شرح مسلم 2 (20 – كتاب العتق)
بسم الله الرحمن الرحيم.
صحيح مسلم
20 – كتاب العتق
١ – (١٥٠١) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ:
«من أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وإلا فقد عتق منه ما عتق».
(١٥٠١) – وحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. جميعا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ. ح وحدثنا أبو الربيع وأبو كامل. قالا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نمير. حدثنا أبي. حدثنا عبيد الله. ح وحدثنا محمد ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يحيى بْنَ سَعِيدٍ. ح وحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ. ح وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ
—–
قال الخطابي:
في هذا حجة لمن رأى بيع المكاتب جائزاً لأنه إذا كان عبداً فهو مملوك وإذا كان باقياً على أصل الملك لم يحدث لغيره فيه ملك كان غير ممنوع من بيعه، واحتج من أجاز بيعه بأنه لا خلاف أن أحكامه أحكام المماليك في شهاداته وجناياته والجناية عليه وفي ميراثه وحدوده وسهمه إن حضر القتال. وممن ذهب إلى إجازة بيعه إبراهيم النخعي وأحمد بن حنبل وهو قول مالك بن أنس على نوع من الشرط فيه، وكان الشافعي يقول به في القديم ثم رجع أن بيعه غير جائز وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقال الأوزاعى يكره بيع المكاتب قبل عجزه للخدمة، وقال لا بأس أن يباع للعتق.
قلت كل ما أجاز بيعه فإنما أجازه على إثبات الكتابة له فيقوم المشتري مقام الذي كاتبه فيه أن يؤدي إليه عتق.
فأما بيعه على أن يبطل كتابته وهو ماض فيها مؤد ما يجب عليه من نجومه فلا أعلم أحداً ذهب إليه إلاّ أن يعجز المكاتب عن اداء نجومه فيجوز عندئذ بيعه لأنه قد عاد رقيقاً كما كان قبل الكتابة.
وفي قوله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم دليل على أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي نجومه بكمالها لم يكن محكوماً بعتقه وإن ترك وفاء لأنه إذا مات وهو عبد لم يصر حراً بعد الموت ويأخذ المال سيده ويكون أولاده رقيقا له.
وقد روي هذا القول عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل.
واستدل بعضهم في ذلك بأن تلف المبيع قبل القبض يبطل حكم العقد والمكاتب مبيع تلف قبل أن يقبض فيملك نفسه وتزول يد السيد عنه.
وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا إذا ترك المكاتب وفاء بما بقي عليه من الكتابة عتق، وإن ترك زيادة كانت لولده الأحرار، وهو قول عطاء وطاوس والنخعي والحسن وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وقال مالك نحواً من ذلك.
وفيه دليل على أن ليس للمكاتب أن يكاتب عبده لأنه عبد وأداء الكتابة توجب الحرية والحرية توجب الولاء، وليس المكاتب ممن يثبت له الولاء لأن الولاء بمنزلة النسب، وإلى هذا ذهب الشافعي في أحد قوليه، وفي قوله الآخر يجوز له أن يكاتبه لأنه من باب المكاسب وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن نبهان مكاتب لأم سلمة، قال سمعت أم سلمة تقول: قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه.
قال الشيخ: وهذا كالدلالة على أنه إذا مات وترك الوفاء بكتابته كان حراً.
وقد يتأول أيضاً على أنه أراد به الاحتياط في أمره لأنه بعرض أن يعتق في كل ساعة بأن يعجل نجومه إذا كان واجداً لها والله أعلم.
[معالم السنن 4/ 62]
وفي صحيح البخاري
٤٣ – كِتَاب الْعِتْقِ
– ما جاء فِى الْعِتْقِ وَفَضْلِهِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ) [البلد: ١٣ – ١٥]
/ ١ – فيه أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبىُّ، صلى الله عليه وسلم : (أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ … )
قال ابن بطال:
قال المهلب: فى هذا الحديث فضل العتق، وأنه من أرفع الأعمال، ومما ينجى الله به من النار، وفيه أن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال، فجوزى المعتق للعبد بالعتق من النار، وإن كانت صدقة تصدق عليه فى الآخرة، وهذا الحديث يبين أن تقويم باقى العبد على من أعتق شقصًا منه إنما هو لاستكمال عتق نفسه من النار، وصارت حرمة العتق تتعدى إلى الأموال لفضل النجاة به من النار، وهذا أولى من قول من قال: إنما ألزم المعتق باقيه ليكمل حرمة العبد، وتتم شهادته وحدوده، وهو قول لا دليل عليه.
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 7/ 34]
قال الإتيوبي:
وقال النوويّ رحمه الله: قال أهل اللغة: العتق: الحرّيّة، يقال منه: عَتَقَ يَعْتِقُ عِتْقًا، بكسر العين، وعَتْقًا، بفتحها أيضًا، حكاه صاحب “المحكَم”، وغيره انتهى.
هذا من حيث اللغة، وأما شرعًا: فقد فسّره في. “المُغرب”: بالخروج عن المملوكيّة، ووجه مناسبته بمعناه اللغويّ أنه قوّة حكميّة يصير المرء بها أهلًا للشهادة، والولاية، والقضاء.
