جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، “(٤) – (بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ، وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١١٢] (١٣) – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبُو أَيُّوبَ: أَن أَعْرَابِيًا عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِه، أَوْ بِزِمَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَوْ يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّة، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّار، قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِه، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ، أَوْ لَقَدْ هُدِيَ»، قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دعَ النَّاقَةَ».
[١١٣] (…) – وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَب، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.
[١١٤] (…) – حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ.
(ح) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَل أَعْمَلُهُ، يُدْنِينِي مِنْ الْجَنَّة، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّار، قَالَ: تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ»، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: «إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ».
[١١٥] (١٤) – وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا».
[١١٦] (١٥) – حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَعَمْ».
[١١٧] (…) – وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، يَا رَسُولَ اللهِ بِمِثْلِه، وَزَادَا فِيهِ: «وَلَمْ أزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا».
[١١٨] (…) – وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثنَا مَعْقِلٌ – وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ – عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَل رَسُولَ اللهِ – ﷺ – فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَات، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
وقال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: “(٤) – (بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ، وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)”.
[١١٢] (١٣) – شرح الحديث:
عن (مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) التيميّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاريّ رضي الله عنه (أنَّ أَعْرَابِيًّا) بفتح الهمزة واحد الأعراب .
هذَا الأعرابي قد سُمِّي فيما رواه البغويّ، وابن السكن، والطبرانيّ في «الكبير»، وأبو مسلم الكجي في «السنن» من طريق محمد بن جُحادة وغيره، عن المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، أن أباه حدّثه، قال: انطلقت إلى الكوفة، فدخلت المسجد، فإذا رجل من قيس يقال له: ابن المنتفق، وهو يقول: وُصِف لي رسول الله ﷺ، فطلبته، فلقيته بعرفات، فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: «دَعُوا الرجلَ أَرَبٌ ما له»، قال: فزاحمتُ عليه، حتى خلصت إليه، فاخذت بخطام راحلته، في غئرَ عليّ، قال: شيئين أسألك عنهما: «ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجَنَّة»، قال: فنظر إلى السماء، ثم أقبل عليّ بوجهه الكريم، فقال، «لئن كنت أوجزت المسألة، لقد أعظمت، وطَوَّلتَ، فاعقِلْ عليّ، اعبُد اللهَ، لا تُشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأَدّ الزكاة المفروضة، وصُمْ رمضان».
وأخرجه البخاري في “التاريخ” من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن المغيرة بن عبد الله اليشكريّ، عن أبيه، قال: غَدَوتُ، فإذا رجل يُحَدِّثهم.
قال: وقال جرير، عن الأعصثر، عن عمرو بن مرّة، عن المغيرة بن عبد الله، قال: سأل أعرابي النبيّ ﷺ، ثم ذكر الاختلاف فيه عن الأعمش، وأن بعضهم قال فيه: عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، والصواب المغيرة بن عبد الله اليشكري.
وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صَبِرة، وافد بني المنتفق، فالله أعلم.
وقد يؤخذ من هذه الرواية أن السائل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي بعد هذا هو السائل في حديث أبي أيوب لجنه؛ لأن سياقه شبيه بالقصة التي ذكرها أبو هريرة. والله تعالى أعلم.
وقد وقع نحو هذا السؤال لصخر بن القعقاع الباهليّ رضي الله عنه، ففي حديث الطبراني أيضًا من طريق قَزعَة بن سُوَيد الباهليّ، حدثني أبي، حدثني خالي، واسمه صخر بن القعقاع، قال: لقيت النبيّ ﷺ بين عرفة ومزدلفة، فأخذت بخطام ناقته، فقلت: يا رسول الله، ما يُقربني من الجَنَّة، ويباعدني من النار؟ …»، فذكر الحديث، وإسناده حسن. أفاده في «الفتح» [«الفتح» ٣/ ٣١٠ – ٣١١].
[تنبيه آخر]:
وقع في رواية البخاريّ في «الزكاة» في حديث أبي أيوب رضي الله عنه هذا بلفظ «أن رجلًا» بدل «أن أعرابيًّا»، فقال في «الفتح»: هذا الرجل حَكَى ابن قتيبة في «غريب الحديث» له أنه أبو أيوب الراوي، وغلّطه بعضهم في ذلك، وفي التغليط نظر؛ إذ لا مانع أن يُبهم الراوي نفسه؛ لغرض له، ولا يقال: يبعد لوصفه في رواية أبي هريرة التي بعد هذه بكونه أعرابيًّا؛ لأنا نقول: لا مانع من تعدّد القصّة، فيكون السائل في حديث أبي أيوب هو نفسه، لقوله: «إن رجلًا»، والسائل في حديث أبي هريرة أعرابيّ آخر. انتهى [«الفتح» ٣/ ٣١٠].
(عَرَضَ) من باب ضرب: أي ظهر، وبدا (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ فِي سَفَرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من «رسول الله» (فَأَخَذَ) أي ذلك الأعرابيّ (بِخِطَامِ نَاقَتِه، أَوْ) للشكّ من الراوي (بِزِمَامِهَا) «الخطام»، و«الزمام» – بكسر الخاء، والزاي – قال الهرويّ في «الغريبين»، قال الأزهريّ: الخِطام هو الذي يُخْطَم به البعير، وهو أن يؤخذ حبلٌ من لِيفٍ، أو شعر، أو كَتّان، فيُجعَل في أحد طرفيه حَلْقَةٌ يُسْلَك فيها الطرف الآخر، حتى يَصِير كالحلقة، ثم يُقَلَّد البعير، ثم يُثَنَّى على مِخْطَمِه، فإذا ضُفِّر من الأدَمِ فهو جَرِير، فأما الذي يُجعَل في الأنف دَقيقًا فهو الزّمَام، وقال صاحب «المطالع»: الزِّمَام للإبل ما تُشَدّ به رؤوسها من حَبْل وسَيْرٍ، ونحوه، لتقاد به. انتهى [«شرح النوويّ» ١/ ١٧٢].
