( ١١ ) القواعد والضوابط المستنبطة من الاربعين النوويه
الحديث الحادي عشر
اترك ما شككت فيه
عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بنِ عَلِيّ بنِ أبِي طالبٍ سِبْطِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَيْحَانَتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: حَفِظْتَ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : (دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ) رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
…………………………..
أهمية الحديث:
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله :
” وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ يَرْجِعُ إِلَى الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَاتِّقَائِهَا ، فَإِنَّ الْحَلَالَ الْمَحْضَ لَا يَحْصُلُ لِمُؤْمِنٍ فِي قَلْبِهِ مِنْهُ رَيْبٌ – وَالرَّيْبُ : بِمَعْنَى الْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ – بَلْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ ، وَيَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ ، وَأَمَّا الْمُشْتَبِهَاتُ فَيَحْصُلُ بِهَا لِلْقُلُوبِ الْقَلَقُ وَالِاضْطِرَابُ الْمُوجِبُ لِلشَّكِّ ” .انتهى من ” جامع العلوم والحكم ” (1/280)
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” وهذا الحديث من جوامع الكلم ، وما أجوده وأنفعه للعبد إذا سار عليه ، فالعبد يرد عليه شكوك في أشياء كثيرة ، فنقول : دع الشك إلى ما لاشكّ فيه ، حتى تستريح وتسلم ، فكل شيء يلحقك به شكّ وقلق وريب : اتركه إلى أمر لا يلحقك به ريب ، وهذا ما لم يصل إلى حد الوسواس ، فإن وصل إلى حد الوسواس فلا تلتفت له .
” شرح الأربعين النووية ” (ص/155) .
قال الشيخ عطية سالم:
أيها الإخوة! هذا الحديث على قصر عبارته، وقلة ألفاظه، أصل من أصول هذا الدين، ففيه بيان مسلك الأتقياء الزاهدين الورعين الذين يخافون الله ويقدرونه حق قدره.
شرح الأربعين النووية لعطية سالم ٣٣/٢
القواعد والضوابط المستنبطة من الحديث:
١- اليقين لا يزول بالشك
المُرادُ بذلك أنَّ استِصحابَ الأصلِ المُتَيَقَّنِ لا يُزيلُه شَكٌّ طارِئٌ عليه، وأنَّ اليَقينَ لا يُزالُ إلَّا بيَقينٍ، فالأصلُ الاستِمرارُ عليه، فيَكونُ حُكمُ اليَقينِ السَّابق مُستَدامًا في حالِ الشَّكِّ، فإذا تَيَقَّنَّا وُجودَ شَيءٍ أو عَدَمَه، ثُمَّ شَكَكنا في تَغَيُّرِه وزَوالِه عَمَّا كان عليه، فإنَّا نَستَصحِبُ اليَقينَ الذي كان، ونَطرَحُ الشَّكَّ.
يُنظر: ((العدة)) لأبي يعلى (4/1267)، ((روضة الطالبين)) للنووي (1/307)، ((الأشباه والنظائر)) لابن السبكي (1/13)، ((الأشباه والنظائر)) لابن الملقن (1/132).
٢-قاعدة فقهيةالاحتياط في باب العبادات واجب.
الاحتياط يعني الأخذ بالثقة، والتأكد من الشيء للاطمئنان له، والقاعدة المستقرة في العبادات وجوب أدائها بكمالها، لتبرأ الذمة منها، فإن طرأ شك أو تردد في أدائها كاملة، أو في أداء بعض أركانها، فيجب على المكلف الأخذ والعمل بما هو أوثق وأحوط في دينه؛ لأن ذمته مشغولة بالعبادة المطلوبة يقيناً، فيجب أن تؤدى العبادة على وجه اليقين أو غلبة الظن لتبرأ الذمة؛ لأن الذمة إذا شغلت بيقين فلا تبرأ
إلا بيقين مثله، لذلك كان الاحتياط في باب العبادات واجباً، سواء كان بالأداء أم بالقضاء، وهذا ما أكده السرخسي الحنفي رحمه الله تعالى.
التطبيقات :
١ – من تذكر فائتة من الصلوات، ولا يدري أيما هي من صلوات اليوم والليلة فعليه صلاة يوم وليلة احتياطاً، فيصلي خمس صلوات حتى يتيقن من براءة ذمته.
