٥ – فتح رب البرية في شرح القواعد الفقهية والأصولية
أحمد بن علي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
القواعد الفقهية:
رقم القاعدة: 5
نص القاعدة: الشَّرِيعةُ مَبْنِيَّةٌ على الفِطْرَةِ (بتصرف )
صيغ أخرى للقاعدة:
الإسلام دين الفطرة
قواعد ذات علاقة:
1_ كل مولود يولد على الفطرة / (قاعدة مطابقة).
2_ الأصل البقاء على الفطرة / (قاعدة متفرعة).
3_ الشريعة داعية إلى تقويم الفطرة والمحافظة عليها / (قاعدة متفرعة).
4_ داعي الطبع أقوى من داعي الشرع / (قاعدة متفرعة). سيأتي بيانها في آخر البحث
5_ ما يعاف في العادات يكره في العبادات / (قاعدة متفرعة).
6_ الشريعة أجملت المتغيرات وفصلت الثوابت [8] /. (قاعدة مطابقة).
…………………………..
قال ابن عبدالبر:
أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها والله أعلم أن الفطرة السلامة والاستقامة
[الاستذكار 3/ 101]
قال ابن رجب: فإنَّ الله خلق بني آدم، وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دونَ غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوَّة .
[جامع العلوم والحكم 2/ 39 ت الأرنؤوط]
من أدلة القاعدة:
قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الروم -30, 31].
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الآية. البخاري 1292، ومسلم 2658
الجدعاء” هي المقطوعة الأذن. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 247).
وأيضا فإن الشريعة مبنية على فضائل الأخلاق وهذه الأخلاق متجذرة في الفطر البشرية.
قاعدة: (الشريعة مبنية على الفطرة)
يقول شيخ الإسلام:
” والله تعالى فطر عباده على محبته ومعرفته، وهذه هي الحنيفية التي خلق عباده عليها، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: ( يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ) .
وقد قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم .
وقال صلى الله عليه وسلم: ( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء )” انتهى، من “درء التعارض” (7/426).
هناك أقوال كثيرة في المراد بالفطرة أوسع من ذكرها ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد وإليك مجمل هذه الأقوال:
القول الأول: أن المراد بالفطرة الإسلام كما تقدم.
القول الثانى: أن المراد بالفطرة: الخلقة التي خلق عليها المولود من المعرفة بربه فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه -إذا بلغ مبلغ المعرفة- يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التى لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك.
القول الثالث: أن معنى الفطرة: البدأة التي ابتدأهم عليها، أي على ما فطر الله عليه خلقه، من أنهم ابتدأهم للحياة والموت والشفاء والسعادة وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من ميولهم عن آبائهم واعتقادهم، وذلك ما فطرهم الله عليه مما لابد من مصيرهم إليه.
القول الرابع: أن معنى الفطرة: أن الله قد فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: {ألست بربكم} قالوا جميعا: بلى، فأما أهل السعادة فقالوا: بلى طوعا من قلوبهم وأما أهل الشقاوة فقالوا بلى كرها لا طوعا.
القول الخامس: أن المراد بالفطرة: ما أخذه الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخراج ذرية آدم من ظهره فخاطبهم: {ألست بربكم قالوا بلى} فأقروا جميعا له بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مخلوقين مطبوعين على تلك المعرفة وذلك بالإقرار. وهذا القول لا يختلف كثيرا عن القول بأن المراد بها الإسلام.
القول السادس: أن المراد بالفطرة هى ما يقلب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء، فقد يكفر العبد ثم يؤمن فيموت مؤمنا، وقد يحدث العكس، وذلك كله تقدير الله وفطرته لهم.
انظر هذه الأقوال ومناقشتها: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٦٨ – ٩٥) درء التعارض (٨/ ٣٦٧) وما بعدها، شفاء العليل (٢/ ٢٩٧) وما بعدها، طرح التثريب (٧/ ٢٢٥ – ٢٢٩) فتح البارى (٣/ ٢٤٨ – ٢٤٩)
وأرجح الأقوال :
أن الله خلق الناس وفطرهم على قبول الإسلام ، والميل له دون غيره ، والاستعداد لقبول الحق ، فكل مولود يولد خاليا عن دواعي الضلالة ، فلو ترك كل مولود وشأنه لهدته فطرته إلى أن للكون ربا مدبرا واحدا أحدا .
وهذه هي الهداية بالقوة ، أي الاستعداد والتهيؤ لقبول الحق .
وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه 🙁 كلكم ضال إلا من هديته ) :
فالمقصود بالهداية هنا :
قال النووي في “شرح مسلم” (16/132) :” قَوْلُهُ تَعَالَى (كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ) قَالَ الْمَازِرِيُّ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمْ خُلِقُوا عَلَى الضَّلَالِ إِلَّا مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ” كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ” ، قَالَ فَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ وَصْفَهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُمْ لَوْ تُرِكُوا وَمَا فِي طِبَاعِهِمْ مِنْ إِيثَارِ الشَّهَوَاتِ وَالرَّاحَةِ وَإِهْمَالِ النَّظَرِ لَضَلُّوا ، وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَرُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُهْتَدِيَ هُوَ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ وبهدي اللَّهُ اهْتَدَى وَبِإِرَادَةِ اللَّهِ ” انتهى.
وقال أبو العباس القرطبي في “المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم” (6/552) :” وقوله: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته . قيل في معناه قولان: أحدهما: أنهم لو تركوا مع العادات ، وما تقتضيه الطباع من الميل إلى الراحات ، وإهمال النظر المؤدي إلى المعرفة لغلبت عليهم العادات والطباع فضلوا عن الحق ، فهذا هو الضلال المعني ، لكن من أراد الله تعالى توفيقه ألهمه إلى إعمال الفكر المؤدي إلى معرفة الله تعالى ، ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأعانه على الوصول إلى ذلك ، وعلى العمل بمقتضاه ، وهذا هو الهدى الذي أمرنا الله بسؤاله .
وثانيهما: أن الضلال هاهنا يعني به: الحال التي كانوا عليها قبل إرسال الرسل من: الشرك ، والكفر ، والجهالات ، وغير ذلك ، كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ أي: على حالة واحدة من الضلال والجهل ، فأرسل الله الرسل ليزيلوا عنهم ما كانوا عليه من الضلال ، ويبين لهم مراد الحق منهم في حالهم ، ومآل أمرهم ، فمن نبهه الحق سبحانه وتعالى ، وبصره ، وأعانه فهو المهتدي ، ومن لم يفعل الله به ذلك بقي على ذلك الضلال .
وعلى كل واحد من التأويلين فلا معارضة بين قوله تعالى: كلكم ضال إلا من هديته وبين قوله: كل مولود يولد على الفطرة ، لأنَّ هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغير لها ، الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بالتمثيل في بقية الخبر حيث قال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. وبقوله: خلق الله الخلق على معرفته فاجتالتهم الشياطين ” انتهى.
وقال شيخ الإسلام في “مجموع الفتاوى” (4/245) :” قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ فَالصَّوَابُ أَنَّهَا فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِطْرَةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى . وَهِيَ السَّلَامَةُ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ ، وَالْقَبُولُ لِلْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ …
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونُوا حِينَ الْوِلَادَةِ مُعْتَقِدِينَ لِلْإِسْلَامِ بِالْفِعْلِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَنَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِنَا لَا نَعْلَمُ شَيْئًا ، وَلَكِنْ سَلَامَةُ الْقَلْبِ وَقَبُولُهُ وَإِرَادَتُهُ لِلْحَقِّ: الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ مِنْ غَيْرِ مُغَيِّرٍ ، لَمَا كَانَ إلَّا مُسْلِمًا.
وَهَذِهِ الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي بِذَاتِهَا الْإِسْلَامَ مَا لَمْ يَمْنَعْهَا مَانِعٌ: هِيَ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ” انتهى .
وقال ابن رجب في “جامع العلوم والحكم” (2/662) :” وقوله: ( كُلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَنْ هديتُه ) قد ظنَّ بعضُهم أنَّه معارض لِحديث عياض بنِ حمار، عن النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم -:( يقولُ اللهُ – عز وجل -: خلقتُ عبادي حنفاء ، وفي روايةٍ: مسلمين فاجتالتهم الشياطين )
وليس كذلك ، فإنَّ الله خلق بني آدم ، وفطرهم على قبول الإسلام ، والميل إليه دونَ غيره ، والتهيؤ لذلك ، والاستعداد له بالقوَّة ، لكن لابدَّ للعبد من تعليم الإسلام بالفعل ، فإنَّه قبل التعليم جاهلٌ لا يعلم شيئاً ، كما قال – عز وجل -: وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ … شَيْئاً ، وقال لنبيه – صلى الله عليه وسلم -: وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى ، والمراد: وجدَك غيرَ عالمٍ بما علَّمك من الكتاب والحكمة ، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ .
فالإنسان يولد مفطوراً على قبول الحقِّ ، فإنْ هداه الله سبَّب له من يعلمه الهدى ، فصار مهتدياً بالفعل بعد أنْ كان مهتدياً بالقوَّة ، وإنْ خذله الله ، قيَّض له من يعلمه ما يُغير فطرته كما قال – صلى الله عليه وسلم -:( كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرة ، فأبواه يهوِّدانه ويُنصرانه ويمجسانه ) انتهى.
