١٤٧٥ الى ١٤٧٨ – فتح المنعم في تحضير صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي ومحمد سيفي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة،
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
صحيح مسلم
(٤) بَاب بَيَانِ أَنَّ تَخْيِيرَ امْرَأَتِهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ
٢٢ – (١٤٧٥) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ. حدثنا ابْنُ وَهْبٍ. ح وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت:
لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي. فقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا. فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» قَالَت: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَت: ثُمَّ قَالَ: إن الله عز وجل قال: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [٣٣ /الأحزاب/ ٢٨ و٢٩] قال فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَت: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مثل ما فعلت.
٢٣ – (١٤٧٦) حدثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ. حدثنا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، عَنْ عائشة. قالت: كان رسول الله ﷺ يَسْتَأْذِنُنَا. إِذَا كَانَ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا. بَعْدَ مَا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [٣٣ /الأحزاب/ ٥١] فقالت لها مُعَاذَةُ: فَمَا كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأْذَنَكِ؟ قَالَت: كُنْتُ أَقُولُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ لَمْ أُوثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي.
(١٤٧٦) – وحدثناه الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٢٤ – (١٤٧٧) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ: قَدْ خَيَّرَنَا رسول الله ﷺ فلم نعده طلاقا.
٢٥ – (١٤٧٧) وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حدثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ. قَالَ: مَا أُبَالِي خَيَّرْتُ امْرَأَتِي وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً أَوْ أَلْفًا. بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي. وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فقَالَت: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَفَكَانَ طَلَاقًا؟.
٢٦ – (١٤٧٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر. حدثنا شعبة عن عاصم، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ خير نسائه. فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا.
٢٧ – (١٤٧٧) وحدثني إسحاق بن منصور. أخبرنا عبد الرحمن عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ وَإِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ:
خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَاخْتَرْنَاهُ. فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا.
٢٨ – (١٤٧٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شيبة وأبو كريب (قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية) عن الأعمش، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ. فَلَمْ يَعْدُدْهَا عَلَيْنَا شَيْئًا.
(١٤٧٧) – وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حدثنا إِسْمَاعِيل بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حدثنا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. وَعَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. بِمِثْلِهِ.
٢٩ – (١٤٧٨) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاق. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ:
دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ. لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ. فَدَخَلَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ. فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ. وَاجِمًا سَاكِتًا. قَالَ فقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ.
فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ! سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عَنْقَهَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ:»هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى. يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ. فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عنْقَهَا. فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عنْقَهَا. كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَيْسَ عَنْدَهُ. فَقُلْنَ: وَاللَّهِ! لَا نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عَنْدَهُ. ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. ثُمَّ نَزَلَتْ عليه هذه الآية: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ، حَتَّى بَلَغَ، لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أجرا عظيما﴾. قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ. فقَالَ: «يَا عَائِشَةُ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا
أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ». قَالَت: وَمَا هُوَ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ. قَالَت: أَفِيكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. وأسألك أن لا تخبر امرأة من نساءك بِالَّذِي قُلْتُ. قَالَ: «لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا. إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنتًا ولا متعنتا. ولكن بعثني معلما ميسرا».
——-
قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا”
قال الشيخ السعدي:
“لما اجتمع نساء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغيرة، وطلبن منه النفقة والكسوة، طلبن منه أمرًا لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في طلبهن متفقات، في مرادهن متعنتات، شَقَّ ذلك على الرسول، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرًا.فأراد اللّه أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته، ويُذْهِبَ عنهن كل أمر ينقص أجرهن، فأمر رسوله أن يخيرهن فقال: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: ليس لكن في غيرها مطلب، وصرتن ترضين لوجودها، وتغضبن لفقدها، فليس لي فيكن أرب وحاجة، وأنتن بهذه الحال.{ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ } شيئا مما عندي، من الدنيا { وَأُسَرِّحْكُنَّ } أي: أفارقكن { سَرَاحًا جَمِيلًا } من دون مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر، وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي.”