وقال ابن الهمام رحمه الله في “فتح القدير”: ولا يخفى ما في العَتَاق من المحاسن، فإن الرقّ أثر الكفر، فالعتق إزالة أثر الكفر، وهو إحياء حكميّ لأثر حكميّ لموت حكميّ، فإن الكافر ميتٌ معني، فإنه لَمْ ينتفع بحياته، ولم يذق حلاوتها العليا، فصار كأنه لَمْ يكن له روحٌ، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]؛ أي: كافرًا، فهديناه، ثم أثَر ذلك الكفر الرقّ الذي هو سلب أهليّته لما تأهّل له العقلاء، من ثبوت الولايات على الغير، من إنكاح البنات، والتصرّف في المال، والشهادات، وعلى نفسه، حتى لا يصحّ نكاحه، ولا بيعه، ولا شراؤه – أي: بغير إذن سيّده – وامتنع أيضًا بسبب ذلك عن كثير من العبادات؛ كصلاة الجمعة، والحج، والجهاد، وصلاة الجنائز، وفي هذا كلّه من الضرر ما لا يخفي، فإنه صار بذلك ملحقًا بالأموات في كثير من الصفات، فكان العتق إحياء له معنىً. انتهى.
… وقوله: “وعَتَقَ عليه العبدُ”، “عَتَق” – بفتح العين والتاء -، مبنيًّا للفاعل، واسم الفاعل: عَتِيق، ولا يقال مبنيًّا لما لَمْ يسمَّ فاعله إلَّا بهمزة التعدية، فيقال: أُعتِق، فهو: مُعْتَق.
ويستفاد منه: أن مَن حُكِم عليه بالعتق نُسِب إليه، وإن كان كارهًا، وإذا صحت نسبته إليه ثبتٌ الولاء له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “إنما الولاء لمن أعتق”.
وظاهر هذا الحديث: أن العتق لا يكمل للعبد إلَّا بعد التقويم، ودفع القيمة إلى الشريك، وهو مشهور قول مالك وأصحابه، والشافعيّ في القديم، وبه قال أهل الظاهر، وعليه فيكون حكم المعتق بعضه قبل التقويم والدفع حكم العبد مطلقًا، ولو مات لَمْ يقوَّم على المعتق، ولو أَعتق الشريك نفذ عتقه، وكان الولاء بينهما.
وذهبت طائفة أخرى: إلى أن عتق البعض يسري إلى نصيب الشريك، فيلزم التكميل على الأول إن كان موسرًا، ولا يقف ذلك على تقويم، ولا حكم، ولا دفع، وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن شُبْرمة، ومالك، والشافعيّ في قولهما الآخر.
وعلى هذا فيكون حكم المعتق بعضه حكم الأحرار مطلقًا من يوم العتق، ولو أعتق الشريك لَمْ ينفذ عتقه، ولو مات العبد قبل التقويم ودفع القيمة مات حرًّا.
ومتمسَّك هؤلاء حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قال فيه: “من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصُه في ماله إن كان له مال”، وأظهر من هذا: ما رواه النسائيّ من حديث ابن عمر وجابر رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أعتق عبدًا وله فيه شركاء، وله وفاء فهو حُرٌّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته لِمَا أساء من مشاركتهم”.
قال القرطبيّ: وهذا التمسك ليس بصحيح؛ لما يقتضيه النظر الأصوليّ، وذلك: أن هذه الأحاديث وإن تعدد رواتها، وكثرت ألفاظها؛ فمقصودها كلها واحد، وهو: بيان حكم من أعتق شركًا في عبدٍ، فهي قضية واحدة، غير أن من ألفاظ الرواة ما هو مقيَّد، ومنها ما هو مطلق، فيُحْمَل مطلقها على مقيدها، وقد اتفق الأصوليون على ذلك، فيما إذا اتحدت القضية، وهذا من ذلك النوع المتفق عليه، ثم إن هذا من باب الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى، والجمع أولى من الترجيح إذا أمكن باتفاق أهل الأصول، ثم ظاهر ذلك اللفظ الأول: أنه لو وجد التقويم دون الإعطاء لَمْ يكمل الإعتاق إلَّا بمجموعهما. وهو ظاهر حكاية الأصحاب عن المذهب، غير أن سحنونًا قال: أجمع أصحابنا: على أن من أعتق شقصًا له في عبد أنّه بتقويم الإمام عليه حُرٌّ بغير إحداث حكم، فظاهر هذا: أن نفس التقويم على الموسر موجب للحرية، وإن لَمْ يكن إعطاء، وفيه بُعْدٌ؛ لأن التقويم لو كان محصِّلًا للعتق للزم الشريك أن يتبع ذمة المعتق إذا أعسر بالقيمة بعد التقويم، وذلك لا يتمشى؛ لا على القول بالسِّراية، ولا على مراعاة التقويم فلا على قوله: “وعتق عليه”.
وقوله: “وإلا فقد عتق منه ما عتق” ذكره مالك عن نافع على أنّه من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم، وجزم بذلك، وهو الظاهر من مساق الحديث، فروايته أولى من رواية أيوب عن نافع، حيث اضطرب في ذلك. فقال مرّة: قال نافع: “وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق”، ومرّةً قال: فلا أدري، أشيء قاله نافع، أم هو من الحديث؟ لأن مالكًا جازم غير شاك! وقد تابعه على ذلك جماعة من الحفاظ عن نافع كجرير بن حازم، وعبيد الله، وغيرهما.
