سنن الترمذي:بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ العَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ
668 – حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهَمْدَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ»
—–
قال السندي:
- قوله: “حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ”، أي: بالتَّصَدُّقِ والهِبَةِ ليقاتلَ.
- قوله: “وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا … ” إلخ، أي: فالعَوْدُ إلى الصَّدَقة باختياره مكروهٌ عندهم، وأما حُصُوْلُها. ومجيئُها بغير اختيارِه كما هو فِي صُوْرةِ الإرثِ فلا كراهةَ فيه، ولا كراهةَ في إبْقَائِها بعدَ ذلك.
[حاشية السندي على سنن الترمذي 1/ 579]
قال صاحب تحفة الأحوذي:
قال بن الملك ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر الحديث والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح المتصدق في الثمن بسبب تقدم إحسانه فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح انتهى
فإن قلت هذا الحديث يعارضه حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا لا تحل الصدقة إلا لخمسة لعامل عليها أو رجل اشتراها بماله الحديث فكيف الجمع بينهما قلت جمع بينهما مجمل حديث الباب على كراهة التنزيه
وقال الشوكاني الظاهر أنه لا معارضة بين هذين الحديثين فإن حديث عمر في صدقة التطوع وحديث أبي سعيد في صدقة الفريضة فيكون الشراء جائزا في صدقة الفريضة لأنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبها له بخلاف صدقة التطوع فإنه يتصور الرجوع فيها فكره ما يشبهه وهو الشراء انتهى
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم
[تحفة الأحوذي 3/ 273]
قال الهرري:
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل الذي يتصدق، ثم يرجع في صدقته مثل الكلب يقيء، ثم يرجع) إلى قيئه (فيأكل قيئه) في القبح والاستقذار؛ أي: سمعمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما (مثل) وصفة (الذي يتصدق) بصدقة واجبة أو مندوبة (ثم يرجع) ويعود (في صدقته) بمعاوضة أو باتهاب؛ يعني: بملك اختياري؛ كـ (مثل) وصفة (الكلب يقيء) أي: يخرج ما في جوفه (ثم) بعدما أخرجه (يرجع) إلى قيئه (فيأكل قيئه) أي: يأكل ما أخرجه من جوفه؛ يعني: كمثل الكلب أكل أولًا حتى إذا شبع .. أخرج ما أكله، فيأكل ما أخرجه مرّة ثانية في الاستقذار والقبح والعيافة المنفرة من ذلك، لا أنه يحرم العود في القيء إلَّا أن يتغير، فحينئذ يحرم؛ لكونه نجسًا لا لكونه قيئًا.
فالحديث يدلُّ على النهي عن العود في الصدقة، واختلف هل هذا النهي للتحريم؛ لظاهر الحديث؛ كما قاله ابن المواز من المالكية، أو للكراهة؛ كما قاله الداوودي. انتهى من “المفهم” باختصار.
قال القرطبي: إن كان المراد بالهبة: الصدقة؛ كما جاء في هذين الحديثين المذكورين .. فقد تكلمنا عليها، وإن كان المراد مطلق الهبة .. فهي مخصوصة؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب، وهبة أحد الأبوين، فأما هبة الثواب .. فقد قال بها مالك وإسحاق والطبري والشافعي في أحد قوليه؛ إذا علم أنه قصد الثواب إما بالتصريح به، وإما بالعادة والقرآئن؛ كهبةِ الفقيرِ للغنيِّ والرجل للأمير، وبها قال أبو حنيفة إذا شرط الثواب، وكذلك قال الشافعي في القول الآخر، وقد روي عنهما وعن أبي ثور منعها مطلقًا، ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل.
