٤٩٣ و ٤٩٤ و٤٩٥ عبق الياسمين شرح رياض الصالحين
سلطان الحمادي
بالتعاون مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘-
٥٦-باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار عَلَى القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات.
قال ابن عثيمين: ” هذا الباب ذكره المؤلف رحمه الله بعد باب الزهد في الدنيا، يبين فيه أنه ينبغي للإنسان ألا يكثر من الشهوات في أمور الدنيا، وأن يتقصر على قدر الحاجة فقط، كما كان النبي ﷺ يفعل ذلك” ( شرح رياض الصالحين ٣/٣٨٣)
قال الذهبي: “مَنْ بَالَغَ فِي الجُوعِ -كَمَا يفعله الرهبان- ورفض سَائِرَ الدُّنْيَا وَمَأْلُوْفَاتِ النَّفْسِ مِنَ الغِذَاءِ وَالنَّومِ وَالأَهْلِ، فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِبَلاَءٍ عَرِيْضٍ، وَرُبَّمَا خُولِطَ فِي عَقْلِهِ، وَفَاتَهُ بِذَلِكَ كَثِيْرٌ مِنَ الحَنِيْفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. وَالسَّعَادَةُ فِي مُتَابَعَةِ السُّنَنِ، فَزِنِ الأُمُورَ بِالعَدْلِ”
من الأحاديث في ذلك عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
(مَا مِنْ وِعَاءٍ مَلَأَ ابْنُ آدم شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقمن صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَثُلُثٌ لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِهِ) (الصحيحة)
والنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من الجوع حيث روى أبوداود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم قال: كان رسولُ الله ﷺ يقولُ:
«اللَّهُم إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الجوعِ؛ فإنَّه بئسَ الضَّجيعُ، وأعوذُ بِكَ مِنَ الخيانَةِ؛ فإنَّها بئْسَتِ البِطانَةُ». (صحيح الترغيب)
روى الحاكم عن أبي جُحَيْفَةَ قال:
أكلتُ ثَريدَةً مِنْ خُبزٍ ولَحْمٍ ثُمَّ أتيتُ النبيَّ ﷺ فجعلتُ أتَجَشَّأُ. فقال:
«يا هذا! كُفَّ مِنْ جُشائِكَ، فإنَّ أكْثَر الناسِ شِبَعًا في الدنيا؛ أكثَرُهُم جُوعًا يومَ القِيامَةِ» ( صحيح الترغيب)
عن عبد الله بن مسعودٍ قال:
نَظرَ رسولُ الله ﷺ إلى الجوعِ في وجوهِ أصْحابِهِ، فقال:
«أبشِروا، فإنَّه سيأتي عليكُمْ زَمانٌ يُغْدَى على أحدِكمْ بالقَصْعَةِ مِنَ الثريدِ ويراحُ عليه بِمثْلِها».
قالوا: يا رسولَ الله! نحنُ يومَئذٍ خير؟ قال:
«بلْ أنْتُم اليومَ خيرٌ منكم يومَئذٍ». ( صحيح الترغيب)
عَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ:
أَنَّ رَجُلًا قَالَ لابْنِ عُمَرَ: أَعملُ لَكَ جوَارِشَ؟
قَالَ: وَمَا هُوَ؟
قَالَ: شَيْءٌ إِذَا كَظَّكَ الطَّعَامُ، فَأَصبْتَ مِنْهُ، سَهَّلَ.
فَقَالَ: مَا شَبِعْتُ مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشهرٍ، وَمَا ذَاكَ أَنْ لاَ أَكُوْنَ لَهُ وَاجدًا، وَلَكِنِّي عَهِدْتُ قَوْمًا يَشبَعُوْنَ مَرَّةً، وَيَجُوْعُوْنَ مَرَّةً.
عَنْ مُعَاذِ بنِ خَالِدٍ، سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ السُّكَّرِيَّ يَقُوْلُ: مَا شَبِعتُ مُنْذُ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ لِي ضَيفٌ.
وعن الرَّبِيْعُ، سَمِعْتُ الشَّافِعِيُّ يَقُوْلُ: مَا شَبِعْتُ مُنْذُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً إِلاَّ مَرَّةً، فَأَدْخَلْتُ يَدِي فَتَقَيَّأْتُهَا.
رَوَاهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الرَّبِيْعِ، وَزَادَ: لأَنَّ الشِّبَعَ يُثْقِلُ البَدَنَ، وَيُقَسِّي القَلْبَ، وَيُزِيلُ الفِطْنَةَ، وَيجلِبُ النَّوْمَ، وَيُضْعِفُ عَنِ العِبَادَةِ.