إخراج صاع من الحنطة في زكاة الفطر أخذاً بالاحتياط، للاختلاف في الآثار الواردة في مقدار الخرج، هل هو صاع أو نصف صاع؟
الزحيلي
٣- قاعدة في الورع
١ – الورع المشروع:
قال ابن تيمية: (فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمدا ﷺ فهو: اتقاء من يخاف أن يكون سببا للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح. ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام وإن أدخلت فيها المكروهات قلت: نخاف أن يكون سببا للنقص والعذاب.) .
٢ – الورع الواجب:
(وأما الورع الواجب: فهو اتقاء ما يكون سببا للذم والعذاب وهو فعل الواجب وترك المحرم والفرق بينهما فيما اشتبه أمن الواجب هو أم ليس منه؟ وما اشتبه تحريمه أمن المحرم أم ليس منه؛ فأما ما لا ريب في حله فليس تركه من الورع وما لا ريب في سقوطه فليس فعله من الورع. وقولي عند عدم المعارض الراجح فإنه قد لا يترك الحرام البين أو المشتبه إلا عند ترك ما هو حسنة موقعها في الشريعة أعظم من ترك تلك السيئة مثل من يترك الائتمام بالإمام الفاسق فيترك الجمعة والجماعة والحج والغزو وكذلك قد لا يؤدي الواجب البين أو المشتبه إلا بفعل سيئة أعظم إثما من تركه مثل من لا يمكنه أداء الواجبات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذوي السلطان إلا بقتال فيه من الفساد أعظم من فساد ظلمه. والأصل في الورع المشتبه قول النبي ﷺ «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات استبرأ عرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه» وهذا في الصحيحين. وفي السنن قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وقوله: «البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب» وقوله في صحيح مسلم في رواية: «البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس» «وإنه رأى على فراشه تمرة فقال: لولا أني أخاف أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها» .
وأما في الواجبات … لكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات: أحدها: اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام لا في أداء الواجب وهذا يبتلى به كثير من المتدينة المتورعة ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة وعن الدرهم فيه شبهة؛ لكونه من مال ظالم أو معاملة فاسدة ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين وذوي الفجور في الدنيا ومع هذا يترك أمورا واجبة عليه إما عينا وإما كفاية وقد تعينت عليه من صلة رحم؛ وحق جار ومسكين؛ وصاحب ويتيم وابن سبيل؛ وحق مسلم وذي سلطان؛ وذي علم. وعن أمر بمعروف ونهي عن منكر؛ وعن الجهاد في سبيل الله؛ إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى بل من جهة التكليف ونحو ذلك. وهذا الورع قد يوقع صاحبه في البدع الكبار؛ فإن ورع الخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم من هذا الجنس تورعوا عن الظلم وعن ما اعتقدوه ظلما من مخالطة الظلمة في زعمهم حتى تركوا الواجبات الكبار من الجمعة والجماعة؛ والحج والجهاد؛ ونصيحة المسلمين والرحمة لهم وأهل هذا الورع ممن أنكر عليهم الأئمة كالأئمة الأربعة وصار حالهم يذكر في اعتقاد أهل السنة والجماعة. الجهة الثانية من الاعتقاد الفاسد أنه إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحرم والمشتبه فينبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكتاب والسنة وبالعلم لا بالهوى) .
١ – الورع الفاسد:
قال ابن تيمية: (كثير من الناس تنفر نفسه عن أشياء لعادة ونحوها فيكون ذلك مما يقوي تحريمها واشتباهها عنده ويكون بعضهم في أوهام وظنون كاذبة فتكون تلك الظنون مبناها على الورع الفاسد فيكون صاحبه ممن قال الله تعالى فيه: إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ [النجم: ٢٣] وهذه حال أهل الوسوسة في النجاسات؛ فإنهم من أهل الورع الفاسد المركب من نوع دين وضعف عقل وعلم وكذلك ورع قوم يعدون غالب أموال الناس محرمة أو مشتبهة أو كلها وآل الأمر ببعضهم إلى إحلالها لذي سلطان؛ لأنه مستحق لها وإلى أنه لا يقطع بها يد السارق ولا يحكم فيها بالأموال المغصوبة. وقد أنكر حال هؤلاء الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وذم المتنطعين في الورع. وقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: «قال رسول الله ﷺ هلك المتنطعون قالها ثلاثا» .