تفسير السعدي الآية 28 من سورة الأحزاب: ”
قال البغوي:
قَوْلُهُ عز وجل {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} مُتْعَةَ الطَّلَاقِ، {وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَطَلَبْنَ مِنْهُ زِيَادَةً فِي النَّفَقَةِ، وَآذَيْنَهُ بِغَيْرَةِ بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ، فَهَجَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَآلَى أَنْ لَا يَقَرَبَهُنَّ شَهْرًا وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ وَكَانُوا يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ، فَقَالَ عُمَرُ لَأَعْلَمَنَّ لَكُمْ شَأْنَهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: “وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ” (النِّسَاءِ-83) ، فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَاكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ، وَكَانَتْ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ خَمْسٌ مِنْ قُرَيْشٍ: عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زمعة، وغير القرشيات: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَةُ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْخَيْبَرِيَةُ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَائِشَةَ، وَكَانَتْ أَحَبَّهُنَّ إِلَيْهِ فَخَيَّرَهَا وَقَرَأَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ فَاخْتَارَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والدار الآخرة، فرؤي الْفَرَحُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَابَعَتْهَا عَلَى ذَلِكَ (1) .
قَالَ قَتَادَةُ: فَلَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شَكَرَهُنَّ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَقَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ}…
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْخِيَارِ أَنَّهُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ إِلَيْهِنَّ حَتَّى يَقَعَ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا خَيَّرَهُنَّ عَلَى أَنَّهُنَّ إِذَا اخْتَرْنَ الدُّنْيَا فَارَقَهُنَّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَوَابُهُنَّ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: “لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ”، وَفِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ يَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ لَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ كَانَ طَلَاقًا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ التَّخْيِيرِ: فَقَالَ عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا يَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، إِلَّا عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ تَقَعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ رَجْعِيَّةٌ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إِذَا اخْتَارَتِ الزَّوْجَ تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَطَلْقَةٌ بَائِنَةٌ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ.
[تفسير البغوي – طيبة 6/ 345]
قال القاضي عياض:
وقول عائشة: ” لما أمر النبى صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بى ” الحديث: وفيه أنه خير نساءه فلم يكنّ طوالق.
قال الإمام: التخيير عندنا والتمليك حكمهما مفترق، ففى التمليك، وهو قوله: ” أمرك بيدك “، له التناكر فى الثلاث إذا نوى أقل، وفى التخيير لا مناكرة له، وقال ابن الجهم من أصحابنا: له المناكرة فى التخيير، ويصدّق أنه أراد واحدة، وتكون بائنة، وهذا كلّه يعرف وجه التحقيق فيه، من العقد الذى قدمناه قبل هذا، فكأنهم فى المشهور من المذهب، رأوا أن التخيير وضع للبينونة ولا يكون فى المدخول بها بأقل من ثلاث، فلم يمكنوه من المناكرة، ورأى ابن الجهم، أنها تكون بالواحدة البائنة، فمكنه من المناكرة.
وفرق المذهب بين التخيير والتمليك لهذا المعنى أيضاً، وهو أن التخيير جرى الاستعمال فيه بالبينونة، فلم يجر الاستعمال بذلك فى التمليك، فافترق حكمهما، وإذا ملكها عدداً، فلا يخلو – أيضاً – أن نورده بلفظ لا يدل الاقتصار على ما تضمنه، أو لفظ يدل على الاقتصار عليه، فإن كان بلفظ لا يدل على الاقتصار، فقضت بالأقل، فلها ذلك، لأنه ملكها العدد فما دونه، وإن قضت بأكثر، ففى لزوم العدد الذى ملكها خلاف أيضاً، وإن قضت بأقل ففى لزوم ما قضت به أيضاً خلاف.
ووجه الخلاف فى الأكثر إذا قضيت به هل يسقط ما ملكها أو يثبت؟ أن من أسقطه رأى أنه ملكها على صفحة، فقضت بخلافها، فلا يلزمه ما قضت به؛ لأنه إذا ملكها تطليقتين فقضت بالثلاث، فإن الثلاث غير التطليقتين، فلا يلزمه التطليقتان وقد قضت بغيرهما، ووجه القول باللزوم، أن الزائد على ما تملكه كالعدد، فكأنها لم تنطق به واقتصرت على ما تملكه فلزمه.
