قال الشيخ مقبل رحمه الله:
605 – قال أبو داود رحمه الله (ج 12 ص 15): حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الْخُتَّلِيُّ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ أخبرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ «أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ ، لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ» قال فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «أَلَا اشْهَدُوا إِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ».
هذا حديث حسنٌ، رجاله رجال الصحيح.
الحديث أخرجه النسائي (ج 7 ص 107).
——-
بوب عليه أبو داود:
2 – باب الحكم فيمن سبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم
وبوب عليه النسائي:
(16) الْحُكْمُ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
بوب الدارقطني في السنن:
فِي الْمَرْأَةِ تُقْتَلُ إِذَا ارْتَدَّتْ
بوب عليه مقبل في الجامع:
38 – من سب النبي صلى الله عليه وسلم فدمه هدر
20 – محبة أصحابه صلى الله عليه وسلم إياه لإحسانه إليهم وإلى أولادهم وغير ذلك من الخصال الحميدة التي توفرت فيه صلى الله عليه وسلم –
جاء في مسائل الإمام أحمد:
[2444-] قلت: يقتل أحد بشتم أحد؟
قال: إن شتم النبيّ صلى الله عليه وسلم فنعم 2، وأما غير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلا.اهـ
قال المحققون:
نقل شيخ الإسلام ابن تيمية قولا للإمام أحمد رحمه الله فقال: قال الإمام أحمد في رواية حنبل: كل من شتم النبيّ صلى الله عليه وسلم وتنقصه، مسلماً كان أو كافراً، فعليه القتل. قال: وأرى أن يقتل، ولا يستتاب. وقال عبد الله: سألت أبي عمن شتم النبيّ عليه الصلاة والسلام يستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتل، ولا يستتاب، خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يستتبه. هذا مع نصه أنه مرتد إن كان مسلماً، وأنه قد نقض العهد إن كان ذمياً، وأطلق في سائر أجوبته أنه يقتل، ولم يأمر فيه باستتابة، هذا مع أنه لا يختلف نصه ومذهبه: أن المرتد المجرد يستتاب ثلاثاً. الصارم المسلول 300.
وكذا انظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله 431، رقم 1557، وذكر الخلال روايات بهذا المعنى في أحكام أهل الملل ص114-115.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: وحكى آخرون من أصحابنا رواية عن الإمام أحمد أن المسلم تقبل توبته من السب، بأن يسلم، ويرجع عن السب، كذلك ذكر أبو الخطاب في “الهداية” ومن احتذى حذوه من متأخري أصحابنا في ساب الله ورسوله من المسلمين: هل تقبل توبته أم يقتل بكل حال؟ روايتان:
فقد تلخص أن أصحابنا حكوا في الساب إذا تاب ثلاث روايات:
إحداهن: يقتل بكل حال، وهي التي نصروها كلهم، ودل عليها كلام الإمام أحمد في نفس هذه المسألة، وأكثر محققيهم لم يذكروا سواها.
والثانية: تقبل توبته مطلقاً.
والثالثة: تقبل توبة الكافر، ولا تقبل توبة المسلم، وتوبة الذمي التي تقبل إذا قلنا بها أن يسلم، فأما إذا أقلع، وطلب عقد الذمة له ثانياً لم يعصم ذلك دمه، رواية واحدة. الصارم المسلول ص306، وكذا انظر: الهداية للكلوذاني 2/110، والمحرر 2/168، والإنصاف 10/332-333.
وقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن له القتل. الإجماع ص122.
قال الضياء المقدسي:
81 – باب الحكم فيمن يسب النبي صلى الله عليه وسلم وصرح بذلك دون من عَرَّض
6359 – عن الشعبي، عن علي رضي الله عنه: “أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها”.
رواه أبو داود.
6360 – عن عكرمة قال: ثنا ابن عباس “أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المِعْوَل فوضعه في بطنها….
رواه أبو داود وعليك -وهذا لفظه- والنسائي.