(ثُمَّ قَالَ) الأعرابيّ (يَا رَسُولَ الله، أَوْ) للشكّ من الراوي (يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي) بتشديد الراء، من التقريب، أي: بالعمل الذي إذا عملته يقرّبني (مِنْ الْجَنَّةِ) ويجعلني ممن يدخلها (وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ) أي: وبالعمل الذي يجعلني بعيدًا من النار (قَالَ) الراوي، وهو أبو أيوب رضي الله عنه (فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ) أي: منع ناقته من السير: ليتمكّن من سماع سؤاله، وأن لا يتعدّاه دون الإجابة عما سأله (ثُمَّ نَظَرَ) ﷺ (فِي) وجوه (أَصْحَابِهِ) رضي الله عنهم، تعجّبًا من حسن سؤاله، ووجازته، وبلاغته (ثُمَّ قَالَ) ﷺ (لَقَدْ وُفِّقَ) بالبناء للمفعول، يقال: وفّقه الله توفيقًا: إذا سَدَّدَه [«المصباح» ٢/ ٦٦٧]، وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أصحابنا المتكلمون: التوفيقُ: خلقُ قدرة الطاعة، والخذلان خلق قدرة المعصية. انتهى (أَوْ) للشكّ من الراوي أيضًا (لَقَدْ هُدِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا، قال الراغب الأصبهاني: الهداية: دلالة بلُطْفٍ، ومنه الهديّة، وهوادي الوحوش: المتقدّمات الهادية لغيرها، وخُصّ ما كان دلالةً بهَدَيتُ، وما كان إعطاءً بأهديتُ، ثم قال: إن قيل: كيف جَعَلْتَ الهداية دلالةً بلُطْفٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وقال: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، قيل: ذلك استُعْمِلَ فيه استعمالَ اللفظ على التهكم مبالغةً في المعنى، كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وقول الشاعر:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ
قال: وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب:
[الأول]: الهداية التي عمّ بها كلَّ مكلَّف، من العقل، والفِطْنة، والمعارف الضروريّة، بل عمّ بها كلَّ شيء بقدر فيه حسب احتماله، كقوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
[الثاني]: الهداية التي جَعَل للناس بدعائه إياهم على السنة الأنبياء، وإنزال القرآن، ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
[الثالث]: التوفيق الذي يختصّ به من اهتدي، وهو المعنّي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
[الرابع]: الهداية في الآخرة إلى الجنّة، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣].
قال: وهذه الهدايات الأربع مرتّبة، فمن لم تحصل له الأولى لم تحصل له الثانية، بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثانية لم تحصل له الثالثة، والرابعة، ومن حصلت له الرابعة فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصلت له الثالثة فقد حصل له اللتان قبلها، ثم ينعكس، فقد تحصل الأولى، ولا يحمل الثاني، ويحصل الثاني، ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدًا إلَّا بالدعاء، وتعريف الطرق، دون سائر أنواع الهدايات.
وإلى الأولى أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
قال: وكلُّ هداية ذكر الله تعالى أنه منعَ الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة التي هي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرابعة التي هي الثواب في الآخرة، وإدخال الجنّة ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦].
وكلُّ هداية نفاها الله عن النبيّ ﷺ، وعن البشر، وذَكَر أنهم غير قادرين عليها، فهي ما عدا المختصّ من الدعاء، وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق، وإدخال الجنّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وقولُهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥]، أي: أن الله تعالى هو الذي يَهْدي خلقه إلى الحقّ، فهو أحقّ بالاتّباع ممن لا يَهدي أن يهتدي بنفسه، يقال: هدى بنفسه يَهدي مخفّفًا بمعنى اهتدى يهتدي، نحوُ شَرى يَشري بمعنى اشترى يشتري، إلَّا أن يُهدى إلى طريق يسلكها، أو عملٍ يرشده، وهذا استفهام توبيخ لهم على ما اتّخذوه من دون الله إلهًا يُعبَدُ، وإن كان من أشرف الناس وخيرهم، كالمسيح، وعُزير، والملائكة، يعني أن الله وحده هو الذي يهدي كلَّ أحد، وغيره لا يَهدي غيره إلَّا أن يهديه الله تعالى.
قال: ولَمّا كانت الهداية والتعليم يقتضي شيئين: تعريفًا من الْمُعَرّف، وتعرُّفا من الْمُعَرَّف، وبهما تتمّ الهداية والتعليم، فإنه متى حصل البذل من الهادي والمعلِّم، ولم يحصل القبول صحّ أن يقال: لم يَهْد، ولم يُعلِّم؛ اعتبارًا بعدم القبول، وصحّ أن يقال: هَدَى وعَلّمَ؛ اعتبارًا ببذله، فإذا كان كذلك صحّ أن يقال: إن الله تعالى لم يَهْد الكافرين والفاسقين من حيث إنه لم يحصل القبول الذي هو تمام الهداية والتعليم، وصحّ أن يقال: هداهم وعلَّمهم من حيث إنه حصل البذل الذي هو مبدأ الهداية، فعلى الاعتبار الأول قوله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وقيل: معنى ﴿اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] أي لا يصلح، فاستعار الهداية للإصلاح، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، والمعنى لا يوفّقهم لعمل أهل الخير.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أشار به إلى من هداه الله بالتوفيق المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. قال بعضهم: الهداية والْهُدى في موضوع اللغة واحد، ولكن خصّ الله تعالى لفظ الْهُدَى بما تولّاه وأعطاه، واختصّ به هو دون ما هو إلى الإنسان، نحو ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
والاهتداء يختصّ بما يتحرّاه الإنسان على طريق الاختيار، إما في الأمور الدنيويّة، أو الأخرويّة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، فهذا يجوز أن يكون للهدايتين؛ لأنهم يهتدون بها في أسفارهم، وإلى الجهة التي يتعبّدون إليها لله تعالى.