وتضمَّن هذا الحديث: أنَّه لا بدَّ من عتق نصيب المعتق وتنفيذه موسرًا كان أو معسرًا. وهو مذهب كافة العلماء، وشذَّ آخرون، فأبطلوا عتق ذلك الشقص إن كان معسرًا. وهو مصادمة للنص المذكور، وكأنَّه راعى حقّ الشريك بما يدخل عليه من الضرر بحرية الشقص، وهو قياس فاسد الوضع؛ لأنه مخالف للنص، ويلزمه على هذا: أن يرفع الحكم بالحديث رأسًا، فإنه مخالف للقياس، حيث حكم الشرع بعتق حصة الشريك، وإخراجها عن ملكه جبرًا، فإن اعتذر عن هذا: بأن الشرع إنما حكم بذلك تعبدًا، أو تشوّفًا للعتق، اعتذرنا بذلك عن تنفيذ عتق الشقص على المعتق المعسر.
وحاصله: أن مراعاة حق الله تعالى في العتق مقدَّمة على مراعاة حقِّ الآدمي، ولا سيما والعتق قد وقع على حصة المعتِق، وما وقع فالأصل بقاؤه.
وظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما وإن اختلفت طرقه، وألفاظه -: أن المعتق إذا كان معسرًا لا يكلَّف العبد السعي في تخليص ما بقي منه، وهو مذهب كافة العلماء ما عدا أبا حنيفة؛ فإنَّه يجبر الشريك في العتق، واستسعاء العبد، متمسِّكًا في ذلك بما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من ذكر الاستسعاء الذي قال فيه: “فإن لَمْ يكن له مالٌ اسْتُسعِي العبد غير مشقوقٍ عليه”.
وقد ردّ علماؤنا ذكر الاستسعاء المذكور في هذا الباب بوجهين:
أحدهما: التأويل، وهو أن قالوا: معناه: أن يُكلَّف المتمسَّك بالرِّق عَبْدَه الخدمة على قدر ملكه، لا زيادة على ذلك، ولفظ الاستسعاء قابل لذلك؛ لأنه استدعاء السعي؛ الذي هو العمل، لكن لماذا؛ هل لحق العتق، أو لحق السَّيد؟ الأمر مُحْتَمِلٌ، ولا نصَّ، غير أن تأويلنا أولى؛ لأنه موافق للقواعد الشرعية، وتأويلهم مخالف لها على ما نبيِّنه إن شاء الله تعالى.
قال القرطبيّ: هذا معنى ما أشار إليه أصحابنا، وقد جاء في كتاب أبي داود ما يبطل هذا التأويل من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: “فإن لَمْ يكن له مال قوِّم العبد قيمة عدلٍ، ثم يُستسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه”.
والوجه الثاني: الترجيح، وهو من أوجه:
الأول: أن سند حديثنا أقرب سندًا من حديثهم، فتطرُّق احتمال الغلط إليه أبعد.
الثاني: أن حديثهم قد رواه شعبة، وهشام، وهمَّام موقوفًا على قتادة من قوله، وفتياه. وحديثنا متَّفقٌ على رفعه، فكان أولى.
والثالث: أن حديثنا معمولٌ به عند أهل المدينة، وجمهور العلماء، وحديثهم إنما عَمِل به أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق، فكيف تخفى سُنَّة على أهل المدينة، وتظهر بالعراق؟! وهذا في الاستبعاد والهذر، كمستبضع التمر إلى هجر.
الرابع: أن حديثهم مخالف للأصول في حق السَيِّد والعبد، أما في حق السيد: فإنه إخراج لملك عن مالك من غير عوض ولا تنجيز عتق جبرًا، وبيانه: أن مدَّة الاستسعاء تفوِّت على السيد منافع عبده، وقد لا يحصل له شيء يعتق به، فتفوت عليه منافع عبده لغير فائدة. وأما في حق العبد: فإن تكليفه السعي ليحصل له العتق في معنى الكتابة، والكتابة لا يجبر عليها العبد إذا لَمْ يطلبها بالاتفاق بيننا وبينه، فالسعي لا يجبر عليه، وأيضًا فإن منع المالك من التصرف في ملكه، وإدخال العبد فيما لا يريده مؤاخذات لهما بسبب جناية غيرهما الذي هو المعتق، ومن الأنسب الأحرى: أن لا تزر وازرة وزر أخرى، فقد ظهر بهذه الأوجه: أن حديث ابن عمر أولى وأوجه… انتهى النقل عن الاتيوبي
بينما قال المازري:
وتعلق مالك في نفي الاستسعاء بقوله في طريق ابن عمر: “وَإلَاّ فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ ما عتق” وظاهر هذا نفي الاستسعاء. وتعلق أبو حنيفة برواية أبي هُريرة في الاستسعاء. وقد قال بعض أصحابنا: إنها زِيَادَةٌ من كَلَامِ قتادة تلبَّس على بعض الرواة فأضافها إلى نفس الحديث. وقد ذكر ابن المُنْذر ما يُصَحَّح مَا قالَهُ أصحابنا. وذكر في سند الحديث عن بعض رواته قال: وَكَان يُفْتِي قَتَادَةُ. وذكر الاستسعاء على أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: “يستسعى العبد في نصيبه الذي لم يعتق”، أي يَخْتَدِمه بقدر نصيبه لئلَاّ يظن أنه يحرم استخدامه وإن كان قد وقع في بعض الروايات الاستسْعَاء في القيمة. وهذه الرواية تمنع هذا التأويل.