6361 – عن أبي برزة قال: “كنت عند أبي بكر فتغيظ على رجلٍ فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل، فأرسل إليَّ، فقال: ما الذي قلت آنِفًا؟ قلت: ائذن لي أن أضرب عنقه. قال: أكنت فاعلاً لو أمرتك؟ قلت: نعم. قال: لا واللَّه، ما كانت لبشر بعد محمد صلى الله عليه وسلم “.
رواه الإمام أحمد وأبو داود -وهذا لفظه- والنسائي.
6362 – عن هشام بن زيد بن أنس، عن أنس قال: “مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: السام عليك. (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك) . قال رسول الله: أتدرون ما (يقول؟) قال: السام عليك. قالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم”.
رواه البخاري.
[السنن والأحكام عن المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام 5/ 535]
قال القرطبي:
… الْخَامِسَةُ- أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ عَرَّضَ أَوِ اسْتَخَفَّ بِقَدْرِهِ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، فَإِنَّا لَمْ نُعْطِهِ الذِّمَّةَ أَوِ الْعَهْدَ عَلَى هَذَا. إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيَّ وَأَتْبَاعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا يُقْتَلُ، مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ، وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ. وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:” وَإِنْ نَكَثُوا” الْآيَةَ. وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَكَانَ مُعَاهِدًا. وَتَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ! فَقَالَ: مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، فَكَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَمْ تَنْتَهِ، وَيَزْجُرُهَا فَلَمْ تَنْزَجِرْ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ذَكَرَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَمَا صَبَرَ سَيِّدُهَا أَنْ قَامَ إِلَى مِعْوَلٍ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهَا حَتَّى أَنْفَذَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَلَا اشْهَدُوا إِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ).
السَّادِسَةُ- وَاخْتَلَفُوا إِذَا سَبَّهُ ثُمَّ أَسْلَمَ تَقِيَّةً مِنَ الْقَتْلِ، فَقِيلَ: يُسْقِطُ إِسْلَامُهُ قَتْلَهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ. بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ إِذَا سَبَّهُ ثُمَّ تَابَ قَالَ الله عز وجل:” قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ” [الأنفال: 38]. وَقِيلَ: لَا يُسْقِطُ الْإِسْلَامُ قَتْلَهُ، قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَبَ لِانْتِهَاكِهِ حُرْمَتَهُ وَقَصْدِهِ إِلْحَاقَ النَّقِيصَةِ وَالْمَعَرَّةِ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ رُجُوعُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالَّذِي يُسْقِطُهُ، وَلَا يَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِنَ المسلم.
[تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن 8/ 83]
قال ابن تيمية:
المسألة الأولى: أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله.
هذا مذهب عليه عامة أهل العلم قال ابن المنذر: “أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي صلى الله عليه وسلم القتل” وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي قال: “وحكي عن النعمان لا يقتل” يعني الذي هم عليه من الشرك أعظم وقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من يسب النبي صلى الله عليه وسلم القتل كما أن حد من سب غيره الجلد وهذا الإجماع الذي حكاه هذا محمول على إجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم يجب قتله إذا كان مسلما وكذلك قيده القاضي عياض فقال: “أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه” وكذلك حكي عن غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره وقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: “أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله عز وجل أو قتل نبيا من أنبياء الله عز وجل: “أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله” قال الخطابي: “لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله” وقال محمد بن سحنون: “أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر”.
وتحرير القول فيه: أن الساب إن كان مسلما فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهوية وغيره وان كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك وأهل المدينة وسيأتي حكاية ألفاظهم وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث.
وقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة قال حنبل: “سمعت أبا عبد الله يقول: “كل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل وأرى أن يقتل ولا يستتاب” قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: “كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا العهد والذمة” وكذلك قال أبو الصفراء: “سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ماذا عليه؟ قال: إذا قامت عليه البينة يقتل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم مسلما كان أو كافرا” رواهما الخلال.
