( ١٠ ) القواعد والضوابط المستنبطة من الاربعين النوويه
الحديث العاشر
سبب إجابة الدعاء
عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ : (إِنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبَاً وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِيْنَ فَقَالَ : (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً) (المؤمنون: الآية51) ، وَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (البقرة: الآية172) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء،ِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ،وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك) رواه مسلم.
…………………….
أهمية الحديث:
قال الإمام النووي – رحمه الله -: هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام، ومباني الأحكام.
شرح مسلم للنووي (7/ 88 ح 1015).
◙ قال الطوفي رحمه الله: واعلم أن هذا الحديث عظيم النفع؛ لأنه يتضمن بيان حكم الدعاء، وشرطه، ومانعه.
التعيين في شرح الأربعين للطوفي (117، 118).
◙ قال ابن دقيق العيد رحمه الله: وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها قواعد الإسلام، ومباني الأحكام، وفيه الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره، وأن المأكول والمشروب والملبوس ونحوهما ينبغي أن يكون حلالًا خالصًا لا شبهة فيه.
شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (42).
◙ وقيل: هو أصل في الحث على تحري الحلال واجتناب الحرام في المأكل والمشرب والملبَس.
قال ابن الملقن:
” فَهوَ أَحَدُ الأحاديت التي عليها قواعِدُ الإسلام، ومباني الأحكام، ومَا أَعَمَّ نَفْعَهُ، ومِمَّا تَضَمَّنَهُ بيانُ شَأنِ حكم الدُّعاء، وشرطه، ومانِعه، و«الدُّعاءُ مُخُّ العِبادة» ،لأَنَّ الدَّاعِي إنما يدعو عند انقِطَاع الآمال عَمَّا سِواهُ، فهو حقيقةُ التَّوْحِيدِ والإِخلاص، ونعْمَ السِّلاح.
المعين على تفهم الأربعين ت دغش ١/١٨٤
القواعد المستنبطة من الحديث :
١- قاعدة في عطاء الخير:
(لا قبول إلا بإصلاح المظهر والمخبر)،
قال النووي رحمه الله: “الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى؛ وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله، وخشيته، ومراقبته”،
وقال ابن الحاج في المدخل: “فمراعاة الباطن أوجب من مراعاة الظاهر؛ لأن الظاهر للخلق، والباطن للخالق”.
٢ – قاعدة عقدية: اسماء الله كلها حسنى:
قال ابن عثيمين في شرح الأربعين:
١أن من أسماء الله تعالى الطيب، لقوله: إن الله طيب وهذا يشمل طيب ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه.
فأسماؤه كلها حسنى، ولا يوجد في أسماء الله ما يكون فيه النقص لاحقيقة ولافرضا، فكل أسماء الله تعالى ليس فيها نقص بوجه من الوجوه، لأن الله تعالى قال: (ولله الأسماء الحسنى) (الأعراف: الآية١٨٠) والحسنى اسم تفضيل، يقابلها في المذكر: الأحسن.
ولذلك لاتجد في أسماء الله ما يحتمل النقص أبدا، ولهذا باب الصفات أوسع من باب الأسماء، لأن كل اسم متضمن لصفة، وأفعاله لامنتهى لها، كما أن أقواله لامنتهى لها، (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) (لقمان: ٢٧) فمن صفات الله المجيء، والإتيان والبطش كما قال تعالى: (وجاء ربك) (الفجر: الآية٢٢) وقال: (إن بطش ربك لشديد) (البروج: ١٢)
فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولانسميه بها، فلا نقول من أسمائه: الجائي والممسك والباطش. وإن كنا نخبر بذلك عنه سبحانه ونصفه به
وهو سبحانه وتعالى طيب في صفاته: فكل صفات الله تعالى طيبة ليس فيها نقص بوجه من الوجوه، فمثلا:
القدرة والسمع، والبصر، والتكلم، كل هذه صفات طيبة يتصف الله تعالى بها.
وهناك من الصفات ما تكون كمالا في حال ونقصا في حال، وهذه الصفات لاتكون جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له سبحانه إثباتا مطلقا، ولا تنفى عنه نفيا مطلقا، بل لابد من التفصيل: فتجوز في الحال التي تكون كمالا، وتمنع في الحال التي تكون نقصا، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، وتكون نقصا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (الأنفال: الآية٣٠) و(إنهم يكيدون كيدا* وأكيد كيدا) (الطارق: ١٥ (.
وأما الخيانة فلا يوصف الله بها، لأنها نقص بكل حال، فلا يوصف الله تعالى بالخيانة، ويدل لهذا قول الله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) (البقرة: الآية٩) وقوله: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) (النساء: الآية١٤٢) فأثبت الخداع لأنه يدل على القوة.