والأصل في جواز هبة الثواب ما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من وهب هبة .. فهو أحق بها ما لَمْ يُثَبْ منها” رواه الدارقطني (3/ 42)، وقال: رواته كلهم ثقات، والصواب: عن ابن عمر عن عمر، وما أخرجه مالك عن عمر أنه قال: من وهب هبة لصلة الرحم أو على وجه الصدقة .. أنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب .. فهو على هبته يرجع فيها ما لَمْ يرض منها، وما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ناقة، فعوضه ست بكرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر: “إن رجالا من العرب يُهدي أحدُهم الهديةَ فأُعوِّضه منها بقدرِ ما عندي، فيظلُّ يتسخَّطُ عليَّ، وأيم الله؛ لا أقبلُ بعدَ يومي هذا من رجل من العرب إلَّا مِن قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي”. رواه الترمذي (3945)، وهذا الحديث وإن لَمْ يكن إسناده بالقوي .. فيعضده كلّ ما تقدم، وما حكاه مالك؛ من أن هبة الثواب مجمع عليها عندهم، وكيف لا تجوز وهي معاوضة تشبه البيع في جميع وجوهه إلَّا وجهًا واحدًا؛ وهو أن العوض فيها غير معلوم حالة العقد؟ !
وإنما سامح الشرع في هذا القدر؛ لأنهما – يعني: المتعاقدين – دخلا في ذلك على وجه المكارمة لا المشاحة، فعفا عن تعيين العوض فيها؛ كما فعل في نكاح التفويض. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الهبات، باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلَّا ما وهبه لولده وإن سفل، وأحمد في “المسند”، وابن خزيمة، وأبو نعيم في “حلية الأولياء”.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
[شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه 14/ 56]
تنبيه : في علل الدارقطني :
١٠٨- وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَوْلَهُ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا.
فَقَالَ: يَرْوِيهِ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَوْلَهُ.
وَاخْتُلِفَ عَنْ حَنْظَلَةَ، فَحَدَّثَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ ثِقَةً، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَوَهِمَ فِيهِ.
وَإِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ.
وَرَوَاهُ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَوْلَهُ. انتهى
يعني الراجح الوقف
والمرفوع ضعفه الألباني :
٥٨٨٣ – من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها
(ك هق) عن ابن عمر.
[حكم الألباني] (ضعيف)
ضعيف الجامع الصغير وزيادته ١/٨٤٨
قال الباجي -رحمه الله-:
والحمل عليها في سبيل الله على وجهين:
أحدهما: أن يعلم من فيه النجدة والفروسية فيهبه له ويملكه إياه؛ لما يعلم من نجدته ونكايته للعدو، فهذا يملكه الموهوب له ويتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره.
والوجه الثاني -وهو الأظهر: أن يكون دفعه إلى من يعلم من حاله مواظبة الجهاد في سبيل الله على سبيل التحبيس له في هذا الوجه، فهذا ليس للموهوب له أن يبيعه؛ لأنه موقوف في هذا الوجه، فليس له إزالته عنه مع السلامة (وهذا الوجه الثاني ليس هو المراد في هذا الحديث إلا على وجهٍ ضعيف).
المنتقى شرح الموطأ (2/ 179)
قال ابن العربي -رحمه الله-:
فأما إن حمله عليه على أنه حبس لا يُبَاْعُ ولا يُوْهَبُ، فذلك لا يُشترى أبدًا، وإن كان صدقة، ففي كتاب ابن عبد الحكيم: لا يُشترى أبدًا، وقال بعده: تركه أفضل، وهو صريح، فذهب مالك والشافعي والليث -رحمهم الله-، وكذلك لم يفسخوا البيع.
وقال في كتاب محمد (محمد بن إبراهيم بن المواز وكتابه الموَّازية): وإذا حمل على الفرس لا للسبيل ولا للمسكنة فلا بأس أن يشتريه.
الثانية: إذا ثبت هذا التقسيم، فقوله: «حمل على فرس» لا يدري أيها هو من هذه الوجوه، ويختلف الحكم باختلاف الوجوه، فأما إذا قال: هو حبس فلا سبيل إليه لأحد، وأما إذا قال: هو لك في سبيل الله، فقال مالك -رحمه الله-: له بيعه، ولو أسقط كلمة (لك) لركبه ورده (يعني: يكون موقوفًا عنده لحمل الغزاة عليه).
