٤٩٧و ٤٩٨ و ٤٩٩ و ٥٠٠ و٥٠١ و٥٠٢ و٥٠٣ و٥٠٤ عبق الياسمين شرح رياض الصالحين
سلطان الحمادي
بالتعاون مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘-
٥٦-باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار عَلَى القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات.
٤٩٧- وعن النُّعْمَانِ بنِ بَشيرٍ، رضي الله عنهما: لَقَدْ رَأَيْتُ نبيكم اللَّه صلى الله عليه وسلم وما يجد مِنَ الدَّقَل مَا يمْلأُ بِهِ بطْنَهُ. رواه مسلم
مر معنا سابقا في باب للزهد
٤٩٨-وعن سهل بن سعدٍ قال: ما رَأى رُسولُ ﷺ النّقِيّ منْ حِينَ ابْتعَثَهُ اللَّه تَعَالَى حتَّى قَبَضَهُ اللَّه تَعَالَى، فقِيلَ لَهُ هَلْ كَانَ لَكُمْ في عهْد رسول اللَّه ﷺ مَنَاخلُ؟ قَالَ: مَا رَأى رسولُ اللَّه ﷺ مُنْخَلاَ مِنْ حِينَ ابْتَعثَهُ اللَّه تَعَالَى حَتَّى قَبَضُه اللَّه تَعَالَى، فَقِيلَ لهُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غيرَ منْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحُنَهُ ونَنْفُخُهُ، فَيَطيرُ مَا طارَ، وَمَا بَقِي ثَرَّيْناهُ. رواه البخاري.
قَوْله:«النَّقِيّ»: هُوَ بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياءِ. وهُوَ الخُبْزُ الحُوَّارَى، وَهُوَ: الدَّرْمَكُ، قَوْله:«ثَرَّيْنَاهُ»هُو بثاءٍ مُثَلَّثَةٍ، ثُمَّ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، ثُمَّ ياءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْت ثُمَّ نون، أَيْ: بَلَلْناهُ وعَجَنَّاهُ.
( ما رَأى رُسولُ ﷺ النّقِيّ منْ حِينَ ابْتعَثَهُ اللَّه تَعَالَى حتَّى قَبَضَهُ اللَّه تَعَالَى )
أي ما رآه فضلا عن أكله ، ففيه مبالغة لا تخفى . (تحفة الأحوذي للمباركفوري)
قوله: ( النقي ) بفتح النون أي خبز الدقيق الحوارى وهو النظيف الأبيض، وفي حديث البعث: ” يحشر الناس على أرض عفراء كقرصة النقي ”
النقي) أي الخالص من النخالة ونفى رؤيته مبالغة في نفي أكله.(دليل الفالحين لابن علان ٢/٧٤٠)
اي لم يكن يرون الخبز الأبيض اللين
(وهو الخبز الحوّاري) بضم المهملة وتشديد الواو وبالراء ثم ألف من الحور: البياض فهو الخبز الأبيض كما قال (وهو الدرمك) بفتح الدال وسكون المهملة. قال في «الصحاح»: هو دقيق الحواري اهـ. وبه يعلم أن في كلام المصنف مضافًا مقدرًا: أي خبز الدرمك.(دليل الفالحين ٢/٧٤٠)
( يعني الحواري)
قال المباركفوري: وهو الذي نخل مرة بعد مرة حتى يصير نظيفا أبيض. (تحفة الاحوذي)
( فقِيلَ لَهُ هَلْ كَانَ لَكُمْ في عهْد رسول اللَّه ﷺ مَنَاخلُ؟ )
جمع منخل ، بضم الميم وسكون النون وضم الخاء ويفتح ، وهو الغربال. ( تحفة الأحوذي للمباكفوري)
وقول الكرماني: نخلت الدقيق أي غربلته، الأولى أن يقول: أي أخرجت منه النخالة.
قال العيني: “قلت: المنخل غير الغربال. لِأَن الغربال يغربل بِهِ الْقَمْح وَالشعِير وَنَحْوهمَا، والمنخل مَا ينخل بِهِ الدَّقِيق، وَهُوَ أحد مَا جَاءَ من الأدوات على مفعل بِضَم الْمِيم.” (عمدة القاري للعيني٢١/٥٢)
عن أم أيمن:
أنَّها غَرْبَلَتْ دَقيقًا، فصَنَعتْهُ للنبيِّ ﷺ رَغيفًا، فقال:
«ما هذا؟». قالتْ: طعامٌ نَصْنَعُه بأرْضِنا، فأحْبَبْتُ أن أصْنَع لك منة رَغيفًا، فقال: «رُدِّيهِ فيهِ ثُمَّ اعْجِنيهِ».
فيه دلالة على أن المُنخل يسمى غربالا كذلك
كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غيرَ منْخُولٍ) بالنصب على الحال ووجه التعجب من ذلك كثرة نخالته فربما نشب في الحلق . (دليل الفالحين لابن علان ٢/٤٧٠)
قوله: ( ولكن كنا ننفخه )قال ابن حجر: احترز عما قبل البعثة لكونه صلى الله عليه وسلم كان سافر في تلك المدة إلى الشام تاجرا وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبز النقي عندهم كثير، وكذا المناخل وغيرها من آلات الترفه، فلا ريب أنه رأى ذلك عندهم، فأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة، ووصل إلى تبوك وهي من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها. (فتح الباري)
( قال : كنا ننفخه )
قال العيني: “المُرَاد أَنهم كَانُوا إِذا طحنوا الشّعير يَأْخُذُونَ دقيقه وينفخونه فيطير مِنْهُ القشور وَمَا بَقِي يرشون عَلَيْهِ المَاء ثمَّ يَأْكُلُونَهُ” (عمدة القاري)
قال المباركفوري:” نطيره بعد الطحن إلى الهواء بأيدينا أو بأفواهنا. (تحفة الأحوذي)
( فيطير منه ما طار )
أي يذهب منه ما ذهب من النخالة وما فيه خفة.(تحفة الأحوذي)
بوب البخاري (بَابُ النَّفْخِ فِي الشَّعِيرِ)
أَيْ بَعْدَ طَحْنِهِ لِتَطِيرَ مِنْهُ قُشُورُهُ وَكَأَنَّهُ نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ خَاصٌّ بِالطَّعَامِ الْمَطْبُوخِ.
في رواية البخاري : ( وما بقي ثريناه فأكلناه ) قوله (فأكلناه) يحتمل أن يريد أكلوه بغير عجن ولا خبز، ويحتمل أنه أشار بذلك إلى عجنه بعد البل وخبزه ثم أكله. والمنخل من الأدوات التي جاءت بضم أولها. (فتح الباري لابن حجر)
جاء في الزهد لابن المبارك عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «لَا تَنْخُلُوا الدَّقِيقَ فَإِنَّهُ طَعَامٌ كُلُّهُ»
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ حَرَامٌ قَالَ الْمَشَايِخُ مِنْهُمْ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ.
(أَحَدُهُمَا): أَنْ يَأْكُل فَوْقَ الشِّبَعِ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ.
(وَالثَّانِي): إذَا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ وَقَدْ تَنَاهَى أَكْلُهُ وَلَمْ يَشْبَعْ ضَيْفُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى أَمْسَكَ عَنْ الْأَكْلِ أَمْسَكَ الضَّيْفُ عَنْهُ حَيَاءً وَخَجَلًا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ
فَوْقَ الشِّبَعِ؛ لِكَيْ لَا يَكُونَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ مَنْ أَسَاءَ الْقِرَى وَإِسَاءَةُ الْقِرَى مَذْمُومَةٌ شَرْعًا، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. (الإداب الشرعية لابن مفلح ٣/٢٠٣)
جاء في ترجمة مُحَمَّدُ بنُ أَسْلَمَ بنِ سَالِمِ بنِ يَزِيْدَ الكِنْدِيُّ مَوْلاَهُمْ .
الإِمَامُ، الحَافِظُ، الرَّبَّانِيُّ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو الحَسَنِ الكِنْدِيُّ مَوْلاَهُمُ، الخُرَاسَانِيُّ، الطُّوْسِيُّ. مولده ١٨٠
قال مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ: كَانَ يَقُوْلُ لِي: اشتَرِ لِي شَعِيرًا أَسوَدَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الكَنِيفِ، وَلاَ تَشتَرِ لِي إِلاَّ مَا يَكفِينِي يَوْمًا بِيَوْمٍ.
