه يضم إليه من جناحه، قاله الأوزاعي. انتهى المراد بتصرف.
(المسألة السادسة): خص بعض الفقهاء، ومنهم الحنابلة، هذا الحكم بالرجل دون المرأة
خص الفقهاء ما ذكر من مشروعية التفريج بالرجال، دون النساء،
وقالوا: المرأة تضم بعضها إلى بعض؛ لأن المقصود منها التصون والتجمع والتستر، وتلك الحالة أقرب إلى هذا المقصود. هكذا قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
ولأنه قد روى أبو داود في «المراسيل» عن يزيد بن أبي حبيب، أنه صلى الله عليه وسلم مرّ على امرأتين، وهما تصليان، فقال: «إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست كالرجل في ذلك». ورواه البيهقي من طريقين موصولتين، لكن في كل منهما متروك. كما قال في «التلخيص». ذكره الصنعاني في «العدّة» جـ ٢ ص ٣٤٣.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي أن الفرق بين الرجال والنساء محل توقف، فإنه يحتاج إلى دليل صحيح صريح، فإن أدلة مجافاة اليدين عن الجنبين، والبطن عن الفخذين، ورفع المرفقين عن الأرض تشمل الرجال والنساء، وهي أحاديث صحاح، والحديث الذي استدلوا به ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يصلح لإثبات الفرق بين الرجال والنساء، ولا يَقْوَى لمعارضة الأحاديث الصحيحة التي تعم الجنسين، فالظاهر أن الرجال والنساء في ذلك سواء، والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. [ذخيرة العقبى، (13/ 325 – 326)].
وقال تاج الدين الفاكهاني (ت ٧٣٤) رحمه الله تعالى: “استحباب مجافاة اليدين -كما تقدم-، وذلك مستحب للرجال دون النساء؛ إذ المطلوب من النساء التقبض، والتجمع، والانزواء، دون التخوية والتجنيح، وإنما استحب ذلك للرجال؛ لأنها هي الاجتهاد وعدم التكاسل، والاستهانة بالعبادة، ولتكون اليدان في عمل من أعمال الصلاة، ولأنها -أيضا- هيئة تدل على التواضع، وهي أبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، والله أعلم”. انتهى. [رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام، (2/ 238)].
(المسألة السابعة):
قال ابن التين رحمه الله تعالى: دليل على أنه لم يكن عليه قميص، لانكشاف إبطيه.
وتعقب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد روى الترمذي رحمه الله في «الشمائل» عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: «كان أحب الثياب إلى النبي صلى الله عليه وسلم القميص»، أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لرئي. قاله القرطبي.
واستدلّ به على أن إبطيه صلى الله عليه وسلم لم يكن عليهما شعر، وفيه نظر، فقد حكى المحب الطبري في «الاستسقاء» من «الأحكام» له أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الإبط من جميع الناس متغير اللون غيره.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هكذا نقل الحافظ رحمه الله كلام المحب الطبري، وأقرّه عليه، ولكن فيه نظر؛ لأن إثبات مثل هذه الخصوصية يحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم.
واستدل بإطلاقه على مشروعية التفريج في الركوع أيضا.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: وفيه نظر، لأنه تقدم في رواية مسلم من طريق عمرو بن الحارث، والليث بن سعد: «كان إذا سجد» إلخ، وهي رواية البخاري في «المناقب» عن قتيبة، عن بكر ابن مضر، فتبين بها أن المراد بالصلاة في قوله: «كان إذا صلى» السجود، والرواية يفسر بعضها بعضا، فالاستدلال به على مشروعيته في الركوع محل نظر، والله تعالى أعلم. قاله الإتيوبي رحمه الله تعالى. [ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، (13/ 325)].
(المسألة الثامنة):
روى الإمام النسائي رحمه الله في السنن ١١٠٧ – (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «لَوْ كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَبْصَرْتُ إِبْطَيْهِ»، قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: كَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، لأَنَّهُ فِي صَلاَةٍ).