ووجه الخلاف أيضاً، إذا ملكها عدداً فقضت بأقل، إن من لم يلزمه فلأنها قضت على غير الصفة التى أعطاها، فلا يلزمه ما قضت به، لا سيما وللمُملّك فى الأعداد غرض؛ لأن الأكثر منها يسقط النفقة، ويحل لأخت المطلقة، ولا يلزم خلاف غرضه، وكمن باع منه ثلاث أثواب، فأراد قبول واحد منها، فليس ذلك له.
وقد ألزم ابن القصار إذا ملكها أمرها، وأمر امرأة أخرى معها فطلقت نفسها خاصة، أن ذلك لا يلزمه، ورأى أنه فى معنى من ملك عدداً فقضت عليه بأقل منه. ومسألة ابن القصار هذه للنظر فيها عندى مجال، وتفتقر إلى تفصيل، ووجه القول بأنه إذا قضت بأقل لزم، أنه كمن وهب ثلاثة أثواب، فقبل واحداً منها، وهذا للآخرين أن ينفصلوا منه، ويقولوا: لو صح أن يكون له غرض فى قبوله منه الثلاثة جميعاً، لم يكن الموهوب من قبول واحد.
وقولها: ” فلم يعد ذلك طلاقاً “: فيه رد على من يقول: إنه يلزمه الطلاق وإن اختارت الزوج.
قال القاضى: وقولها: ” فلم يكن طلاقاً ” وفى الرواية الأخرى: ” فاخترناه فلم يعد علينا شيئاً “: اختلف العلماء فى التخيير إذا اختارت المرأة نفسها ما يكون؟، فقيل القولان المتقدمان عندنا: أنها ثلاث بكل حال، وهو مشهور قول مالك، وقاله الليث والحسن.
ثم اختلف عندنا إذا قضت بأقل من ثلاث، فقال مالك: لا يلزمه وسقط ما بيدها، وقال أشهب: ترجع على خيارها. وقال عبد الملك: هى ثلاث بكل حال، وقيل: إنها واحدة بائنة، وهو قول أبى حنيفة، وحكى عن مالك، وروى عن على بن أبى طالب.
وقيل: واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز والشافعى والثورى وابن أبى ليلى وأبى يوسف، وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه، وروى عن عمر وابن مسعود.
وقالت فرقة: هو ما قضت به الزوجة من واحدة أو أكثر، وقيل: هو على ما نواه الزوج، وله مناكرتها فى الخيار كالتمليك، والطلقة بائنة، وهو قول ابن الجهم من أصحابنا وغيره. وقال بعضهم: تكون رجعية.
وقالت فرقة: ليس للمخيرة ولا للمملكة شىء من الطلاق.
واختلفوا إذا اختارت زوجها، فكافتهم على أنه لا يلزم فيه شىء، وهو قول جماعة السلف، وأئمة الفتوى، ومشهور مذهب مالك، وروى عن على وزيد بن ثابت والحسن والليث: أن نفس الخيار طلقة واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها، وحكاه الخطابى والنقاش عن مالك، ونحوه عن ربيعة فى – التمليك، قال: وإن اختارت نفسها فثلاث ولا يصح هذا عن مالك، والأحاديث الصحيحة ترده.
وكذلك اختلف شيوخنا: هل إيقاع الخيار مكروه وبدعة، أو مباح وسنة، فقيل: ذلك مكروه لما تضمن من إيقاع الثلاث، وقيل: غير مكروه، فليس بنفس الطلاق الثلاث، وإنما هو تخيير فى الإقامة أو فى الفرقة؛ ولأن النبى صلى الله عليه وسلم، أمر به وفعله. وقيل: إنما أمر الله نبيه بتخيير أزواجه بين الدنيا والآخرة، فمن آثرت الدنيا طلقها بالطلاق الذى أمره الله به، فليس فيه حجة [فى] (1) التخيير فى الطلاق، ولا فى إباحة التخيير، ولا حجة لجواز إيقاع الثلاث.
قال الإمام: وقوله: ” وجأت عنقها “: أى دققته، ومنه الحديث: ” فليأخذ سبع تمرات فليجأهن ” (2): [أى فأدقهن] (3).
قال القاضى: هذا أصل الوجاء، وليس كل دق فى العنق وجاء، وإنما هو شبه الطعن والغمز يقال: وجأت البعير: إذا طعنته فى منخره، ووجأت الوتد: ضربته، ووجأته بالسكين: طعنته به.