وَاشْتَرَيتُ لَهُ مَرَّةً شَعِيرًا أَبْيَضَ، وَنَقَّيْتُهُ، وَطَحَنْتُهُ، فَرَآهُ، فَتَغَيَّرَ لَونُهُ، وَقَالَ:
إِنْ كُنْتَ تَنَوَّقْتَ فِيْهِ (٣)، فَأَطْعِمْهُ نَفْسَكَ، لَعَلَّ لَكَ عِنْدَ اللهِ أَعْمَالًا تَحتَمِلُ أَنْ تُطْعِمَ نَفْسَكَ النَّقِيَّ، وَأَمَّا أَنَا، فَقَدْ سِرْتُ فِي الأَرْضِ، وَدُرتُ فِيْهَا، فَبِاللهِ مَا رَأَيْتُ نَفْسًا تُصَلِّي أَشَرَّ عِنْدِي مِنْ نَفْسِي، فَبِمَا أَحتَجُّ عِنْدَ اللهِ إِنْ أَطعَمتُهَا النَّقِيَّ؟! خُذْ هَذَا الطَّعَامَ، وَاشتَرِ لِي كُلَّ يَوْمٍ بِقِطعَةٍ شَعِيْرًا رَدِيْئًا (٤)، وَاشتَرِ لِي رَحَىً، فَجِئْنِي بِهِ حَتَّى أَطحَنَ بَيَدِي وَآكُلَهُ، لَعَلِّي أَبلُغُ مَا كَانَ فِيْهِ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ.
قال المحقق (٣) إن كنت تقيدت فيه.
وَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ، فَدَفَعَ إِلَيَّ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: اشتَرِ كَبْشَيْنِ عَظِيْمَينِ، وَغَالِ بِهِمَا، وَاشتَرِ بِعَشْرَةٍ دَقِيْقًا، وَاخْبِزْهُ.
فَفَعَلتُ، وَنَخَلتُهُ، فَأَعطَانِي عَشْرَةً أُخَرَ، وَقَالَ: اشتَرِ بِهِ دَقِيْقًا، وَلاَ تَنْخُلْهُ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ العَقِيقَةَ سُنَّةٌ، وَنَخْلُ الدَّقِيقِ بِدْعَةٌ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ فِي السُّنَّةِ بِدْعَةٌ (١) .
مراده والله أعلم أنه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فتركه تورعا لا أنه حرام.
غال بهما لأنه يخرجه لله، فمن السنة أن المسلم إذا يخرج شيء لله لا يستكثر ثمنه.
لو نبحث دقيق غير منخول لن نجد ولو وجدنا لن نستسيغه.
٤٩٩- وعن أبي هُريرةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ذاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذا هُوَ بِأَبي بكْرٍ وعُمَرَ ، فَقَالَ:”مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُما هذِهِ السَّاعَةَ؟ “قَالا: الجُوعُ يَا رَسولَ اللَّه.
قالَ:”وَأَنا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَخْرَجَني الَّذِي أَخْرَجَكُما. قُوما”فقَاما مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ في بيتهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ المرَأَةُ قالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. فقال لَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ: “أَيْنَ فُلانٌ”قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الماءَ، إِذْ جاءَ الأَنْصَاريُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ للَّه، مَا أَحَدٌ اليَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيافًا مِنِّي فانْطَلقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رسُولُ اللَّه ﷺ:”إِيَّاكَ وَالحَلُوبَ”فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذلكَ العِذْقِ وشَرِبُوا. فلمَّا أَنْ شَبعُوا وَرَوُوا قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ لأَبي بكرٍ وعُمَرَ ﵄:”وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هذَا النَّعيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هذا النَّعِيمُ” رواه مسلم.
قَوْلُها:”يَسْتَعْذبُ”أَيْ: يَطْلبُ الماءَ العَذْبَ، وهُوَ الطَّيبُ. وَ”العِذْقُ”بكسر العين وإسكان الذال المعجمة: وَهُو الكِباسَةُ، وهِيَ الغُصْنُ. وَ”المُدْيةُ”بضم الميم وكسرِها: هي السِّكِّينُ. وَ”الحلُوبُ”ذاتُ اللبَن. وَالسؤالُ عَنْ هَذَا النعِيم سُؤالُ تَعدِيد النِّعَم لا سُؤالُ توْبيخٍ وتَعْذِيبٍ. واللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الأنصارِيُّ الَّذِي أَتَوْهُ هُوَ أَبُو الهَيْثمِ بنُ
التَّيِّهان كَذا جاءَ مُبَينًا في روايةِ الترمذي وغيره
(خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ذاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ) والله أعلم نهار لانه جاء في الحديث أن رَسُول اللَّه ﷺ قال لها: “أَيْنَ فُلانٌ”قالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الماءَ،
(فقال، ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟) أي التي لم تجر العادة بالخروج فيها لأنها ليست وقت صلاة ولا ما يجتمع له من كسوف أو نحوه من الحوادث. ( دليل الفالحين ٤/٤٣٧)
قال محب الدين الطبري: “الظاهر أن تلك الساعة لا يخرج من بيته عادة من كان مثلهما إلا للضرورة، ولهذا قال لهما ﷺ مستغربًا ذلك: “ما أخرجكما. . . إلخ”، وقد أشار إلى هذا في رواية الترمذيّ، ولفظه: “قال: خرج النبيّ ﷺ في ساعة لا يَخرُج فيها، ولا يلقاه فيها أحدٌ. . .” الحديث، وجاء في بعض الروايات أن ذلك كان وقت الظهيرة” ( الرياض النضرة ١/٣٣٩)
قولهما رضي الله عنهما : ” أخرجنا الجوع ” ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ” وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ” فمعناه : أنهما لما كانا عليه من مراقبة الله تعالى ، ولزوم طاعته ، والاشتغال به ، فعرض لهما هذا الجوع الذي يزعجهما ، ويقلقهما ، ويمنعهما من كمال النشاط للعبادة ، وتمام التلذذ بها سعيا في إزالته بالخروج في طلب سبب مباح يدفعانه به ، وهذا من أكمل الطاعات ، وأبلغ أنواع المراقبات ، وقد نهى عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين ، وبحضرة طعام تتوق النفس إليه ، وفي ثوب له أعلام ، وبحضرة المتحدثين وغير ذلك مما يشغل قلبه ، ونهى القاضي عن القضاء في حال غضبه وجوعه ، وهمه وشدة فرحه ، وغير ذلك مما يشغل قلبه ويمنعه كمال الفكر ، والله أعلم . ( شرح مسلم للنووي)
وقوله : ( بيوتكما ) هو بضم الباء وكسرها ؛ لغتان قرئ بهما في السبع ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ” وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ” فيه جواز ذكر الإنسان ما يناله من ألم ونحوه ، لا على سبيل التشكي وعدم الرضا ، بل للتسلية والتصبر ، كفعله صلى الله عليه وسلم هنا ، ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض ، فهذا كله ليس بمذموم ، إنما يذم ما كان تشكيا وتسخطا وتجزعا . ( شرح مسلم للنووي)
وقوله صلى الله عليه وسلم : ” فأنا ” هكذا هو في بعض النسخ ” فأنا ” – بالفاء – وفي بعضها بالواو ، وفيه جواز الحلف من غير استحلاف. ( شرح مسلم للنووي)
وقوله صلى الله عليه وسلم : ” قوموا ، فقاموا ” هكذا هو في الأصول بضمير الجمع ، وهو جائز بلا خلاف ، لكن الجمهور يقولون : إطلاقه على الاثنين مجاز ، وآخرون يقولون : حقيقة . ( شرح مسلم للنووي)
قال الطيبيّ: هكذا هو في الأصول بضمير الجمع، وهو جائز، فمن قال: إن أقل الجمع اثنان فظاهرٌ، ومن قال: إن أقله ثلاثة فمجاز. انتهى ( الكاشف عن حقائق السنن” ٩/ ٢٨٦٧.)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم غير مرّة أن المذهب الصحيح أن أقل الجمع اثنان؛ لأدلّة كثيرة.(البحر المحيط ٣٤/٢٥٠)
وقوله : ( فأتى رجلا من الأنصار ) هو أبو الهيثم مالك بن التيهان بفتح المثناة فوق وتشديد المثناة تحت مع كسرها ، وفيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به كما ترجمنا له ، واستتباع جماعة إلى بيته ، وفيه منقبة لأبي الهيثم ؛ إذ جعله النبي صلى الله عليه وسلم أهلا لذلك وكفى به شرفا ذلك . ( شرح مسلم للنووي)
وقوله : ( فقالت : مرحبا وأهلا ) كلمتان معروفتان للعرب ، ومعناه : صادفت رحبا وسعة وأهلا تأنس بهم ( شرح مسلم للنووي)
وقال ابن منظور : وقولهم: مَرْحَبًا وأهلًا؛ أي: أتيت سعةً، وأتيت أهلًا، فاستأنِس، ولا تستوحش، قال: وقيل: معنى مَرْحَبًا: أتيت، أو لقيت رُحْبًا وسعةً، لا ضِيقًا، وكذلك إذا قال: سهلًا، أراد: نزلت بلدًا سهلًا، لا حَزْنًا غَلِيظًا” (انظر لسان العرب ٤١٤/١)
وفيه استحباب إكرام الضيف بهذا القول وشبهه ، وإظهار السرور بقدومه ، وجعله أهلا لذلك ، كل هذا وشبهه إكرام للضيف ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ” ، وفيه جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها الكلام للحاجة ، وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علما محققا أنه لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة . ( شرح مسلم للنووي)
وقولها : ( ذهب يستعذب لنا الماء ) أي : يأتينا بماء عذب ، وهو الطيب ، وفيه جواز استعذابه وتطييبه . ( شرح مسلم للنووي)
