١٣ – فتح رب البرية في شرح القواعد الفقهية والأصولية
أحمد بن علي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
القواعد الفقهية
رقم القاعدة: 13
نص القاعدة: أَحكامُ الدُّنْيَا على الإِسلامِ وأحكامُ الآخِرَةِ على الإيمانِ
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – الأحكام على الظاهر والله يتولى السرائر
2 – الأحكام على الظاهر والله ولِيُّ المغيَّب
3 – القضاء بالظواهر لا بالمقاصد والسرائر
4 – أحكام الدنيا على الظواهر والسرائرُ تَبَعٌ لها, وأحكام الآخرة على السرائر والظواهرُ تَبَعٌ لها
5 – أحكام المعاملات في الفقه الإسلامي ذات اعتبارين: دياني وقضائي
الشرح:
للعلماء أقوال وتفاصيل كثيرة في مسمى الإسلام والإيمان, وهل هما بمعنى واحد, أو بمعنيين مختلفين؟ ومتى يتضمن أحدهما الآخر؟ ومتى يستقل عنه ولا يتضمنه؟ …
والمقصود هنا بالإسلام والإيمان وبالفرق بينهما, ما جاء في قوله عز وجل: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات -14]
وما جاء في حديث جبريل المعروف, وفيه قوله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام: ” الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمدا رسول الله , وتقيم الصلاة, وتؤتى الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ” وقوله عن الإيمان: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره”
فالإسلام يشمل التصريح بالإيمان وبالدخولِ في الإسلام, ويشمل الأحكام والأفعال الظاهرة, التي يدركها الناس ويتعاملون على أساسها. وأما الإيمان فيشمل الاعتقادات والأمور الباطنة المغيبة, التي لا يعلم سرها وحقيقتها إلا الله تعالى. فهذا هو معنى الإسلام والإيمان في القاعدة.
… والمراد بالقاعدة: أن المعاملات والأحكام الفقهية والقضائية في هذه الدنيا, تجري على مقتضى الإسلام, أي على مقتضى شرائعة الموضوعة للعباد, وعلى ما يظهر وما يمكن إثباته ومعرفته من أفعالهم وأقوالهم, دون الأمور المغيبة عنا, البعيدة عن إدراكاتنا.
… أما أحكام الآخرة, أي الآثار والنتائج الأخروية للأفعال, فتتجاوز الظواهر إلى السرائر والضمائر, ويحكم فيها على الناس وعلى أفعالهم وأقوالهم, بحقيقة معتقداتهم ونياتهم وباطن أحوالهم, لأن الله تعالى هو الذي يتولاها بنفسه, وهو سبحانه يعلم السر وأخفى.
… فهذا هو الفرق الأساسي والجوهري بين “أحكام الدنيا” و”أحكام الآخرة”, وهو الفرق المعبر عنه في الصيغ الأخرى للقاعدة:
– الأحكام على الظاهر والله يتولى السرائر
– أحكام الدنيا على الظواهر والسرائرُ تبع لها, وأحكام الآخرة على السرائر والظواهرُ تبع لها
– الأحكام على الظاهر والله ولِيُّ المغيَّب
– القضاء بالظواهر لا بالمقاصد والسرائر
… ومجمل معنى القاعدة ما قاله ابن القيم: “فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهر, والسرائر تَبَعٌ لها, وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر والظواهر تبع لها”
وهنا ترِد العلاقة مع قاعدة ” حكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا “. فالقاضي حين يحكم بحكم الإسلام وبمقتضى ظواهر الأمور, فيعطي حقا أو يُسقطه, أو يمنع شيئا أو يسمح به … إذا كان حكمه على خلاف حقيقة الأمر وباطنه, فإنه لا يغير من حقيقة المحكوم فيه شيئا, وسيؤول الحكم فيه إلى الله يوم القيامة. فحكم الدنيا يُمضى على الظواهر, ولكن حكم الآخرة على السرائر. ومعنى هذا أن القاعدة الأخرى ” حكم الحاكم يرفع الخلاف “, إنما تتعلق أساسا بالحكم في الدنيا وبرفع المنازعات الدنيوية بين الناس, فإن وافقت الحق ظاهرا وباطنا فذاك, وإلا فالنزاع باقٍ والحكم الفصل آتٍ يوم القيامة: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [سورة الزمر-31].