وقولها: ” فعليك بعيبتك “: تريد ابنته، قيل: العيبة الابنة.
قال الإمام: أى بخاصتك وموضع سرّك، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ” الأنصار كرشى وعيبتى ” (2) قال ابن الأنبارى: يعنى ” كرشى ” أصحابى وجماعتى الذين أعتمد عليهم، وأصل الكيرش فى اللغة: الجماعة، وجعل الأنصار عيبته: خصوصيته إياهم؛ لأنه يطلعهم على أسراره، قال غيره: فمعنى ” عيبتى “: خاصتى وموضع سرّى، قال أهل اللغة: والعيبة فى كلام العرب، معناها: ما يجعل فيه الرجل أفضل ثيابه، وحرّ متاعه، وأنفسه عنده.
قال القاضى: كذا رواية العذرى والفارسىّ وكافة الرواة، وهو الصواب على ما تقدم، ورواه بعضهم عن السجزى: ” بغيبتك ” وليس بشىء، وعند ابن ماهان: ” بنفسك “.
وقوله: ” هو فى المشرُبة “، قال الإمام: فيها لغتان: فتح الراء وضمها. ورباح المذكور فى هذا الحديث هو بفتح الراء، وباء واحدة تحتها.
وقوله: ” فلم أزل أحدثه حتى كشر “: قال ابن السكيت: كشر وابتسم وبَسم وافْترّ وأنكل كله بمعنى واحد، فإن زاد قيل: قهقه، وزهْدق وكركر، فإن أفرط قيل: استغرب ضحكاً، وقال صاحب الأفعال: كشَّر: أبدى أسنانه تبسماً أو غضباً.
قال القاضى: فيه بسط نفس الغضبان، وتسلية لمغتم بما يباح من الحديث، لا بالسخف من الكلام والأفعال، ومثله قوله فى الرواية الأخرى: ” لأقولن شيئاً أضحك به النبى صلى الله عليه وسلم ” (2).
قال الإمام: وقوله: ” فبينا أنا فى أمر أأتمره “: أى أرتئى فيه وأشاور نفسى، يقال: ائتمر رأيه وشاور نفسه وارتأى قبل مواقعة الأمر.
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 5/ 30]
قال الإتيوبي في الحديث الأول:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (ومنها): أن فيه ملاطفة النبيّ صلى الله عليه وسلم لأزواجه، وحلمه، وصبره على ما كان يصدر منهنّ، من إدلال وغيره، مما يبعثه عليهنّ الغيرة.
2 – (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن صغر السنّ مظنّة لنقص الرأي.
3 – (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعائشة رضي الله عنها، وبيان كمال عقلها، وصحّة رأيها مع صغر سنّها.
4 – (ومنها): أن الغيرة تَحْمِل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها؛ لسؤال عائشة رضي الله عنها النبيّ صلى الله عليه وسلم أن لا يُخبر أحدًا من أزواجه بفعلها، ولكنه صلى الله عليه وسلم لَمّا عَلِم أن الحامل على ذلك ما طُبع عليه النساء من الغيرة، ومحبّة الاستبداد، دون ضرائرها لم يُسعِفها بما طلبت من ذلك.
5 – (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعائشة، ثم لسائر أمهات المؤمنين – رضي الله تعالى عنهنّ – حيث اخترن الله، ورسوله، والدارَ الآخرةَ، وبادرن إلى ذلك.
6 – (ومنها): أن فيه المبادرةَ إلى الخير، وإيثارَ أمور الآخرة على الدنيا؛ لأن الله سبحانه وتعالى رتّب على ذلك ثوابًا عظيمًا، كما بيّنته الآية المذكورة، وكما في قوله عز وجل: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)} [الإسراء: 19].
7 – (ومنها): أنه ذكر بعض العلماء أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم تخيير أزواجه، واستند إلى هذه القصّة، ولا دلالة فيها على الاختصاص.
نعم ادّعَى بعض من قال: إن التخيير طلاق أنه في حقّ الأُمّة، واختصّ هو صلى الله عليه وسلم بأن ذلك في حقّه ليس بطلاق، لكن الصحيح أن التخيير ليس طلاقًا في حقّ أحد، كما سيأتي تحقيقه – إن شاء الله تعالى -.