يقولون البطن بيت الداء.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٥٩،٦٠]
( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) قال البغوي:” أَيْ: مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّينَ الْمَذْكُورِينَ خَلْفٌ وَهُمْ قَوْمُ سُوءٍ، “وَالْخَلَفُ” -بِالْفَتْحِ-الصَّالِحُ، وَبِالْجَزْمِ الطَّالِحُ.
قال ابن جزي: “يقال في عقب الخير خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون وهو المعني هنا. واختلف فيمن المراد بذلك، فقيل: النصارى لأنهم خلفوا اليهود، وقيل: كل من كفر وعصى من بعد بني إسرائيل”
قال ابن كثير : “﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ -وَإِذَا أَضَاعُوهَا فَهُمْ لِمَا سِوَاهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ أَضْيَعُ؛ لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ وَقَوَامُهُ، وَخَيْرُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ-وَأَقْبَلُوا عَلَى شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا، وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا، فَهَؤُلَاءِ سَيَلْقَوْنَ غَيًّا، أَيْ: خَسَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.”
: “الْمُرَادُ بِإِضَاعَتِهَا تَرْكُها بِالْكُلِّيَّةِ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي، وَابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالسُّدِّيُّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.” ( تفسير ابن كثير)
وقيل إضاعة وقتها قاله ابن مسعود وإبراهيم ومسروق وغيرهم
الشوكاني:” الظّاهِرُ أنَّ مَن أخَّرَ الصَّلاةَ عَنْ وقْتِها أوْ تَرَكَ فَرْضًا مِن فُرُوضِها أوْ شَرْطًا مِن شُرُوطِها أوْ رُكْنًا مِن أرْكانِها فَقَدْ أضاعَها، ويَدْخُلُ تَحْتَ الإضاعَةِ مَن تَرَكَها بِالمَرَّةِ أوْ جَحَدَها دُخُولًا أوَّلِيًّا.”
(واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ أيْ: فَعَلُوا ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَرْغَبُ إلَيْهِ مِنَ المُحَرَّماتِ كَشُرْبِ الخَمْرِ والزِّنا. ( الشوكاني)
قَالَ مُجَاهِدٌ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَظْهَرُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَنْزُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْأَزِقَّةِ.( تفسير البغوي)
قال ابن باز في معنى ينزو بعضهم على بعض: “يعني مثل البهائم، وهذا موجود في دول كثيرة الآن، في الأسواق ينزو بعضُهم على بعضٍ، يُجامعها عند الناس، يركبها عند الناس، يركب بعضُهم بعضًا”
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي: عذابا مضاعفا شديدا ( تفسير السعدي)
قال ابن الجوي: “وَفِي المُرادِ بِهَذا الغَيِّ سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ كَعْبٌ. والثّانِي: أنَّهُ نَهْرٌ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الخُسْرانُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّهُ الشَّرُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ السّائِبِ. والسّادِسُ: أنَّ المَعْنى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاةَ الغَيِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [ الفُرْقانِ: ٦٨ ]؛ أيْ: مُجازاةَ الآثامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.”
روى أحمد عن أبي برزة رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قال:
«إنَّما أخْشى عليكُم شهواتِ الغَيِّ في بطونِكُم وفُروجِكم، ومُضِلاَّتِ الهَوى».(صحيح الترغبب)
قال ابن كثير:” وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ ، أَيْ: إِلَّا مَنْ رَجَعَ عَنْ تَرْكِ الصَّلَوَاتِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، وَيُحْسِنُ عَاقِبَتَهُ، وَيَجْعَلُهُ مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تُجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: “التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.”
وقال تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٧٩،٨٠]
قال ابن جزي: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ في ثياب حمر، وقيل: في عبيده وحاشيته، واللفظ أعم من ذلك .
كان غنيا جدا كما قال تعالى وَءَاتَیۡنَـٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَاۤ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوۤأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُو۟لِی ٱلۡقُوَّةِ.
المفاتيح ثقيلة على مجموعة من الرجال. هذه المفاتيح فما بالك بالخزائن
قال ابن كثير: ” يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَارُونَ: إِنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَةٍ عَظِيمَةٍ، وَتَجَمُّلٍ بَاهِرٍ، مِنْ مَرَاكِبَ وَمَلَابِسَ عَلَيْهِ وَعَلَى خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ، فَلَمَّا رَآهُ مَنْ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَيَمِيلُ إِلَى زُخرفها وَزِينَتِهَا، تَمَنَّوْا أَنْ لَوْ كَانَ لَهُمْ مِثْلُ الَّذِي أُعْطِيَ، قَالُوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أَيْ: ذُو حَظٍّ وَافِرٍ مِنَ الدُّنْيَا. فَلَمَّا سَمِعَ مَقَالَتَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ النَّافِعِ قَالُوا لَهُمْ: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أَيْ: جَزَاءُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا تَرَوْنَ.