ويقال أيضًا: اهتدى: إذا طلب الهداية، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وإذا تَحَرَّاهَا أيضًا، ومنه ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ [البقرة: ٥٣]، أي تتحرّون هدايتكم فيهما، والاهتداء أيضًا: الاقتداء بالعلماء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، تنبيهًا على أنهم لا يعلمون بأنفسهم، ولا يقتدون بمن يَعلَم، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: ٤١] هذا يتناول وجوه الاهتداء المتقدّمة بأسرها، من طلب الهداية، وتحريّها، والاقتداء بالعلماء.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، أي ثم أدام طلب الهداية، ولم يَفْتُر عن تحرّيها، ولم يرجع إلى المعصية، وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]، أي تَحَرَّوا الهداية وقَبِلوها، وعَمِلوا بها، ولم يُخِلُّوا بشرائطها. انتهى كلام الراغب مختصرًا [«مفردات الألفاظ» ص ٨٣٥ – ٨٣٩].
والحاصل أن الهداية تُطلق على البيان، والإرشاد، كما قوله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وتُطلق على التوفيق للطاعة وتيسيرها، كما في قوله عز وجل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وهذا المعنى هو المراد هنا، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ﷺ (كَيْفَ قُلْتَ؟)، إنما سأله تعجّبًا بما سأل، وتعجيبًا للحاضرين، ويحتمل أنه لم يسمعه تمام السماع.
وفي رواية البخاريّ:»قال: ما له، ما له؛ فقال رسول الله ﷺ: «أَرَبٌ مَا له».
قال في «الفتح»: كذا في هذه الرواية لم يُذكَر فاعل «قال: ما له ما له؟»، وفي رواية بَهْز المعلقة هنا الموصولة في كتاب «الأدب» قال القوم: ما له ما له؟ قال ابن بطال: هو استفهام، والتكرار للتأكيد.
وقوله: «أَرَبٌ» – بفتح الهمزة والراء، منونًا – أي حاجة، وهو مبتدأ، وخبره محذوف، استفهم أوّلًا، ثم رجع إلى نفسه، فقال: «له أَرَبٌ». انتهى.
وهذا بناءٌ على أن فاعل «قال» النبيُّ ﷺ، وليس كذلك؛ لما بَيّناه، بل المستفهم الصحابة، والمجيب النبي ﷺ، و«ما» زائدة، كأنه قال: له حاجةٌ مَا.
وقال ابن الجوزيّ: المعنى له حاجةٌ مهمة مفيدةٌ، جاءت به؛ لأن قد عَلِمَ بالسؤال أن له حاجةً.
وَرُوِيَ بكسر الراء، وفتح الموحدة، بلفظ الفعل الماضي وظاهره الدعاء، والمعنى التعجب من السائل، وقال النضر بن شُمَيل: يقال: أَرِبَ الرجلُ في الأمر: إذا بلغ فيه جهده، وقال الأصمعيّ: «أَرِبَ في الشيء: صار ماهرًا فيه، فهو أريب، وكأنه تعجب من حسن فطنته، والتهدي إلى موضع حاجته، ويؤيده قوله في رواية مسلم هذه، بلفظ: فقال النبي ﷺ:»لقد وُفّق، أو لقد هُدِي«.
وقال ابن قتيبة: قوله:»أَرِبَ” من الآراب، وهي الأعضاء، أي سقطت أعضاؤه، وأصيب بها، كما يقال: تَرِبَت يمينك، وهو مما جاء بصيغة الدعاء، ولا يراد حقيقته.
وقيل لَمّا رأى الرجل يزاحمه، دعا عليه، لكن دعاؤه على المؤمن طُهْرٌ له، كما ثبت في الصحيح.
ورُوِي بفتح أوله، وكسر الراء، والتنوين: أي هو أَرِبٌ، أي حاذقٌ، فَطِنٌ، قال الحافظ: ولم أقف على صحة هذه الرواية، وجزم الكرماني بأنها ليست محفوظة، وحكى القاضي عن رواية لأبي ذَرّ: »أَرَبَ« بفتح الجميع، وقال: لا وجه له، قال الحافظ: وقعت في»الأدب«من طريق الكشميهني وحده. انتهى [«الفتح» ٣/ ٣١١].
(قَالَ) الراوي (فَأَعَادَ) الأعرابي سؤاله (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: »تَعْبُدُ اللهَ) أي توحّده، وهو بتقدير حرف مصدريّ، كما في قوله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]،
أو الفعل منزّل منزِلَة المصدر، أو الخبر بمعنى الأمر، أي: اعبد الله.
والعبادة يحتمل أن تكون بمعنى التوحيد، فيكون قوله: «لا تشرك به شيئًا» تفسيرًا وتأكيدًا له، ويحتمل أن تكون بمعنى الطاعة مطلقًا، فتكون الجملة بعدها لبيان الإخلاص، وترك الرياء، وعلى هذا فعطف قوله: «وتقيم الصلاة … إلخ» تخصيصٌ بعد التعميم..
والتحقيق هنا أن العبادة: الطاعة مع الخضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيّته، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها لإدخالها في الإسلام، وإنما لم تكن دخلت في العبادة، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة مطلق الطاعة، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها من باب عطف الخاصّ على العام؛ تنبيهًا على شرف هذه الأشياء، ومزيّتها.