وقال بعض أصحابنا: لعلّ الراوي نقل بالمعنى، ولما سمع الاستسعاء في النصيب عبر عنه بالقيمة على ما فهم، وهذا عندي لا يعول عليه لأنه سوء ظن بالرواة، وتطريق إلى إفساد أكثر الأحاديث. وقد قالوا أيضًا هُمْ في تأويل الحديث الذي تعلقنا به: إن قوله: “وإلا فقد عُتق منه ما عتق” أنَّهُ أراد أن العتق بَرَدَ واستقر وإن تعذر الاستكمال لا يرفع ما وقع فيه والذي قالوه يحتمل، وإنما يبقى النظر فيما قلناه: هو الأظهر من المحتملات؟ والظواهر يقع بها الترجيح بعضها على بعض. وقد نبَّهْنَا على ما في روايتهم من الاحتمال وما في روايتنا ولم يبق إلَاّ التمسك بالأظهر.
وفي غير كتاب مسلم: “عن جابر أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: من أعْتَقَ عَبْدًا لَهُ شُرَكَاءُ وَلَهُ وَفَاء فَهْوَ حُرٌّ وَيَضْمَنُ نَصِيب شُرَكَائِهِ بِقِيمَتِهِ لما أسَاءَ مِنْ مُشَارَكتِهِمْ وَلَيْسَ عَلَى العبد شيء”.
وفي هذا الحديث ثلاثُ فوائد: العتق بالسراية لقوله: “فهو حرّ”، والتعليل بحق الشريك لقوله: “لما أساء من مشاركتهم”، ونفي السعاية لقوله: “وليس على العبد شيء”.
[المعلم بفوائد مسلم 2/ 220]
قلت سيف وفي تخريجنا لسنن أبي داود :
4 – باب فِيمَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ.
3935 – حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ – الْمَعْنَى – أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ – قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ – عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ غُلاَمٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ ». زَادَ ابْنُ كَثِيرٍ فِى حَدِيثِهِ فَأَجَازَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- عِتْقَهُ.
أعله الإمام أحمد والنسائي وراجع كتاب(منهج الإمام أحمد في إعلال الحديث 1/443) وأحاديث معله رقم 11، وذكر أن الصواب؛ ما رواه البخاري 2492 من حديث أبي هريرة مرفوعا( من أعتق شقصا له من عبد… وإلا عتق منه ما عتق ) ورواه مسلم 1503 وهذا خطأ طباعي فحديث أبي هريرة في البخاري ومسلم فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى غير مشقوق عليه.
أما الرواية التي نقلها الشيخ فهي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
3936 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ غُلاَمٍ فَأَجَازَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- عِتْقَهُ وَغَرَّمَهُ بَقِيَّةَ ثَمَنِهِ.
صححه الشيخ الألباني
3937 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ سُوَيْدٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالاَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ أَعْتَقَ مَمْلُوكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ ». وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ سُوَيْدٍ.
قال الألباني : صحيح.
ورواية شعبه في مسلم 1502
3938 – حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِى أَبِى ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ سُوَيْدٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِى مَمْلُوكٍ عَتَقَ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ». وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُثَنَّى النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ سُوَيْدٍ.
قال الألباني : صحيح.
5 – باب مَنْ ذَكَرَ السِّعَايَةَ فِى هَذَا الْحَدِيثِ.
3939 – حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبَانُ – يَعْنِى الْعَطَّارَ – حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا فِى مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلاَّ اسْتُسْعِىَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ».
أخرجه البخاري 2492، ومسلم 1503
أعله بذكر الإستسعاء؛ الشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد، وسليمان بن حرب، وابن المنذر، والبيهقي، والدارقطني، وابوبكر النيسابوري، والحاكم، وابوعمر بن عبد البر، وابن القصار، والأصيلي، والخطابي، والإسماعيلي، وابن العربي، والقاضي عياض، والأمام مسلم حيث؛ لما ذكر الإمام مسلم تعليل الإستسعاء في حديث ابن عمر؛ في كتابه التمييز؛ قال:فعلم أن الإستسعاء ساقط عن العبد.
بل نقل عنه أبو العباس الداني؛ أنه علل حديث أبي هريرة في التمييز راجع( التمييز ص244) دار الآفاق
وممن صححه البخاري في آخرين
وراجع عون المعبود، وتهذيب السنن لابن القيم
3940 – حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ – يَعْنِى ابْنَ زُرَيْعٍ – ح وَحَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ – وَهَذَا لَفْظُهُ – عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ – أَوْ شَقِيصًا لَهُ – فِى مَمْلُوكٍ فَخَلاَصُهُ عَلَيْهِ فِى مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِىَ لِصَاحِبِهِ فِى قِيمَتِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِى حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا « فَاسْتُسْعِىَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ».
وَهَذَا لَفْظُ عَلِىٍّ.
راجع الحديث السابق
3941 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى وَابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى عَرُوبَةَ لَمْ يَذْكُرِ السِّعَايَةَ وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ وَمَعْنَاهُ وَذَكَرَا فِيهِ السِّعَايَةَ.
قال الاتيوبي :
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): أن من أعتق نصيبه من عبد قُوّم عليه باقيه إذا كان موسرًا بقيمة عدل، سواء كان العبد مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان الشريك مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان العتيق عبدًا، أو أمةً، ولا خيار للشريك في هذا، ولا للعبد، ولا للمعتِق، بل يَنْفُذ هذا الحكم، وإن كرهه كلهم؛ مراعاةً لحقّ الله تعالى في الحرية، وأجمع العلماء على أن نصيب المعتق يَعْتِق بنفس الإعتاق إلَّا ما حكاه القاضي عن ربيعة أنه قال: لا يَعتق نصيب المعتِق موسرًا كان، أو معسرًا، قال النوويّ: وهذا مذهب باطلٌ، مخالف للأحاديث الصحيحة كلّها، والإجماع. انتهى.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله: فيه أن من ملك حِصّةَ من عبد فأَعتق تلك الحصة التي يملكها، فكان موسرًا بقيمة الباقي عَتَق عليه جميع العبد، وقُوِّمت عليه حصة شريكه، فدَفَع إليه ثمنها، وصار هو منفردًا بولاء العبد، ثم هل يَعتِق حصة شريكه عليه في الحال، أو لا يَعتق إلَّا بأداء القيمة؟ لفظ هذه الرواية مُحْتَمِل؛ لأنه ذكر إعتاق جميع العبد معطوفًا على التقويم، وإعطاء الشريك حصته بالواو التي لا دلالة لها على الترتيب.