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خطر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[السَّجْدَةِ: ١٧].
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ﴾ : قَالَ السُّدِّيُّ: وَمَا يُلَقَّى الْجَنَّةَ إِلَّا الصَّابِرُونَ. كَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمَا يُلَقَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا الصَّابِرُونَ عَنْ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا، الرَّاغِبُونَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَكَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ مَقْطُوعًا مِنْ كَلَامِ أُولَئِكَ، وَجَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِخْبَارِهِ بِذَلِكَ. ( تفسير ابن كثير)
وقال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]
قال ابن جزي: “﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ هذا إخبار بالسؤال في الآخرة عن نعيم الدنيا، فقيل: النعيم الأمن والصحة، وقيل: الطعام والشراب، وهذه أمثلة، والصواب العموم في كل ما يتلذذ به”
قال السعدي:” ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الذي تنعمتم به في دار الدنيا، هل قمتم بشكره، وأديتم حق الله فيه، ولم تستعينوا به، على معاصيه، فينعمكم نعيمًا أعلى منه وأفضل.
أم اغتررتم به، ولم تقوموا بشكره؟ بل ربما استعنتم به على معاصي الله فيعاقبكم على ذلك”
واختلف العلماء رحمهم الله في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ هل المراد الكافر أم المراد المؤمن والكافر، والصواب أن المراد المؤمنُ والكافرُ، كلٌّ يُسأل عن النعيم، لكن الكافر يُسأل سؤالَ توبيخٍ وتقريعٍ، والمؤمن يُسأل سؤالَ تذكيرٍ والدليل على أنه عامٌّ ما جرى في قصَّة النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمر «حيثُ خرجوا ذات يومٍ من الجوع، فذهبوا إلى بُستانِ رجُلٍ يُقال له أبو الهيثم بن التَّيِّهان فأكلوا، ثم دَعَوْا بالماء فشَرِبوا، فقال رسول الله ﷺ: «مَاءٌ طَيِّبٌ، وَطَعَامٌ طَيِّبٌ، وَظِلٌّ طَيِّبٌ، لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ»(١)، وهذا دليل على أن الذي يُسأل المؤمن والكافر ( ابن عثيمين
ستسأل عن نعيم الدنيا ، فخفف على نفسك من السؤال.
جاء عند الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسمك ونرويك من الماء البارد. ( الصحيحة ٥٣٨)
وقال تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨] .
قال ابن كثير: “يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا كُلُّ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ يَحْصُلُ لَهُ، بَلْ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ أَرَادَ الله مَا يَشَاءُ.
وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ لِإِطْلَاقِ مَا سِوَاهَا مِنَ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا﴾ أَيْ: فِي الْآخِرَةِ
﴿يَصْلاهَا﴾ أَيْ: يَدْخُلُهَا حَتَّى تَغْمُرَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ.
﴿مَذْمُومًا﴾ أَيْ: فِي حَالِ كَوْنِهِ مَذْمُومًا عَلَى سُوءِ تَصَرُّفِهِ وَصَنِيعِهِ إِذِ اخْتَارَ الْفَانِي عَلَى الْبَاقِي ﴿مَدْحُورًا﴾ : مُبْعَدًا مُقْصِيًّا حَقِيرًا ذَلِيلًا مُهَانًا.”
قال ابن فارس: “دَحَرَ) الدَّالُ وَالْحَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] .
والآيات في الباب كثيرةٌ معلومةٌ.
قال ابن باز: “ينبغي لأهل الإيمان الصبر على ما قد يقع من الجوع وخشونة العيش، وأن تكون همتهم عالية فوق ذلك في طلب الآخرة، والإعداد لها والصبر على الشدائد، كما صبرت الرسل وصبر أولياء الله في كل زمان فالدنيا طبعت على الكدر.
وقال أيضا: “يأخذ منها نصيبه من غير إسراف ولا تبذير، ولا يشتغل بها عن الآخرة، فهذا لا حرج فيه، ولكن ينبغي له إذا بلي بالفقر والحاجة التصبر والتحمل حتى يفتح الله، حتى يفرج الله كما صبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم .” ( شرح رياض الصالحين لابن باز ٢/٢٥٩)
عن إِسْحَاق الجَوْزَجَانِيُّ، قَالَ: كَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ يُصَلِّي بِعَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَسَهَا، فَسَأَلَ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ شَيْئًا.