وورع أهل البدع كثير منه من هذا الباب. بل ورع اليهود والنصارى والكفار عن واجبات دين الإسلام من هذا الباب وكذلك ما ذمه الله تعالى في القرآن من ورعهم عما حرموه ولم يحرمه الله تعالى كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ومن هذا الباب الورع الذي ذمه الرسول ﷺ في الحديث الذي في الصحيح لما ترخص في أشياء فبلغه أن أقواما تنزهوا عنها فقال: «ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أترخص فيها والله إني لأرجو أن أكون أعلمهم بالله وأخشاهم وفي رواية: أخشاهم وأعلمهم بحدوده له» وكذلك حديث صاحب القبلة. ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة والفقه في الدين وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه كما فعله الكفار وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم. الثالثة: جهة المعارض الراجح. هذا أصعب من الذي قبله؛ فإن الشيء قد يكون جهة فساده يقتضي تركه فيلحظه المتورع؛ ولا لحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح؛ وبالعكس فهذا هذا. وقد تبين أن من جعل الورع الترك فقط؛ وأدخل في هذا الورع أفعال قوم ذوي مقاصد صالحة بلا بصيرة من دينهم وأعرض عما فوتوه بورعهم من الحسنات الراجحة فإن الذي فاته من دين الإسلام أعظم مما أدركه فإنه قد يعيب أقواما هم إلى النجاة والسعادة أقرب) .
وقسم الراغب الأصفهاني الورع إلى ثلاث أنواع: فقال:
١ – (واجب: وهو الإحجام عن المحارم، وذلك للناس كافة.
٢ – وندب: وهو الوقوف عن الشبهات، وذلك للأواسط.
٣ – وفضيلة: وهو الكف عن كثير من المباحات والاقتصار على أقل الضرورات، وذلك للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين) .
موسوعة الأخلاق الإسلامية ٢/٧٧-٧٨
٤- قاعدة: (الاعتماد على الاحتياط مطلقا قد يدخل المشقة على الإنسان ، أو يحرمه من الفضل):
أمثلة :
1- رفع اليدين في تكبيرات الانتقال في الصلاة : سنة مستحبة عند قوم ، ومبطلة للصلاة عند آخرين ، مع ثبوتها بالسنة المتواترة ، فهل تترك السنة هنا لأجل الاحتياط ؟
2- تكرار العمرة في السنة : منعه مالك ، واستحبه غيره ، فهل يحرم الإنسان نفسه من الأجر عملا بالاحتياط ؟
3- وقت العصر : لا يدخل عند الحنفية إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه ، وهذا هو آخر وقت العصر الاختياري عند الجمهور ، فالاحتياط هنا متعذر .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” ونظيرها في العبادات اختلاف العلماء متى يدخل وقت العصر؟ فقال بعض العلماء : لا يدخل وقت العصر إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه ، وقال الجمهور : يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله ، ويحرم أن تؤخر الصلاة حتى يصير ظل كل شيء مثليه ، فكيف تحتاط ؟ إن صليت قبل أن يصير ظل كل شيء مثليه ، قال لك أولئك : حرام عليك ، وصلاتك ما تصح ، وإن صليت عقب ما يصير ظل كل شيء مثليه ، قال لك الآخرون : تأخيرك الصلاة إلى هذا الوقت حرام ، فأنت في مشكلة ، فما ترجح ؟ فمثل هذه المسائل جانب الاحتياط فيها يكون متعذرا ، فلا يبقى أمام طالب العلم إلا أن يسلك طريقا واحدا ، ويجتهد بقدر ما يستطيع في معرفة الصواب من القولين ، ويستخير الله ويمشي عليه ” انتهى من “الشرح الممتع” (13/ 50).
والمقصود أن الاحتياط لا ينبغي أن يعتمد مسلكا في جميع مسائل الخلاف ، بحيث يفوّت على الإنسان أجرا عظيما ، أو يدخل عليه مشقة ظاهرة ، بل يعمل به في المسائل التي قوي فيها الخلاف ، وعسر الترجيح ، أو كان يترتب على الاحتياط زيادة الأجر والفضل ، أو السلامة من الإثم والكراهة دون أن يفوته شيء من الخير .
