( ٧ ) القواعد والضوابط المستنبطة من الاربعين النوويه
جمع وترتيب عبد الله الديني وإخوانه
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الحديث السابع
الدين النصيحه
عَنْ أَبِيْ رُقَيَّةَ تَمِيْم بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النبي ﷺ قَالَ:( الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: للهِ، ولكتابه، ولِرَسُوْلِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَامَّتِهِمْ (رواه مسلم.
………………
أهمية الحديث :
قال ابن رجب : ﻭﻗﺪ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﻓﻲ ﺃﻭﻝ اﻟﻜﺘﺎﺏ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺩاﻭﺩ ﺃﻥ ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ ﺃﺣﺪ اﻷﺣﺎﺩﻳﺚ اﻟﺘﻲ ﻳﺪﻭﺭ ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﻔﻘﻪ.
ﻭﻗﺎﻝ اﻟﺤﺎﻓﻆ ﺃﺑﻮ ﻧﻌﻴﻢ: ﻫﺬا اﻟﺤﺪﻳﺚ ﻟﻪ ﺷﺄﻥ، ﺫﻛﺮ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺃﺳﻠﻢ اﻟﻄﻮﺳﻲ ﺃﻧﻪ ﺃﺣﺪ ﺃﺭﺑﺎﻉ اﻟﺪﻳﻦ. جامع العلوم والحكم
قال ابن دقيق العيد: ﻭ”اﻟﻨﺼﻴﺤﺔ” ﻛﻠﻤﺔ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ ﺇﺭاﺩﺓ ﺟﻤﻠﺔ اﻟﺨﻴﺮ ﺣﻴﺎﺯﺓ ﻟﺤﻆ اﻟﻤﻨﺼﻮﺡ ﻟﻪ، ﻭﻫﻲ ﻣﻦ ﻭﺟﻴﺰ اﻷﺳﻤﺎء ﻭﻣﺨﺘﺼﺮ اﻟﻜﻼﻡ ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻛﻼﻡ اﻟﻌﺮﺏ ﻛﻠﻤﺔ ﻣﻔﺮﺩﺓ ﻳﺴﺘﻮﻓﻲ ﺑﻬﺎ اﻟﻌﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﻣﻌﻨﻰ ﻫﺬﻩ اﻟﻜﻠﻤﺔ، ﻭﻛﻤﺎ ﻗﺎﻟﻮا ﻓﻲ اﻟﻔﻼﺡ: ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻛﻼﻡ اﻟﻌﺮﺏ ﻛﻠﻤﺔ ﺃﺟﻤﻊ ﻟﺨﻴﺮﻱ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭاﻵﺧﺮﺓ ﻣﻨﻬﺎ.
ﻭﻣﻌﻨﻰ ﻗﻮﻟﻪ: “اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻨﺼﻴﺤﺔ” ﺃﻱ ﻋﻤﺎﺩ اﻟﺪﻳﻦ ﻭﻗﻮاﻣﻪ: اﻟﻨﺼﻴﺤﺔ ﻛﻘﻮﻟﻪ “اﻟﺤﺞ ﻋﺮﻓﺔ” ﺃﻱ ﻋﻤﺎﺩﻩ ﻭﻣﻌﻈﻤﻪ . شرح الاربعين
منزلة الحديث أو أهمية الحديث:
الحديث ينص على أن عماد الدين وقوامه النصيحة، فبوجودها يبقى الدين قائماً في المسلمين، وبعدمها يدخل الخلل في جميع شؤون حياتهم.
وإذا فسرت النصيحة بمعنى الصدق والإخلاص، تتضح لنا أهمية الحديث بجلاء أكبر، لأن الصدق والإخلاص شرط في قبول الأعمال.
قواعد وفوائد من الأربعين النووية (ص ١٢٤)
قال ابن باز:
وهذا الحديث يدل على أن النصيحة هي الدين، وهي الإخلاص في الشيء، والصدق فيه، حتى يؤدى كما أوجب الله، فالدين هو النصيحة في جميع ما أوجب الله، وفي ترك ما حرم الله، وهذا عام يعم حق الله، وحق الرسول، وحق القرآن، وحق الأئمة، وحق العامة.
والنصيحة كما تقدم هي الإخلاص في الشيء والعناية به، والحرص على أن يؤدى كاملًا تامًا لا غش فيه ولا خيانة ولا تقصير، يقال في لغة العرب: ذهب ناصح، أي ليس فيه غش. ويقولون أيضا: عمل ناصح، يعني ليس فيه غش.