وقوله: (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل «تعبُد»، وإنما أتى به بعد ذكر العبادة؛ لأن عبادة الكفّار كانت مع عبادة الأوثان والأصنام، يزعمون أنها شركاء، فنفى ذلك.
(وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ) أي تديم فعلها، وتحافظ عليها على الوجه المطلوب، قال الراغب الأصبهانيّ رحمه الله تعالى: إقامة الشيء: إدامة فعله، والمحافظة عليه، وتوفيةُ حقّه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]، أي: توفّون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٦٦]، ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مَدَح حيثما مَدَح إلا بلفظ الإقامة؛ تنبيهًا أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئتها، نحو قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] في غير موضع، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]. انتهى كلام الراغب [«مفردات القرآن» ص ٦٩٢ – ٦٩٣].
والمراد بالصلاة المكتوبةُ؛ لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي: «وتقيم الصلاة المكتوبة».
(وَتُوْتِي الزَّكَاةَ) أي تُعطي الزكاة مستحقّها، فالمفعول الثاني محذوف، والمراد بالزكاة المفروضةُ؛ لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي: «وتؤدّي الزكاة المفروضة».
(وَتَصِلُ الرَّحِمَ) من وَصَلَ يَصِلُ صِلَةً، من باب وَعَدَ، ومعنى صِلَة الرحم: مشاركة ذوي القربي في الخيرات. قاله في «العمدة» [«عمدة القاري» ٨/ ٢٤٠].
وقال في «الفتح»: قوله: «تَصِل الرحم»: أي تُوَاسِي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النووي: معناه أن تحسن إلى أقاربك، ذَوِي رَحِمِك بما تيسر على حسب حالك وحالهم، من إنفاقٍ، أو سَلام، أو زيارة، أو طاعة، أو غير ذلك، وخص هذه الخصلة من بين خلال الخير؛ نظرًا إلى حال السائل، كأنه كان لا يصِلُ رحمه، فأمره به: لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحضّ عليها، بحسب حال المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثر مما سواها، إما لمشقتها عليه، وإما لتساهله في أمرها [«الفتح» ٣/ ٣١١].
(دَعِ النَّاقَةَ) أي: اتركها، وإنما قال له ذلك لأنه كان ممسكًا بخطامها؛ ليتمكّن من سؤاله بلا مشقّة، فلما حصل له جواب سؤاله قال له: دعها.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث أبي أيوب رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
وقوله: (ذا رَحمك) يعني صَاحِبَ قرابتك
وأما ذكره ﷺ صِلَةَ الرحم في هذا الحديث، وذِكْرُ الأوعيةِ في حديث وفد عبد القيس، وغيرِ ذلك في غيرهما، فقال القاضي عياض وغيره رحمهم الله: ذلك بحسب ما يَخُصُّ السائل، ويَعْنِيهِ [«شرح مسلم» للنوويّ ١/ ١٧٤]. والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: ترجم القرطبيّ رحمه الله تعالى، بقوله: «باب من اقتصر على فعل ما وجب عليه، وانتهى عمّا حُرّم عليه دخل الجنّة»، ثم أورد حديث أبي أيوب رضي الله عنه هذا، وحديث جابر رضي الله عنه الآتي: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيتَ إذا صليتُ الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنة؟ قال: «نعم»، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا.
ثم قال: هذه الترجمة يشهد بصحّتها الحديثان المذكوران ولم يذكر لهما في هذين الحديثين شيئًا من فعل التطوّعات، فدلّ على صحّة ما ذكرناه، وعلى جواز ترك التطوّعات على الجملة.
لكن من تركها، ولم يَعمل شيئًا منها، فقد فوّت على نفسه ربحًا عظيمًا، وثوابًا جسيمًا، ومن داوم على ترك شيء من السنن، كان ذلك نقصًا في دينه، وقدحًا في عدالته، فإن كان تركه تهاونًا به، ورغبةً عنها، كان ذلك فسقًا، يستحقّ به ذمًّا.
وقال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواصلوا على ترك سنّة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا.
ولقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق بينهما لما يترتّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، وخوف العقاب على الترك، ونفيه إن حصل تركٌ ما بوجه ما.
وإنما سكت النبيّ ﷺ لهؤلاء السائلين عن ذكر التطوّعات، ولم يذكرها لهم كما ذكرها في حديث طلحة بن عُبيد الله رضي الله عنه؛ لأن هؤلاء – والله أعلم – كانوا حديثي عهد بإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وَجَبَ عليهم في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم، أو لئلا يعتقدوا أن تلك السنن والتطوّعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم بالفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب تلك المندوبات، فتسهل عليهم.
ومن المعلوم أنّ هؤلاء ما سُوِّغ لهم ترك الوتر، ولا صلاة العيدين، ولا غيرهما، مما فعله النبيّ ﷺ في جماعة المسلمين، ولا يجترؤون على ترك ذلك؛ للذي يُعلم من حرصهم على الإقتداء بالنبيّ ﷺ، وعلى تحصيل الثواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى [«المفهم» ١/ ١٦٦ – ١٦٧]، وهو تحقيق حسنٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١١٥] (١٤) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) أي بدويًّا منسوبًا إلى الأعراب بالفتح، وهم: سُكّان البادية
[تنبيه]: قال القاري في «المرقاة»: قال العارفون: التعبّد إما لنيل الثواب، أو التخلّص من العقاب، وتُسمّى عبادة، وهي أنزل الدرجات؛ لأن معبوده ذلك المطلوب، بل نقل الفخر الرازيّ إجماع المتكلّمين على عدم صحّة عبادته، أو للتشرّف بخدمته تعالى، والإنتساب إليه، وتسمّى عُبُودِيّةً، وهي أرفع من الأولى، ولكنها ليست خالصة له، أو لوجهه تعالى وحده، من غير ملاحظة شيء آخر، وتُسمّى عبودة، وهي أعلى المقامات، وأرفع الحالات. انتهى [«المرقاة» ١/ ١٦٠].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا التقسيم الذي ذكره القاري تقسيم ضيزى؛ لكونه مخالفًا لنصوص الكتاب والسنّة، ومناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام،
وقد قال الله عز وجل بعد ذكر أنبيائه: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ولوطًا، ونوحًا، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإسحاق، وذا الكفل، وذا النون، وزكريّا، ويحيى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقد كان رسول الله ﷺ وهو سيد الخلق أجمعين كثير السؤال للجنة، والتعوذ من النار، والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة لا حصر لها.