وقد نص فقهاء المذاهب على أن مراعاة خلاف المذاهب الأخرى ، له ضوابط وشروط .
ومن أمثلة ذلك قول السيوطي رحمه الله في شروط مراعاة الخلاف :
” أحدها : أن لا توقع مراعاته في خلاف آخر ، ومن ثَمَّ كان فصل الوتر أفضل من وصله ، ولم يراع خلاف أبي حنيفة ؛ لأن من العلماء من لا يجيز الوصل.
الثاني : أن لا يخالف سنة ثابتة ، ومن ثَمَّ سُنَّ رفع اليدين في الصلاة ، ولم يبال بقول من قال بإبطاله الصلاة من الحنفية ؛ لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية خمسين صحابيا.
الثالث : أن يقوى مُدركه بحيث لا يعد هفوة. ومن ثَمَّ كان الصوم في السفر أفضل لمن قوي عليه ، ولم يبال بقول داود : إنه لا يصح ” انتهى من “الأشباه والنظائر” ص 137 .
وأضاف الزركشي رحمه الله : ” وكذلك يضعف الخروج من الخلاف إذا أدى إلى المنع من العبادة لقول المخالف بالكراهة ، أو المنع ، كالمشهور من قول مالك : إن العمرة لا تتكرر في السنة ، وقول أبي حنيفة : إنها تكره للمقيم بمكة في أشهر الحج ، وليس التمتع مشروعا له ، وربما قالوا : إنها تحرم ، فلا ينبغي للشافعي مراعاة ذلك ، لضعف مأخذ القولين ولما يفوته من كثرة الاعتمار ، وهو من القربات الفاضلة . أما إذا لم يكن كذلك فينبغي الخروج من الخلاف لا سيما إذا كان فيه زيادة تعبد كالمضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة يجب عند الحنفية وكذلك الاستنشاق عند الحنابلة في الوضوء ، والغسل من ولوغ الكلب ثماني مرات والغسل من سائر النجاسات ثلاثا لخلاف أبي حنيفة وسبعا لخلاف أحمد ، والتسبيح في الركوع والسجود لخلاف أحمد في وجوبها ، والتبييت في نية صوم النفل ، فإن مذهب مالك وجوبه ، وإتيان القارن بطوافين وسعيين مراعاة لخلاف أبي حنيفة ، والموالاة بين الطواف والسعي لأن مالكا يوجبها ، وكذلك التنزه عن بيع العينة ونحوه من العقود المختلف فيها ” انتهى من “المنثور في القواعد” (2/ 132).
٥- قاعدة: (رد المتشابه إلى المحكم):
قال ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا رُدَّ المتشَابِهُ إلى المحكَم صار الجميع محكَمًا، وهَذِهِ القاعدة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ هي الَّتِي عليها الراسِخونَ في العِلم، وهي الَّتِي يَستريحُ بها الإنْسَانُ منْ الِاحْتِمَالات؛ لِأَنَّهُ يأتينا دائمًا في القُرْآن وفي السنَّة نصوصٌ فيها احْتِمَالاتٌ تَحتمِل كذا وتَحتمل كذا، وعندنا نصوصٌ أُخْرَى واضحة صريحة ليس فيها إشكالٌ، فالواجبُ عَلينا أنْ نَحْمِلَ هَذَا المُشْتَبِهَ على المُحْكَم، أيْ على ما يُوافِقُه ولا يُخالِفُه؛ ليَكُونَ الجميعُ محُكَمًا.
مثال رَدِّ المتشابِهِ إلى المحكَم:
أولًا: مثال في الخبر: قول اللَّه سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قد يَشْتَبِهُ على الإنْسَان أَنَّ اللَّه تَعَالَى معنا بذاته، ولَكِن عندنا نصوصٌ محكَمَةٌ تدل على عُلُوِّ اللَّه، وأن المَعِيَّة الذَّاتية الَّتِي يَكُون اللَّه تَعَالَى معنا في كل مكان هَذِهِ مستحيلة، ولهذا الَّذِين في قلوبهم زَيْغٌ اتبعوا هَذَا المتشابِهَ وتركوا المحكَم، وقالوا: إن اللَّه مَعَنا بذاتِهِ في كل مكانٍ.