عن عُمَرَ بنَ حَفْصٍ الأَشْقَرُ قَالَ: كُنَّا مَعَ البُخَارِيِّ بِالبَصْرَةِ نكتبُ، فَفَقدنَاهُ أَيَّامًا، ثُمَّ وَجدنَاهُ فِي بَيْتٍ وَهُوَ عُريَانٌ، وَقَدْ نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَجَمَعنَا لَهُ الدَّرَاهِمَ، وَكسونَاهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرْوَزِيُّ: سَمِعْتُ بِشْرًا يَقُوْلُ:
الجُوعُ يُصَفِّي الفُؤَادَ، وَيُمِيتُ الهَوَى، وَيُورِثُ العِلْمَ الدَّقِيْقَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ عُثْمَانَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بنَ الحَارِثِ يَقُوْلُ:
إِنِّيْ لأَشتَهِي شِوَاءً مُنْذُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً، مَا صَفَا لِي دِرْهَمُهُ.
٤٩٣- وعن عائشة، قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض. متفق عليه.
وفي رواية: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعا حتى قبض.
وقوله: (آل محمد)، أي: آل النبي ﷺ، وأهله الأدنون، وعشيرته الأقربون.
وقال في “المغرب”: وأهل الرجل: امرأته، وولده، والذين في عياله، ونفقته. ( فيض القدير للمناوي ٥/١٩٩) المغرب في ترتيب المعرب.
( منذ قدم المدينة ) يخرج ما كانوا فيه قبل الهجرة، ( من طعام بر ) يخرج ما عدا ذلك من أنواع المأكولات، ( ثلاث ليال ) أي بأيامها تباعا يخرج التفاريق. ( فتح الباري)
جاء في رواية مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قال ابن حجر: “الْمُرَادَ بِالْأَيَّامِ هُنَا بِلَيَاليِهَا كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّيَالِي هُنَاكَ بِأَيَّامِهَا وَأَنَّ الشِّبَعَ الْمَنْفِيَّ بِقَيْدِ التَّوَالِي لَا مُطْلَقًا” ( فتح الباري لابن حجر ٩/٥١٩)
( حتى قبض ) إشارة إلى استمراره على تلك الحال مدة إقامته بالمدينة، وهي عشر سنين بما فيها من أيام أسفاره في الغزو والحج والعمرة.(فتح الباري لابن حجر ١١/٢٩١)
وزاد ابن سعد في رواية له وما رفع عن مائدته كسرة خبز فضلا حتى قبض» ووقع في رواية بلفظ «ما شبع من خبز بأدم» أخرجه مسلم، وعند ابن سعد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كانت عليه أربعة أشهر ما شبع من خبز البر، وفي حديث أبي هريرة نحو حديث الباب «ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز الحنطة حتى فارق الدنيا» أخرجه البخاري في الأطعمة وأخرجه مسلم أيضا بنحوه (فتح الباري لابن حجر )
قال الطبري: استشكل بعض الناس كون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعا مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم، وغير ذلك مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه، وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك، والجواب: أن ذلك كان منهم في حالة دون حالة لا لعوز وضيق؛ بل تارة للإيثار وتارة لكراهة الشبع ولكثرة الأكل. انتهى.
وما نفاه مطلقا فيه نظر ( فتح الباري لابن حجر ١١/٢٩١)
قال القسطلاني: “ما شبع من خبز شعير يومين متتابعين أي لقلة الشيء عندهم أو كانوا يؤثرون به المحتاج على أنفسهم أو لأن الشبع مذموم” ( إرشاد الساري للقسطلاني ٨/٢١٠)
قال ابن الملقن بعد أن ذكر أحاديث في الشبع: “فيحتمل أن تركه صلى الله عليه وسلم الشبع لهذا لا للعدم، وأجمعت العرب كما قال فضيل بن عياض على أن الشبع من الطعام لوم، بل نص الشافعي على أن الجوع يدلي” ( التوضيح لشرح جامع الصحيح لابن الملقن ٢٦/٦٩)
قال بعض المتخصصين في اللغة العربية : قول الشافعي (الجوع يدلي )
لعله رحمه الله، يقصد أن الجوع بمثابة دلو للوصول إلى المعارف الربانية والحصول عليها.