لكن في الخيانة قال الله عز وجل: (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم) (لأنفال: الآية٧١) ولم يقل: فقد خانوا الله من قبل فخانهم، لأن الخيانة خدعة في مقام الأمان، وهي صفة ذم مطلقا، وبذا عرف أن القول “خان الله من يخون” قول منكر فاحش يجب النهي عنه ووصف ذم لا يوصف الله به.
إذا صفات الله تعالى كلها طيبة، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: (ولله المثل الأعلى) (النحل: الآية٦٠) أي الوصف الأعلى من كل وجه.
كذلك أيضا هو طيب في أفعاله، فأفعال الله تعالى كلها طيبة، لايفعل إلا خيرا، وتقدم لنا الجواب عن قوله في القدر: “خيره وشره” فأفعاله كلها خير وأحكامه كذلك كلها متضمنة لمصلحة العباد في معاشهم ومعادهم، ولذا فهي طيبة صالحة لكل زمان
ومكان وحال.
٣- قاعدة مستنبطة: ذم من امتنع عن الطيبات بغير عذر:
قال ابن عثيمين في شرح الأربعين:
٨الأمر بالأكل من الطيبات للمؤمنين والمرسلين.
ويتفرع على هذا فائدة: ذم من امتنع عن الطيبات بدون سبب شرعي، فلو أن إنسانا بعد أن من الله على الأمة بالغنى وأنواع الثمار والفواكه قال: أنا لن آكل هذه تورعا لا لعدم الرغبة، فإنه قد أخطأ وعمله خلاف عمل السلف الصالح، لأن السلف الصالح لما فتحوا البلاد صاروا يأكلون ويشربون أكلا وشربا لايعرفونه في عهد النبي ﷺ، فمن امتنع عن الطيبات بغير سبب شرعي فهو مذموم راد لمنة الله عز وجل عليه، ومن المعلوم بالعقل أن رد منة ذي المنة إساءة أدب، فلو أن رجلا من الكرماء أهدى إليك هدية ورددتها فإن هذا يعتبر سوء خلق وأدب، ولهذا كان النبي ﷺ لا يرد الهدية (١)، ولو كانت الهدية شيئا قليلا فإنه يقبلها ويثيب عليها.
والخلاصة: أن الامتناع عن الطيبات لغير سبب شرعي مذموم..
٤ -قاعدة مدار الخبث على ما استخبثه الشرع:
قال ابن عثيمين في شرح الأربعين:
لكن ماهو مدار الخبث: أعلى ما يستخبثه الناس وكل إنسان بطبيعته أو أن نقول: الخبيث ما استخبثه الشرع.
والجواب: الخبيث ما استخبثه الشرع، لأنه لايمكن أن يرد هذا إلى عقول الناس، لأنه يفتح من الشر والخلاف ما هو معلوم، ولنضرب لهذا مثالا: بعض الناس يستقذر ويستخبث أكل الجراد. ومن الناس من يستخبث الضب، وهما حلال، وعلى هذا فالاستخباث ليس مرجعه للكراهة الطبيعية، لأن كل إنسان يكره ما لا يعتاد أكله.
وعلى هذا فالمرجع في كون الشيء طيبا أو خبيثا إلى الشرع لا إلى أذواق الناس، فبعض العرب كما قيل عنهم: يأكل كل ماهب ودب إلاالخنفساء أو شيء مثل الخنفساء، والباقي كله يؤكل.
٥ – الخطاب الموجه إلى الرسول خاص به أم يشمل الأمة؟
وهي مسألة أصولية .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – : ” والخطاب الموجَّه للرسول في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : أن يقوم الدليل على أنه خاص به ، فيختص به .
القسم الثاني : أن يقوم الدليل على أنه عام ، فيعم .
القسم الثالث : أن لا يدل دليل على هذا ولا على هذا فيكون خاصًّا به لفظاً عامًّا له وللأمة حكماً .
مثال الأول : قوله تبارك وتعالى ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ . وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ) الشرح/ 1 ، 2 ، ومثاله أيضاً قوله تعالى ( وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً ) النساء/ 79 ، فإن هذا من المعلوم أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
ومثال الثاني الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام وفيه قرينة تدل على العموم : قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) الطلاق/ 1 ، فوجَّه الخطاب أولاً للرسول عليه الصلاة والسلام قال : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ) ولم يقل ” يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم ” قال : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ) ، ولم يقل ” يا أيها النبي إذا طلقتَ ” ، قال : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ) فدل هذا على أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام موجه له وللأمة .
وأما أمثلة الثالث : فهي كثيرة جدّاً يوجِّه الله الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والمراد الخطاب له لفظاً وللعموم حكماً ” انتهى من ” تفسير القرآن / جزء عمَّ ” ( ص 160 ، 161 ) .