8 – (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا، ففارقها، وهي فاطمة بنت الضحّاك، لعموم قول عائشة رضي الله عنها: “ثم فعل أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت”.
وذكر ابن العربيّ عن ابن شهاب أن امرأة واحدة منهنّ اختارت نفسها، فذهبت، وكانت بدويّة، اسمها عمرة بنت يزيد الكلابيّة، اختارت الفراق، فذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون، ويقال: إن أباها تركها ترعى غنمًا له، فصارت في طلب إحداهنّ، فلم يُعلم ما كان من أمرها إلى اليوم.
وذكر ابن سيّد الناس عن أبي عمر أن اسمها فاطمة بنت الضحّاك بن سفيان الكلابيّ، وذكر أنها كانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، اخترت الدنيا.
وهذه الروايات كلّها قد ردّ عليها ابن العربيّ في “أحكام القرآن”، وابن سيّد الناس في “عيون الأثر”، وقد أشبع القول في ذلك الحافظ في “الإصابة”، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
الحديث الثاني:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): مشروعيّة استئذان الزوجات لمن أراد أن يأتي زوجة في غير نوبتها.
2 – (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من حسن العشرة وكريم الملاطفة لأزواجه؛ لأنه لا يجب عليه القَسْم على الصحيح، ومع ذلك كان يقسم لهنّ، ولا يترك ذلك، مع أن الآية الكريمة أباحت له ذلك.
3 – (ومنها): أن القائلين بوجوب القسم عليه صلى الله عليه وسلم احتجوا بهذا الحديث، ولكن الأرجح أنه لا يدلّ عليه؛ لأنه إنما كان يستأذنهنّ من باب حسن المعاملة، فتنبّه.
4 – (ومنها): بيان شدّة حبّ عائشة رضي الله عنها له صلى الله عليه وسلم بحيث إنها لا تؤثر بنصيبها منه غيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
الحديث الثالث:
قال الشيخ العباد في شرح سنن أبي داود :
قوله رحمه الله تعالى: [باب في الخيار]، المقصود بالخيار: التخيير، أي: أن الرجل يخير امرأته بين أن تبقى في عصمته أو لا تبقى وأن يفارقها، وإذا لم تختر الفراق وإنما بقيت مع زوجها واختارت البقاء فإنه لا يترتب على ذلك شيء، ولا يعتبر طلاقًا، وإنما حصل التخيير لها فاختارت البقاء، وأما إذا اختارت الفراق فهذا اختلف فيه العلماء: منهم من قال: يكون له حق المراجعة، ومنهم من يقول: يعتبر فراقًا نهائيًا ولا مراجعة فيه.
وفي حال اختيار البقاء مع الزوج فإنه لا يترتب على ذلك شيء.
وقد أورد أبو داود حديث عائشة: [(أن النبي ﷺ خير نساءه ولم يعد ذلك شيئًا)] أي: أن الأمر بقي على ما هو عليه، ولم يترتب على ذلك شيء، وهذا واضح؛ لأنهن اخترن البقاء، والمرأة إذا اختارت البقاء فلا يترتب على ذلك شيء، وإنما الكلام فيما إذا اختارت الفراق هل يكون للرجل حق الرجعة في ذلك أو أنها تبين منه وليس له حق الرجعة؟ هذا هو محل الخلاف بين أهل العلم.
شرح سنن أبي داود _
_عبد المحسن العباد[٢٥٣/١٤]
قال ابن القيم رحمه الله ” فالذي عليه معظم أصحاب النبي ونساؤه كلهن ، ومعظم الأمة ، أن من اختارت زوجها لم تطلق ، ولا يكون التخيير بمجرده طلاقا ، صح ذلك عن عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وعائشة. قالت عائشة : ( خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ، فلم نعده طلاقا ).
وصح عن علي ، وزيد بن ثابت ، وجماعة من الصحابة ، أنها إن اختارت زوجها فهي طلقة رجعية ، وهو قول الحسن، ورواية عن أحمد رواها عنه إسحاق بن منصور، قال : إن اختارت زوجها ، فواحدة يملك الرجعة ، وإن اختارت نفسها، فثلاث ، قال أبو بكر: انفرد بهذا إسحاق بن منصور ، والعمل على ما رواه الجماعة.” انتهى من ” زاد المعاد في هدي خير العباد “(5 / 262) باختصار.