وقال الشافعي وأبو حنيفة: هو ملك له، وإذا قال: إذا بلغت به رأس مغزاك فهو لك، فاتفقوا على أنه لا يجوز؛ إلا الليث؛ لأنه وإن كان مخاطرة، فليس في بيع.
وكان ابن عمر يقول: إذا بلغتَ وادي القرى فشأنك به، وفي ذلك كله خلاف، ولم يُعلَم كيفية فعل عمر، فلا يُعلم على أي شيء يرجع جوابه، فمن الناس من قال: إذا حمله عليه في سبيل الله فلا يباع أبدًا، وهذا خطأ، مخالف للحديث، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع منه عمر خاصة، ولعله بعلة تختص به دون سائر الناس، وهو أنَّه عود في الصدقة، ومنهم من قال: إنْ كان الحمل صدقة لم يجز؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تشتره، فإن العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه»، وإن كانت هبة جاز، كما في كتاب محمد، وأما رواية من رأى على الكراهية، فهو تعليل، النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «كالكلب يعود في قيئه»؛ فبين أنه قبيح يُنَزَّهُ عنه مثله، لا أنه حرام…، فلو كان حبسًا لجاز بيعه إذا ضاع، بحيث لا يصلح لسبيل الله، كما قال عبد الملك، وقال ابن القاسم: لا يباع، وقوله صحيح؛ لأنه إذا لم يصلح للكَرِّ والفَرِّ، صلح للحمل، وكلٌّ في سبيل الله.
عارضة الأحوذي (3/ 175)
وقال العراقي -رحمه الله- متعقبًا ابن العربي:
أشار بما نقله عن كتاب محمد (محمد بن إبراهيم بن المواز وكتابه الموَّازية) إلى الهبة التي ليست صدقة، وحاصل كلامه الجزم بمنع البيع بتقدير الوقف، وبجوازه بتقدير الهبة، والخلاف بتقدير الصدقة…، وفي هذا الإطلاق الذي حكاه عن بعض الناس منع البيع، ولو كان هبة لكنه خطأه كما عرفت، ثم أنَّه صرح في الحديث بأنه صدقة، فانتفى احتمال الهبة الخالية عن الصدقة.
والراجح من هذه الاحتمالات في هذه الواقعة: أنه تمليك بقصد ثواب الآخرة، فهو هبة، وهو صدقة، وبذلك جزم النووي في شرح مسلم…، وقال والدي -رحمه الله- في شرح الترمذي: الظاهر أن عمر لم يجعله حبسًا مطلقًا، أي: على جميع الغزاة من غير تعيين واحد، ولا حبسه على من حمله عليه؛ لأنه لو وقع ذلك لامتنع بيعه، وإنما منعه من شرائه فقط، ولم يمنعه من بيعه لغيره، فدل على أنه كان ملكًا لمن حمله عليه، انتهى.
طرح التثريب (4/ 87)
قال الباجي -رحمه الله-:
وضياع الخيل الموقفة على وجهين:
أحدهما: أنْ يُرجى صلاحه والانتفاع به في الجهاد، كالضعف والمرض المرجو برؤه، فهذا لا خلاف أن يستباح له بيعه.
الثاني: الكَلَب والهرم والمرض الذي لا ترجى إفاقته، فهذا اختلف أصحابنا (يعني: المالكية) فيه، فقال ابن القاسم: إذا عدم الانتفاع به في الوجه الذي وقف له، ولم يرج برؤه، جاز بيعه، ووضع ثمنه في ذلك الوجه.
وقال ابن الماجشون: لا يجوز بيعه…وجه قول مالك: أنه لما عدم الانتفاع بعينه، وأمكن الانتفاع بثمنه نقل إليه؛ لأنه لا بدل منه.
ووجه قول ابن الماجشون: أنه مخرج على سبيل الحبس، فلم يجز بيعه، كالأصول الثابتة.