… ومما يُلحق بأحكام الآخرة ويوكَلُ حكمه كذلك إلى الله, الأمور التي لا تنضبط ولا تُعرف حقيقتها إلا بمشقة وحرج. فتجنبا للحرج المرفوع عن الشريعة, أجريت هذه الأمور على ظواهرها, وإن كان أصحابها يعرفون حقيقتها {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة -14].
… ومما يدخل في هذا الباب كذلك القاعدة التي يعبر عنها فقهاء المالكية , بقولهم” حكم الحاكم لا يدخل العبادات “, أو أن” حكم الحاكم لا يدخل العبادات استقلالا, بل تبعا “…
وتبعا لذلك قد يحكمون- مثلا- بثبوت هلال رمضان وبدء الصوم, أو بثبوت هلال شوال وما ينبني عليه من فطر وصلاة عيد, أو بصحة انعقاد الجمعة, أو بتحديد وقتها … ولكن أحكامهم في هذه العبادات – إذا لم توافق الصواب ومقتضى الدليل في باطن الأمر وحقيقته – فإنها تبقى أحكاما دنيوية سياسية , أما الحكم الحقيقي لهذه العبادات, وما يصح منها وما لا يصح, فهو حكم أخروي أمرُه إلى الله تعالى, فحكم الحاكم فيها إنما هو اجتهاد لرفع النزاع الدنيوي.
وراجع كلام ابن تيمية حول حديث : الصوم تصومون والفطر يوم تفطرون …
… أدلة القاعدة:
– (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء-47]
– {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء-141].
2 – وفي الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة , حتى يُقادَ للشاة الجلْحاء من الشاةِ القرْناءِ» . فهذا الحديث, صريح في أن عددا من الحقوق ستبقى مسلوبة من أهلها, حتى يُقضى فيها وتؤدى لهم يوم القيامة.
3 – عن أم سلمة رضي الله عنها, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر, وإنكم تختصمون إلي , ولعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض, فأقضي له على نحو ما أسمع, فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ, فإنما أقطع له قطعة من النار»
قال ابن القيم:
[فَصْلٌ أَحْكَامُ الدُّنْيَا تَجْرِي عَلَى الْأَسْبَابِ]
[أَحْكَامُ الدُّنْيَا تَجْرِي عَلَى الْأَسْبَابِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ” إنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ بِحُكْمِ الْكُفْرِ مَعَ الدَّلَالَةِ الَّتِي لَا أَقْوَى مِنْهَا وَهِيَ خَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ وَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ
فَجَوَابُهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُجْرِ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى عِلْمِهِ فِي عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا أَجْرَاهَا عَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي نَصَبَهَا أَدِلَّةً عَلَيْهَا وَإِنْ عَلِمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ فِيهَا مُظْهِرُونَ لِخِلَافِ مَا يُبْطِنُونَ، وَإِذَا أَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنَاقِضًا لِحُكْمِهِ الَّذِي شَرَعَهُ وَرَتَّبَهُ عَلَى تِلْكَ الْأَسْبَابِ كَمَا رَتَّبَ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ بِالشَّهَادَتَيْنِ حُكْمَهُ وَأَطْلَعَ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَحْوَالِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأَنَّهُمْ لَمْ يُطَابِقْ قَوْلُهُمْ اعْتِقَادَهُمْ.
وَهَذَا كَمَا أَجْرَى حُكْمَهُ عَلَى الْمُتَلَاعِنَيْنِ ظَاهِرًا ثُمَّ أَطْلَعَ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى حَالِ الْمَرْأَةِ بِشَبَهِ الْوَلَدِ لِمَنْ رُمِيَتْ بِهِ، وَكَمَا قَالَ: «إنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» .
وَقَدْ يُطْلِعُهُ اللَّهُ عَلَى حَالِ آخِذِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ إنْفَاذِ الْحُكْمِ. وَأَمَّا الَّذِي قَالَ: ” يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ ” فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَذْفِ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ بِالْوَاقِعِ مُسْتَفْتِيًا عَنْ حُكْمِ هَذَا الْوَلَدِ: أَيَسْتَلْحِقُهُ مَعَ مُخَالَفَةِ لَوْنِهِ لِلَوْنِهِ أَمْ يَنْفِيه فَأَفْتَاهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَرَّبَ لَهُ الْحُكْمَ بِالشَّبَهِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِيَكُونَ أَذْعَنَ لِقَبُولِهِ، وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ لَهُ، وَلَا يَقْبَلُهُ عَلَى إغْمَاضٍ…
إعلام الموقعين 3/103