أما إن اختارت المرأة نفسها فهذا مما اختُلف فيه أيضا ، فبعض أهل العلم يوقعه عليها طلقة رجعية ، جاء في ” مسائل الإمام أحمد ” رواية ابنه أبي الفضل صالح (1 / 445) : ” وسألته عن الرجل يقول لامرأته اختاري ؟ قال : فإن اختارت نفسها فواحدة ، وإن اختارت زوجها فلا شيء ” انتهى. وفيه أيضا : ” قلت : الرجل يخير امرأته في مرضه فتختار نفسها ، قال: أذهب إلى الخيار أنها واحدة يملك الرجعة ” انتهى (3 / 178).
وصح عن بعض الصحابة أنها إن اختارت نفسها فطلقة بائنة , وعن بعضهم أنها تطلق ثلاثا , قال ابن القيم ” وصح عن علي ، وزيد ، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، أنها إن اختارت نفسها فواحدة بائنة ، وصح عن بعض الصحابة أنها إن اختارت نفسها، فثلاث بكل حال” .
يراجع: ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” (5 / 268) .
وذهب فقهاء الظاهرية وبعض الصحابة – رضوان الله عليهم – إلى أن التخيير لا يقع به طلاق سواء اختارت المرأة زوجها أو اختارت نفسها، قال ابن القيم : ” وقال أهل الظاهر ، وجماعة من الصحابة : لا يقع به طلاق ، سواء اختارت نفسها ، أو اختارت زوجها ، ولا أثر للتخيير في وقوع الطلاق ” انتهى من ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” (5 / 264).
——
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم من خيّر امرأته:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار إلى ما قالته عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث، وهو أن من خيّر امرأته، فاختارته ، لا يقع عليه بذلك طلاق ، واختلفوا فيما إذا اختارت نفسها، هل يقع طلقة واحدة رجعيّة ، أو بائنًا، أو يقع ثلاثًا؟ وحكى الترمذيّ عن عليّ رضي الله عنه: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ رجعيّةٌ، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنهما: إن اختارت نفسها فثلاثٌ، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وعن عمر، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وعنهما: رجعيّةٌ، وإن اختارت زوجها فلا شيء.
ويؤيّد قول الجمهور من حيث المعنى: أن التخيير ترديدٌ بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتّحدا، فدلّ على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق زاذان، قال: كنّا جلوسًا عند عليّ رضي الله عنه، فسُئل عن الخيار؟ فقال: سألني عنه عمر؟ فقلت: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ رجعيّةٌ، قال: ليس كما قلت، إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بُدًّا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف، قال عليّ: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، فقال … فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذيّ.
وأخرج ابن أبي شيبة من طرق عن عليّ رضي الله عنه نظير ما حكاه عنه زاذان من اختياره.
وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت، واحتجّ بعض أتباعه لكونها إذا اختارت نفسها تقع ثلاثًا بأن معنى الخيار بتّ أحد الأمرين، إما الأخذ، وإما الترك، فلو قلنا: إذا اختارت نفسها يكون طلقةً رجعيّة لم يعمل بمقتضى اللفظ؛ لأنها تكون بعدُ في أسر الزوج، وتكون كمن خُيِّرَ فاختار غيرهما.
وأخذ أبو حنيفة بقول عمر، وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها، فواحدةٌ بائنةٌ، ولا يَرِدُ عليه الإيراد السابق.
وقال الشافعيّ: التخيير كناية، فإذا خيّر الزوج امرأته، وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلّق منه، وبين أن تستمرّ في عصمته، فاختارت نفسها، وأرادت بذلك الطلاق طلّقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق صُدّقت.
قال الحافظ: ويؤخذ من هذا أنه لو وقع التصريح في التخيير بالتطليق أن الطلاق يقع جزمًا، نبّه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقيّ في “شرح الترمذيّ”.