المنتقى شرح الموطأ (2/ 179)
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إنما ظن ذلك؛ لأنه هو الذي كان أعطاه إياه، فتعلَّق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذٍ يكون ذلك رجوعًا في عين ما تصدق به في سبيل الله؛ ولما فهم النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا نهاه عن ابتياعه، وسمى ذلك عَوْدًا، فقال: لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك.
المفهم (4/ 579)
قال ابن حجر -رحمه الله-:
سَمَّى الشراء عودًا في الصدقة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري، فأطلق على القَدْر الذي يُسامح به رجوعًا، وأشار إلى الرُّخص بقوله: «وإن أَعْطَاكَهُ بدرهم».
فتح الباري (5/ 236)
قال النووي -رحمه الله-:
هذا نهي تنزيه لا تحريم، فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر ونحو ذلك من القُربات- أن يشتريه ممن دفعه هو إليه، أو يهبه أو يتملكه باختياره منه، فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه.
شرح صحيح مسلم (11/ 62)
قال ابن بطال -رحمه الله-:
كَرِهَ أكثر العلماء شراء الرجل صدقته؛ لحديث عمر في الفرس، وهو قول مالك والليث والكوفيين والشافعي، وسواء عندهم صدقة الفرض أو التطوع، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه، والأولى به التَّنَزُّه عنها، وكذلك قولهم فيما يخرجه المكفر عن كفارة اليمين مثل الصدقة سواء.
شرح صحيح البخاري (3/ 537)
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختلف في هذا النهي هل يحمل على ظاهره من التحريم؟ ولأنه يفهم من تشبيهه بالكلب التحريم؛ كما قال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} الأعراف: 176، أو على الكراهة؛ لأن تشبيهه بالقيء إنما يدل على الاستقذار والعيافة؛ للنُّفْرَة الموجودة من ذلك، لا أنه يحرم العود في القيء، إلا أن يتغير للنجاسة، فحينئذٍ يحرم؛ لكونه نجاسة لا لكونه قيئًا، والأول في كتاب ابن المواز (وهو: محمد بن إبراهيم)، وقال به الداودي، والثاني عليه أكثر الناس.
قلتُ: ويحتاج موضع الخلاف إلى تنقيح، فنقول: أما الصدقة في السبيل أو على المسكين أو على ذي الرحم إذا وصلت للمتصدَّق عليه، فلا يحل له الرجوع فيها بغير عوض قولًا واحدًا؛ لأنه قد أخرجها عن ماله على وجه القربة لله تعالى، واستحقها المتصدق عليه، وملكها بالصدقة والحوز، فالرجوع فيها أو في بعضها حرام، وأما الرجوع فيها بالشراء الذي لا يحط عنه من ثمنها شيء فمكروه؛ لأنه قد استردَّ عينًا أخرجها لله تعالى.
والأولى حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهم عن عمر ما كان وقع له من أنه يبيعه منه بحطيطة من الثمن، وهذا رجوع في بعض عين الصدقة، إلا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة، وكأنهم رأوا أن هذه عطية مبتدأة من المتصدق عليه أو الموهوب له؛ لأنها عن طيب نفس منه، فكان ذلك للمتصدق أو الواهب ملكًا جديدًا بطريق آخر، وهذا كما قال -صلى الله عليه وسلم- لمن وهب أمة لأمِّه فماتت أمُّه، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وجب أجرك، وردَّها عليك الميراث»، غير أنه لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء خرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروهًا من هذا الوجه، وهذا نحو مما قررناه في قضية تحرج المهاجرين من المقام بمكة.
قلتُ: والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه: التحريم، فاجمع ألفاظه وتدبر معانيها يَلُح (يعني: يظهر) لك ذلك -إن شاء الله تعالى-.
المفهم (4/ 579-580)
قال النووي -رحمه الله-:
هذا ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبي، أما إذا وهب لولده وإن سفل فله الرجوع فيه، كما صرح به في حديث النعمان بن بشير، ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام، هذا مذهب الشافعي، وبه قال مالك والأوزاعي، وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب إلا الولد، وكل ذي رحم محرم.