قوله : ( مَا أَحَدٌ اليَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيافًا) فيه فوائد ، منها : استحباب حمد الله تعالى عند حصول نعمة ظاهرة ، وكذا يستحب عند اندفاع نقمة كانت متوقعة ، وفي غير ذلك من الأحوال ، وقد جمعت في ذلك قطعة صالحة في كتاب الأذكار ، ومنها استحباب إظهار البشر ، والفرح بالضيف في وجهه وحمد الله تعالى وهو يسمع على حصول هذه النعمة ، والثناء على ضيفه إن لم يخف عليه فتنة ، فإن خاف لم يثن عليه في وجهه ، وهذا طريق الجمع بين الأحاديث الواردة بجواز ذلك ومنعه ، وقد جمعتها مع بسط الكلام فيها في كتاب الأذكار ، وفيه دليل على كمال فضيلة هذا الأنصاري وبلاغته وعظيم معرفته ؛ لأنه أتى بكلام مختصر بديع في الحسن في هذا الموطن رضي الله عنه . ( شرح مسلم للنووي)
(أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي)؛ لأنه لا يوجد على الإطلاق أكرم وأشرف على الله تعالى من رسول الله ﷺ، ومن صاحبيه بعد النبيين، وقال القرطبيّ ﵀: هذا قولٌ صدقٌ، ومقالٌ حقٌّ؛ إذ لم تُقِلّ الأرض، ولا أظلَّت السَّماء في ذلك الوقت – أي: ولا في وقت من الأوقات على الإطلاق – أفضل من أضيافه؛ فإنَّهم: محمد رسول الله ﷺ، وخليفتاه: أنجو بكر، وعمر، ولمّا تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر، فقال: الحمد لله
قوله : ( فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه ) العذق هنا بكسر العين وهي الكباسة ، وهي الغصن من النخل ، وإنما أتى بهذا العذق الملون ليكون أطرف ، وليجمعوا بين أكل الأنواع ، فقد يطيب لبعضهم هذا ولبعضهم هذا ، وفيه دليل على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما ، وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر ، وإكرامه بعده بطعام يصنعه له لا سيما إن غلب على ظنه حاجته في الحال إلى الطعام ، وقد يكون شديد الحاجة إلى التعجيل ، وقد يشق عليه انتظار ما يصنع له لاستعجاله للانصراف. (شرح مسلم للنووي)
قال القرطبيّ: و”العِذق” – بكسر العين -: الكِباسة، وهي:العرجون، و”العَذْق” – بفتح العين -: النخلة، وإنما قدَّم لهم هذا العرجون؛ لأنَّه الذي تيسَّر له بغير كلفة، لا سيما مع تحققه حاجتهم، ولأن فيه ألوانًا من التمر، والبسر، والرطب، ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أَولى من حيث إنه أقوى للمعدة؛ لأنَّه أسرع هَضْمًا.(المفهم)
قال النووي:” وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف ، وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة ؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف ، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف ، وقد يحضر شيئا يعرف الضيف من حاله أنه يشق عليه ، وأنه يتكلفه له فيتأذى لشفقته عليه ، وكل هذا مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ” ؛ لأن أكمل إكرامه إراحة خاطره ، وإظهار السرور به ، وأما فعل الأنصاري وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه ، بل لو ذبح أغناما بل جمالا وأنفق أموالا في ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما كان مسرورا بذلك مغبوطا فيه ، والله أعلم . ( شرح مسلم للنووي)
قوله : ( وأخذ المدية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياك والحلوب ) ” المدية ” بضم الميم وكسرها هي السكين ، وتقدم بيانها مرات ، والحلوب : ذات اللبن ، فعول بمعنى مفعول ، كركوب ونظائره . ( شرح مسلم للنووي)
قال القرطبي: ” دليلٌ على جواز جمع طعامين فأكثر على مائدة.(المفهم ٥/٣٠٧)
قوله : ( فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : والذي نفسي بيده ، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ) فيه دليل على جواز الشبع ، وما جاء في كراهة الشبع فمحمول على المداومة عليه ؛ لأنه يقسي القلب وينسي أمر المحتاجين ، وأما السؤال عن هذا النعيم فقال القاضي عياض : المراد السؤال عن القيام بحق شكره ، والذي نعتقده أن السؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها ، وإظهار الكرامة بإسباغها لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة ، والله أعلم . ( شرح مسلم للنووي)
فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه رضي الله عنهم من التقلل من الدنيا ، وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات ، وقد زعم بعض الناس أن هذا كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم ، وهذا زعم باطل ؛ فإن راوي الحديث أبو هريرة ، ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر ، فإن قيل : لا يلزم من كونه رواه أن يكون أدرك القضية ، فلعله سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ، فالجواب : أن هذا خلاف الظاهر ولا ضرورة إليه ، بل الصواب خلافه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يتقلب في اليسار والقلة حتى توفي صلى الله عليه وسلم ، فتارة يوسر ، وتارة ينفد ما عنده ، كما مر معنا في الصحيح عن أبي هريرة : ” خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير ” ، وعن عائشة : ” ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام ثلاث ليال تباعا حتى قبض ” ، و ” توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله ” ، وغير ذلك مما هو معروف ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في وقت يوسر ، ثم بعد قليل ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله من وجوه البر ، وإيثار المحتاجين ، وضيافة الطارقين ، وتجهيز السرايا ، وغير ذلك ( شرح مسلم للنووي)
قال ابن باز: ” في هذا الحث على شكر الله، وأن كون الإنسان يرزق التمر والماء واللحم هذه نعم عظمى، ونعيم يسأل عنه يوم القيامة، … فذكر لهم أنهم سيسألون عن هذا النعيم يوم القيامة، فهذا يدل على صبره عليه الصلاة والسلام، وصبر أصحابه على الشدة والجوع والفقر والحاجة، حتى فرج الله ويسر الله ، وهكذا ينبغي على أهل الإيمان، ينبغي أن يكونوا هكذا يتحملون ويتصبرون، وألا تزعجهم الحاجة أو الفقر فيجرهم إلى ما حرم الله، عليهم أن يتحملون في سبيل الله ما يرضي الله عنهم” (شرح رياض الصالحين لابن باز ٢/٢٧٠)
٤٥٠- وعن خالدِ بنِ عُمَرَ العَدَويِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بنُ غَزْوانَ، وكانَ أَمِيرًا عَلى البَصْرَةِ، فَحمِدَ اللَّه وأَثْنى عليْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا بعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بصُرْمٍ، ووَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبابةِ الإِناءِ يتصابُّها صاحِبُها، وإِنَكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْها إِلَى دارٍ لاَ زَوالَ لهَا، فانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُم فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنا أَنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِير جَهَنَّمَ فَيهْوى فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لاَ يُدْركُ لَها قَعْرًا، واللَّهِ لَتُمْلأَنَّ.. أَفَعَجِبْتُمْ،؟ ولَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْراعَيْنِ مِنْ مَصاريعِ الجَنَّةِ مَسيرةَ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَيَأْتِينَّ عَلَيها يَوْمٌ وهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحامِ، وَلَقَدْ رأَيتُني سابعَ سبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مالَنا طَعامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْداقُنا، فالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فشَقَقْتُها بيْني وَبَينَ سَعْدِ بنِ مالكٍ فَاتَّزَرْتُ بنِصْفِها، وَاتَّزَر سَعْدٌ بنِصفِها، فَمَا أَصْبَحَ اليَوْم مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلى مِصْرٍ مِنْ الأَمْصَارِ. وإِني أَعُوذُ باللَّهِ أَنْ أَكْونَ فِي نَفْسي عَظِيمًا. وعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا. رواهُ مسلم. قَوْله:”آذَنَتْ”هُوَ بَمدِّ الأَلِفِ، أَيْ: أَعْلَمَتْ. وَقَوْلُه:”بِصُرْمٍ”: هُوَ بضم الصاد. أيْ: بانْقطاعِها وَفَنائِها. وَقوله”ووَلَّتْ حَذَّاءَ”هُوَ بحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، ثُمَّ ذال معجمة مشدَّدة، ثُمَّ أَلف ممدودَة. أَيْ:
سَريعَة وَ”الصُّبابةُ”بضم الصاد المهملة: وهِي البقِيَّةُ اليَسِيرَةُ. وقولُهُ:”يَتَصابُّها”هُوَ بتشديد الباءِ قبل الهاء. أَيْ: يجْمَعُها. وَالكَظِيظُ: الكثيرُ المُمْتَلئُ. وَقَوْلُه:”قَرِحَتْ”هُوَ بفتحِ القاف وكسر الراءِ، أَيْ: صارَتْ فِيهَا قُرُوحٌ.
(وعن خالدِ بنِ عُمَرَ العَدَويِّ قَالَ: خَطَبَنَا عُتْبَةُ بنُ غَزْوانَ)
قال الذهبي: “عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ * بنِ جَابِرِ بنِ وُهَيْبٍ أَبُو غَزْوَانَ المَازنِيُّ
السَّيِّدُ، الأَمِيْرُ، المُجَاهِدُ، أَبُو غَزْوَانَ المَازنِيُّ، حَلِيْفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ.