وقال في رواية عبد الله وأبي طالب وقد سئل عن شتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقتل قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم أحاديث منها: حديث الأعمى الذي قتل المرأة قال: سمعتها تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وحديث حصين أن ابن عمر قال: “من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل” وعمر ابن عبد العزيز يقول: “يقتل” وذلك أنه من شتم النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرتد عن الإسلام ولا يشتم مسلم النبي صلى الله عليه وسلم زاد عبد الله: “سألت أبي عمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم يستتاب قال: “قد وجب عليه القتل ولا يستتاب لأن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستتبه” رواهما أبو بكر في الشافي وفي رواية أبي طالب: سئل أحمد عمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يقتل قد نقض العهد” وقال حرب: سألت أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يقتل إذا شتم النبي صلى الله عليه وسلم” رواهما الخلال وقد نص على هذا في غير هذه الجوابات.
فأقواله كلها نص في وجوب قتله وفي أنه قد نقض العهد وليس عنه في هذا اختلاف.
وكذلك ذكر عامة أصحابه متقدمهم ومتأخرهم لم يختلفوا في ذلك إلا أن القاضي في المجرد ذكر الأشياء التي يجب على أهل الذمة تركها وفيها ضرر على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال وهي: الإعانة على قتال المسلمين وقتل المسلم أو المسلمة وقطع الطريق عليهم وأن يؤوي للمشركين جاسوسا وأن يعين عليهم بدلالة مثل أن يكاتب المشركين بأخبار المسلمين وأن يزنى بمسلمة أو يصيبها باسم نكاح وأن يفتن مسلما عن دينه قال: “فعليه الكف عن هذا شرط أو لم يشرط فإن خالف انتقض عهده” وذكر نصوص أحمد في بعضها مثل نصه في الزنا بالمسلمة وفي التجسس للمشركين وقتل المسلم وإن كان عبدا كما ذكره الخرقي ثم ذكر نصه في قذف المسلم على أنه لاينتقض عهده بل يحد حد القذف قال: فتخرج المسألة على روايتين ثم قال: “وفي معنى هذه الأشياء ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي فهذه أربعة أشياء الحكم فيها كالحكم في الثمانية التي قبلها ليس ذكرها شرطا في صحة العقد فإن أتوا واحدة منها نقضوا الأمان سواء كان مشروطا في العهد أو لم يكن” وكذلك قال في الخلاف بعد ذكر أن المنصوص انتقاض العهد بهذه الأفعال والأقوال…
[الصارم المسلول على شاتم الرسول ص3]
قال ابن رسلان:
وفيه: أن سب النبي صلى الله عليه وسلم ارتداد عن الإسلام؛ فيجب قتله سواء كان مازحًا أو جادًّا، وإذا وجب قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم فمن سب اللَّه تعالى أولى بالارتداد ووجوب القتل. واختلفوا في قبول توبة المرتد هل تقبل توبته [أم لا] (1)؛ فقال أبو حنيفة في أظهر الروايتين عنه ومالك وأحمد في أظهر الروايتين: لا تقبل (1).
وقال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة في الروايتين الأخريين عنهما: تقبل توبته، وإذا قبلت توبته فلا يترك حتى يؤدب أدبًا يزجره عن ذلك.
.. (فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم دمها) نقل الإمام أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، وأن أبا بكر الفارسي قال في كتاب “الإجماع”: إنه لو تاب لم يسقط القتل عنه؛ لأن حد قذفه صلى الله عليه وسلم القتل، وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وادعى فيه الإجماع.
ووافقه الشيخ أبو بكر القفال، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه كفر بالسب، فإذا تاب سقط القتل عنه.
وقال الصيدلاني: إذا تاب زال القتل وجلد ثمانين.