ورواية أيوب السَّختيانيّ عن نافع، عن ابن عمر، تقتضي العتق في الحال، فإن لفظها في “صحيح البخاريّ”: “من أعتق نصيبًا له في مملوك، أو شركًا له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل، فهو عتيق”، ورواية سالم، عن أبيه، تقتضي أنه لا يَعْتِق إلَّا بأداء القيمة، فإن لفظها: “فإن كان موسرًا، قُوِّم عليه، ثم يَعْتِق”، فرَتَّب العتق على التقويم بـ “ثُمَّ”، لكن قد يقال: لا يلزم من ترتيبه على التقويم ترتيبه على أداء القيمة، فإن التقويم معرفة قيمته، ثم قد يدفع القيمة، وقد لا يدفعها، وإن لَمْ يكن موسرًا بقيمة الباقي عَتَق عليه ذلك القدر خاصّةً، واستَمَرَّ الباقي على رِقِّه.
وقد اختَلَفَ العلماء في هذه المسألة على أقوال، يأتي تحقيقها في “المسألة التالية – إن شاء الله تعالى -.
2 – (ومنها): أن قوله: “من أَعتق شركًا” بكسر الشين، هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: “شِقْصًا”، وهو بكسر الشين أيضًا، ويقال: الشَّقِيص أيضًا بزيادة ياء، وهو النصيب قليلًا كان أو كثيرًا، والشرك في الأصل مصدر أُطلق على مُتَعَلَّقه، وهو المشترَك، ولا بُدّ من إضمارٍ؛ أي: جزءًا مشترَكًا؛ لأن المشترَك في الحقيقة الجملة، وأُخرج به ما إذا كان مالكًا لعبد بكماله، فأَعتق بعضه، فإنه يَعتق جميعه مطلقًا؛ لمصادفة العتق ملكه، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة: يُستسعَى في بقيته لمولاه، كما قال في المشترَك، وخالفه الناس في ذلك حتى صاحباه، وذكر النووي أن العلماء كافّةً على الأول، وانفرد أبو حنيفة بقوله، ثم قال: وحَكَى القاضي عياض أنه رُوي عن طاوس، وربيعة، وحماد، ورواية عن الحسن كقول أبي حنيفة، وقاله أهل الظاهر، وحُكي عن الشعبيّ، وعبد الله بن الحسن العنبريّ أن للرجل أن يُعتق من عبده ما شاء. انتهى.
قال وليّ الدين: وفيما نقله عن أهل الظاهر نظر، فقد قال ابن حزم بعتق الجميع فيما إذا كان كله مملوكًا له، كقول الجمهور، ولم يَنْقُل عن أحد من أصحابهم ما يخالفه، وقال: ما نعلم لأبي حنيفة متقدمًا قبله.
3 – (ومنها): خرج بقوله: “أَعْتَق” ما إذا أُعتق عليه قهرًا بأن وَرِث بعض من يَعتق عليه بالقرابة، فإنه يَعتق ذلك القدر خاصّةً، ولا سراية، قال وليّ الدين: وبهذا صرّح الفقهاء من الشافعيّة وغيرهم، وعن أحمد رواية بخلافه.
وخرج به أيضًا ما إذا أوصى بإعتاق نصيبه من عبد بعد موته، فإنه يَعتق ذلك القدر، ولا سراية، وذلك لأن المال ينتقل إلى الوارث، ويصير الميت معسرًا، بل لو كان كلّ العبد له، فأوصى بإعتاق بعضه أعتق ذلك البعض، ولم يَسْر، وبهذا قال الجمهور، وعند المالكية قول أنه يُقَوَّم في ثلثه، ويُجعل موسرًا بعد الموت.
4 – (ومنها): قال وليّ الدين رَءإَلئهُ: قوله: “فكان له مال يبلغ ثمن العبد” أي: ثمن بقية العبد، أما حصته فهو موسر بها؛ لملكه لها، فيَعتق على كلّ حال، قال أصحابنا وغيرهم: ويصرف في ثمن بقية العبد جميع ما يباع في الدَّين، فيباع مسكنه، وخادمه، وكل ما فضل عن قوت يومه، وقوت من تلزمه نفقته، ودست ثوب يلبسه، وسكنى يوم، وقال أشهب من المالكية: يباع من الكسوة ما فَضَل عما يواريه لصلاته. انتهى.
5 – (ومنها): أنه لو كان له مال لكنه لا يبلغ ثمن بقية العبد، فهل يَعتق من بقية العبد بقدر ما يملك، أو لا يَعتق من بقيته شيء؟ قال بعض الشافعية: لا يسري لأنه شيء لا يفيد الاستقلال في ثبوت أحكام الأحرار، وقال أكثرهم: إنه يسري إلى القدر الذي هو موسر به؛ تنفيذًا للعتق بحسب الإمكان، قال وليّ الدين: وهذا الثاني هو الأصح، وعليه نصّ الشافعيّ في “الأمّ”، وهو مذهب المالكية. انتهى.