أَسْلَمَ سَابِعَ سَبْعَةٍ فِي الإِسْلاَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ، ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا وَالمَشَاهِدَ، وَكَانَ أَحَدَ الرُّمَاةِ المَذْكُوْرِيْنَ، وَمِنْ أُمَرَاءِ الغَزَاةِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَطَ البَصْرَةَ وَأَنْشَأَهَا.” (سير أعلام النبلاء)
من السابقين الأولين، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع مهاجرا إلى المدينة رفيقا للمقداد، وشهد بدرا وما بعدها، وولاه عمر في الفتوح، فاختطّ البصرة، وفتح فتوحا. وكان طويلا جميلا.( الاصابة لابن حجر)
(وكانَ أَمِيرًا عَلى البَصْرَةِ)البَصْرِى
بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة وفي آخرها الراء، هذه النسبة الى البصرة وشهرتها اغنتنى عن ذكرها لكن ذكرتها لكي لا يخلو الكتاب عنها، يقال لها قبة الإسلام وخزانة العرب، وقد ذكرت نبذا من فضائلها في كتاب الإسفار عن الأسفار، وفي كتاب النزوع عن الأوطان والنزاع الى الإخوان، وإنما بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، وكان بناؤها في سنة سبع عشرة من الهجرة، وسكنها الناس سنة ثماني عشرة، ولم يعبد الصنم قط على أرضها- هكذا كان يقول لي ابو الفضل عبد الوهاب بن احمد بن معاوية الواعظ بالبصرة.( الأنساب للسمعاني)
(فَحمِدَ اللَّه وأَثْنى عليْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا بعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بصُرْمٍ، ووَلَّتْ حَذَّاءَ)
قَوْله:”آذَنَتْ”هُوَ بَمدِّ الأَلِفِ، أَيْ: أَعْلَمَتْ.( رياض الصالحين)
وَقَوْلُه:”بِصُرْمٍ”: هُوَ بضم الصاد. أيْ: بانْقطاعِها وَفَنائِها. وَقوله”ووَلَّتْ حَذَّاءَ”هُوَ بحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، ثُمَّ ذال معجمة مشدَّدة، ثُمَّ أَلف ممدودَة. أَيْ:سَريعَة. (رياض الصالحين للنووي)
وقوله : ( حذاء ) بحاء مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة مشددة وألف ممدودة أي : مسرعة الانقطاع .
بفتح الحاء المهملة، وتشديد الذال المعجمة؛ أي: سريعة خفيفة، والحذّاء في اللغة: قصيرة الذَّنَب، يقال: للقطاة حذّاء؛ لِقِصَر ذَنَبها، مع خفّتها، والحمار الأحذّ: قصير الذَّنَب، قال أبو عبيد: هي السريعة الخفيفة التي انقطع آخرها، وقال القاضي عياض: وهذا مثلٌ؛ لأن قصيرة الذنب، أو ما قُطع ذنبه لا يبقى وراءه شيء، فكأنه قال: الدنيا أدبرت منقطعة، سريعة الانقطاع( البحر المحيط للأتيوبي)
( وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبابةِ الإِناءِ يتصابُّها صاحِبُها)
و ” الصبابة ” – بضم الصاد – البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء .
وقوله : ” يتصابها ” أي : يشربها .
وَ”الصُّبابةُ”بضم الصاد المهملة: وهِي البقِيَّةُ اليَسِيرَةُ. ( رياض الصالحين للنووي)
لأنه قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بإصبعيه الوسطى والمسبحة.( دليل الفالحين ٢/٧٤٦)
( وإِنَكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْها إِلَى دارٍ لاَ زَوالَ لهَا، فانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُم)
(وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا)؛ أي: من هذه الدنيا الحقيرة اليسيرة (إِلَى دَارٍ، لَا زَوَالَ لَهَا) هي دار الآخرة، (فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ)؛ أي: ارتحلوا إلى الآخرة بخير ما يحضركم من أعمال البرّ، جعل الخير المتمكَّن منه كالحاضر: (المفهم للقرطبي ٧/١٢٣)
(فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا) قال القرطبيّ ؛ يعني: أنه ذكر له عن رسول الله ﷺ ذلك؛ لأنَّ مثل هذا لا يعرف إلا من جهة النبيّ ﷺ، فكأنه لم يسمعه هو من النبيّ ﷺ، بل سمعه من غيره، فسكت عنه، إما نسيانًا، وإما لأمر يُسَوِّغ له ذلك، ويَحْتِمِل أن يكون سمعه هو من النبيّ ﷺ، وسكت عن رفعه للعلم بذلك. (المفهم)
( أَنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِير جَهَنَّمَ فَيهْوى فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لاَ يُدْركُ لَها قَعْرًا، واللَّهِ لَتُمْلأَنَّ.. أَفَعَجِبْتُمْ،؟ )
في نسخة شفة جهنم. أي: حرفها، وطرفها، ووقع في نسخة القرطبيّ بلفظ “شفير” بدل “شفة”، فقال: و”شفير جهنم”: حرفها الأعلى، وحرف كل شيء أعلاه، وشفيره، ومنه: شفير العين. (المفهم)
قال المباركفوري: “فالسبعين للتكثير” .(تحفة الأحوذي)
وقعر الشيء : أسفله . (شرح صحيح مسلم)
فيه أن قاع جنهم بعيد وأنها كبيرة جدا.
روى الترمذي عن الحسن قال:
قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا -يعني منبر البصرة- عن النبي ﷺ قال:
«إنَّ الصخْرَةَ العظيمَةَ لتُلْقى من شَفيرِ جهَنَّم، فتَهْوي فيها سبْعين عامًا وما تُفْضي إلى قرارِها».
قال: وكان عمر يقول: أكْثِروا ذكرَ النارِ؛ فإنَّ حرَّها شديدٌ، وإنَّ قعرَها بعيدٌ، وإنَّ مقامِعَها حديدٌ.( صحيح الترغيب)
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ سِيَاطٌ مِنْ حَدِيدٍ وَاحِدَتُهَا: مِقْمَعَةٌ، قَالَ اللَّيْثُ: المقمعة شبه الجزر مِنَ الْحَدِيدِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: قَمَعْتُ رَأْسَهُ، إِذَا ضَرَبْتَهُ ضَرْبًا عَنِيفًا.( البغوي)
﴿مَّقَامِعُ﴾ جمع مقمعة أي مقرعة (ابن جزي)
﴿مَّقَامِعُ﴾: مَطارِقُ ( غريب القرآن للخضيري)
وفي صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ ” قَالَ : قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ : ” هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا ، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا “.
الوجبة: صوت الشيء يسقط من علو.
فيه أن النار مخلوقة موجودة.
(وَوَاللهِ لَتُمْلأَنَّ) بفتح لام القَسَم، وبناء الفعل للمفعول؛ أي: لتكونن جهنم مملوءة من الإنس والجنّ، كما قال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠]،
قال ابن علان: “فاحذروا من مخالفته سبحانه لئلا توبقكم المخالفة وتوقعكم فيها المعصية”( دليل الفالحين ٢/٤٧٤)
(ولَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْراعَيْنِ مِنْ مَصاريعِ الجَنَّةِ مَسيرةَ أَرْبَعِينَ عَامًا)
مصراع الباب: ما بين عضادتيه، جَمْعه مصاريع، وهو ما يسدّه الغلق، ( المفهم للقرطبيّ)
وقال الفيّوميّ : المصراع من الباب: الشطر، وهما مصراعان. انتهى (المصباح المنير).
وقال المجد: المصراعان من الأبواب: بابان منصوبان ينضمّان جميعًا، مدخلهما في الوسط. ( القاموس المحيط)
مصْراع الباب (المعجم عربي عامة)
أحد جُزْأيه؛ دَرْفَة، وهما مصراعان أحدهما إلى اليمين والآخر إلى اليسار :-الباب مفتوح على مِصْرَاعَيْه :- ° فتَح له البابَ على مِصْراعيه.
(مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً)؛ أي: مسافة سير أربعين سنة، (وَ لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا)؛ أي: على تلك المصاريع (يَوْمٌ، وَهُوَ)؛ أي: والحال أن كلّ مصراع (كَظِيظٌ)
(كَظِيظٌ)؛ أي: ممتلئ، يقال: كَظّه الطعام، وكذلك الشراب، يَكُظّه كَظًّا؛ أي: ملأه، حتى لا يطيق على النفس فاكتظ؛ أي: امتلأ.(تاج العروس)
(وَلَقَدْ رأَيتُني سابعَ سبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مالَنا طَعامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ)
(وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ)؛ أي: واحدًا من سبعة.
قال القسطلاني: “وهم كما عند ابن أبي خيثمة: أبو بكر، وعثمان، وعلي، وزيد بن حارثة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص” ( إرشاد الساري)
(مَع رَسُولِ اللهِ ﷺ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ) انجرحت.