قال القرطبي:” وأحاديث هذا الباب كلها وإن اختلفت ألفاظها تدل على: أن النبي ﷺ لم يكن يديم الشبع، ولا الترفه في العيش، لا هو ولا من حوته بيوته، ولا آله. بل: كانوا يأكلون ما خشن من المأكل العلق، ويقتصرون منه على ما يسد الرمق، معرضين عن متاع الدنيا، مؤثرين ما يبقى على ما يفنى، ثم لم يزل كذلك حالهم مع إقبال الدنيا عليهم واجتماعها بحذافيرها لديهم، إلى أن وصلوا إلى ما طلبوا، وظفروا بما فيه رغبوا.( المفهم للقرطبي ٧/١٢٩)
قال ابن علان: “وهذا لإعراضه عن الدنيا وزهده فيها، ولم يضطره مولاه سبحانه لذلك، بل عرض عليه جبال مكة وبطحاءها تسير معه ذهبًا أينما سار كما تقدم في الباب قبله، فاختار ذلك إعلامًا بحقارة الدنيا وأنها ليست بحيث ينظر إليها تحريضًا لأمته على الزهد فيها والإعراض عما زاد على الحاجة، منها” دليل الفالحين لابن علان( ٢/٧٣٦)
قال ابن باز:”تقول عائشة رضي الله عنها : «مَا شَبعَ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ يعني : في بعض الأحيان، وبعض الأحيان ما شبع ال مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعاً» وذلك من شدة الأمر عندهم لما أصابهم شدة في المدينة وحاجة شديدة بعد الهجرة، حتى وسع الله بعد ذلك ويسر” ( شرح رياض الصالحين لابن باز ٢/٢٥٩)
قوله غي حديث عائشة متفق عليه ، لعل الصحيح انه انفرد به مسلم عن البخاري قال ابن علان: “أشار المزي إلى وهم جمع من المحدثين توهموا أنهما من طريق واحد وليس كذلك، وكأن مراد المصنف بقوله فيما تقدم متفق عليه: أي من حيث المعنى لا بخصوص المبنى” ( دليل الفالحين لابن علان ٢/٧٣٦)
٤٩٤- وعن عُرْوَةَ عَنْ عائشة رضي الله عنها ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللَّه يَا ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلى الهِلالِ ثمَّ الهِلالِ. ثُمَّ الهلالِ ثلاثةُ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ. وَمَا أُوقِدَ في أَبْيَاتِ رسولِ اللَّه ﷺ نارٌ
قُلْتُ: يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قالتْ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لرسول اللَّه ﷺ جِيرانٌ مِنَ الأَنْصَارِ. وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلى رسولِ اللَّه ﷺ مِنْ أَلبانها فَيَسْقِينَا. متفقٌ عَلَيْهِ
جمع منيحة، وهي ناقة أو بقرة أو شاة يعطيها الرجل لصاحبه ينتفع بلبنها زمانا ثم يردها إليه.
قوله: ( ثلاثة أهلة ) يجوز في ثلاثة الجر والنصب.
قوله : ( فما كان يعيشكم ) هو بفتح العين وكسر الياء المشددة ، وفى بعض النسخ المعتمدة : ” فما كان يقيتكم ” . ( شرح النووي).
قوله: ( ابن أختي ) ووقع في رواية مسلم عن يحيى بن يحيى عن عبد العزيز : ” والله يا ابن أختي “. ( النووي)
لأن أمه أسماء بنت أبي بكر. ( فتح الباري)
قوله: ( في شهرين ) هو باعتبار رؤية الهلال أول الشهر ثم رؤيته ثانيا في أول الشهر الثاني ثم رؤيته ثالثا في أول الشهر الثالث فالمدة ستون يوما والمرئي ثلاثة أهلة، وسيأتي في الرقاق من طريق هشام بن عروة عن أبيه بلفظ : ” كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا ” ، وفي رواية يزيد بن رومان هذه زيادة عليه ولا منافاة بينهما، وقد أخرجه ابن ماجه من طريق أبي سلمة عن عائشة بلفظ : ” لقد كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته الدخان “.
قوله: ( إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ) المراد بالهلال الثالث هلال الشهر الثالث، وهو يرى عند انقضاء الشهرين وبرؤيته يدخل أول الشهر الثالث، ووقع في رواية سعيد عن أبي هريرة عند ابن سعد: ” كان يمر برسول الله صلى الله عليه وسلم هلال ثم هلال ثم هلال لا يوقد في شيء من بيوته نار لا لخبز ولا لطبخ “.