——
تنبيه:
قال ابن القيم رحمه الله: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية لأن قوله: “فأبواه يهودانه .. إلخ” محمول على أن ذلك بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث “الله أعلم بما كانوا عاملين” فتح البارى (٣/ ٢٥٠) وانظر شفاء العليل (٢/ ٣٠٦) درء التعارض (٨/ ٤١٧).
الراجح والمعروف عند عامة السلف ، وإليه ذهب أبو هريرة رضى الله عنه والزهري والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه والبخاري والنووي والقرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم عليهم رحمة الله أن الفطرة هي الإسلام ، واستدلوا على ذلك بما يلى:
١ – تفسير أبي هريرة رضى الله عنه حيث فسر الفطرة الواردة في الحديث بالإسلام كما يدل عليه استشهاده بالآية فقال: اقرءوا -إن شئتم- {فطرت الله التي فطر الناس عليها}.
وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن المراد بالفطرة في الآية: الإسلام، وهو مأثور عن جمع من السلف كمجاهد وعكرمة وقتادة وسعيد ابن جبير والضحاك وإبراهيم النخعى والحسن البصري عليهم رحمة الله.
فهذا تفسير الصحابي الراوي للحديث وهو أعلم بما سمع .
٢ – جاء في بعض ألفاظ الحديث “ما من مولود يولد إلا وهو على الملة”.
قال ابن القيم: “فهذا صريح بأنه يولد على ملة الإسلام” .
٣ – حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال فيما يرويه عن ربه تعالى: “إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا” .
قالوا: فهذا الحديث صريح في كون المولود يولد على الإسلام لأن معنى الحنيفية: الإسلام.
٤ – حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خمس من الفطرة .. ” فذكر منهن قص الشارب والاختتان وهي من سنن الإسلام.
– على هذا القول قد يتوهم بعض الناس أن هذا الحديث يخالف الأحاديث الأخرى والتى فيها سبق تقدير الشقاوة والسعادة، لأنه إذا كان بعض الناس قد كُتب عليه أن يكون شقيًّا فكيف يولد على الإسلام؟
قال الاتيوبي البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٤٠/٤٨٥ :
قال القرطبي
فلا معارضة بين قوله تعالى: «كلكم ضال إلا من هديته»، وبين قوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة»؛ لأنَّ هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغيِّر لها، الذي بيّنه النبيّ ﷺ بالتمثيل في بقية الخبر، حيث قال: «كما تُنتج البهيمة بهيمة جمعاء»، وبقوله: «خلق الله الخلق على معرفته، فاجتالتهم الشياطين».
وهذا الحديث حجَّة لأهل الحقّ على قولهم: إن الهدى والضلال خَلْقه، وفِعله، يختص بما شاء منهما من شاء مِنْ خَلْقه، وأن ذلك لا يقدر عليه إلا
هو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، وكما قال: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وكما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقد نطق الكتاب بما لا يبقى معه ريبٌ لذي فهم سليم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]، فعمّ الدعوة، وخصّ بالهداية من سبقت له العناية.
وحاصل قوله: «كلكم ضالّ إلا من هديته. . . إلخ» التنبيه على فقرنا، وعجزنا عن جلب منافعنا، ودفع مضارّنا بأنفسنا، إلا أن ييسّر الله ذلك لنا، بأن يخلق ذلك لنا، ويعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرّنا، وهو تنبيه على معنى قوله: «لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم»، ومع ذلك، فقال في آخر الحديث: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه»؛ تنبيهًا على أن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها، إقدامًا عليها، وإحجامًا عنها، فنحن، وإن كنا نعلم أنّا لا نستقلّ بأفعالنا نُحِسّ بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية، والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكّن محسوس، وتأتّ معتادٍ يوجد مع الاختيارية، ويُفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبَّر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف
فلا تناقض، ولا تعنيف. انتهى
«المفهم» ٦/ ٥٥٣ – ٥٥٥.
سبق ذكرنا داعي الطبع أقوى من داعي الشرع وبيانه كالتالي :
في الموسوعة الكويتية :
تَقْسِيمُ التُّهْمَةِ:
٢ – قَسَّمَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ التُّهَمَ مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ فَقَال: التُّهَمُ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا تُهْمَةٌ قَوِيَّةٌ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ لِنَفْسِهِ، وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ لِنَفْسِهِ، فَهَذِهِ تُهْمَةٌ مُوجِبَةٌ لِرَدِّ الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ، لأَِنَّ قُوَّةَ الدَّاعِي الطَّبْعِيِّ قَادِحَةٌ فِي الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْوَازِعِ الشَّرْعِيِّ قَدْحًا ظَاهِرًا لاَ يَبْقَى مَعَهُ إِلاَّ ظَنٌّ ضَعِيفٌ لاَ يَصْلُحُ لِلاِعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَلاَ لاِسْتِنَادِ الْحُكْمِ إلَيْهِ… ثم ذكر بقية الأقسام