(أَشْدَاقُنا) بالفتح: جمع شِدق بكسر الشين، وفتحها، وهو طرف الفم، عند ملتقى الشفتين.( البحر المحيط للأتيوبي)
قوله : ( قرحت أشداقنا ) أي : صار فيها قروح وجراح من خشونة الورق الذي نأكله وحرارته .
(فالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فشَقَقْتُها بيْني وَبَينَ سَعْدِ بنِ مالكٍ فَاتَّزَرْتُ بنِصْفِها، وَاتَّزَر سَعْدٌ بنِصفِها)
وهو يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ فَأَرَادَ إِعْلَامَ الْقَوْمِ بِأَوَّلِ أَمْرِهِ وَآخِرِهِ إِظْهَارًا مِنْهُ لِلتَّوَاضُعِ وَالتَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا .( فتح الباري)
فَالْتَقَطْتُ بُرْدةً)
قال القرطبي: “أي: أخذت لقطة بُرْدة، وهي الشَّمْلة، والعرب تسمّي الكساء الذي يُلتحَف به بُردةً، والبُرد بغير تاء: نوع من نوع ثياب اليمن الموشية.” ( المفهم)
(فَمَا أَصْبَحَ اليَوْم مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلى مِصْرٍ مِنْ الأَمْصَارِ)
كما كان هو أمير البصرة لعمر ، وكذلك سعد بن أبي وقّاص، أميرا على الكوفة .
وإِني أَعُوذُ باللَّهِ أَنْ أَكْونَ فِي نَفْسي عَظِيمًا. وعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا. رواهُ مسلم.
يوجد تكملة للحديث تراجع.
وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ، إِلَّا تَنَاسَخَتْ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلْكًا، فَسَتَخْبُرُونَ، وَتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعْدَنَا.
٤٥١- وعن أَبي موسى الأَشْعَريِّ قَالَ: أَخْرَجَتْ لَنا عائِشَةُ كِساء وَإِزارًا غَلِيظًا قالَتْ: قُبِضَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ في هَذَيْنِ. متفقٌ عَلَيْهِ.
قال ابن علان: “والذي وقفت عليه من نسخ الرياض عن أبي موسى كما شرحته، وهو إن لم يكن من تحريف الكتاب سبق قلم من الشيخ بلا ارتياب” (دليل الفالحين ٢/٧٥٠)
قال ابن حجر: ” أبي بردة وهو ابن أبي موسى الأشعري”
وأبو بردة كوفيّ، وُلد بالبصرة لَمّا كان أبوه أميرها في خلافة عمر رضي الله عنه. ( البحر المحيط للأتيوبي)
و في الصحيحن عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، قَالَ : أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ إِزَارًا، وَكِسَاءً مُلَبَّدًا ، فَقَالَتْ : فِي هَذَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وَكِسَاءً مُلَبَّدًا) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُلَبَّدُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الْمُرَقَّعُ يُقَالُ لَبَدْتُ الْقَمِيصَ أَلْبُدُهُ بِالتَّخْفِيفِ فِيهِمَا وَلَبَّدْتُهُ أُلَبِّدُهُ بِالتَّشْدِيدِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي ثَخُنَ وَسَطُهُ حَتَّى صَارَ كَاللَّبَدِ ( شرح مسلم للنووي)
قال ابن حجر:”الملبدة: اسم مفعول من التلبيد. وقال ثعلب: يقال للرقعة التي يرقع بها القميص: لبدة. وقال غيره هي التي ضرب بعضها في بعض حتى تتراكب وتجتمع.(فتح الباري)
وقال ابن حجر في موضع آخر: ( كساء ملبدا ) أي: ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبد، ويقال المراد هنا المرقع. ( فتح الباري)
قال القاري : وكأنه إجابة لدعائه ﷺ: “اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين”
قال ابن القيم في زاد المعاد:
” فَصْلٌ فِي مَلَابِسِهِ ﷺ
كَانَتْ لَهُ عِمَامَةٌ تُسَمَّى: السَّحَابَ كَسَاهَا عَلِيًّا، وَكَانَ يَلْبَسُهَا وَيَلْبَسُ تَحْتَهَا الْقَلَنْسُوَةَ. ( ما يوضع على الرأس وفي لسان العرب الْقَلَنْسُوَةُ لُغَةً: مِنْ مَلاَبِسِ الرُّءُوسِ ) وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَنْسُوَةَ بِغَيْرِ عِمَامَةٍ، وَيَلْبَسُ الْعِمَامَةَ بِغَيْرِ قَلَنْسُوَةٍ.
وجاء في صحيح مسلم أنها عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
وَلَبِسَ الْقَمِيصَ وَكَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَيْهِ، وَكَانَ كُمُّهُ إِلَى الرُّسُغِ، وَلَبِسَ الْجُبَّةَ (وهي رداء مفتوح، يوضع فوق الرداء الأول)
وَالْفَرُّوجَ(قال أبو عبيد: الفروج: القَبَاء الذى فيه شق من خلفه وهو من لباس الأعاجم) وَهُوَ شِبْهُ الْقَبَاءِ، وَالْفَرَجِيَّةِ، وَلَبِسَ الْقَبَاءَ أَيْضًا،
القَبَاء: القباء بفتح القاف والباء: كلمة فارسية معربة، وأصلها في الفارسية: قُباى، وهي تعني في الفارسية: ثوب مفتوح من الإمام)(معجم عربي لأسماء الملابس)
(الفرجية هي ثوب واسع مفرَّج من قدامه من أعلاه إلى أسفله، يلبس فوق سائر الثياب ولم ترد الكلمة في الحديث ولا وجدتها في كتب اللغة. وانظر: «تكملة دوزي» (٨/ ٣٤) و«المعجم العربي لأسماء الملابس» (ص ٣٥٢)
وَلَبِسَ فِي السَّفَرِ جُبَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ، وَلَبِسَ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ.
وَلَبِسَ حُلَّةً حَمْرَاءَ، وَالْحُلَّةُ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَلَا تَكُونُ الْحُلَّةُ إِلَّا اسْمًا لِلثَّوْبَيْنِ مَعًا، و الْحُلَّةُ الْحَمْرَاءُ: بُرْدَانِ يَمَانِيَّانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ، كَسَائِرِ الْبُرُودِ الْيَمَنِيَّةِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهَا مِنَ الْخُطُوطِ الْحُمْرِ، وَإِلَّا فَالْأَحْمَرُ الْبَحْتُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ فَفِي “صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ” أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ («نَهَى عَنِ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ») وغيرها من الأحاديث.
.
وَلَبِسَ الْخَمِيصَةَ الْمُعْلَمَةَ وَالسَّاذَجَةَ، وَلَبِسَ ثَوْبًا أَسْوَدَ، وَلَبِسَ الْفَرْوَةَ الْمَكْفُوفَةَ بِالسُّنْدُسِ.
(الخميصة: كساء مربع من صوف أو غيره به خطوط أو نقوش.)
و مَلِكَ الرُّومِ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ مُسْتَقَةً مِنْ سُنْدُسٍ، فَلَبِسَهَا،
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْمَسَاتِقُ: فِرَاءٌ طِوَالُ الْأَكْمَامِ. قَالَ الخطابي: يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمُسْتَقَةَ مُكَفَّفَةً بِالسُّنْدُسِ، لِأَنَّ نَفْسَ الْفَرْوَةِ لَا تَكُونُ سُنْدُسًا.” ( زاد المعاد بتصرف)
قال ابن باز: “كان النبي ﷺ يلبس ما تيسر له، إن كان من الجبة من الصوف الجبة الشامية، وتارة رداء وإزار فرو اليمن وتارة من غير ذلك، حسب ما يسر الله وتارة يلبس القميص عليه الصلاة والسلام، ولا يتكلف بل يلبس مما تيسر من لبس العرب إزار ورداء وقميص جبة من الصوف كل ذلك لبسه عليه الصلاة والسلام فلا ينبغي للمؤمن أن يتكلف، بل ينبغي له أن يكون سمحاً في أموره يلبس ما تيسر ويأكل ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ولا يحمله حبه إلى الشهوات إلى الوقوع في الحرام، أو الركون إلى الدنيا والزهد في الآخرة” (شرح رياض الصالحين لابن باز ٢/٢٧٢)
٤٥٢- وعنْ سَعد بن أَبي وَقَّاصٍ قَالَ: إِنِّي لأَوَّلُ العَربِ رَمَى بِسَهْمِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنا نَغْزُو مَعَ رسولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الحُبْلَةِ. وَهذا السَّمَرُ. حَتى إِنْ كانَ أَحَدُنا لَيَضَعُ كما تَضَعُ الشاةُ مالَهُ خَلْطٌ. متفقٌ عَلَيْهِ.
«الحُبْلَةِ»بضم الحاءِ المهملة وإِسكانِ الباءِ الموحدةِ: وَهِيَ والسَّمُرُ، نَوْعانِ مَعْروفانِ مِنْ شَجَرِ البَادِيَةِ.
