( ٨ ) القواعد والضوابط المستنبطة من الاربعين النوويه
الحديث الثامن
حرمة دم المسلم وماله
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ وَيُقِيْمُوْا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهَمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى) رواه البخاري ومسلم
…………………………
أهمية الحديث:
هذا الحديث عظيم جدًّا؛ لاشتماله على المهمات من قواعد دين الإسلام، وهي: الشهادةُ مع التصديق الجازم بأنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقامة الصلاة على الوجه المأمور به، ودفع الزكاة إلى مستحقيها.
الوافي شرح الأربعين (47).
◙ قال ابن دقيق العيد – رحمه الله -: هذا حديث عظيم، وقاعدة من قواعد الدين.
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (35).
◙ قال ابن حجر الهيتمي – رحمه الله -: هو حديث عظيم مشتمل من قواعد الدين على مهماتها.
فتح المبين (114).
◙ قال المناوي – رحمه الله -: هو أصل من أصول الإسلام.
◙ هذا الحديث عظيم: ينص على قواعد الدين وأصوله، من توحيد الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد في سبيله، وإقامة باقي واجبات الإسلام، كما ينص على حرمة دم المسلم وماله.
قواعد وفوائد من الأربعين النووية (96).
القواعد والضوابط المستنبطة من الحديث:
١- أول واجب على المكلف:
أن الإنسان يدخل في الإسلام بالشهادتين، وهؤلاء الذين يشهدون منهم من تكون شهادته في الظاهر والباطن على حد سواء، فيكون صادقًا في إيمانه وإسلامه، ومنهم من ليس كذلك، لكن يقبل منه الظاهر، والسرائر لا يعلمها إلا الله ﷾، فمن شهد أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله كففنا عن قتاله، مع أنه قد يكون هذا القول صادقًا وقد تواطأ لسانه مع قلبه على ذلك، وقد يكون قال ذلك خوفًا من السيف، فأظهر الإسلام وهو مبطن للكفر كما هو شأن المنافقين، ولهذا قال ﵊: (وحسابهم على الله)، يعني: أن من أتى بهذه الأمور في الظاهر فإنه يكتفى منه بهذا، وأما فيما بينه وبين الله فإن كان صادقًا وكان ظاهره متفقًا مع باطنه فذلك ينفعه عند الله ﷿؛ لأن الله سيحاسبه وسيحصل له الخير، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧].
وإذا كان ظاهره يخالف باطنه، بمعنى أنه أظهر الإيمان وأبطن الكفر، وقال ذلك نفاقًا وخوفًا من السيف، فإن هذا كذلك يكف عنه ويعصم دمه وماله بذلك، ولكنه من أهل الدرك الأسفل من النار.
ثم إن في قوله ﷺ: (حتى يشهدوا أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله) دليلًا على أن أول واجب على المكلف هو الشهادتان، ولا يطلب منه أمور أخرى قبلها، خلافًا لبعض المتكلمين القائلين إن أول واجب على المكلف النظر، أي أن ينظر في الأدلة وينظر في الكون، ثم بعد ذلك يشهد أن لا إله إلا الله.
شرح الأربعين النووية – العباد ١٥/٦
قال ابن دقيق العيد: ﻭﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ: “ﺃﻣﺮﺕ ﺃﻥ ﺃﻗﺎﺗﻞ اﻟﻨﺎﺱ ﺣﺘﻰ ﻳﺸﻬﺪﻭا ﺃﻥ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﺆﻣﻨﻮا ﺑﻲ ﻭﺑﻤﺎ ﺟﺌﺖ ﺑﻪ” ﺩﻻﻟﺔ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﻟﻤﺬﻫﺐ اﻟﻤﺤﻘﻘﻴﻦ ﻭاﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻒ ﻭاﻟﺨﻠﻒ ﺃﻥ اﻹﻧﺴﺎﻥ ﺇﺫا اﻋﺘﻘﺪ ﺩﻳﻦ اﻹﺳﻼﻡ اﻋﺘﻘﺎﺩا ﺟﺎﺯﻣﺎ ﻻ ﺗﺮﺩﺩ ﻓﻴﻪ ﻛﻔﺎﻩ ﺫﻟﻚ ﻭﻻ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺗﻌﻠﻢ ﺃﺩﻟﺔ اﻟﻤﺘﻜﻠﻤﻴﻦ ﻭﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ ﺧﻼﻓﺎ ﻟﻤﻦ ﺃﻭﺟﺐ ﺫﻟﻚ ﻭﺟﻌﻠﻪ ﺷﺮﻃﺎ ﻓﻲ ﻧﺤﻮ ﺃﻫﻞ اﻟﻘﺒﻠﺔ ﻭﻫﺬا ﺧﻄﺄ ﻇﺎﻫﺮ ﻓﺈﻥ اﻟﻤﺮاﺩ اﻟﺘﺼﺪﻳﻖ اﻟﺠﺎﺯﻡ ﻭﻗﺪ ﺣﺼﻞ ﻟﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ اﻛﺘﻔﻰ ﺑﺎﻟﺘﺼﺪﻳﻖ ﺑﻤﺎ ﺟﺎء ﺑﻪ ﻭﻟﻢ ﻳﺸﺘﺮﻁ اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺑﺎﻟﺪﻟﻴﻞ ﻭﻗﺪ ﺗﻈﺎﻫﺮﺕ ﺑﻬﺬا ﺃﺣﺎﺩﻳﺚ ﻓﻲ اﻟﺼﺤﻴﺢ ﻳﺤﺼﻞ ﺑﻤﺠﻤﻮﻋﻬﺎ اﻟﺘﻮاﺗﺮ ﺑﺄﺻﻠﻬﺎ ﻭاﻟﻌﻠﻢ اﻟﻘﻄﻌﻲ ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ.