قال الإتيوبي رحمه الله في ذخيرة العقبى: هذا الحديث أورده المصنف – أي: الإمام النسائي في السنن – هنا في «باب صفة السجود» مستدلا به على مشروعية التفريج في السجود، لكن خالفه أبو داود، فأورده في «افتتاح الصلاة» مستدلا به على مشروعية المبالغة في رفع اليدين.
والذي يظهر لي أن دلالة الحديث على ما استدلّ به أبو داود أقرب من دلالته على مقصود المصنف، لأن رؤية إبطي المصلي لمن كان أمامه إنما يتيسر في حالة الرفع للافتتاح ونحوه، لا في حالة السجود، فإنه إنما يتيسر لمن كان خلفه، كما يدل على ذلك حديث ميمونة رضي الله عنها عند مسلم: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى حتى يَرَى مَنْ خلفه وَضَحَ إبطيه». أي بياضهما. فليتأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان”. انتهى.
قال ابن الجوزي (ت ٥٩٧) رحمه الله تعالى في كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/ 68):
٢٢٦٣ – / ٢٨٧١ – وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كَانَ إِذا صلى فرج بَين يَدَيْهِ حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ. وَفِي رِوَايَة: كَانَ إِذا سجد يجنح فِي سُجُوده حَتَّى يرى وضح إبطَيْهِ.
قَوْله: (فرج بَين يَدَيْهِ): أَي: فِي السُّجُود.
وَالْمعْنَى أَنه يبعد عضديه عَن جَنْبَيْهِ، وَهَذَا معنى يجنح. قَالَ الْفراء: جنَاح الرجل: عضده وإبطه، وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: الْعَرَب تستعير الْجنَاح فتسمي بِهِ مَا بَين الْإِبِط والعضد من الْإِنْسَان.
والوضح: الْبيَاض”. انتهى.
والرابع: فوائد الحديث:
1 – (منها): دليل على استحباب هذه الهيئة في السجود، وهى مباعدة عضديه عن جنبيه، وقد تخصص ذلك في السجود بما أخرجه مسلم في حديث البراء يرفعه وهو «إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك وهو في حديث الباب مطلق، ولكنه في هذا الحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ويختص التفريج بحال السجود.
2 – (ومنها): في ذلك حِكَم كثيرة، وفوائد جسيمة:
أ – إظهار النشاط والرغبة في الصلاة.
ب – أنه إذا اعتمد على كل أعضاء السجود، أخذ كل عضو حقه من العبادة.
3 – (ومنها): كون هذه الهيئات أقربَ إلى الخشوع، وأمكنَ في التواضع، وأبعدَ عن هيئات الكسالى.
4 – (ومنها): عناية الصحابة رضي الله عنهم بنقل صفة عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتبليغها للأمة، ودقة وصفهم لها بحيث يتضح للسامع هيئتها تمام الاتضاح.
5 – (ومنها): والحديث مثال للمرفوع الفِعْليّ.
وذكر ابن الملقن رحمه الله في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (3/ 135 وما بعدها)، عدة فوائد من ذلك:
6 – (ومنها): فيه استحباب مجافاة اليدين، قال القاضي: وإليه ذهب جماعة السلف والعلماء إلَّا إحدى روايتي ابن عمر.
قلت: وذلك في حق الرجال.
أما النساء: فالضم مستحب في حقهن لأنه أستر لهن، …. وسبق الخلاف والترجيح
8 – (ومنها): عدم بسط اليدين على الأرض، فإنه لا يرى بياض الإِبطين مع بسطهما.
9 – (ومنها): الاقتداء بفعله كما يقتدى بقوله.
10 – (ومنها): قوله: «حتى يبدو بياض إبطيه»، [و] قد أسلفنا الرواية الأخرى «حتى يرى وضح إبطيه» [وجاء]، في [رواية لمسلم في حديث ميمونة: “كان إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه»]، وفي رواية «حتى إني لأرى بياض إبطيه».