قال الإمام: ولا يتجه عندنا إلا مسلكان: أحدهما: ما قاله الفارسي، وهو في نهاية الحسن؛ فإنه متعلق بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تصح التوبة عما يتعلق بحق آدمي، وهذا مراد الفارسي.
والمسلك الآخر: أنه ردة، والتوبة عنه كالتوبة عن الردة، والوقيعة فيه صلى الله عليه وسلم كذكر اللَّه تعالى بالسوء. ثم أشار إلى ضعف قول الصيدلاني (1).
والذي اقتضاه كلام الفارسي وغيره ما نسبه إلى الأستاذ أبي إسحاق، وهو ظاهر المذهب.
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 17/ 248]
قال الإتيوبي في شرحه لسنن النسائي :
(المسألة الثالثة): في فوائده:.
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من سبّ النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهو قتله. (ومنها): أن الذميّ إذا لم يكفّ لسانه عن اللَّه تعالى، أو عن رسوله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ينتقض عهده، فلا ذمّة له. (ومنها): أن من سبّ النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – يُقتلُ، وقد قيل: لا خلاف في أن سابّه من المسلمين يجب قتله، وإنما الخلاف إذا كان ذميًّا، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – كان أحيانًا لا يطلب البينة، بل يحكم بقول المدعي؛ لثبوت صدقه لديه وحيًا، وهذا لا يسع أحدًا غيره، كما سيأتي قول أبي بكر الصديق – رضي اللَّه تعالى عنه – في الباب التالي: “ما كان لأحد بعد محمد – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -“. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من سبّ النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -:
نَقَلَ ابْن الْمُنْذِر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الاتِّفَاق عَلَى أَنَّ مَنْ سَبّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم صَرِيحًا، وَجَبَ قَتْله. وَنَقَلَ أَبُو بَكْر الفَارِسِيّ أَحَد أَئِمة الشَّافِعِيَّة، فِي “كِتَاب الإجْماَع” أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، مِمَّا هُوَ قذفٌ صَرِيح، كَفَرَ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاء، فَلَوْ تَابَ لَمْ يَسْقُط عَنْهُ الْقَتْل؛ لأَنَّ حَدَّ قَذْفه الْقَتْل، وَحَدّ الْقَذْف لا يَسْقُط بِالتَّوْبَةِ. وَخَالَفَهُ القَفَّال، فَقَالَ: كَفَرَ بِالسَّبِّ، فَيَسْقُط الْقَتْل بِالإسْلام. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيّ: يَزُول القَتْل، وَيَجِب حَدّ الْقَذْف. وَضَعَّفَهُ الإمَام. فَإِنْ عَرَّضَ، فَقَالَ الخَطَّابِي: لَا أَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوب قَتْله، إِذَا كَانَ مُسْلمًا.
وقال ابن بطّال -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء فيمن سبّ النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، فأما أهل العهد والذمّة، كاليهود، فقال ابن القاسم، عن مالك: يُقتل من سبّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – منهم، إلا أن يُسلم، وأما المسلم، فيُقتل بغير استتابة. ونقل ابن المنذر عن الليث، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق مثله في حقّ اليهودي ونحوه.
وروي عن الأوزاعيّ، ومالك في المسلم أنها ردّة، يُستتاب منها. وعن الكوفيين: إن كان ذِميًّا عُزِّر، وإن كان مسلما فهي ردّةٌ. وحكى عياضٌ خلافًا، هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح، أو لمصلحة التأليف. ونقل عن بعض المالكيّة أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون: السام عليك؛ لأنهم لم تقُم عليهم البينة بذلك، ولا أقرّوا به، فلم يَقض فيهم بعلمه. وقيل: إنهم لما لم يُظهروه، ولووْه بألسنتهم ترك قتلهم. وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السبّ، بل على الدعاء بالموت الذي لا بدّ منه، ولذلك قال في الردّ عليهم: “وعليكم”، أي الموت نازلٌ علينا وعليكم، فلا معنى للدعاء به. أشار إلى ذلك القاضي عياض. وكذا من قال السأم بالهمز بمعنى السآمة، هو دعاء بأن يملّوا الدين، وليس بصريح في السبّ. وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك، من ذميّ، أو معاهد، فترك لمصلحة التأليف، هل ينتقض بذلك عهده؟ محلّ تأمّل.