شرح صحيح مسلم (11/ 64-65)
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
القول الراجح عندي: هو ما ذهب إليه بعض العلماء من تحريم الرجوع في الصدقة؛ لأن الحديث ظاهر في التحريم، والتأويل المذكور بعيد جدًّا منافٍ لسياق الحديث، لا سيما الرواية الثانية (يعني: «ليس لنا مثل السوء»)، وعُرْفُ الشرع في مثل هذه العبارة: الزجر الشديد، كما ورد النهي في الصلاة عن إقعاء الكلب، ونقر الغراب، والتفات الثعلب، ونحو ذلك، ولا يفهم من المقام إلا التحريم، والتأويل البعيد مما لا يلتفت إليه.
مرعاة المفاتيح (6/ 396)
قال ابن بطال -رحمه الله-:
وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنه حلال له، وروى سفيان عن عبد الله بن عطاء، عن ابن بريدة، عن أبيه «أن امرأة جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إني تصدقتُ على أمي بجارية وإنها ماتت، قال: وجب أجرك، وردها عليك الميراث»؛ فإن قيل: فلم كرهتم شراءه إياها (يعني: الهبة ونحوها)؟!
قيل: لئلا يُحابيه الذي تصدق عليه بها فيصير عائدًا في بعض صدقته؛ لأن العادة أن الذي تصدق عليه بها يسامحه إذا باعها، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في لحم بريرة أنه إذا كانت الجهة التي يأخذ بها الإنسان غير جهة الصدقة جاز ذلك، ومن ملكها بماله لم يأخذها من جهة الصدقة، فدل هذا المعنى أن النهي في حديث عمر في الفرس محمول على وجه التنزه لا على التحريم؛ لأن المتصدَّق عليه بالفرس لَمَّا ملك بيعه من سائر الأجانب وجب أن يملكه من المتصدِّق عليه، دليله: إن وهب له جاز أن يشتريه الواهب.
شرح صحيح البخاري (3/ 538)
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال ابن التين: وشذَّتْ فرقة من أهل الظاهر فكرهت أخذها (الصدقة) بالميراث.
التوضيح (10/ 571)
قال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلفوا في كراهية شراء صدقة الفرض والتطوع إذا أخرجها من يده.
فقال مالك في الموطأ في رجل تصدق بصدقة فوجدها تباع عند غير الذي تصدق بها عليه: تركها أحب إليَّ.
وكره الليث والشافعي ذلك، فإن اشتراها لم يفسخوا البيع، وكذلك قالوا في شراء ما يخرجه الإنسان في كفارة اليمين، وإنما كرهوا شراءها بهذا الحديث، ولم يفسخوا البيع؛ لأنها راجعة إليه بغير ذلك المعنى، ويشهد لهذا: حديث بريرة في اللحم الذي تصدق عليها به، وإجماعهم: أن من تصدق بصدقة، ثم ورثها أنها حلال له، وقد تقصيت الكلام في هذه.
شرح صحيح البخاري (5/ 158)
قال العراقي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما الجمع بين هذا (يعني: هذا الحديث) وبين حديث: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لرجل اشتراها بماله» الحديث رواه مالك في الموطأ من رواية عطاء بن يسار مرسلًا، ووصله أبو داود بذكر أبي سعيد الخدري فيه.
قلتُ: فيه وجهان:
أحدهما: أن حديث الباب أخص من ذلك الحديث، فيحتمل قوله: «أو لرجل اشتراها بماله» على ما إذا اشتراها غير المتصدق بها، أو اشتراها المتصدق بها من غير من تصدق بها عليه، والمعنى فيه: أنه إذا اشتراها المتصدق بها من المتصدق بها عليه ربما حاباه في ثمنها لِمِنَّتِهِ المتقدمة عليه، فيكون رجوعًا في الصدقة بقدر المحاباة، وقد تقدم أن في الصحيحين في رواية: «وظننتُ أنه يبيعه برخص»؛ فيحتمل: أن يراد بيعه برخص لعمر خاصة لسبق مِنَّتِهِ عليه، كما تقدم، ويحتمل: أن يراد بيعه برخص مطلقًا لكونه أضاعه، فنقص ثمنه للنقص الذي حصل فيه، وقد تقدم أن في الصحيحين أيضًا «فأضاعه الذي كان عنده»، ورجح والدي -رحمه الله- هذا الاحتمال الثاني، فقال: إنه الظاهر، ورجح القاضي عياض أن المراد بإضاعته: أنه لم يحسن القيام عليه، ثم ذكر احتمالًا آخر أن المراد: إضاعته في استعماله فيما حبس له.