موقع ابن باز الرسمي
قواعد وضوابط للحديث :
١ – ضوابط النصيحة المذكورة في الحديث :
*ضابط النصيحة لله .*
إن النصيحة لله عز وجل تكون بتوحيد الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والثناء عليه بما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، وتنزيهه عن كل نقص، وأنه متصف بكل كمال، وكذلك عبادته على وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك إثبات ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه يليق بكمال الله وجلاله، ثم الامتثال لما جاء عن الله سبحانه وتعالى من الأوامر فتفعل، ومن النواهي فتجتنب، ومن الأخبار فتصدق، وأن تكون عبادة الله عز وجل مطابقة لما جاء بها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكل ذلك داخل وتابع للإيمان بالله، ويدخل في ذلك أيضاً الشهادتان وكل ما هو مطلوب في الدين، ولهذا كما عرفنا الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء إليه جبريل وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بهذا الجواب الذي أجاب به جبريل قال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعملكم دينكم)، أي: أن هذه الأمور كلها داخلة تحت هذا الدين، وداخلة في مسمى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
*ضابط النصيحة لكتاب الله*
إن النصيحة لكتاب الله عز وجل تقوم بتعظيمه وتوقيره واحترامه وتلاوته، وتأمل ما فيه، وتأمل معانيه والاعتبار بما فيه من العبر والعظات، وامتثال أوامره، واجتناب النواهي التي جاءت فيه، وتصديق ما فيه من أخبار، واعتقاد بأنه كلام الله، وأنه منزل منه سبحانه وتعالى، وأنه غير مخلوق، وأن فيه الخير والسعادة لمن أخذ به، وأن من تمسك به ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة، فكل ذلك متعلق به، وكذلك اعتقاد بأنه معجز وفي غاية الفصاحة والبلاغة، وأن فصحاء العرب الذين هم مشهورون بالفصاحة والبلاغة لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بشيء مثله، وهذا يدل على أنه من عند الله عز وجل جاء به النبي الكريم ﷺ، وقد كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وجاء بهذا الكلام المعجز من عند الله عز وجل، وبقيت هذه المعجزة مستمرة والتحدي قائمًا.
ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وقد تحدى أهل البلاغة أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم حصل التنزل في التحدي إلى عشر سور فعجزوا، ثم حصل التحدي في التنزل إلى سورة فعجزوا، وأقصر سورة في القرآن هي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] و﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١]، ولا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا الكلام بهذا المقدار الذي هو أقصر سورة التي تأتي في سطر أو سطر ونصف.
وهذه المعجزة ليست كمعجزة الأنبياء السابقين التي هي وقتية والتي لا يشاهدها إلا من كان في زمانهم، مثل: العصا التي قلبت حية تسعى، ما رآها إلا الذين كانوا في زمن موسى وبعد ذلك لا يعرفون عنها إلا أخبارها، وكذلك عيسى وكونه يحصل منه إبراء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله، هذا شاهده من شاهده في زمانه، وأما معجزة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام التي هي القرآن فهي قائمة ومستمرة، وكان ما اشتمل عليه من فصاحة وبلاغة هو مناط إعجاب أهل الفصاحة والبلاغة، مع شدة عداوتهم للرسول ﷺ، فهذا جبير بن مطعم النوفلي رضي الله عنه قبل أن يسلم، كان سبب إسلامه أنه سمع النبي ﷺ وهو في حال كفره يقرأ بسورة الطور وهو يصلي بالناس، فلما جاء عند قول الله عز وجل ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ – ٣٦]، قال: كاد قلبي أن يطير.
يعني: من حسن هذا الكلام وإعجازه، ثم أسلم ودخل في الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
*ضابط النصيحة للرسول ﷺ*
أما النصيحة للرسول ﷺ تكون بالإيمان به وتعظيمه وتوقيره، ومحبته محبة تفوق محبة النفس والوالدين والناس أجمعين، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ وذلك لأن النعمة التي ساقها الله على يديه أعظم من أي نعمة تحصل للإنسان ألا وهي نعمة الهداية على الصراط المستقيم، ودعوتهم إلى ما فيه الخروج من الظلمات إلى النور، فهذه أجل وأعظم النعم التي لا يماثلها نعمة ولا يساويها نعمة، وتكون أيضًا بتصديقه في كل ما يخبر به من أمور غائبة سواء كانت ماضية أو مستقبلة أو موجودة، وكذلك امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وكذلك أن تكون عبادة الله عز وجل طبقًا لشريعته عليه الصلاة والسلام فيتابع النبي عليه الصلاة والسلام، كما أنها تكون خالصة لله فتكون أيضًا مطابقة لسنة رسول الله ﷺ، وهذان هما الشرطان الأساسيان في قبول كل عمل.