قوله: ( الأسودان؛ التمر والماء ) هو على التغليب وإلا فالماء لا لون له؛ ولذلك قالوا: الأبيضان: اللبن والماء، وإنما أطلقت على التمر الأسود لأنه غالب تمر المدينة … ولا شك أن أمر العيش نسبي، ومن لا يجد إلا التمر أضيق حالا ممن يجد الخبز مثلا، ومن لم يجد إلا الخبز أضيق حالا ممن يجد اللحم مثلا، وهذا أمر لا يدفعه الحس، وهو الذي أرادت عائشة؛ وسيأتي في الرقاق من طريق هشام عن عروة عن أبيه عنها بلفظ : ” وما هو إلا التمر والماء ” وهو أصرح في المقصود لا يقبل الحمل على الإدراج. (فتح الباري)
، قال الصغاني: الأسودان يطلق على التمر والماء، والسواد للتمر دون الماء فنعتا بنعت واحد تغليبا، وإذا اقترن الشيئان سميا باسم أشهرهما. وعن أبي زيد: الماء يسمى الأسود واستشهد لذلك بشعر.
قلت: وفيه نظر وقد تقع الخفة أو الشرف موضع الشهرة؛ كالعمرين لأبي بكر وعمر والقمرين للشمس والقمر. ( فتح الباري)
قوله: ( منائح ) بنون ومهملة جمع منيحة وهي كعطية لفظا ومعنى، وأصلها عطية الناقة أو الشاة ويقال: لا يقال منيحة إلا للناقة وتستعار للشاة كما تقدم في الفرسن سواء، قال إبراهيم الحربي وغيره: يقولون منحتك الناقة وأعرتك النخلة وأعمرتك الدار وأخدمتك العبد وكل ذلك هبة منافع، وقد تطلق المنيحة على هبة الرقبة. ( فتح الباري)
وقوله: ( يمنحون ) بفتح أوله وثالثه، ويجوز ضم أوله وكسر ثالثه أي يجعلونها له منحة.
جاء في رواية في الصحيح عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ : كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ.
قال ابن حجر: “نؤتى باللحيم ” كذا فيه بالتصغير إشارة إلى قلته.
قوله: ( فيسقيناه ) في رواية الإسماعيلي ” فيسقينا منه ” وفي هذا الحديث ما كان فيه الصحابة من التقلل من الدنيا في أول الأمر. وفيه فضل الزهد، وإيثار الواجد للمعدم، والاشتراك فيما في الأيدي. وفيه جواز ذكر المرء ما كان فيه من الضيق بعد أن يوسع الله عليه تذكيرا بنعمه وليتأسى به غيره.
قال ابن بطال: “قال المهلب: فيه الحض على التهادى والمتاحفة ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهاب الشحناء، واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهى أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهل على المهدى لإطراح التكليف. وفى حديث عائشة ما كان النبى، صلى الله عليه وسلم ، عليه من الزهد فى الدنيا، والصبر على التقلل، وأخذ البلغة من العيش، وإيثار الآخرة على الدنيا؛ لأنه حمد حين خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وأن يكون نبيا عبدا، ولا يكون نبيا ملكا، فهذه سنته وطريقته. وفى هذا من الفقه: فضل التقلل والكفاف على التنعم والترفه،
وفيه حجة لمن آثر الفقر على الغنى، وفيه أن من السنة مشاركة الواجد المعدم، وأن يكون الناس يشتركون فيما بأيديهم بالتفضل من الواجد.” (شرح صحيح البخاري ٧/٨٦)
قال ابن باز: “فإذا كان أفضل الخلق وسيد ولد آدم تصيبه هذه الشدائد في الدنيا ويصبر، وهكذا أزواجه أمهات المؤمنين، هكذا ينبغي للمؤمنين أن يتحملوا ويصبروا كما صبر أولئك الأخيار، ويتأسوا بهم فلا تحملهم الحاجة إلى ما حرم الله وإلى تعاطي المعاصي والمخالفات، بل عليهم بالصبر والثبات حتى يفتح الله ، وحتى يأتي بالرزق من الطريق الحلال ويستغني بها عما حرم الله ،” ( شرح رياض الصالحين لابن باز ٢/٢٦٢)
٤٩٥- وعن أَبي سعيدٍ المقْبُريِّ عَنْ أَبي هُرَيرةَ رضي الله عنه أَنه مَرَّ بِقَوم بَيْنَ أَيْدِيهمْ شَاةٌ مَصْلِيةٌ. فَدَعَوْهُ فَأَبى أَنْ يَأْكُلَ، وقال: خَرج رَسُول اللَّه ﷺ مَنْ الدُّنْيَا ولمْ يشْبعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ. رواه البخاري.
«مَصْلِيَّةٌ»بفتحِ الميم: أَيْ: مَشْوِيةٌ.