6 – (ومنها): أن قوله: “قُوِّم عليه قيمة العدل، بفتح العين؛ أي: بلا زيادة ولا نقص، وهو معنى قوله في رواية سالم، عن أبيه: “ولا وَكْس، ولا شَطَط”، و”الوَكْس”، بفتح الواو، وإسكان الكاف، وبالسين المهملة: النقص، و”الشَّطَطُ”، بفتح الشين المعجمة، بعدها طاء مهملة، مكرّرة: الْجَوْر، وفيه إثبات التقويم، والأخذ بما يقوله أهل المعرفة بالقيمة، وإن كان ظنًّا، وتخمينًا، مع أن أصل الشهادة أن يكون باليقين، لكن اغتُفِر ذلك في التقويم؛ للضرورة، قاله وليّ الدين رحمه الله.
7 – (ومنها): أنه استَدَلّ به ابن عبد البر على أن من أَتْلَف شيئًا من الحيوان، أو العُروض التي لا تكال، ولا توزن فعليه قيمته، لا مثله، قال: وبه قال مالك، وأصحابه، قال: وذهب جماعة من العلماء، منهم الشافعيّ، وداود إلى أن القيمة لا يُقضَى بها إلَّا عند عدم المثل، قال وفي الدين: وما حكاه عن الشافعيّ، من ضمان المتلَف الذي لا يكال، ولا يوزن بالمثل مردود، فلم يقل الشافعيّ بذلك، وإنما ضمنه بالقيمة، كما دلّ عليه هذا الحديث، وإنما أوجب أصحابنا الضمان بالمثل، ولو سورة في القرض، فأما في باب الإتلافات فلا، والله أعلم. انتهى.
8 – (ومنها): أن قوله: “فأَعطَى شركاءَهُ حصَصَهم”؛ أي: إن كان له شركاء، فإن كان له شريك واحد أعطاه جميع ثمن الباقي، أو شريكان أعطاهما، والعطية هنا على قدر الملك بلا شكّ، فلو كان للمعتق النصف، وهو موسر بالباقي، وله شريكان لأحدهما الثلث، وللآخر السدس، كان المدفوع بينهما أثلاثًا، وإنما اختلف المالكية في عكس ذلك، وهو أن يُعتق كلّ من صاحب الثلث والسدس حصته، وهما موسران، فهل يُقَوَّم عليهما نصيب صاحب النصف بالسوية، أو يكون ذلك على قدر الحصص، حتى يكون التقويم عليهما أثلاثًا؟ والصحيح عندهم الثاني، والخلاف عند الحنابلة، والصحيح عندهم الأول، وهو نظير الخلاف في الشفعة، إذا كانت لاثنين، هل يأخذانها بالسوية، أو على قدر الملك؟ والخلاف في ذلك مشهور، والصحيح عند الكلّ أنه على قدر الملك، والله أعلم. انتهى.
9 – (ومنها): أن ظاهره أنه لا فرق في ذلك بين الصحيح، والمريض، ولو مَرَضَ الموت؛ بناءً على العموم في الأحوال، وهو المعتمد، وبه قال الشافعية، إلَّا أنهم خصوه في مرض الموت بما إذا وسعه الثلث؛ لأن تصرف المريض في الثلث كتصرف الصحيح في جميع المال، وعن أحمد وابن الماجشون أنه لا تقويم في المرض.
10 – (ومنها): أن ظاهره أيضًا أن لا فرق بين أن يكون المعتق والشريك والعبد مسلمين، أو كفّارًا، أو بعضهم مسلمين، وبعضهم كفارًا، وبه قال الشافعية، وعند الحنابلة وجهان فيما لو أعتق الكافر شركًا له في عبد مسلم، هل يسري عليه، أم لا؟ وقال المالكية: إن كانوا كفارًا فلا سراية، وإن كان المعتق كافرًا دون شريكه، فهل يسري عليه أم لا؟ فيما إذا كان العبد مسلمًا دون ما إذا كان كافرًا، ثلاثة أقوال، وإن كانا كافرين، والعبد مسلمًا، فروايتان، وإن كان المعتق مسلمًا سرى عليه بكل حال.
11 – (ومنها): أن ظاهره أيضًا يتناول ما إذا تعلق بمحل السراية حقٌّ لازم، بأن يكون نصيب الشريك مرهونًا، أو مكاتبًا، أو مدبرًا، أو مستولدًا، بأن استولدها، وهو معسر، وفي ذلك عند الشافعية خلاف، قال وليّ الدين: والأصح عندهم السراية في المرهون، والمكاتب، والمدبر، دون المستولدة؛ لعدم قبولها نقل الملك. انتهى.
12 – (ومنها): أن ظاهره أيضًا أنه لا فرق بين عتقٍ مأذونٍ فيه، وغير مأذون فيه، وقال الحنفية: لا ضمان في الإعتاق لمأذون فيه، كما لو قال لشريكه: أعتق نصيبك.
13 – (ومنها): أنه لا فرق بين الإعتاق بالتنجيز، والتعليق بالصفة مع وجودها، فإن مجموعهما كالتنجيز، واختَلَف المالكية في العتق إلى أجل، فقال مالك، وابن القاسم: يُقَوَّم عليه، فيعتق إلى أجل، وقال سحنون: إن شاء المتمسك قوّمه الساعة، فكان جميعه حرًّا إلى سنة مثلًا، وإن شاء تماسك، وليس له بيعه قبل السنة إلا من شريكه، وإذا تمّت السنة قُوِّم على مبتدئ العتق عند التقويم.