ولهذا قال بعض العلماء: من عبد الله بالحبّ وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده، فهو حروريّ ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئيّ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحّد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى ردًّا على هؤلاء: إن الواحد من هؤلاء لو جاع في الدنيا أيّامًا، أو أُلقي في بعض عذابها طار عقله، وخرج من قلبه كلّ محبّة، ولهذا قال سمنون:
وَلَيْسَ لِي فِيمَا سِوَاكَ حَظٌّ … فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَامْتَحِنِّي
فابتُلِي بعُسر البول، فصار يطوف على المكاتب، ويقول: ادعوا لعمكم الكذّاب، وأبو سليمان لَمّا قال: قد أَعطيتُ من الرضا نصيبًا، لو ألقاني في النار لكنت راضيًا، ذُكر أنه ابتُلي بمرض، فقال: إن لم تعافني، وإلا كفرت، أو نحو هذا، وفُضيل بن عياض ابتُلي بعسر البول، فقال: بحبي لك إلا فرّجت عنّي، فبذل حبّه في عسر البول، فلا طاقة لمخلوق بعذاب الخالق ولا غنى به عن رحمته، وقد قال النبيّ ﷺ لرجل: «ما تدعو في صلاتك؟»، قال: أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما إني لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال: «حولها ندندن»، فقد أخبر ﷺ أنه ومعاذ بن جبل رضي الله عنه، وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبيّ ﷺ إنما يُدندنون حول الجنة، أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله ﷺ، ومعاذ، ومن يصلّي خلفهما من المهاجرين والأنصار. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى [«النبوات» ص ٦٨ – ٦٩٠ و«الاستقامة» ٢/ ١١٠].
[فإن قلت]: كيف أقرّه النبيّ ﷺ على حلفه، وقد جاء النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا، والنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤].
[أجيب]: بأن المنع والنكير إنما كان عن عناد؛ إذ لا شكّ أن ترك النوافل جائزٌ، والحلف على المباح غير محرّم، ولهذا الكلام محمل آخر، وهو أن يكون السائل رسولًا، فحلف أن لا يزيد في الإبلاغ على ما سمع، ولا ينقص منه، وقيل: يحتمل أن يكون صدور هذا الكلام منه على المبالغة في التصديق والقبول، أي: قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول. ذكره الطيبيّ [»الكاشف عن حقائق السنن” ٢/ ٤٥٦].
والظاهر منه أن النبي ﷺ عَلِمَ بالوحي أنه سيُوَفِّي بما التَزَم، وأنه يدوم على ذلك، ويدخل الجنة.
ويحتمل أن يكون في الكلام حذفٌ، تقديره: إن دام على فعل الذي أُمر به، ويؤيّد هذا قوله في حديث أبي أيوب رضي الله عنه الذي قبله: «إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة».
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١١٦] (١٥) -شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه، أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ) ببناء الفعل للفاعل، و«النبيّ» مفعول مقدّم، والفاعل قوله: (النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ) – بقافين مفتوحتين، بينهما واو ساكنةٌ، وآخره لام – هو: النعمان بن قَوْقَل بنَ أصرم بن فِهْر بن ثَعْلبة بن غَنْم بن عَوْف.
ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق فيمن استُشْهِد بأُحُد، وكان شهد بدرًا، وقال ابن حبّان له صحبة.
وأخرج البغوي من طريق خالد بن مالك الجعدي قال: وجدت في كتاب أبي أن النعمان بن قوقل الأنصاري قال: أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعَرْجتي في خضر الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «لقد رأيته يطأ فيها، وما به من عَرَج». وأخرج ابن قانع، وابن منده من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن الحسن بن الحسن، عن أبي ثابت بن شداد بن أوس قال: قال النعمان بن قوقل … فذكر نحوه. قال ابن منده: يُرْوَى هذا الحديث لعمرو بن الْجَمُوح. وأخرج مسلم من طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي سفيان، وأبي صالح، عن جابر نحو حديث قبله، مَتْنُهُ أتى النبي ﷺ النعمانُ بن قوقل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحَرَّمت الحرام، وأحللت الحلال، أدخل الجنة؟ قال: «نعم»، وتابعه أبو حمزة، عن الأعمش، أخرجه ابن منده، وأخرجه من وجه آخر، عن أبي حمزة، فقال: عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي سعيد، وأخرجه الطبراني في «مسند النعمان بن قوقل» من طريق جابر بن نوح، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، عن النعمان، أنه جاء رسولَ الله ﷺ، فذكر نحوه، وهو مرسل، ولعل أبا صالح أراد عن قصة النعمان، ولم يرد الرواية عنه، وإنما الرواية عنه، عن جابر، وقد رواه عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر، عن النعمان، أخرجه ابن منده أيضًا، وقد رواه موسى بن داود، عن ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النعمان جاء إلى النبي ﷺ، ورواه يزيد بن جعدبة، عن أبي الزبير، فقال: عن جابر: أخبرني النعمان، أخرجه ابن قانع، وابنُ منده من طريقه، وابن جعدبة، وله ذكر في حديث أبي هريرة عند البخاري، أخرجه من طريق عنبسة بن سعيد عنه، قال: أتيت النبي ﷺ بعد أن فتح خيبر، فقلت: يا رسول الله، أَسْهِمْ لي، فقال أبان بن سعيد بن العاص: لا تُعْطِه، فقلت: هذا قاتلُ ابنِ قوقل، ويقال: إن قوقلًا لقب، واسمه ثعلبة، أو مالك بن ثعلبة، وقد غاير أبو عمر بين النعمان بن قوقل، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وتعقبه ابن الأثير.