قوله: ( فدعوه فأبى أن يأكل ) ليس هذا من ترك إجابة الدعوة لأنه في الوليمة لا في كل الطعام، وكأن أبا هريرة استحضر حينئذ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم فيه من شدة العيش فزهد في أكل الشاة ولذلك قال: ” خرج ولم يشبع من خبز الشعير ” (فتح الباري)
قال ابن علان: ” ورأى أنه من الترفهات وشأن المحب أن يتبع آثار محبوبه ويأتم بها فلذا امتنع (وقال) موضحًا لسبب إيائه (خرج رسول الله ﷺ من الدنيا) أي توفي (ولم يشبع من خبز الشعير)
قوله (ولم يشبع من خبز الشعير) قال ابن قتيبة: “وَأَرَادَتْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، عَلَى خَسَاسَتِهِ فَغَيْرُهُ أَحْرَى أَنْ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ.” تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ٢١٨
قال ابن علان (ولم يشبع من خبز الشعير) لا ينافى ما سيأتي في حديث أبي الهيثم، فلما أن شبعوا لأن الشبع ثم لم يكن من خبز الشعير بل كان من التمر واللحم، أو لأن المنفي الشبع التام الذي لا يبقى معه مساغ لتناول غيره كما هو شأن الشره المهتم ببطنه، والمثبت أصل الشبع أو المنفى الشبع لحظ نفسه، والمثبت أنه يشبع لحظ غيره كأن ينزل به ضيف فيشبع لأكله مؤانسة له أو ينزل ضيفًا بغيره فيشبع ليقرّ عين ربّ المنزل بذلك ويكرمه به لا لحاجته إلى الطعام.
قال ابن قتيبة: “وَلَيْسَ يَخْلُو قَوْلُهَا هَذَا، مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ يُؤْثِرُ بِمَا عِنْدَهُ، حَتَّى لَا يَبْقَى عِنْدَهُ مَا يُشْبِعُهُ ، أَوْ يَكُونُ لَا يَبْلُغُ الشِّبَعَ مِنَ الشَّعِيرِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ إِفْرَاطَ الشِّبَعِ، وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّالِحِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ، وَهُوَ ﷺ، أَوْلَاهُمْ بِالْفَضْلِ، وأحراهم بِالسَّبقِ. ( تأويل القرآن لابن قتيبة ٢١٧)
قال ابو وليد الباجي: “وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْبَعُ مِنْ أَقَلِّ الْأَقْوَاتِ وَهُوَ الشَّعِيرُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ شِبَعٌ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ الْغِنَى وَالْيَسَارِ لَا يَشْبَعُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا دُونَ الشِّبَعِ وَيُؤْثِرُ بِمَا كَانَ يُبْلِغُهُ الشِّبَعَ لَوْ تَنَاوَلَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْبَعُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الشِّبَعُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ فُلَانٌ جَائِعٌ إذَا وُصِفَ بِذَلِكَ فِي غَالِبِ أَمْرِهِ.”
وذُكر أن خبز الشعير خشن.
٤/٤٩٤-وعن أَنسٍ رضي الله عنه ، قَالَ: لمْ يأْكُل النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَات، وَمَا أَكَلَ خُبزًا مرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ. رواه البخاري.
وفي روايةٍ لَهُ: وَلا رَأَى شَاةَ سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قطُّ.
جاء في رواية عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا عَلِمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ، وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ. قِيلَ لِقَتَادَةَ : فَعَلَامَ كَانُوا يَأْكُلُونَ ؟ قَالَ : عَلَى السُّفَرِ.
قال ابن هبيرة: “الخوان: المائدة أو ما يقوم مقامها، وإنما السنة الأكل على السفرة لأنها أقرب إلى التواضع؛ ولأنها متاع المسافر، ولأنها أشمل لحفظ ما عساه أن يسقط عليها من فتات الخبز الذي لا يأمن الآكل أن يقع عليها منه شيء فيداس، فهي تجمع ذلك المتبدد.” ( الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة ٥/٢٩٧)
قال ابن العربي (٣): [أنه المائدة إذا لم يكن عليه طعام مطعوم، فإن كان عليه طعام، فإنه المائدة. ( عارضة الأحوذي ٨/٢٨١)
قَالَ بن بَطَّالٍ تَرْكُهُ صلى الله عليه وسلم الْأَكْلَ عَلَى الْخِوَانِ وَأَكْلَ الْمُرَقَّقِ إِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا اخْتِيَارًا لِطَيِّبَاتِ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالْمَالُ إِنَّمَا يُرْغَبُ فِيهِ لِيُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الْآخِرَةِ فَلَمْ يَحْتَجِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَالِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى بَلْ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْقَنَاعَةِ وَالْكَفَافِ وَعَدَمِ التبسط فِي ملاذ الدُّنْيَا.(فتح الباري لابن حجر ١١/٢٨٠)
ابن هبير:” وأما الخبز المرقق: فهو الخفيف، وهو يخبز في التنور، فأما العرب فقد كانوا يجعلون العجين على الأحجار ونحوها فلا يرق.