ونبّه صاحب “الهداية” من الحنفيّة على اشتراط ذكر النفس في التخيير، فلو قال مثلًا: اختاري، فقالت: اخترتُ لم يكن تخييرًا بين الطلاق وعدمه، وهو ظاهر، لكن محلّه الإطلاق، فلو قصد ذلك بهذا اللفظ ساغ، وقال صاحب “الهداية” أيضًا: إن قال: اختاري ينوي به الطلاق، فلها أن تطلّق نفسها، ويقع بائنًا، فلو لم ينو فهو باطلٌ، وكذا لو قال: اختاري، فقالت: اخترتُ، فلو نوى، فقالت: اخترت نفسي وقعت طلقةٌ رجعيّة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله عمر، وابن مسعود رضي الله عنهما، وهو أنها إن اختارت زوجها، فلا شيء، وإن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها المذكور في الباب وسيأتي وَجْهُ الاستدلال في المسألة التالية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلفوا في التخيير، هل هو بمعنى التمليك، أو بمعنى التوكيل؟ وللشافعيّ فيه قولان: المصحّح عند أصحابه أنه تمليكٌ، وهو قول المالكيّة بشرط مبادرتها له، حتى لو أخّرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب في العقد، ثم طلّقت لم يقع، وفي وجه: لا يضرّ التأخير ما داما في المجلس، وبه جزم ابن القاصّ، وهو الذي رجّحه المالكيّة، والحنفيّة، وهو قول الثوريّ، والليث، والأوزاعيّ، وقال ابن المنذر: الراجح أنه لا يتقيّد، ولا يشترط فيه الفور، بل متى طلّقت نفذ، وهو قول الحسن، والزهريّ، وبه قال أبو عبيد، ومحمد بن نصر، من الشافعيّة، والطحاويّ من الحنفيّة، وتمسّكوا بقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: “إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك … ” الحديث، فإنه ظاهرٌ في أنه فسّح لها إذ أخبرها أن لا تختار شيئًا حتى تستأذن أبويها، ثم تفعل ما يشيران به عليها، وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير.
قال الحافظ: ويمكن أن يقال: يشترط الفور، أو ما داما في المجلس عند الإطلاق، فأما لو صرّح الزوج بالفسحة في تأخيره بسبب يقتضي ذلك، فيتراخى، وهذا الذي وقع في قصّة عائشة رضي الله عنها، ولا يلزم من ذلك أن يكون كلّ خيار كذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من الإمكان فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر ما قاله الحسن، والزهريّ، وأبو عبيد، والطحاويّ، واختاره ابن المنذر – رحمهم الله تعالى – من عدم التقييد في التخيير، كما هو ظاهر حديث الباب، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 127]
قال الراجحي:
في هذا الحديث: أن عائشة رضي الله عنها رأت أن هذا الأمر مصلحته راجحة، ولا تردد فيه، ولا استشارة، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة.
وقولها: ((وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ! )): هذا من باب الغيرة.
[توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم 4/ 179]
[ادعاء المرأة نفقة ماضية]
قال ابن القيم:
المثال السابع عشر: إذا ادَّعَتِ المرأة النفقة والكسوة لمدة ماضية، فقد اختلف في قبول دعواها، فمالك وأبو حنيفة [لا يقبلان دعواها، ثم اختلفا في مأخذ الرد؛ فأبو حنيفة] يسقطها بمضي الزمان، كما يقوله منازعوه في نفقة القريب، ومالك لا يسمع الدعوى التي يكذّبها العرف والعادة، ولا يُحلف [عنده] فيها، ولا يُقبل فيها بينة ، كما لو كان رجل حائزًا دارًا متصرفًا فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهَدْم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة ومع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقًا، ولا مانع يمنعه من خوف أو شركة في ميراث، ونحو ذلك، ثم جاء بعد تلك المدة فادّعاها لنفسه، فدعواه غير مسموعة فضلًا عن إقامة بينته . قالوا: وكذلك إذا كانت المرأة مع الزوج مدة سنين يشاهده الناسُ والجيرانُ داخلًا ببيته بالطعام والفاكهة واللحم والخبز، ثم ادعت بعد ذلك أنه لم ينفق عليها [في] هذه المدة؛ فدعواها غير مسموعة، فضلًا عن أن يحلف لها، أو يسمع لها بينة. قالوا: وكل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.