ثانيًا: مثال في الحُكْم:
قال النَّبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (١)، ودخل رجل يوم الجمعة وهو يخطب فجلس فقال: «أَصَلَّيْتَ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (٢) هَذَا مُحْكمٌ واضِحٌ بَيِّن على طلب صلاة الركعتين لكل من دخلَ المسجدَ وألَّا يجلسَ حتى يصليَ ركعتينِ، وفيه حَديث الثَّلاثَةِ الَّذِينَ جَاؤُوا والرَّسول عليه الصلاة والسلام في أصحابِهِ، فأَحَدُهم جلسَ وأحدُهم دخلَ الحَلْقَة، والثالث انصرفَ (٣)، وليس في الحديث ما يَدُلُّ على أنَّ أحدًا منهم صَلَّى ركعتينِ، فهذا مُشْتَبِهٌ؛ لِأَنَّهُ قد يَدُلُّ على أَنَّ تحيةَ المسجدِ ليستْ مطلوبةً، لَكِننا لا يمكن أنْ نَدَعَ الحديثَ المحكَمَ مِنْ أجْلِ هَذَا الاحْتِمَالِ، لاحْتِمَالِ أن هَؤُلَاءِ الرِّجالَ الثَّلاثَةَ صَلَّوْا والرَّسول -ﷺ- يَرَاهُم ولم يُنْكِرْ عليهم، ولاحْتِمَال أن يَكُونوا على غير وضوءٍ، ولاحْتِمَالاتٍ أُخرى، فلهذا لا نَدَعُ المحكَم مِنْ أجْل هَذَا المتشابِهِ، والأمثلةُ على هَذَا كثيرةٌ.
تفسير العثيمين: الفرقان ١/١٣-١٤
قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وتمام الورع أن يعلم الإنسانُ خيرَ الخيرين وشرَّ الشرَّين، ويعلم أنَّ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعيَّة والمفسدة الشرعيَّة فقد يَدَعُ واجباتٍ ويفعل محرَّماتٍ، ويرى ذلك من الورع، كَمَنْ يَدَعُ الجهادَ مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك من الورع ..».
مجموع الفتاوى: (١٠/ ٥١٢ – ٥١٣).
وقال أيضاً: «والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسُّنَّة، كما يعرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسُّنَّة، فيفرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسُّنَّة، ليقدِّم ما هو أكثرُ خيرًا، وأقلُّ شرًَّا على ما هو غيره، ويدفع أعظم الشرَّين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإن لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدِّين لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عَبَدَ الله بغير عِلْمٍ كان ما يفسد أكثر مما يصلح».
مجموع الفتاوى: (٢٠/ ٣٠٥).
٥- قاعدة: «الظن ينزل منزلة اليقين» نص عليها العلماء بألفاظ متقاربه من مختلف المذاهب، كالسرخسي، والونشريسي، والمقري، وابن عبد الهادي، وغيرهم.
ومعناها: أن أحكام الشريعة تقوم على غلبة الظن وينزل هذا الظن منزلة اليقين في وجوب العمل به، وهذا بلا خلاف بين أهل الإسلام.
واليقين والظن متناوبان في العمل والاستعمال، حتى يطلق كل منهما على الآخر.
ففي قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. معناها اليقين.
وورد في شرح مجلة الأحكام: الظن الغالب ينزل منزلة اليقين…
قال القرافي: الأصل اعتبار الغالب، وتقديمه على النادر، وهو شأن الشريعة، كما يقدم الغالب في طهارة المياه وعقود المسلمين، ويقصر في السفر، ويفطر بناء على غالب الحال، وهو المشقة، ويمنع شهادة الأعداء والخصوم؛ لأن الغالب منهم الحيف، وهو كثير في الشريعة لا يحصى كثرة.
والشاهد من هذا أن الشريعة أقامت كثيرًا من الأحكام، بل أكثرها على غلبة الظن والترجيح بالأكثرية قائم على هذا الاعتبار.
انظر: القواعد الأم للفقه ١/٥٠٨-٥١٠