قال ابن حجر: ” الْخُبْزُ الْمُرَقَّقُ فَقَالَ عِيَاضٌ قَوْلُهُ مُرَقَّقًا أَيْ مُلَيَّنًا مُحَسَّنًا كَخُبْزِ الْحَوَارِيِّ وَشَبَهِهِ وَالتَّرْقِيقُ التَّلْيِينُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَنَاخِلُ وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَقَّقُ الرَّقِيقَ الْمُوَسَّعَ اه وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَارف وَبِه جزم بن الْأَثِيرِ” (فتح الباري ٩/٥٣٠)
(حتى مات) أنه لم يأكل ذلك قبل البعثة ولا بعدها سواء خبز له أو لغيره. (دليل الفالحين ابن علان)
قال ابن حجر: “شَاةً مَسْمُوطَةً الْمَسْمُوطُ الَّذِي أُزِيلَ شَعْرُهُ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ وَشُوِيَ بِجِلْدِهِ أَوْ يُطْبَخُ وَإِنَّمَا يُصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ السِّنِّ الطَّرِيِّ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُتْرَفِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمُبَادَرَةُ إِلَى ذَبْحِ مَا لَوْ بَقِيَ لَازْدَادَ ثَمَنُهُ وَثَانِيهُمَا أَنَّ الْمَسْلُوخَ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ فِي اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ وَالسَّمْطُ يُفْسِدُهُ”( فتح الباري لابن حجر ٩/٥٣١)
والرواية الأخرى (أَكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ)قوله: ( على سكرجة) . قال ابن مكي وهي صحاف صغار يؤكل فيها، ومنها الكبير والصغير، فالكبيرة تحمل قدر ست أواق وقيل ما بين ثلثي أوقية إلى أوقية، قال: ومعنى ذلك أن العجم كانت تستعمله في الكواميخ والجوارش للتشهي والهضم.(فتح الباري)
قال ابن الجوزي: “وَهِي فارسية معربة، وترجمتها: مقرب الْخلّ”
كشف المشكل من حديث الصحيحن ٣/٢٨٢
قال ابن حجر: “قال شيخنا في ” شرح الترمذي “: تركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم إذ ذاك أو استصغارا لها لأن عادتهم الاجتماع على الأكل أو لأنها … كانت تعد لوضع الأشياء التي تعين على الهضم ولم يكونوا غالبا يشبعون، فلم يكن لهم حاجة بالهضم. (فتح الباري لابن حجر ٩/٥٣٢)
قوله: ( يأكلون ) كذا عدل عن الواحد إلى الجمع، إشارة إلى أن ذلك لم يكن مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده بل كان أصحابه يقتفون أثره ويقتدون بفعله.(فتح الباري لابن حجر)
قوله: ( على السفر ) جمع سفرة، قال ابن حجر: ” أَصْلَهَا الطَّعَامُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ الْمُسَافِرُ وَأَكْثَرُ مَا يُصْنَعُ فِي جِلْدٍ فَنُقِلَ اسْمُ الطَّعَامِ إِلَى مَا يُوضَعُ” (فتح الباري لابن حجر)
قلت: ولا يخفى أن مثل هذا الشيء ليس فيه حكم شرعي، إذ لا دلالة على ندب ولا كراهة إنما هو إخبار عما كان عليه رسول الله ﷺ في آلات مأكله.( التحبير للصنعاني ٧/٥٢٠)
قال ابن باز: “ينبغي للمؤمن أن يأكل مما يتيسر وألا يتكلف، ولا يكون همه متابعة الشهوات، بل يأكل مما تيسر منها من الطيبات من غير أن تصرفه عن طريقه السوي، من غير أن يتعلق بها قلبه وتشغله عن الآخرة. والله يقول سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ [البقرة: (۱۷۲] تَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: ٥١] الإنسان عند الميسرة وعند السعة وعند الخير يأكل من الطيبات ويشكر الله على نعمه جل وعلا، ولا حرج عليه في ذلك من غير إسراف ولا تبذير، قد أكل الخبز وأكل الفاكهة، وأكل اللحم عليه الصلاة والسلام.
فالسُّنَّة للمؤمن : ألا يتكلف، وأن يكون عنده من الصبر والقوة في التحمل على ما قد ينتابه من الشدائد.” (شرح رياض الصالحين ٢/٢٦٤)[