14 – (ومنها): أن قوله: “فكان له مالٌ” يقتضي اعتبار ذلك حالة العتق، حتى لو كان معسرًا حالة الإعتاق، ثم أيسر بعد ذلك لم يَسْرِ عليه، وهو كذلك.
15 – (ومنها): أنه لا فرق في السراية فيما إذا ملك قيمة الباقي، بين أن يكون عليه دين بقدر ذلك أم لا، وهو الأظهر من قولي الشافعيّ، وبه قال أكثر أصحابه، والخلاف في ذلك كالخلاف في أن الدَّين هل يمنع الزكاة أم لا؟ قاله وليّ الدين رحمه الله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من أعتق شركًا له في عبد:
(اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على أقوال:
[أحدها]: أنه يعتق جميعه في الحال، فيما إذا كان المعتِق موسرًا بقيمة الباقي، قال وليّ الدين رحمه الله: وهذا أصح الأقوال في مذهب الشافعيّ، وبه قال أحمد، وإسحاق، وبعض المالكية، وذكر ابن حزم أن أحمد وإسحاق سكتا عن المعسر، فما سمعنا عنهما فيه لفظة، قال أصحابنا – يعني الشافعيّة -: ولو أعسر المعتق بعد ذلك استمرّ نفوذ العتق، وكانت القيمة دينًا في ذمته، ولو مات أُخذت من تركته، فإن لم يكن له تركة ضاعت القيمة، واستمرّ عتق جميعه، قالوا: ولو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه، كان إعتاقه لغوًا؛ لأنه قد صار كله حرًّا.
[القول الثاني]: كالذي قبله إلا أنه لا يَعتِق إلا بدفع القيمة، فلو أعتق الشريك حصته قبل أن يدفع المعتِق القيمة نفذ عتقه، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وهو قول للشافعيّ، وبه قال أهل الظاهر، كما حكاه النوويّ في “شرح مسلم”، قال وليّ الدين: وفيه نظرٌ، فإن ابن حزم منهم قال بالأول، فيما إذا كان موسرًا، وقال ابن حزم بعد نقله هذا القول عن مالك بزيادة تفاريع: ما نعلم هذا القول لأحد قبله.
[الثالث]: أنه إن كان المعتِق موسرًا يُخَيَّر شريكه بين ثلاث أمور: إن شاء استسعى العبد في نصف قيمته، وإن شاء أعتق نصيبه، والولاء بينهما، وإن شاء قَوَّم نصيبه على شريكه المعتِق، ثم يرجع المعتِق بما دفع إلى شريكه على العبد يستسعيه في ذلك، والولاء كله للمعتِق، وبهذا قال أبو حنيفة، كما حكاه النوويّ في “شرح مسلم”، قال وليّ الدين: لكن الذي في كتب أصحابه، ومنها “الهداية” فيما إذا كان المعتِق معسرًا يخير الشريك بين استسعاء العبد، وبين إعتاق نصيبه، وكذا حكاه عنه ابن حزم الظاهريّ، فهذا [قول رابع].
وقال ابن حزم بعد نقله عنه: ما نعلم أحدًا من أهل الإسلام سبقه إلى هذا التقسيم.
[الخامس]: أنه إن كان موسرًا عَتَق عليه جميعه بنفس الإعتاق، ويُقَوَّم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم الإعتاق، فإن كان معسرًا استُسْعِي العبد في حصة الشريك، وبهذا قال ابن شُبْرُمة، والأوزاعيّ، والثوريّ، وابن أبي ليلى، والحسن بن حييّ، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق ابن راهويه، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، ورُوي عن سعيد بن المسيِّب أنه حكاه عن ثلاثين من الصحابة، ولم يصح عنه، وحكاه ابن حزم عن أبي الزناد، وابن أبي ليلى، وأنهما قالا: سمعنا أن عمر بن الخطاب تكلم ببعض ذلك، وعن سليمان بن يسار أنه قال: جرت به السنة، وإبراهيم النخعيّ، وحماد بن أبي سليمان، والشعبيّ، والحسن البصريّ، والزهريّ، وابن جريج.
ثم اختَلَف هؤلاء، فقال ابن شُبْرُمة، وابن أبي ليلى: يرجع العبد على معتِقِه بما أَدَّى في سعايته، وقال أبو حنيفة، وصاحباه: لا يرجع، فهذا [مذهب سادس].
ثم هو عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتب، وعند الآخرين هو حُرٌّ بالسراية، فهذا [مذهب سابع].
[الثامن]: أنه يَنْفُذ عتقه في نصيبه، ولا شيء عليه لشريكه، إلا أن يكون جارية رائعة، تراد للوطء، فيَضْمَن ما أَدْخَل على شريكه فيها من الضرر، وهذا هو قول عثمان الْبَتِّيّ.
[التاسع]: أنه يَعتق الكل، وتكون القيمة في بيت المال، وهذا محكيّ عن قول ابن سيرين، وذكر النوويّ أن هذين القولين فاسدان، مخالفان لصريح الأحاديث، مردودان على قائلهما.
[العاشر]: أن هذا الحكم للعبد دون الإماء، وهذا محكيٌّ عن إسحاق ابن راهويه، قال النوويّ: وهذا القول شاذ مخالف للعلماء كافةً. انتهى.