قوله : ( والله إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله تعالى ) فيه منقبة ظاهرة له ، وجواز مدح الإنسان نفسه عند الحاجة .( شرح مسلم للنووي)
، قال ابن الجوزي: إن قيل: كيف ساغ لسعد أن يمدح نفسه ومن شأن المؤمن ترك ذلك لثبوت النهي عنه، فالجواب أن ذلك ساغ له لما عيره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة فاضطر إلى ذكر فضله، والمدحة إذا خلت عن البغي والاستطالة وكان مقصود قائلها إظهار الحق وشكر نعمة الله لم يكره، كما لو قال القائل: إني لحافظ لكتاب الله عالم بتفسيره وبالفقه في الدين؛ قاصدا إظهار الشكر أو تعريف ما عنده ليستفاد، ولو لم يقل ذلك لم يعلم حاله ولهذا قال يوسف عليه السلام: { إني حفيظ عليم }، وقال علي: سلوني عن كتاب الله، وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني لأتيته، وساق في ذلك أخبارا وآثارا عن الصحابة والتابعين تؤيد ذلك . (فتح الباري)
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، قَالَ : ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا – أَوْ رِجَالًا – إِلَى الْكُوفَةِ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ : أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ، قَالَ : أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ : أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ : شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ.
قوله: ( إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله ) زاد الترمذي من طريق بيان عن قيس: ” سمعت سعدا يقول: إني لأول رجل أهراق دما في سبيل الله “، وفي رواية ابن سعد في الطبقات من وجه آخر عن سعد أن ذلك كان في السرية التي خرج فيها مع عبيدة بن الحارث في ستين راكبا، وهي أول السرايا بعد الهجرة. ( فتح الباري)
قوله: ( إني لأول العرب رمى ) كان ذلك في سرية عُبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وكانت هي أول سرية بعثها رسول الله ﷺ في السنة الأولى من الهجرة، بعث ناسًا من المسلمين إلى رابغ؛ ليلقَوا عِيرًا لقريش، فتراموا بالسهام، ولم يكن بينهم مسايفة؛ أي: مضاربة ومحاربة، وكان سعد أول من رمى، وكانوا ستين راكبًا من المهاجرين، وفيهم سعد، وعقد له اللواء، وهو أول لواء عقده رسول الله ﷺ، فالتقى عُبيدة وأبو سفيان الأمويّ، وكان هو على المشركين، وهذا أول قتال جرى في الإسلام، وأول من رمى إليهم هو سعد، وفيه قال [من الوافر]:
أَلَا هَلْ جَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي … حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي
فَمَا يُعْتَدُّ رَامٍ مِنْ مَعَدٍّ … بِسَهْمٍ مَعْ رَسُولِ اللهِ قَبْلِي (عمدة القاري للعيني ٢٤/٣٦١)
قوله : ( ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر ) ” الحبلة ” بضم الحاء المهملة وإسكان الموحدة ، و ” السمر ” بفتح السين وضم الميم ، وهما نوعان من شجر البادية ، كذا قاله أبو عبيد وآخرون ، وقيل : الحبلة : ثمر العضاة ، وهذا يظهر على رواية البخاري : ” إلا الحبلة وورق السمر ” ، وفي هذا بيان ما كانوا عليه من الزهد في الدنيا ، والتقلل منها ، والصبر في طاعة الله تعالى على المشاق الشديدة . ( شرح مسلم للنووي)
.
قوله: ( إلا ورق الحبلة أو الحبلة ) والمراد به ثمر العضاه وثمر السمر، وهو يشبه اللوبيا، وقيل المراد عروق الشجر (فتح الباري)
و(قوله: ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة، هذا السمر) كذا وقع عند عامة الرواة. وعند الطبري والتميمي: وهذا السمر، بواو، ووقع في البخاري: إلا الحبلة، وورق السمر، وكذلك ذكره أبو عبيد.
الحبلة بضم الحاء وسكون الباء: ثمر العضاه. وقال ابن الأعرابي: ثمر السمر شبه اللوبياء، ورواية البخاري: أحسنها؛ لأنَّه بين فيها أنهم يأكلون ثمر العضاه، وورق الشجر السمر. (المفهم للقرطبي)
قوله: ( ليضع ) بالضاد المعجمة كناية عن الذي يخرج منه في حال التغوط. (فتح الباري)
قوله: ( ما له خلط ) بكسر المعجمة وسكون اللام، أي يصير بعرا لا يختلط من شدة اليبس الناشئ عن قشف العيش. (فتح الباري)
قوله: ( ما له خلط ) بكسر المعجمة أي: لا يختلط بعضه ببعض من شدة جفافه وتفتته. (فتح الباري)
قال ابن باز: “ليست دائماً إنما يعرض لهم في وقت الشدة في بعض الأسفار، قد يعرض لهم في المدينة بعض الشدة فصبروا رضي الله عنهم وأرضاهم ، وغزوا وجاهدوا في سبيل الله وصبروا على الأمور الشديدة حتى فتح الله عليهم الفتوحات العظيمة، وصاروا بعد ذلك ما بين غني وغني ثري، وصاروا قادة للناس ورزقهم الله الحلال وغنموا الغنائم وكسروا كسرى وقصروا قيصر، وتملكوا الأموال، ودخل الناس في دين الله أفواجاً” (شرح رياض الصالحين لابن باز ٢/٢٧٣)
٤٥٣- وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.قَالَ: قالَ رسول اللَّه ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» متفقٌ عليه.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَة والْغَرِيبِ: معْنَى«قُوتًا»أَيْ مَا يَسدُّ الرَّمَقَ.
وقوله: (اجعل رزق آل محمد)؛ أي: زوجاته، ومن في نفقته، أو هم مؤمنو بني هاشم والمطلب.( البحر المحيط للأتيوبي ٤٥/١٢٦)
قال ابن حجر: “أَطْلَقَ عَلَى أَزْوَاجِهِ ﷺ آلَ مُحَمَّدٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزٍ مَأْدُومٍ ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ وَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا وَكَأَنَّ الْأَزْوَاجَ أُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ تَنْوِيهًا بِهِمْ” (فتح الباري ١١/١٦٠)
جاء أيضا بلفظ: ( اللهم ارزق آل محمد قوتا ) قال ابن حجر: ” هكذا وقع هنا، وفي رواية الأعمش عن عمارة عند مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه: ” اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ” وهو المعتمد؛ فإن اللفظ الأول صالح لأن يكون دعاء بطلب القوت في ذلك اليوم، وأن يكون طلب لهم القوت بخلاف اللفظ الثاني فإنه يعين الاحتمال الثاني وهو الدال على الكفاف” ( فتح الباري لابن حجر)
قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ) قيل : كفايتهم من غير إسراف ، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى : ” كفافا ” ، وقيل : هو سد الرمق . ( شرح مسلم للنووي)
وقوله: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا)؛ أي: ما يقوتهم ويكفيهم، بحيث لا يشوشهم الجهد، ولا ترهقهم الفاقة، ولا تذلهم المسألة والحاجة، ولا يكون أيضا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا، والركون إليها.