واحتجّ الطحاويّ لأصحابه بحديث أنس – رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: مرّ يهودي برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: السامُ عليك، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “وعليك”، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “أتدرون ما يقول؟ “، قال: “السام عليك”، قالوا: يا رسول اللَّه، ألا نقتله؟، قال: “لا، إذا سلّم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم”. رواه البخاريّ. وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَام لَوْ صَدَرَ مِنْ مُسْلِم، لَكَانَ رِدَّة، وَأَمَّا صُدُوره مِنْ اليَهُود، فَالَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الكُفْر، أَشَدّ مِنهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتُلهُم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دِمَاءهُم لَمْ تُحقَن إلا بِالْعَهْدِ، وَلَيْسَ فِي الْعَهْد أَنَّهُم يَسُبُّون النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ سَبَّهُ مِنْهُم، تَعَدَّى الْعَهْد، فَيَنْتَقِض، فَيَصِير كَافِرًا بِلا عَهْد، فَيُهْدَر دَمه، إِلا أَنْ يُسْلِم.
قال في “الفتح”: وَيُؤيِّدهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلّ مَا يَعْتَقِدُونَهُ، لا يُؤَاخَذُون بِهِ، لَكَانُوا لَوْ قَتَلُوا مُسْلمًا، لَمْ يُقْتَلُوا؛ لَأَنَّ مِنْ مُعْتَقَدهمْ حِلَّ دِمَاء الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْلِمًا قُتِلَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُقْتَل بِالْمُسْلِمِ قِصَاصًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَل بِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ، وَلَوْ سَبَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يُقْتَل.
قُلْنَا: الْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ قَتْل الْمُسْلِم، يَتَعَلَّق بِحَقِّ آدَمِيٍّ، فَلَا يُهْدَر، وَأَمَّا السَّبّ فَإِنَّ وُجُوب الْقَتْل بِهِ، يَرْجِع إِلَى حَقّ الدِّين، فَيَهْدِمهُ الإسْلام.
وَالَّذِي يَظْهر، أَنَّ تَرْك قَتْل الْيَهُود إِنَّمَا كَانَ لِمَصْلَحةِ التَّأْليف، أَوْ لِكَوْنِهمْ لَمْ يُعلِنُوا بِهِ، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا، وَهُوَ أَوْلَى، وَاللَّه أَعْلَمُ. انتهى. ما في “الفتح”.
وقال الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: ثبت عنه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى، لمّا قتلها مولاها على السبّ. وقتل جماعة من اليهود على سبّه وأذاه، وأمّن الناس يوم الفتح إلا نفرًا ممن كان يؤذيه، ويهجوه، وهم أربعة رجال، وامرأتان. وقال: “مَن لكعب بن الأشرف؟، فإنه قد آذى اللَّه ورسوله”، وأهدر دمه، ودم أبي رافع. وقال أبو بكر الصّدّيق – رضي اللَّه تعالى عنه – لأبي برزة الأسلميّ – رضي اللَّه تعالى – عنه، وقد أراد قتل من سبّه: ليس لأحد بعد رسول اللَّه – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فهذا قضاؤه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وقضاء خلفائه من بعده، ولا مخالف لهم من الصحابة، وقد أعاذهم اللَّه تعالى من مخالفة هذا الحكم. وقد روى أبو داود في “سننه” عن عليّ – رضي اللَّه تعالى عنه – أن يهوديّة كانت تشتم النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – دمها.