قال ابن أبي جمرة رحمه الله في (إقليد التقليد على المدونة): استدل بعضهم على سعة الأكمام بهذا الحديث، لأنه لا يُرى بياض إبطيه إلَّا مع سعة [الكم]، وفي الأثر: «كانت أكمام الصحابة بطحًا»، أي واسعة، وإنما كانت ضيقة في الأسفار، انتهى.
وللمانع أن يقول: تقدير الحديث حتى يبدو بياض إبطيه لولا الساتر: وهو القميص، فإنه كان أحب الثياب إليه، كما أخرجه الترمذي في «شمائله» من حديث أم سلمة [-أخرجه الترمذي في الشمائل (٤٦)، وفي السنن في كتاب اللباس (١٧٦٢)، وابن ماجه (٣٥٧٥)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ، وأحمد (٦/ ٣١٧)، والحاكم (٢/ ١٩٢)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي-].
وقد قال الشيخ عز الدين في (فتاويه) توسعة الثياب والأكمام بدعة وسرف وتضييع للمال (١) [وكذا قال المحب الطبري في (أحكامه) في باب الاستسقاء.
مما يعد من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الإِبط من سائر الناس متغير بخلافه] [فائدة جليلة روى]. انتهى نقل ابن الملقن رحمه الله.
وقد نقل محقق الإعلام عدة نقولات في الحاشية، ومن ذلك:
في الترمذي (١٧٨٢) عن أبي كبشة “بلفظ كانت كمام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بُطحًا”. قال الترمذي: هذا حديث منكر. انظر: ميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٣٩٧).
وقال ابن الجوزي في غريبه (١/ ٧٥) الكمام جمع كُمة: وهي القلنسوة.
وقال في النهاية (١/ ١٣٥)، وغريب ابن الجوزي (١/ ٧٥)، والغريبين (١/ ١٧٩): «بطحا» لازقة بالراس غير ذاهبة في الهواء -أي منصبة-.
قال القاري في شرح المشكاة على حديث (٤٣٣٣)، ومعنى: «بطحاء» أنها كانت عريضة واسعة فهو جمع أبطح من قولهم للأرض المتسعة بطحاء، والمراد أنها ما كانت ضيقة رومية أو هندية، بل كان وسعها بقدر شبر كما سبق. وأشار بقوله كما سبق إلى ما نقل عن بعض كتب الحنفية: أنه يستحب اتساع الكم بقدر شبر.
وقال ابن حجر المكي: وأما ما نقل عن الصحابة من اتساع الكم فمبني على توهم أن «الأكمام» جمع «كم» وليس كذلك، بل جمع «كمة» وهو ما يجعل على الرأس كالقلنسوة.
فكأن قائل ذلك لم يسمع قول الأئمة أن من البدع اتساع الكمين. قال القاري: ويحمل على الاتساع المفرط. اهـ. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وصار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء حتى ترى أحدهم ويجعل لنفسه كمين كل واحد منهما يصلح جبة لصغير من أولاده أو يتيم. اهـ.
وأما الأكمام الضيقة: فقد ثبت أن النبي ﷺ لبس جبة رومية ضيقة الكمين من حديث المغيرة. انظر: تخريجه في باب المسح على الخفين.
وقال الصنعاني في إحكام الأحكام (٢/ ٣٤٠): فيه أن سعة الأكمام من الأمور الحادثة المبتدعة لعله أحدثها بعض أمراء مصر … إلخ.
وقال الشيخ ابن باز في تعليقه على الفتح (٢/ ٢٩٥): “مثل هذا التخصيص يحتاج إلى دليل، ولا أعلم في الأحاديث ما يدل على ما قاله المحب، فالأقرب ما قاله القرطبي، وهو: أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لرئي، قاله القرطبي، وهو ظاهر كثير من الأحاديث، ويحتمل أن يكون شعر إبطيه ﷺ كان خفيفًا فلا يتضح للناظر من بعد سوى بياض الإِبطين، والله أعلم”. انتهى النقل من الحاشية.