وهذا يدل على زهد النبي ﷺ في الدنيا، وعلى تقلله منها، وهو حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الفقر والغنى. (المفهم للقرطبي ٣/١٠٠)
قال ابن عبدالبر: “ولم يكن غناه ﷺ أَكْثَرَ مِنْ إِيجَادِ قُوتِ سَنَةٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَكَانَ الْغِنَى كُلُّهُ فِي قَلْبِهِ ثِقَةً بِرَبِّهِ وَسُكُونًا إِلَى أَنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ يَأْتِيهِ مِنْهُ مَا قُدِّرَ لَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَا عَبْدَ اللَّهِ! لَا يَكْثُرُ هَمُّكَ مَا يُقَدَّرُ يَكُنْ وَمَا يُقَدَّرُ يَأْتِيكَ
وَقَالَ إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رَوعِي فَقَالَ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقَوْا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرَّمَ
فَغِنَى النَّفْسِ يُعِينُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ وَغِنَى الْمُؤْمِنِ الْكِفَايَةُ وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا وَلَمْ يُرِدْ بِهِمْ إِلَّا الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ لَهُمْ وَقَالَ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ إِذَا كَانَ مَا يَكْفِيكَ لَا يُغْنِيكَ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يُغْنِيكَ
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ فَقْرٍ مُسْرِفٍ وَغِنًى مُطْغٍ
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ أَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ طَرَفَانِ وَغَايَتَانِ مَذْمُومَتَانِ”. ( الاستذكار لابن عبدالبر ٢/٥٢٢)
وقال القرطبي : “ووجه التمسك بهذا الحديث: أن النبي ﷺ إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال، وأيضا: فإن الكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر، وقد قال ﷺ: خير الأمور أوساطها (١). وأيضا: فإن هذه الحال سليمة من آفات الغنى، وآفات الفقر المدقع، فكانت أفضل منها، ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير؛ إذ لا يترفّه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها، فكانت حاله إلى الفقر أقرب، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر، وكفي مرارته وآفاته. لا يقال: فقد كانت حالة رسول الله ﷺ الفقر الشديد المدقع، كما دلت عليه أحاديث هذا الباب وغيرها، ألا ترى أنه يطوي الأيام، ولا يشبع يومين متواليين، ويشد على بطنه الحجر من الجوع والحجرين، ولم يكن له سوى ثوب واحد، فإذا غسله انتظره إلى أن يجف، وربما خرج وفيه بقع الماء، ومات ودرعه مرهونة في شعير لأهله، ولم يخلف دينارا ولا درهما، ولا شاة، ولا بعيرا، ولا حالة في الفقر أشد من هذه، وعلى هذا فلم يكن حاله الكفاف، بل: الفقر. فلم يجبه الله تعالى في الكفاف؛ لعلمه بأن الفقر أفضل له؛ لأنا نقول: إن النبي ﷺ قد جمع له حال الفقر والغنى والكفاف، فكانت أول أحواله الفقر؛ مبالغة في مجاهدة النفس وخطامها عن مألوفات عاداتها، فلما حصلت له ملكة ملكها وتخلص له خلاصة سبكها، خيره الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهبا تسير معه حيث سار، فلم يلتفت إليها، وجاءته فتوحات الدنيا فلم يعرج عليها، بل صرفها وانصرف عنها، حتى قال: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم (١). وهذه حالة الغني الشاكر، ثم اقتصر من ذلك كله على قدر ما يرد ضروراته وضرورات عياله، ويرد حاجتهم، فاقتنى أرضه بخيبر، وكان يأخذ منها قوت عياله ويدخره لهم سنة، فاندفع عنه الفقر المدقع، وحصل الكفاف الذي دعا به، ثم إنه لما احتضر وقف تلك الأرض على أهله ليدوم لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه، ولتظهر إجابة دعوته حتى في أهله من بعده،” (المفهم للقرطبي)
جاء في الضعيفة ٣٩٤٠ – (العلم أفضل من العمل، وخير الأمور أوساطها، دين الله بين الفاتر والغالي، والحسنة بين السيئتين، لا ينالها إلا بالله، وشر السير الحقحقة) .
قال المنذري في الترغيب (الحَقْحَقَة) بحاءين مهملتين مفتوحتين وقافين الأولى ساكنة، والثانية مفتوحة: هو أشد السير. وقيل: هو أن يجتهد في السير ويلح فيه حتى تعطب راحلته، أو تقف، وقيل غير ذلك.
وفيه فضيلة التقلل من الدنيا والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك . ( شرح مسلم للنووي)
فيه دليل على فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا، والزهد فيما فوق ذلك رغبةً فى توفير نعيم الآخرة، وإيثارًا لما يبقى على ما يفنى لتقتدى بذلك أمته، ويرغبوا فيما رغب فيه نبيهم ﷺ .(شرح البخاري لابن بطال ١٠/١٧٧)
قال ابن القيم: “ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تنل كل بني هاشم ولا بني المطلب لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة وإلى الآن وأما أزواجه وذريته ﷺ فكان رزقهم قوتا وما كان يحصل لأزواجه بعده من الأموال كن يتصدقن به ويجعلن رزقهن قوتا وقد جاء عائشة مال عظيم فقسمته كله في قعدة واحدة فقالت لها الجارية لو خبأت لنا درهما نشتري به لحما فقالت لها لو ذكرتني فعلت” (جلاء الأفهام لابن القيم ص٢١٦)
قال ابن باز: ” حديث أبي هريرة عن الرسول ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً” معنى ذلك كفاية؛ ولهذا في الحديث الصحيح الآخر :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافاً وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» يعني : قوتاً لا يشغلهم ولا يصدهم عن الآخرة، بل يكفيهم ولا يحتاجون معه إلى غيره، هذا من أعظم ما يكون، أن يكون الرزق كافياً لا يحتاج معه إلى الناس؛ ولهذا قال : «اللَّهُمَّ اجعل رزق آل محمد قوتاً كفاية لا يحتاجون معه إلى الناس” (شرح رياض الصالحين لابن باز ٢/٢٧٣)
٥٠٤ – وعن أَبي هريرة -رضي الله عنه- قَالَ: وَاللهِ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، إنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوعِ، وَإنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطنِي مِنَ الْجُوعِ. وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَومًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ بِي النبي ﷺ فَتَبَسَّمَ حِيْنَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي وَجْهِي وَمَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ: «الْحَقْ» وَمَضَى فَاتَّبَعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأذَنَ، فَأَذِنَ لِي فَدَخَلْتُ، فَوَجَدَ لَبَنًا في قَدَحٍ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟» قَالُوا: أهْدَاهُ لَكَ فُلانٌ – أَو فُلانَةٌ – قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قلتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول اللهِ، قَالَ: «الْحَقْ إِلَى أهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي» قَالَ: وَأهْلُ الصُّفَّة أضْيَافُ الإِسْلاَمِ، لاَ يَأوُونَ علَى أهْلٍ وَلاَ مَالٍ وَلاَ عَلَى أحَدٍ، وَكَانَ إِذَا أتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أتَتْهُ هَدِيَّةٌ أرْسَلَ إلَيْهِمْ، وَأصَابَ مِنْهَا، وأشْرَكَهُمْ فِيهَا. فَسَاءنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ في أهْلِ الصُّفَّةِ! كُنْتُ أحَقُّ أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أتَقَوَّى بِهَا، فَإذَا جَاءُوا وَأمَرَنِي فَكُنْتُ أنَا أُعْطِيهِمْ؛ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ. وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رسول الله ﷺ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأقْبَلُوا وَاسْتَأذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ وَأخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، قَالَ: «يَا أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ: «خُذْ فَأعْطِهِمْ» قَالَ: فَأخَذْتُ القَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُل فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأخَذَ الْقَدَحَ فَوضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إليَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رسول الله، قَالَ: «بَقيتُ أنَا وَأنْتَ» قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رسول الله، قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ» فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ «اشْرَبْ» فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» حَتَّى قُلْتُ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لاَ أجِدُ لَهُ مَسْلكًا! قَالَ: «فَأرِنِي» فَأعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ الله تَعَالَى، وَسَمَّى وَشَرِبَ الفَضْلَةَ. رواه البخاري.
جاء في رواية عند البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ : ” يَا أَبَا هِرٍّ “. قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : ” الْحَقْ “. وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ : ” مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ ؟ “. قَالُوا : أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ. قَالَ : ” أَبَا هِرٍّ “. قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : ” الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي “. قَالَ : وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ : وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ ؟ كُنْتُ أَحَقَّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا. فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي، فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، قَالَ : ” يَا أَبَا هِرٍّ “. قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : ” خُذْ فَأَعْطِهِمْ “. قَالَ : فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ : ” أَبَا هِرٍّ “. قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : ” بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ “. قُلْتُ : صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ : ” اقْعُدْ فَاشْرَبْ “. فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ : ” اشْرَبْ “. فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ : ” اشْرَبْ “. حَتَّى قُلْتُ : لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا. قَالَ : ” فَأَرِنِي “. فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ.
وقوله: ( لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ) أي ألصق بطني بالأرض، وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شد الحجر على بطنه، أو هو كناية عن سقوطه إلى الأرض مغشيا عليه (فتح الباري)
قوله: ( وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ) عند أحمد في طريق عبد الله بن شقيق: ” أقمت مع أبي هريرة سنة فقال: لو رأيتنا وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاما يقيم به صلبه، حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشد به على أخمص بطنه، ثم يشده بثوبه ليقيم به صلبه “، قال العلماء: فائدة شد الحجر المساعدة على الاعتدال والانتصاب أو المنع من كثرة التحلل من الغذاء الذي في البطن؛ لكون الحجر بقدر البطن فيكون الضعف أقل؛ أو لتقليل حرارة الجوع ببرد الحجر؛ أو لأن فيه الإشارة إلى كسر النفس. ( فتح الباري لابن حجر)
قوله: ( ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه ) الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه ممن كان طريق منازلهم إلى المسجد متحدة.
قوله: ( فمر أبو بكر فسألته عن آية، ما سألته إلا ليشبعني ) في رواية الكشميهني: ” ليستتبعني ” بمهملة ومثناتين وموحدة أي يطلب مني أن أتبعه ليطعمني. (فتح الباري)
قوله: ( فمر ولم يفعل ) أي الإشباع أو الاستتباع.