وذكر أصحاب السير والمغازي عن ابن عبّاس – رضي اللَّه تعالى عنهما – قال: هَجَت امرأة النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: “من لي بها؟ ” فقال رجلٌ من قومها: أنا، فنهض، فقتلها، فأُخبر النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال: “لا ينتطح فيها عنزان”. وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاح، وحسان، ومشاهير، وهو إجماع الصحابة – رضي اللَّه تعالى عنهم -.
وقد ذكر حربٌ في “مسائله” عن مجاهد، قال: أتي عمر – رضي اللَّه تعالى عنه – برجل سبّ النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقتله، ثم قال عمر – رضي اللَّه تعالى عنه -: من سبّ اللَّه ورسوله، أو سب أحدًا من الأنبياء، فاقتلوه. ثم قال مجاهد عن ابن عبّاس – رضي اللَّه تعالى عنهما -: أيما مسلم سبّ اللَّه ورسوله، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، فقد كذب برسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، وهي ردّة، يُستتاب منها، فإن رجع، وإلا قُتل، وأيّما معاهد عاند، فسبّ اللَّه، أو سبّ أحدًا من الأنبياء، أو جهر به، فقد نقض العهد، فاقتلوه.
وذكر أحمد عن ابن عمر – رضي اللَّه تعالى عنهما – أنه مرّ به راهب، فقيل له: هذا يسبّ النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، فقال ابن عمر – رضي اللَّه تعالى عنهما -: لو سمعته لقتلته، إنا لم نُعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا. والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة.
وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله. قال شيخنا يعني ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهو محمول على إجماع الصدر الأول، من الصحابة، والتابعين.
قال: وأما تركه – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – قتل من قدح في عدله بقوله: “اعدِل، فإنك لم تعدل”. أخرجه مسلم. وفي حكمه بقوله: “أن كان ابن عمّتك؟ “، متّفقٌ عليه. وفي قصده بقوله: “إن هذه قسمة ما أُريد بها وجه اللَّه”، أو في خلوته بقوله: “يقولون: إنك تنهى عن الغيّ، وتستخلي به). وغير ذلك، فذلك أن الحقّ له، فله أن يستوفيه، وله أن يتركه، وليس لأمته ترك استيفاء حقّه – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. وأيضًا فإن هذا كان في أوّل الأمر، حيث كان – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – مأمورا بالعفو والصفح. وأيضًا فإنه كان يعفو عن حقّه لمصلحة التأليف، وجمع الكلمة، ولئلّا يُنفّر الناس عنه، ولئلّا يتحدّثوا أنه يقتل أصحابه، وكل هذا مختصّ بحياته – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -. انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- هو الحقّ عندي. وحاصله وجوب قتل من سبّه – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – مطلقًا، سواء كان مسلمًا، أو ذميًّا؛ لحديث الباب، وغيره من الأدلة المتقدّمة، ولأنه إجماع الصدر الأول، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 32/ 27]
قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة:
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الْمَقْتُولَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَانَتْ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ؛ إِذْ ظَاهِرُ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا كَانَتْ ذِمِّيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْيَهُودِ إِلَّا ذِمِّيٌّ، فَإِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ وَكُلُّهُمْ مُعَاهِدٌ…..
وَمَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ الْمَأْثُورَةَ وَالسِّيرَةَ كَيْفَ كَانَتْ مَعَهُمْ عَلِمَ ذَلِكَ ضَرُورَةً.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهَا قُتِلَتْ نَشَدَ النَّاسَ فِي أَمْرِهَا، فَلَمَّا ذُكِرَ لَهُ ذَنْبُهَا أَبْطَلَ دَمَهَا، وَهُوَ ﷺ إِذَا حَكَمَ بِأَمْرٍ [عَقِبَ] حِكَايَةِ حَالٍ حُكِيَتْ لَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَحْكِيَّ هُوَ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ حَادِثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبِ حَادِثٍ، وَلَا سَبَبَ إِلَّا مَا حُكِيَ وَهُوَ مُنَاسِبٌ فَيَجِبُ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِ.