قال وليّ الدين رحمه الله: وقد عرفت فيما تقدم أن في “صحيح البخاري” ذكر الأئمة في هذا الحكم في فتوى ابن عمر، وفي آخره يخبر ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فصار ذلك مرفوعًا، ورَوَى الدارقطنيّ من رواية عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، عن الزهريّ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان له شريك في عبد، أو أمة، فأعتق نصيبه، فإن عليه عتق ما بقي في العبد والأمة، من حصص شركائه، تمام قيمة عدل، ويؤدي إلى شركائه قيمة حصصهم، وَيَعتِق العبد والأمة، إن كان في مال المعتِق بقيمة حصص شركائه”، ورواه الدارقطنيّ أيضًا من رواية صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في العبد والأمة … الحديث.
وأيضًا فقد ذكر ابن حزم وغيره أن لفظ العبد في اللغة يتناول الأمة، فلا يُحتاج إلى التصريح بذكرها، وأصرح من ذلك في تناول الأمة لفظ الرواية الأخرى: “من أعتق شِرْكًا له في مملوك”، وهي في “الصحيحين”، بل لو لم يتناولها لفظ العبد، ولا المملوك، ولا وَرَدَ فيها نصّ بخصوصها، فإلحاقها في ذلك بالعبد من القياس الجليّ الذي لا يُنكَر.
قال إمام الحرمين: إدراك كون الأمة فيه كالعبد حاصل للسامع قبل التفطن لوجه الجمع.
[الحادي عشر]: أنه يُقَوَّم على المعتِق، وَيَعتِق عليه كله مطلقًا، فإن كان موسرًا أُخذت منه القيمة في الحال، وإن كان معسرًا أدى القيمة إذا أيسر، وبهذا قال زُفَرُ، وبعض البصريين.
وحَكَى ابن حزم إطلاق تضمين المعتق عن عمر، وابن مسعود، وعروة بن الزبير، وقال: إنه لا يصح عن عمر، وابن مسعود.
وحَكَى ابن العربيّ: الإجماع على أنه لا يُقَوَّم على المعسر.
[الثاني عشر]: أنه إن كان موسرًا قُوِّم عليه نصيب شريكه، وإن كان معسرًا بطل عتقه في نصيبه أيضًا، فبقي العبد كله رقيقًا كما كان، حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء، وقال النوويّ: إنه مذهب باطل.
[الثالث عشر]: أنه لا يعتق نصيب المعتق موسرًا كان أو معسرًا، وبهذا قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال النوويّ: وهذا مذهب باطلٌ مخالفٌ للأحاديث الصحيحة كلها، وللإجماع.
[الرابع عشر]: أنه ينفذ عتق من أعتق، ويبقى الشريك الآخر على نصيبه، يفعل فيه ما شاء، حكاه ابن حزم عن عمر بن الخطاب، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والزهريّ، ومعمر، وربيعة.
[الخامس عشر]: أن شريكه بالخيار، إن شاء أعتق، وإن شاء ضَمَّن المعتِق، حكاه ابن حزم عن سفيان الثوريّ، والليث بن سعد، وعن عمر رضي الله عنه، إلا أنه قال: إنه لا يصح عنه، إنما الصحيح عنه ما تقدم، وهذا قريب مما تقدم عن أبي حنيفة، إلا أن ذاك فيه زيادة خصلة ثالثة، وهي استسعاء العبد.
[السادس عشر]: أن العبد يُسْتَسْعَى في الباقي موسرًا كان المعتق، أو معسرًا، ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، وقال ابن جريج: هذا أول قولي عطاء، رجع إلى ما ذكرت عنه قبلُ.
[السابع عشر]: أنه إذا كان المعتق معسرًا، فأراد العبد أخذ نفسه بقيمته، فهو أولى بذلك، ذكره عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي يزيد. ذكر هذه المذاهب وليّ الدين العراقيّ في “شرح التقريب”.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي ترجيح المذهب الأول؛ لموافقته ظاهر النصّ، وأما بقية الأقوال، فلا يخفى بُعدها عنه في وجه ما، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 447]
تنبيه : قلت سيف بن دورة :
قال في الإسعاف :
(٢٦) حديث: (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه).
(ضعيف)
أخرجه أبو داود مع العون (٤١٠٦)، والترمذي (٢٩٤٠)، وأحمد في «المسند» (٢٦٥٣٧)، والطحاوي في«مشكل الآثار» (١/ ٢٦٥) رقم (٢٨٨) والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٩١)، والبغوي في «شرح السنة» (٥/ ٢٠) عن أم سلمة قالت: كنت أنا وميمونة عند النبي ﷺ إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال ﷺ: احتجبا منه فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ: (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟).
قلت: هذا إسناد ضعيف علته: نبهان، وهو المخزومي أبو يحيى المدني مولى أم سلمة مجهول. كما قال ابن حزم ونقله عنه الذهبي في «المغني» (٢/ ٦٦٤) وأقره.
ولم يرو عنه سوى الزهري ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة.
وقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين يعني هذا الحديث وحديث: (إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه).
وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يُعرف إلا برواية الزهري عنه.
إسعاف الأخيار بما اشتهر ولم يصح من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار ١/١١٨
قال صاحبنا ابوصالح حازم :
نقل الألباني في الضعيفة 12/900 عن الشيخ منصور البهوتي من كتابه شرح منتهى الإرادات هذا النص
ووجدته في المصدر المذكور 2/626من الشاملة
لكن الإمام أحمد لم يقل حديثين إنما قال : روى حديثا عجيبا