[تنبيه]: النعمان بن قوقل صحابيّ آخر، فرق أبو حاتم بينه وبين الذي قبله، وقال في هذا: إنه نزل الكوفة، ورَوَى عنه بلال بن يحيى، وأخرجه البخاري من طريق حبيب بن سليم، عن بلال، عن النعمان بن قوقل، قال: قلت: يا رسول الله، ما أتعلم من القرآن شيئًا إلا انفلت مني، فوالذي أنزل عليك الكتاب، ما من شيء أحبُّ إلي من الله ورسوله، قال: «يا ابن قوقل، المرء مع من أحب، وله ما احتسب»، وأخرج الطبراني في ترجمة الذي قبله من طريق منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: جاء النعمان بن قوقل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فأمره أن يصلي ركعتين، يتجوَّز فيهما.
وأخرجه ابن شاهين من طريق هدبة بن المنهال، عن الأعمش كذلك، قال الحافظ: وعندي أنه بهذا أليق. انتهى [«الإصابة» ٦/ ٣٥٥ – ٣٥٦].
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ) أي اجتنبتُ الحرام، معتقدًا حرمته (وَأَحْلَلْتُ الْحَلَال) أي اعتقدتُ حلّه، قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: أما تحريم الحرام فالظاهر أنه أراد به أمرين: أن يعتقده حرامًا، وأن لا يفعله، بخلاف تحليل الحلال، فإنه يكفي فيه مجرّد اعتقاده. انتهى [«صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط» ص ١٤٤].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني اكتسبت الحلال، وامتنعتُ عن كسب الحرام، هذا عُرْفُ الحلال والحرام في الشرع، وأما في أصل الوضع فيصلح أن يُطلق الحلال على كلّ ما للإنسان أن يفعله شرعًا، ولا يمتنع منه، والحرام على ما مُنِع الإنسان من فعله مطلقًا. انتهى [«المفهم» ١/ ١٦٧ – ١٦٨]، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثانية – إن شاء الله تعالى -.
(أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟) أي دخولًا أوّليًّا بغير تقدّم عذاب (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَعَمْ) أي تدخل الجنة كذلك.
وحديث جابر رضي الله عنه هذا، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
فوائد الأحاديث:
1 – (منها): بيان الإيمان الذي من تمسّك به دخل الجنة.
2 – (ومنها): بيان قدر التوحيد، وأنه أساس الأعمال كلّها.
3 – (ومنها): بيان فرضيّة الصلاة والزكاة، وبيان فضلهما.
4 – (ومنها): بيان فضل صلة الرحم وأنها من جملة أسباب دخول الجنّة، وقطعها من الكبائر المانعة عن دخوله، فقد روى الشيخان من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة قاطع»، يعني: قاطع رحم.
5 – (ومنها): ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من شدّة الحرص والرغبة إلى الجنة، والبحث عما يكون سببًا في دخولها، وهذا هو اللائق بالعاقل، فلا ينبغي له أن يَشغل نفسه بغير ذلك من الزخارف الفانية، فدخول الجنة هو الفوز العظيم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
6 – (ومنها): بيان كمال خلق النبيّ ﷺ، فقد وقف لهذا الأعرابي، واستمع قوله، وأثنى على سؤاله
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[البحر المحيط الثجاج، (1/ 242 – 300)، بتصرف].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى):
(اعلم): أنه لم يأتي ذكر الحجّ في هذا الحديث، ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبي هريرة، وكذا غيره من نحو هذه الأحاديث لم يُذكَر في بعضها الصوم، ولم يُذكر في بعضها الزكاة، وذُكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادةً ونُقصانًا، وإثباتًا وحذفًا.
وقد أجاب القاضي عياض وغيره عنها بجواب لَخّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وهَذّبه فقال: ليس هذا باختلاف من رسول الله ﷺ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصّر واختصر على ما حفظه فأداه . [«الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٥٥ – ٤٥٦].
(المسألة الثانية):
قد كتب الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الحديث بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده تكميلًا للفائدة، وتتميمًا للعائدة، قال رحمه الله تعالى في شرح قوله: «وحرّمت الحرام، وأحللت الحلال … إلخ»: ما نصّه:
وقد فسّر بعضهم تحليلَ الحلال باعتقاد حِلِّه، وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه، ويحتمل أن يُراد بتحليل الحلال إتيانه، ويكون الحلال ههنا عبارةً عما ليس بحرام، فدخل فيه الواجب والمستحب والمباح، ويكون المعنى أنه يَفْعَلُ ما ليس بمحرم عليه، ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره، ويجتنب المحرمات.
وقد رُوي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم في قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٢١]، قالوا: يُحِلُّون حلاله، ويحرمون حرامه، ولا يُحَرِّفونه عن مواضعه [رواه الطبريّ في «تفسيره» عن ابن عباس، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ورواه عبد الرزاق في «تفسيره» بإسناد صحيح، عن ابن مسعود رضي الله عنه.].
والمراد بالتحريم والتحليل: فعلُ الحلال، واجتناب الحرام، كما ذكر في هذا الحديث، وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يُغَيِّرُون تحريم الشُّهُور الْحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٣٧]، والمراد أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيُحَرِّمونه بذلك.