فإذًا: لا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول ﷺ.
ولهذا يقول شارح الطحاوية: هنا توحيدان لا بد منهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، وتوحيد المرسل وهو الله سبحانه وتعالى يقوم بعبادته وإخلاص العبادة له، وتوحيد الرسول بالمتابعة له عليه الصلاة والسلام؛ لأن العمل لا يكون مقبولًا عند الله إلا إذا كان خالصًا لله، وأن يكون المتبع فيه رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، وألا يكون العمل مبنيًا على بدع ومحدثات ومنكرات، فإنه إذا كان كذلك يكون مردودًا على صاحبه كما مر في حديث عائشة رضي الله عنها: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا لفظ متفق عليه كما عرفنا، ولفظ مسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).
كذلك من النصح لرسوله ﷺ النصح لسنته ولما جاء به من الحق والهدى، وذلك يكون بتعلمه والتفقه فيه ونشره وإذاعته وهداية الناس إليه، ودعوتهم إليه وتبشيرهم به، كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)، لأن هذا داخل تحت النصح للرسول ﷺ، والعمل على كل ما فيه توصيل أصولها إلى الناس سواء عن طريق التدريس أو عن طريق الكتابة، أو غير ذلك من الوسائل التي توصل هذا الحق إلى الناس .
*ضابط النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم*
أما النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم فالولاة يكون النصح لهم بالسمع والطاعة لهم بالمعروف، ويكون بدلالتهم على الخير والتعاون معهم على البر والتقوى، وإرشادهم إلى ما ينبغي إرشادهم إليه مما يحصل تنبيههم عليه ولفت أنظارهم إليه، وكذلك الدعاء لهم وترك الخروج عليهم ولو حصل منهم الجور، وكذلك تعليم الناس وتوجيههم إلى السنة الدالة على أنه يجب ويتعين مناصحة الولاة والدعاء لهم، وألا يخرج الإنسان عليهم، وألا يؤلب الناس عليهم، وألا يأتي بالأمور التي تهيج الناس عليهم وتفسد قلوبهم عليهم، وإنما يسعى لجمع القلوب عليهم والدعاء لهم وعدم الدعاء عليهم، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، ولهذا جاء عن الإمام أحمد رحمة الله عليه وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أن كلًا منهما قال: لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها في السلطان؛ لأن السلطان إذا صلح يحصل بصلاحه الخير الكثير، وإذا فسد يحصل بفساده الشر الكثير.
يعني: يكون بصلاحهم إظهار أمر الدين وإظهار الشرع وقمع أهل الفساد وإقامة حدود الله، وإقامة شرع الله، ويكون الإحسان إلى الناس ووصول الخير لهم، فينبغي أن يدعو لهم المسلم بالصلاح والتوفيق والتسديد، وأن يمكنهم وأن يوفقهم الله عز وجل لكل ما فيه رفعة الإسلام وإعلاء شأن المسلمين، كل هذا من الأمور التي تجب للولاة على الرعية.
*ضابط النصيحة لعامة المسلمين* .
وهم الرعية يكون ذلك بإرشادهم وتعليمهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودلالتهم على الخير، وأن يحب الإنسان لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله وباليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) يعني: أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، فكما أنه يحب أن يعامل معاملة طيبة عليه أن يعامل الناس معاملة طيبة، ويدخل في ذلك تعليمهم وتوجيههم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والحرص على إيصال الخير إليهم، ودفع الأذى عنهم، فيصل إليهم خيره ويندفع عنهم ضرره، فيكون نصيبهم منه الفائدة والمصلحة مع سلامتهم مما يكون فيه من شر.
*كلام ابن الصلاح فيما يتعلق بالنصيحة*
ذكر العلماء وفصلوا فيما يتعلق ببيان هذه النصيحة، ولمن تكون هذه النصيحة، ومن أحسن من جمع الكلام في هذه النصيحة كلام لـ أبي عمرو بن الصلاح في كتاب له يتعلق بصحيح مسلم، وقد نقله الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث، فنقرأ كلام أبي عمرو بن الصلاح في ذلك وهو في آخر شرح هذا الحديث.