٢ – قول لا اله الا الله من دون الاتيان بلوازمها لا يكفي في الدخول الاسلام .
قال ابن دقيق العيد: ﻭﻣﻦ ﻳﻘﺮ ﺑﺎﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ﻓﻼ ﻳﻜﻔﻲ ﻓﻲ ﻋﺼﻤﺘﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ: ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ، ﺇﺫ ﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﻛﻔﺮﻩ ﻭﻫﻲ ﻣﻦ اﻋﺘﻘﺎﺩﻩ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺟﺎء ﻓﻲ اﻟﺤﺪﻳﺚ اﻵﺧﺮ: “ﻭﺃﻥﻳ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﻘﻴﻤﻮا اﻟﺼﻼﺓ ﻭﻳﺆﺗﻮا اﻟﺰﻛﺎﺓ”. ﻭﻗﺎﻝ اﻟﺸﻴﺦ ﻣﺤﻲ اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻨﻮﻭﻱ: ﻭﻻ ﺑﺪ ﻣﻊ ﻫﺬا ﻣﻦ اﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺠﻤﻴﻊ ﻣﺎ ﺟﺎء ﺑﻪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻛﻤﺎ ﺟﺎء ﻓﻲ اﻟﺮﻭاﻳﺔ اﻷﺧﺮﻯ ﻷﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ: “ﺣﺘﻰ ﻳﺸﻬﺪﻭا ﺃﻥ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ ﻭﻳﺆﻣﻨﻮا ﺑﻲ ﻭﺑﻤﺎ ﺟﺌﺖ ﺑﻪ”
٣ – العبرة بالظاهر ، والسرائر أمرها إلى الله .
قال ابن دقيق العيد: ﻭﻣﻌﻨﻰ ﻗﻮﻟﻪ: “ﻭﺣﺴﺎﺑﻬﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ” ﺃﻱ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺴﺘﺮﻭﻧﻪ ﻭﻳﺨﻔﻮﻧﻪ ﺩﻭﻥ ﻣﺎ ﻳﺨﻠﻮﻥ ﺑﻪ ﻓﻲ اﻟﻈﺎﻫﺮ ﻣﻦ اﻷﺣﻜﺎﻡ اﻟﻮاﺟﺒﺔ ﺫﻛﺮ ﺫﻟﻚ اﻟﺨﻄﺎﺑﻲ. ﻗﺎﻝ: ﻭﻓﻴﻪ ﺃﻥ ﻣﻦ ﺃﻇﻬﺮ اﻹﺳﻼﻡ ﻭﺃﺳﺮ اﻟﻜﻔﺮ ﻳﻘﺒﻞ ﺇﺳﻼﻣﻪ ﻓﻲ اﻟﻈﺎﻫﺮ ﻭﻫﺬا ﻗﻮﻝ ﺃﻛﺜﺮ ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ ﻭﺫﻫﺐ ﻣﺎﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﻮﺑﺔ اﻟﺰﻧﺪﻳﻖ ﻻ ﺗﻘﺒﻞ ﻭﻫﻲ ﺭﻭاﻳﺔ ﻋﻦ اﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ.
٣- ضابط القتال في سبيل الله
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء؛ إلا أن يقاتل بقوله أو فعله)