قوله: ( حتى مر بي عمر ) يشير إلى أنه استمر في مكانه بعد ذهاب أبي بكر إلى أن مر عمر، ولعل العذر لكل من أبي بكر وعمر حمل سؤال أبي هريرة على ظاهره أو فهما ما أراده، ولكن لم يكن عندهما إذ ذاك ما يطعمانه. ( فتح الباري)
قوله: ( ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي ) استدل أبو هريرة بتبسمه صلى الله عليه وسلم على أنه عرف ما به؛ لأن التبسم تارة يكون لما يعجب وتارة يكون لإيناس من تبسم إليه، ولم تكن تلك الحال معجبة فقوي الحمل على الثاني. ( فتح الباري)
قوله: ( وما في وجهي ) كأنه عرف من حال وجهه ما في نفسه من احتياجه إلى ما يسد رمقه، ( فتح الباري)
قوله: ( ثم قال لي: يا أبا هر ) قوله: ” هر ” فهو بتشديد الراء وهو من رد الاسم المؤنث إلى المذكر والمصغر إلى المكبر، فإن كنيته في الأصل أبو هريرة تصغير هرة مؤنثا وأبو هر مذكر مكبر، وذكر بعضهم أنه يجوز فيه تخفيف الراء مطلقا فعلى هذا يسكن. (فتح الباري)
قوله: ( قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة ) كذا بالشك، ولم أقف على اسم من أهداه. (فتح الباري)
قوله: ( الحق إلى أهل الصفة )
قوله: ( قال: وأهل الصفة من أضياف الإسلام ) وللسبب في استدعائهم فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخصهم بما يأتيه من الصدقة، ويشركهم فيما يأتيه من الهدية.
قوله: ( لا يأوون على أهل ولا مال )
قوله: ( ولا على أحد ) تعميم بعد تخصيص فشمل الأقارب والأصدقاء وغيرهم، وقد وقع في حديث طلحة بن عمرو عند أحمد وابن حبان والحاكم: ” كان الرجل إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له بالمدينة عريف نزل عليه، فإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة “، وفي مرسل يزيد بن عبد الله بن قسيط عند ابن سعد: ” كان أهل الصفة ناسا فقراء لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره “، وله من طريق نعيم المجمر: ” عن أبي هريرة: كنت من أهل الصفة، وكنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر، فيبقى من بقي، عشرة أو أقل أو أكثر، فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه فنتعشى معه، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد “( فتح الباري)
قوله: ( وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها ) بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة،
وقد اعتنى بجمع أسماء أهل الصفة أبو سعيد بن الأعرابي وتبعه أبو عبد الرحمن السلمي فزاد أسماء. وجمع بينهما أبو نعيم في أوائل ” الحلية ” فسرد جميع ذلك، ووقع في حديث أبي هريرة الماضي في علامات النبوة أنهم كانوا سبعين وليس المراد حصرهم في هذا العدد، وإنما هي عدة من كان موجودا حين القصة المذكورة، وإلا فمجموعهم أضعاف ذلك كما بينا من اختلاف أحوالهم. (فتح الباري)
قوله: ( فساءني ذلك فقلت: ) أي في نفسي ( وما هذا اللبن؟ ) أي ما قدره ( في أهل الصفة؟ ) والتقدير: وأنا ورسول الله معهم.
قوله: ( وكنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى به ، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم )، وكأنه عرف بالعادة ذلك لأنه كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم ويخدمه، وقد تقدم في مناقب جعفر من حديث طلحة بن عبيد الله: ” كان أبو هريرة مسكينا لا أهل له ولا مال، وكان يدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثما دار ” أخرجه البخاري في تاريخه.
قوله: ( وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد ) يشير إلى قوله تعالى { من يطع الرسول فقد أطاع الله }.
فيه أن السنة لا تعارض بالعقل.
قوله: ( فأتيتهم فدعوتهم ) قال الكرماني: ظاهره أن الإتيان والدعوة وقع بعد الإعطاء وليس كذلك، ثم أجاب بأن معنى قوله: ” فكنت أنا أعطيهم ” عطف على جواب ” فإذا جاءوا ” فهو بمعنى الاستقبال، قلت: وهو ظاهر من السياق. (فتح الباري)
قوله: ( فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت ) أي فقعد كل منهم في المجلس الذي يليق به، ولم أقف على عددهم إذ ذاك. (فتح الباري)
قوله: ( فقال: يا أبا هر خذ فأعطهم ) أي القدح الذي فيه اللبن،
قوله: ( أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل ) يدل على أنه أعطاهم واحدا بعد واحد إلى أن كان آخرهم النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: ( حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي القوم كلهم ) أي فأعطيته القدح.
قوله: ( فأخذ القدح ) زاد روح: ” وقد بقيت فيه فضلة “.
قوله: ( فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم )، في رواية علي بن مسهر: ” فرفع رأسه فتبسم ” كأنه صلى الله عليه وسلم كان تفرس في أبي هريرة ما كان وقع في توهمه أن لا يفضل له من اللبن شيء كما تقدم تقريره؛ فلذلك تبسم إليه إشارة إلى أنه لم يفته شيء. (فتح الباري)
قوله: ( فقال: أبا هر بقيت أنا وأنت ) كأن ذلك بالنسبة إلى من حضر من أهل الصفة، فأما من كان في البيت من أهل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتعرض لذكرهم، ويحتمل أن البيت إذ ذاك ما كان فيه أحد منهم أو كانوا أخذوا كفايتهم، وكان اللبن الذي في ذلك القدح نصيب النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: ( اقعد فاشرب فما زال يقول: اشرب )
قوله: ( ما أجد له مسلكا ) في رواية روح: ” في مسلكا “.
قوله: ( فأرني فحمد الله وسمى ) أي حمد الله على ما من به من البركة التي وقعت في اللبن المذكور مع قلته حتى روي القوم كلهم وأفضلوا، وسمى في ابتداء الشرب.
قوله: ( وشرب الفضلة ) أي البقية … وفيه إشعار بأنه بقي بعد شربه شيء، فإن كانت محفوظة فلعله أعدها لمن بقي في البيت إن كان، وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم؛ استحباب الشرب من قعود، وأن خادم القوم إذا دار عليهم بما يشربون يتناول الإناء من كل واحد فيدفعه هو إلى الذي يليه ولا يدع الرجل يناول رفيقه؛ لما في ذلك من نوع امتهان الضيف، وفيه معجزة عظيمة وقد تقدم لها نظائر في علامات النبوة من تكثير الطعام والشراب ببركته صلى الله عليه وسلم. وفيه جواز الشبع ولو بلغ أقصى غايته أخذا من قول أبي هريرة: ” لا أجد له مسلكا ” وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، خلافا لمن قال بتحريمه، وإذا كان ذلك في اللبن مع رقته ونفوذه فكيف بما فوقه من الأغذية الكثيفة، لكن يحتمل أن يكون ذلك خاصا بما وقع في تلك الحال فلا يقاس عليه، وقد أورد الترمذي عقب حديث أبي هريرة هذا حديث بن عمر رفعه: ” أكثرهم في الدنيا شبعا أطولهم جوعا يوم القيامة ” وقال: حسن. وفي الباب عن أبي جحيفة. قلت: وحديث أبي جحيفة أخرجه الحاكم وضعفه أحمد. وفي الباب أيضا حديث المقدام بن معد يكرب رفعه: ” ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ” الحديث، أخرجه الترمذي أيضا وقال: حسن صحيح، ويمكن الجمع بأن يحمل الزجر على من يتخذ الشبع عادة لما يترتب على ذلك من الكسل عن العبادة وغيرها، ويحمل الجواز على من وقع له ذلك نادرا، ولا سيما بعد شدة جوع واستبعاد حصول شيء بعده عن قرب.
وفيه أن كتمان الحاجة والتلويح بها أولى من إظهارها والتصريح بها.
وفيه كرم النبي صلى الله عليه وسلم وإيثاره على نفسه وأهله وخادمه.
قال ابن بطال: “وهذا الحديث علم عظيم من أعلام النبوة، وذلك أن النبى ﷺ عرف ما فى نفس أبى هريرة، ولم يعلم ذلك أبو بكر ولا عمر. وفيه شرب العدد الكثير من اللبن القليل حتى شبعوا ببركة النبوة. وفيه ما كان ﷺ من إيثار البلغة وأخذ القوت فى كرم نفسه وأنه لم يستأثر بشىء من الدنيا دون أمته” (شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/١٧٧)
وفيه ما كان بعض الصحابة عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من ضيق الحال، وفضل أبي هريرة وتعففه عن التصريح بالسؤال واكتفاؤه بالإشارة إلى ذلك، وتقديمه طاعة النبي صلى الله عليه وسلم على حظ نفسه مع شدة احتياجه، وفضل أهل الصفة. (فتح الباري)
وفيه أن المدعو إذا وصل إلى دار الداعي لا يدخل بغير استئذان .
وفيه جلوس كل أحد في المكان اللائق به. وفيه إشعار بملازمة أبي بكر وعمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء الكبير خادمه بالكنية وفيه ترخيم الاسم على ما تقدم، والعمل بالفراسة وجواب المنادي بـ ” لبيك “، واستئذان الخادم على مخدومه إذا دخل منزله، وسؤال الرجل عما يجده في منزله مما لا عهد له به ليرتب على ذلك مقتضاه، وقبول النبي صلى الله عليه وسلم الهدية وتناوله منها وإيثاره ببعضها الفقراء، وامتناعه من تناول الصدقة ووضعه لها فيمن يستحقها، وشرب الساقي آخرا، وشرب صاحب المنزل بعده، والحمد على النعم، والتسمية عند الشرب. (فتح الباري)