وقال الله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٧ – ٨٨]، وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زُهْدًا في الدنيا وتَقَشُّفًا، وبعضهم حَرَّمَ ذلك على نفسه، إما بيمين حَلَف بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر، وبعضهم امتنع منه من غير يمين ولا تحريم، فسمى الجميع تحريمًا، حيث قصد الإمتناع منه إضرارًا بالنفس، وكفًّا لها عن شهواتها، ويقال في الأمثال: فلانٌ لا يُحَلِّلُ ولا يُحَرِّم، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقف عند ما أبيح له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، فيجعلون مَن فَعَلَ الحرام، ولا يتحاشى منه مُحَلِّلًا، وإن كان لا يعتقد حله.
وبكل حال فهذا الحديث يدل على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات، دخل الجنة، وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بهذا المعنى، أو ما هو قريب منه، كما خرج النسائيّ وابن حبان والحاكم، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء»، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
وخَرَّج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد عَبَدَ الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة، – أو – دخل الجنة» [حديث صحيح، أخرجه أحمد ٥/ ٤١٣ والنسائي ٧/ ٨٨].
وفي «المسند» عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ضمام بن ثعلبة، وَفَدَ على النبي ﷺ، فذكر له الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج وشرائع الإسلام كلها، فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص، فقال رسول الله ﷺ: «إن صدق دخل الجنة»، وخَرّجه الطبراني من وجه آخر، وفي حديثه قال: والخامسةُ لا أَرَبَ لي فيها – يعني الفواحش – ثم قال: لأعملنّ بها، ومن أطاعني، فقال رسول الله ﷺ: «لئن صدق ليدخلن الجنة».
وفي «صحيح البخاري» عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أخبرني بعمل يدخلني الجنة …
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله، دُلَّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة …
وفي «الصحيحين» عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس …
وفي «صحيح مسلم» عن أنس رضي الله عنه أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ، وزاد فيه: «حج البيت من استطاع إليه سبيلًا»، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ، ولا أنقص منهنّ، فقال النبي ﷺ: «لئن صدق ليدخلن الجنة».
ومراد الأعرابي أنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحج البيت شيئًا من التطوع، ليس مراده أنه لا يَعْمَل بشيء من شرائع الإسلام غير ذلك.
وهذه الأحاديث لم يُذْكَر فيها اجتناب المحرمات؛ لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة.
وخَرّج الترمذي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: «أيها الناس اتقوا الله، وصَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم»، وقال: حسن صحيح، وخرّجه الإمام أحمد، وعنده: «اعبدوا ربكم» بدل قوله: «اتقوا الله»، وخَرَّجه بَقِيّ بن مَخْلَد في «مسنده» من وجه آخر، ولفظ حديثه: «صَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحُجُّوا بيتكم، وأَدُّوا زكاة أموالكم، طَيِّبَةً بها أنفسكم، تدخلوا جنةَ ربكم».
وخَرَّج الإمام أحمد بإسناده عن ابن الْمُنْتَفِقِ قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفات فقلت: ثنتان أسألُك عنهما: ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟
فقال: «لئن كنت أوجزتَ في المسألة، لقد أعظمتَ، وأطولتَ، فاعقل عني إذن، اعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأَدِّ الزكاة المفروضة، وصم رمضان، وما تحب أن يفعله الناس بك فافعله بهم، وما تكره أن يَأتي إليك الناس فَذَرِ الناسَ منه»، وفي رواية له أيضًا قال: «اتق الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، ولم تزد على ذلك» [رواه أحمد والطبرانيّ، قال الهيثميّ في «المجمع» ١/ ٤٣: في إسناده عبد الله بن أبي عقيل اليشكريّ، ولم أرَ أحدًا روى عنه غير ابن المغيرة بن عبد الله، وقال في «تعجيل المنفعة» ص ٢٢٩: ليس بالمشهور]، وقيل: إن هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط.
فهذه الأعمال أسباب مقتضيةٌ لدخول الجنة، وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خَرّجه الإمام أحمد، من حديث عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، شَهِدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ: «مَن مات على هذا كان مع النبيين والصّدّيقين والشهداء يوم القيامة هكذا – ونصب إصبعيه – ما لم يَعُقَّ والديه» [قال الهيثميّ: رواه أحمد والطبرانيّ بإسنادين رجال أحد إسنادي الطبرانيّ رجال الصحيح، ورواه البزّار بنحوه، وصححه ابن حبان].
وقد وَرَدَ تَرَتُّب دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال، كالصلاة، ففي الحديث المشهور: «مَن صلَّى الصلوات لوقتها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة» [رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وصححه ابن حبان]، وفي الحديث الصحيح: «من صلى البردين دخل الجنة» [متّفق عليه].
وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يُعمَل عليه إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، ويدل هذا على ما خَرَّجه الإمام أحمد، عن بشير بن الخصاصية قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فشرط عليَّ شهادةَ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأُؤَدِّي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، فأما اثنتان فوالله ما أُطيقهما: الجهاد، والصدقة، فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حَرَّكها، فقال: «فلا جهاد، ولا صدقة، فبم تدخل الجنة؟»، قلت: إذًا يا رسول الله أبايعك، فبايعته عليهنّ كلهنّ [رواه أحمد ٥/ ٢٢٤، ورجاله رجال الصحيح، غير أبي المثنّى العبديّ، وقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، ورواه الطبرانيّ أيضًا في «الكبير» «(١٢٣٣) و»الأوسط«(١١٤٨)، قال الهيثميّ في»المجمع” ١/ ٤٢: ورجال أحمد موثّقون].
