٨ – فتح رب البرية في شرح القواعد الفقهية والأصولية
أحمد بن علي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
رقم القاعدة: 8
نص القاعدة: (لا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى) , و (ليس لِلإِنسانِ إلا ما سَعَى)
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – كل امرئ بما كسب رهين
2 – من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها
قواعد ذات علاقة:
1 – لا يجني جانٍ إلا على نفسه
2 – كلّ عامل فبعمله مأخوذ
من الأدلة:
1 – {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام-164]
2 – {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الإسراء-15]
3 – {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر-18]
4 – {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم-36 – 41]
5 – {إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه-15]
6 – {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة-286]
ومن السنة النبوية
– ما جاء في الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه: ( … يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها, فمن وجد خيرا فليحمد الله, ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). مسلم 2577
– ولا يقام الحد على المرأة الحامل حتى تضع, سواء كان الحمل من زنا أو غيره, لا يُعلم في هذا خلاف. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحامل لا ترجم حتى تضع.
الشق الأول:
هذه القاعدة من أمهات قواعد العدل في الشريعة الإسلامية
قال تعالى:
{ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام-164]:
أن كل من اكتسب خطيئة أو جناية أو ذنبا, فلا يؤاخذ بكسبه وعمله إلا هو, ولا يصح تحميل غيره شيئا من ذلك, مما لم يفعله ولم يكن له فيه دخل ولا أثر, سواء كان هذا الغير أبا أو ابنا, أو أخا أو زوجا, أو رئيسا أو مرؤوسا. فلا تسري تبعات الجناية إلى أحد ممن لهم علاقةٌ ما بالجاني, ما لم يكن منه كسب في الجناية والخطيئة.
وهذا يرد مسألة الثأر التي كانت في الجاهلية وعليها بعض الأفراد والجماعات إلى اليوم
الشق الثاني: (ليس للإنسان إلا ما سعى)
ومعناه أن ليس لأحد شيء يستحقه ويلحقه ويعول عليه, إلا ما كان من سعيه وجهده وكسبه. فليس لأحد أن ينتظر ثوابا أو ثمرة بدون عمل, ولا أن يتكل على أعمالِ غيره, ويطمع في أن تحول ثمرتها إليه.
كما سمعنا في بعض المرئيات أن هناك من يقوم بالصوم عن الغير بمقابل مادي
بل سمعنا أن منهم من يقول نصلي عنك الفرض والنوافل وقيام الليل ونصوم رمضان عنك، وهذا على ما فيه من مخالفة للشرع فهو أيضا استخفاف بعقول الناس.
استشكال:
قضية فرض الدية على العاقلة؛ فقد رأى بعض الفقهاء أن فرض الدية على أقارب الجاني, فيه تحميلهم وزراً لم يرتكبوه ولا يد لهم فيه. فبعضهم اعتبره استثناء من القاعدة وتخصيصا لها. وبعضهم رفض تحميل العاقلة الديةَ, تمسكا بفهمه لمقتضى القاعدة. وبعضهم اعتبر تحميل العاقلةِ الديةَ غيرَ داخل في مقتضى القاعدة, بل هو من باب آخر من أبواب التشريع, له حكمته ومنطقه الخاص, فلا تعارض أصلا بينه وبين القاعدة.
قال الشوكاني ” والأَوْلى حمل الآية على ظاهرها: أعني العموم. وما ورد من المؤاخذة بذنب الغير, كالدية التي تحملها العاقلة ونحوِ ذلك, فيكون في حكم المخصص لهذا العموم. ”
وذهب أبو بكر الأصم إلى أن الدية لا تجب على العاقلة, لقوله تعالى: {ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام-164] ; ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة حين دخل عليه مع ابنه {أما إنه لا يجني عليك, ولا تجني عليه} , أي لا يؤخذ بجنايتك, ولا تؤخذ بجنايته. ولأن ضمان الإتلاف يجب على المتلِف دون غيره, بمنزلة غرامات الأموال, وهذا أولى; لأن جناية المتلف في إتلاف النفس أعظم من جنايته في إتلاف الأموال”
– وقد رد عدد من العلماء على هذا الرأي بأدلة عقلية ونقلية, مفادها أن إيجاب الدية على العاقلة ثابت بعدد من النصوص التي لا يشك في صحتها, وأن هذا جاء من باب التكافل والتعاون والمواساة, وليس من باب تحميل الناس جنايات غيرهم وإشراكهم في وزرها.
قال الجصاص: ” فقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب دية الخطأ على العاقلة, واتفق السلف وفقهاء الأمصار عليه….
وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني, إنما الدية عندنا على القاتل, وأُمر هؤلاء القوم بالدخول معه في تحملها, على وجه المواساة له, من غير أن يَلزمهم ذنب جنايته, وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقا للفقراء, من غير إلزامهم ذنبا لم يذنبوه بل على وجه المواساة, وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك, وأمر ببر الوالدين ; وهذه كلها أمور مندوب إليها للمواساة وصلاح ذات البين ; فكذلك أُمرت العاقلة بتحمل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه ” وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني, إنما الدية عندنا على القاتل, وأُمر هؤلاء القوم بالدخول معه في تحملها, على وجه المواساة له, من غير أن يَلزمهم ذنب جنايته, وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقا للفقراء, من غير إلزامهم ذنبا لم يذنبوه بل على وجه المواساة, وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك, وأمر ببر الوالدين ; وهذه كلها أمور مندوب إليها للمواساة وصلاح ذات البين ; فكذلك أُمرت العاقلة بتحمل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه ”
لا تعارض بين هذه القاعدة وقوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت-13] , الذي قد يفهم من ظاهره تحميل بعض الناس أثقال غيرهم مما لا دخل لهم فيه. قال الشوكاني ” فإن المراد بالأثقال التي مع أثقالهم هي: أثقال الذين يضلونهم, كما في الآية الأخرى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل – 25] ” . فليس هاهنا تحميل لهم ما لم يفعلوه. وكل ما في الأمر أنهم يحملون أوزار ما فعلوه بأنفسهم, ويحملون أيضا ما تسببوا فيه وأوقعوا غيرهم فيه, وكل ذلك من سعيهم وتسببهم, كما جاء في الحديث (ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة , من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا)
من مقضيات القاعدة وآثارها: أنه لا يجوز في الحرب قتل النساء والأطفال والعجزة. وعموما, فكل من ليسوا مقاتلين ولا مساعدين في القتال, لا يجوز تحميلهم وزر غيرهم من المقاتلين , ولو كانوا أقاربهم أو أبناء عشيرتهم.