ثانيهما: أن النهي في حديث الباب للتنزيه، كما تقدم عن الجمهور، والذي في ذلك الحديث حله، وهو صادق مع الكراهة، وحكى ابن العربي عن قوم أن حديث الباب ناسخ لذلك الحديث، وهو مرود، فإن النسخ لا بد فيه من معرفة التاريخ.
طرح التثريب (4/ 88-89)
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنه ملكه الفرس بحمله إياه عليها، وإذا حمل الإنسان على فرس في سبيل الله هكذا مطلقًا، ولم يعينه لغزوة بعينها، فإنه يملكه من يحمل عليه، ولا ينبغي أن يستعمله إلا في سبيل الله.
وفيه أيضًا من الفقه: أنه إذا تصدق الإنسان بصدقة على فقير؛ فاحتاج الفقير إلى أن يبيعها فلا ينبغي للمتصدق أن يشتريها، والسِّر في ذلك أن وضع الصدقة للطهرة؛ لقول الله -عزَّ وجلَّ-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} التوبة: 103، فهي تطهير للمتصدق في المعنى كالماء الْمُزال به النجاسة في الصورة، فإذا أعاد ما أزال به النجاسة إلى نفسه، صار كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «كالكلب يعود في قيئه»؛ لأن القيء نجس، فإذا ألقى نجاسة عنه، ولكن لِشَرَهِ الكلب (يعني: لحرصه وطمعه) يعود ويأكل قيء نفسه، فنهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المؤمن أن يحمله الشَّرَهُ إلى أن يستعيد ما قد كان طهَّره، وأزال عنه نجاسات ذنوبه، أي: يعود إلى التلوث به.
الإفصاح عن معاني الصحاح (1/ 144-145)
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: جواز إيقاف الحيوان في سبيل الله؛ لقوله: «حملتُ على فرس في سبيل الله»؛ فإن الظاهر: أنه أوقفه، ويُحتمل أنه (يعني: عمر) -رضي الله عنه- تصدَّق به على الرجل صدقة مطلقة على أنه ملكه…
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز أن يشتري الإنسان صدقته؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عمر عن شراء هذا الفرس.
ومن فوائده: أن الشراء نوع من الرجوع في الهبة أو الصدقة، وجهه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تعد في صدقتك…» إلخ.
فإن قال قائل: كيف يكون عودًا في الصدقة وهو قد اشتراه بثمن؟ فجوابه: أن العادة في مثل هذا أن المتصدق عليه يعطي المتصدق الشيء بأقل من ثمنه، فإذا نقص الثمن فكأنه عاد ببعض الصدقة…
ومن فوائد الحديث: ورع عمر -رضي الله عنه- حيث توقف في الأمر حتى سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها: أن الله تعالى قد يعطي الإنسان الذي عُرف بالورع كرامة بحيث لا يقدم على شيء فيه حرج وشك، فإن عمر لو أقدم بسرعة على هذا الفعل لوقع في المحظور، لكنه من كرامة الله له أن توقف حتى يسأل -صلى الله عليه وسلم-.
ومنها أيضًا: حرص الصحابة على العلم، ولكن الصحابة يحرصون على العلم ليعملوا به؛ بخلاف ما كان الناس عليه من زمن بعيد، يحرصون على العلم حرصًا نظريًّا فقط لا عمليًّا، فتجده يحرص على العلم ويحقق المسألة، ويعرف الحُكم، لكن لا يعمل بها، فهذه مشكلة، وهي موجودة الآن بكثرة عند الناس، وهذا يكون حُجة عليه.
فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 317-318)