قال أبو عمرو بن الصلاح: النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا، فالنصيحة لله تعالى توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه عما يضادها ويخالفها، وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك والحث عليه.
والنصيحة لكتابه الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله وتدبر آياته والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه.
والنصيحة لرسوله الإيمان به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله والتمسك بطاعته، وإحياء سنته، واستثارة علومها ونشرها، ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك.
والنصيحة لأئمة المسلمين وبمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به، وتنبيههم برفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق.
والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه وما شابه ذلك.
هذا كلام مختصر وواضح في بيان هذه الأمور الخمسة، والعلماء تكلموا فيها بألفاظ متقاربة كما هو معلوم، كلها ألفاظ وعبارات تدور في شيء واحد وتتعلق بشيء واحد، فاختلفت العبارات والمعنى واحد، ولكن هذا الكلام الذي نقله الحافظ ابن رجب هو من أخصر وأجمع الكلام فيما يتعلق ببيان هذه الأمور الخمسة التي اشتمل عليها حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه، وأنا ذكرت في كتاب: قطف الجنى الداني فيما يتعلق بطاعة ولاة الأمور، وقد ذكر ذلك ابن أبي زيد في جملة مسائل العقيدة، فأنا نقلت نقولًا عديدة عن العلماء تتعلق بنصب الولاة وبما يتعلق بالولاة من النصيحة لهم، وأن السنة جاءت بذلك في أحاديث عديدة، ومن بين ذلك هذا الحديث الذي هو حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه.
شرح الأربعين النووية – العباد ١٤/٢
1- قاعدة في في التوجيه والإرشاد: (البداءة في الأهم ثم الأهم)،
لأنه قال النصيحة أولاً لله فهو الأهم ثم لكتابه ثم لرسوله وهكذا
2- للنصيحة ضوابط ينبغي مراعتها، منها: ألا تكون على الملأ، وإنما من أدب النصيحة أن تكون على انفرادٍ؛ لكيلا تورث العداوة والبغضاء بين المنصوح والناصح، إلا أن يكون المنصوح لا يفهم إلَّا بالتصريح والجهر، فيجوز ذلك ما لم يترتب عليه ضرر للناصح، مع الأخذ في الاعتبار ألَّا يكون النصح على شرط القبول للنصيحة.
قال الإمام ابن حزم في “الأخلاق والسير في مداواة النفوس” (ص: 45، ط. دار الآفاق الجديدة): [وإذا نصحتَ فانصح سرًّا لا جهرًا، وبتعريضٍ لا تصريحٍ، إلا أنْ لا يفهم المنصوح تعريضك فلا بد من التصريح، ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالمٌ لا ناصحٌ، وطالب طاعةٍ وملكٍ لا مؤدي حق أمانةٍ وأخوةٍ، وليس هذا حكم العقل ولا حكم الصداقة] اهـ. وينظر أيضًا: “جامع العلوم والحكم” ابن رجب الحنبلي (1/ 225، ط. مؤسسة الرسالة).
ومن الضوابط أيضًا: أن تكون النصيحة بغير تعيينٍ؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «ما بال أقوام»؛ ومن ذلك ما جاء عن أمِّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها، فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكَّرته ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اشْتَرِيهَا، فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فقال: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ» متفق عليه.
كذلك من ضوابط النصيحة: ألَّا تؤدي إلى مفسدة أعظم أو إلى منكر أشد، وقد أصَّل لهذا المعنى الإمام القرافي في “الفروق” (4/ 257، ط. عالم الكتب) حيث قال: [شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ما لم يؤد إلى مفسدة هي أعظم، هذه المفسدة قسمان: تارة تكون إذا نهاه عن منكرٍ؛ فَعَلَ ما هو أعظم منه في غير الناهي، وتارة يفعله في الناهي بأن ينهاه عن الزنا فيقتله -أعني الناهي، يقتله المُلابِسُ للمنكر-، والقسم الأول: اتفق الناس عليه أنه يحرم النهي عن المنكر، والقسم الثاني: اختلف الناس فيه، فمنهم من سواه بالأول، نَظَرًا لعظم المفسدة، ومنهم من فَرَّق] اهـ.