وهذا المذهب هو الذي نَدينُ اللَّه به، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة سواه، وكيف يليق بالشريعة أن تسمع مثلَ هذه الدعوى التي قد علم اللَّه وملائكته والناس أنها كذب وزور؟ وكيف تَدَّعي المرأة أنها أقامت مع الزوج ستين سنة أو أكثر لم ينفق عليها فيها يومًا واحدًا ولا كساها فيها ثوبًا، ويقبل قولها عليه، ويُلزم بذلك كله؟ ويقال: الأصل معها! وكيف يعتمد على أصل يكذّبه العرف والعادة والظاهر الذي بلغ في القوة إلى حد القطع؟ والمسائل التي يقدَّمُ فيها الظاهر القوي على الأصل أكثر من أن تحصى ، ومثل هذا المذهب في القوة مذهب أبي حنيفة، وهو سقوطها بمضي الزمان؛ فإن البيّنة قد قامت بدونها؛ فهي كحق المبيت والوطء.
ولا يعرف أحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ مع أنهم أئمة الناس في الورع والتخلص من الحقوق والمظالم- قضى لامرأة بنفقة ماضية، أو استحلّ امرأة منها، ولا أخبر النبي ﷺ بذلك امرأة واحدة منهن، ولا قال لها: ما مضى من النفقة حق لك عند الزوج؛ [فإنْ شئتِ فطالبيهِ ، وإنْ شئتِ حللتيه ، وقد] كان النبي ﷺ يتعذَّر عليه نفقة أهله أيامًا حتى سألنه إياها ، ولم يقل لهن : هي باقية في ذمتي حتى يوسِّع اللَّه وأقضيكنَّ، ولما وَّسع اللَّه عليه لم يقض لامرأة منهن ذلك، ولا قال لها: هذا عِوَض عمَّا فاتك من الإنفاق، ولا سمع الصحابة رضي الله عنهم لهذه المسألة خبرًا؛ وقول عمر رضي الله عنه للغياب: «إما أن تطلِّقوا وإما أن تَبْعثوا بنفقة ما مضى» في ثبوته نظر، وإن قال ابنُ المنذر: «ثبت عن عمر» فإنَّ في إسناده ما يمنع ثبوته. ولو قدر صحته فهو حُجَّة عليهم، ودليل على أنهم إذا طلقوا لم يلزمهم بنفقة ما مضى.
فإن قيل: وحجة عليكم في إلزامه لهم بها، وأنتم لا تقولون بذلك.
قيل: بل نقول به، وإن الأزواج إذا امتنعوا من الواجب عليهم مع قدرتهم عليه لم يسقط بالامتناع ولزمهم ذلك، وأما المعذور العاجز فلا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه جعل النفقة دَيْنًا في ذمته أبدًا، وهذا التفصيل هو أحسن ما يقال في هذه المسألة.
والمقصود أن على هذين المذهبين لا تُسمع [هذه] الدعوى، ويسمعها الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه بناءً على قاعدة الدعاوى، وأن الحق قد ثبت ومستحقه ينكر قبضه فلا يقبل قول الدافع عليه إلا ببينة؛ فعلى قولهما يحتاج الزوج إلى طريق تخلّصه من هذه الدعوى، ولا ينفعه دعوى النشوز، فإن القول فيه قول المرأة، ولا يخلصه دعوى عدم التسليم الموجب للإنفاق لتمكّن المرأة من إقامة البينة عليه، فله حيلتان:
إحداهما: أن يقيم البيِّنة على نفقته وكسوته لتلك المدة، وللبينة أن تشهد على ذلك بناء على ما علمته وتحققته بالاستفاضة والقرائن المفيدة للقطع؛ فإن الشاهد يشهد بما علمه بأي طريق علمه، وليس على الحاكم أن يسأل البينة عن مستند التحمل، ولا يجب على الشاهد أن يبين مستنده في الشهادة.
والحيلة الثانية: أن ينكر التمكين الموجب لثبوت المُدَّعى به في ذمته، ويكون صادقًا في هذا الإنكار؛ فإن التمكين الماضي لا يوجب عليه ما ادعت به الزوجة إذا كان قد أداه إليها، والتمكين الذي يوجب ما ادعت به لا حقيقة له؛ فهو صادق في إنكاره.
إعلام الموقعين عن رب العالمين – — ابن القيم [٣٢١/٥-٣٢٤]