ففي هذا الحديث أنه لا يَكْفِي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الجهاد والزكاة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر، يمنع دخول الجنة، كقوله: «لا يدخل الجنة قاطع»، متّفقٌ عليه، وقوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر»، رواه مسلم، وقوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا»، رواه مسلم، والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّين حتى يُقضَى، وفي «الصحيح»: أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط، حُبِسُوا على قنطرة يُقْتَصُّ منهم مظالم بينهم، كانت في الدنيا.
وقال بعض السلف: إن الرجل ليُحْبَس على باب الجنة مائة عام بالذنب، كان يعمله في الدنيا، فهذه كلها موانع.
ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد التوحيد، ففي «الصحيحين» عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة»، قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق»، قالها ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: «على رَغْمِ أنف أبي ذر»، فخَرَجَ أبو ذر يقول: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذر.
وفيهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقّ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، أو أبي سعيد بالشك، عن النبي ﷺ أنه قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ، غير شاكّ فيهما، فتحجبَ عنه الجنة».
وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له يومًا: «من لَقِيتَ يشهد أن لا إله إلا الله، مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة»، وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا.
وفي «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال يومًا لمعاذ: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار»، وفيهما عن عتبان بن مالك رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن الله قد حَرّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله».
وقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنة، والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانعُ وهي إتيان الكبائر، قال الحسن للفرزدق: إن لِلا إله إلا الله شروطًا، فإياك وقذفَ المحصنة، ورُوي عنه أنه قال: هذا العمودُ فأين الطُّنُبُ؟ [«الطُنُبُ»: حبل طويلٌ يُشدّ به سُرادق البيت]، يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات، قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأَدَّى حقها وفرضها دخل الجنة، وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتِحَ لك، وإلا لم يُفتَح لك.
ويُشبِه ما رُوي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله، هل يَضُرُّ معها عمل، كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: اعمل، ولا تَغْتَرَّ.
وقالت طائفة، منهم الضحاك، والزهريّ: كان هذا قبل الفرائض والحدود، فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نُسِخَت، ومنهم من قال: بل ضُمّ إليها شروطٌ زيدت عليها، وزيادة الشروط، هل هي نسخٌ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كله نظر، فإن كثيرًا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.
وقال الثوريّ: نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تَبَيَّن بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة، ومثلُ هذا البيان، وإزالة الإيهام، كان السلف يسمونه نسخًا، وليس هو نسخًا في الإصطلاح المشهور.
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدةً، بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإصرار على معصية.
وجاء من مراسيل الحسن عن النبي ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة»، قيل: وما إخلاصها؟ قال: أن تَحْجُزَكَ عما حَرَّم الله، ورُوي ذلك مسندًا من وجوه أُخَر ضعيفة.
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا، فإنّ تَحَقُّق القلب بمعنى «لا إله إلا الله»، وصِدْقَه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يَرْسَخ فيه تَأَلُّه الله وحده إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبةً، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّهُ ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذل من القلب جميعُ أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحب شيئًا، أو أطاعه، وأحب عليه وأبغض عليه، فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا لله، فالله إلهه حقًّا، ومن أحب لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية [الجاثية: ٢٣].
قال الحسن: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ، وقال قتادة: هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزُهُ عن ذلك وَرَعٌ، ولا تَقْوَى،
وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله، فقد عَبَدَهُ، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠].
فتبيَّنَ بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: «لا إله إلا الله» إلا لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]: قال: لا تحبوا غيري.
وفي «مستدرك الحاكم» عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «الشرك أخفى من دبيب الذَّرّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تُحِبَّ على شيء من الجور، وتُبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه، متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي.
وخَرَّج ابن أبي الدنيا من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا:»لا تزال لا إله إلا الله، تمنع العباد من سخط الله، ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله، ردها الله عليهم، وقال الله: كذبتم«[قال الإتيوبي رحمه الله تعالى: “قال الحافظ الهيثمي في»مجمع الزوائد«:»رواه البزّار من حديث أنس رضي الله عنه، وإسناده حسن. راجع: «المجمع» ٧/ ٢٧٧.
ورواه البزار (٣٦١٩) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيريّ، عن عبد الله بن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن محمد بن عجلان قال العقيليّ: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يحلّ كتب حديثه إلا على جهة التعجّب، روى عن أبيه نسخة موضوعة، وقال أبو حاتم: لا أعرفه، ولا أعرف حديثه، وسئل أبو زرعة عنه فقال: قد سمعت منه، ولم أكتب من حديثه شيئًا، قيل له: حدّث إبراهيم بن حمزة عنه، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي هريرة، رفعه: «لا تزال لا إله إلا الله تدفع …»، فقال: ما أعظم ما جاء به، ينبغي أن يُلقى حديث هذا الشيخ، وأورد له العقيليّ هذا الحديث، وقال: لا يتابع عليه، وقد جاء عن الحسن قوله”. انتهى.].
فتبين بهذا المعنى قوله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه، حَرّمه الله على النار».
وأنّ من دخل النار من أهل هذه الكلمة، فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طَهَّرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صَدَق في قول: لا إله إلا الله لم يحب سواه، ولم يَرْجُ إلا إياه، ولم يَخْشَ إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقِي في القلب أثر لسوى الله، فمن قلة الصدق في قولها.
ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة»
فإن المحتَضَر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص، وتوبة، ونَدَم على ما مضى، وعَزْم على أن لا يعود لمثله.
ورجح هذا القول الخطابي في مصنف له في التوحيد، وهو حسن. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى [راجع: «جامع العلوم والحكم» ١/ ٥١٣ – ٥٢٧]، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيق أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قاله الإتيوبي رحمه الله تعالى. [البحر المحيط الثجاج]. انتهى
اختصرناه وحذفنا أكثر الأحاديث الضعيفة