وَأَيْضًا فَلَمَّا نَشَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَمْرِهَا ثُمَّ أَبْطَلَ دَمَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْصُومَةً، وَأَنَّ دَمَهَا كَانَ قَدِ انْعَقَدَ سَبَبُ ضَمَانِهِ، وَكَانَ مَضْمُونًا لَوْ لَمْ يُبْطِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً لَمْ يَنْشُدِ النَّاسَ فِيهَا وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهَا وَيُهْدِرَهُ لِأَنَّ الْإِبْطَالَ وَالْإِهْدَارَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِدَمٍ قَدِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَلِهَذَا لَمَّا رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ أَنْكَرَ قَتْلَهَا وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَلَمْ يُبْطِلْهُ وَلَمْ يُهْدِرْهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ بَاطِلًا هَدَرًا، وَالْمُسْلِمُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ دَمَ الْحَرْبِيَّةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بَلْ هُوَ هَدَرٌ لَمْ يَكُنْ لِإِبْطَالِهِ وَإِهْدَارِهِ وَجْهٌ، وَهَذَا – وَلِلَّهِ الْحَمْدُ – ظَاهِرٌ.
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَاهَدَ الْيَهُودَ عَهْدًا بِغَيْرِ ضَرْبِ جِزْيَةٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ أَهْدَرَ دَمَ يَهُودِيَّةٍ مِنْهُمْ لِأَجْلِ سَبِّهِ، فَأَنْ يُهْدِرَ دَمَ يَهُودِيَّةٍ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ وَالْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْمِلَّةِ – لِأَجْلِ السَّبِّ – أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَتْلُهَا جَائِزًا لَبَيَّنَ لِقَاتِلِهَا قُبْحَ مَا فَعَلَ، فَإِنَّهُ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ – كَيْفَ وَقَدْ قَالَ ﷺ:
««إِنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»». وَلَأَوْجَبَ ضَمَانَهَا وَكَفَّارَةَ قَتْلِ الْمَعْصُومِ، فَلَمَّا أَهْدَرَ دَمَهَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا.
وَقَدْ وَهَمَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَمْرِ هَذِهِ الْمَقْتُولَةِ فَقَالَ: «فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ سَابَّ النَّبِيِّ ﷺ يُقْتَلُ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّبَّ مِنْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ارْتِدَادٌ عَنِ الدِّينِ» فَاعْتَقَدَ أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَوْ كَانَتْ مُرْتَدَّةً مُنْتَقِلَةً إِلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقِرَّ سَيِّدَهَا عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا طَوِيلَةً، وَلَمْ يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ نَهْيِهَا عَنِ السَّبِّ، بَلْ كَانَ يَطْلُبُ مِنْهَا الْعَوْدَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالرَّجُلُ لَمْ يَقُلْ: «كَفَرَتْ وَلَا ارْتَدَّتْ» وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُجَرَّدَ السَّبِّ وَالشَّتْمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا زَائِدٌ عَلَيْهِ.
ومن كتاب الحدود عند ابن القيم :
المبحث الأول:
في ردة من سبّ النبي ﷺ
من قواطع الأحكام في الإسلام أن من سبّ النبي ﷺ فهو كافر مرتد، وعقوبته القتل.
وقد حكى ابن القيم رحمه الله تعالى إجماع المسلمين من الصحابة فمن بعدهم.
وهذا إجماع محكي لدى عامة أهل العلم وممن حكاه: الخطابي وابن تيمية
بل قرر ابن سحنون من علماء المالكية: أن من شك في كفر ساب النبي ﷺ وعذابه فهو كافر.
والحكم بردّة ساب النبي ﷺ أمر فطري لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد له، وقد ذكر الله تعالى كفر المستهزئ وهو دون الساب فقال سبحانه (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) . الآية والله أعلم.
الحدود والتعزيرات عند ابن القيم ١/٤٣٧ — بكر أبو زيد