رقم القاعدة: 30 نص القاعدة: إِذَا حَرَّمَ الشَّارِعُ شَيْئًا عُوِّضَ عَنْهُ مَا هُوَ خَيْرٌ وَأَنْفَعُ. [1]
صيغ أخرى للقاعدة:
ما حرّم الشارع خبيثاََ ولا ضاراََ إلا أباح لعباده طيبا بإزائه أنفع لهم منه. [2]
قواعد ذات علاقة:
1_ وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد. [3] (أصل).
2_ الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد. [4] (أعم).
3_ الشريعة الإسلامية أباحت كل طيب وحرمت كل خبيث. [5] (أخص).
4 _ خلق الرحمة [6]. (أصل).
5_ خلق السماحة [7]. (أصل).
شرح القاعدة:
ومفاد القاعدة: أن الشارع لا يحرِّم على عباده شيئا إلا ويكون قد أحل في مقابله ما هو خير للعباد وأنفع لهم في تحقيق مصالحهم الدنيوية والأخروية.
وقد قرر ابن القيم هذه القاعدة وبينها بقوله: “ومن تأمل أسرار الشريعة وتدبر حِكمها رأى ذلك ظاهرا على صفحات أوامرها ونواهيها باديا لمن نظره نافذ, فإذا حرم عليهم شيئا عوضهم عنه بما هو خير لهم وأنفع, وأباح لهم منه ما تدعو حاجتهم إليه ليسهل عليهم تركه” [1] ,اهـ
فما حرمه الله مثلا من الربا والزنا والخبائث من الطعام والشراب, أحلّ في مقابله البيع والزواج والطيبات من الطعام والشراب, وذلك نظرا لما في المحرمات من المفاسد والأضرار, وفي المباحات من المنافع والمصالح.
ولا يقصد من هذه القاعدة التلازم الزمني بين الحلال والحرام بحيث يكون ما أحله الشارع يأتي تشريعه مباشرة عقب ما حرمه, وإنما المقصود منها وجود الخيارات المشروعة في الجملة إزاء كل فعل محرم, سواء أكان المشروع متقدما على المحرم أو متأخرا عنه في زمان التشريع, فتشريع الحلال النافع عوضاَ عن المحرم الضارّ يمكِّن العباد من الاستغناء عن الوقوع فيما حرم عليهم, ويعينهم على الالتزام بالتكاليف ما دام قد شرع لهم النافع الذي يلبي مطالبهم الفطرية ويشبع رغائبهم الغريزية ويحقق حاجاتهم الطبيعية.
وإن تشريع البدائل النافعة للعباد قد يكون تشريعا أصليا ابتدائيا, كالزواج في مقابل الزنا, وكالبيع في مقابل الربا, وقد يكون تشريعا استثنائيا للحالات الخاصة التي فيها مشقة وحرج من الالتزام بالأحكام الأصلية التي تقتضي تحريم بعض الأفعال, كمشروعية أكل المطعومات المحرمة عند الضرورة استثناء من أصل التحريم, ومشروعية النظر إلى المخطوبة استثناء من أصل الأمر بغض البصر.
أدلة القاعدة:
قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف-157] حيث نبه الله تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن التشريع ليس نهيا عن المنكرات وتحريما للخبائث فقط وإنما هو أيضا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر, وهذا دليل على تكامل الشريعة وتوازنها في مراعاتها للجانبين معا….
تطبيقات القاعدة:
1 – حرّم الله تعالى على الصائم وطء زوجته في النهار, وأباح له الوطء ليلا ليسهل تركه في النهار, قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} [البقرة – 187].
2 – حُرِّم على العباد كسب المال بربا النسيئة, وأبيح لهم كسبه بالسّلم قال صلى الله عليه وسلم: ” من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم “. [1]
3 – حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الرطب بالتمر [2] لما فيه من الربا, و رخص بالعرايا نظرا لحاجة الناس إليها. [3] والعرايا هي أن يقدر الرطب الذي على نخلات معينة بحيث يقال: هذا الرطب الذى عليها اذا يبس تجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلا, فيبيعه صاحبه لانسان بثلاثة أوسق تمر ويتقابضان في المجلس, فيسلم المشترى التمر ويسلم بائع الرطب الرطب بالتخلية وهذا جائز فيما دون خمسة أوسق. [4]… انتهى مختصرا من معلمة زايد
قال ابن القيم:
بَلْ هِيَ شَرِيعَةٌ مُؤْتَلِفَةُ النِّظَامِ، مُتَعَادِلَةُ الْأَقْسَامِ، مُبَرَّأَةٌ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ، مُطَهَّرَةٌ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا، مُؤَسَّسَةٌ عَلَى الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ، قَوَاعِدُهَا وَمَبَانِيهَا، إذَا حَرَّمَتْ فَسَادًا حَرَّمَتْ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ أَوْ نَظِيرَهُ، وَإِذَا رَعَتْ صَلَاحًا رَعَتْ مَا هُوَ فَوْقَهُ أَوْ شِبْهَهُ؛ فَهِيَ صِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا أَمْتَ فِيهِ وَلَا عِوَجَ، وَمِلَّتُهُ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ الَّتِي لَا ضِيقَ فِيهَا وَلَا حَرَجَ، بَلْ هِيَ حَنِيفِيَّةُ التَّوْحِيدِ سَمْحَةُ الْعَمَلِ، لَمْ تَأْمُرْ بِشَيْءٍ فَيَقُولُ الْعَقْلُ لَوْ نَهَتْ عَنْهُ لَكَانَ أَوْفَقَ، وَلَمْ تَنْهَ عَنْ شَيْءٍ فَيَقُولُ الْحِجَا لَوْ أَبَاحَتْهُ لَكَانَ أَرْفَقِ، بَلْ أَمَرَتْ بِكُلِّ صَلَاحٍ، وَنَهَتْ عَنْ كُلِّ فَسَادٍ، وَأَبَاحَتْ كُلِّ طَيِّبٍ، وَحَرَّمَتْ كُلِّ خَبِيثٍ، فَأَوَامِرُهَا غِذَاءٌ وَدَوَاءٌ، وَنَوَاهِيهَا حِمْيَةٌ وَصِيَانَةٌ، وَظَاهِرُهَا زِينَةٌ لِبَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا أَجْمَلُ مِنْ ظَاهِرِهَا، شِعَارُهَا الصِّدْقُ، وَقَوَامُهَا الْحَقُّ، وَمِيزَانُهَا الْعَدْلُ، وَحُكْمُهَا الْفَصْلُ، لَا حَاجَةَ بِهَا أَلْبَتَّةَ إلَى أَنْ تُكَمَّلَ بِسِيَاسَةِ مَلِكٍ أَوْ رَأْيِ ذِي رَأْيٍ أَوْ قِيَاسِ فَقِيهٍ أَوْ ذَوْقِ ذِي رِيَاضَةٍ أَوْ مَنَامِ ذِي دِينٍ وَصَلَاحٍ، بَلْ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ أَعْظَمُ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَمَنْ وُفِّقَ لِلصَّوَابِ فَلِاعْتِمَادِهِ وَتَعْوِيلِهِ عَلَيْهَا.
[إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/ 162 ط العلمية]
وقال ابن القيم:
وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَعَوَّضَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْوُحُوشِ وَالطَّيْرِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَأَنْوَاعِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ خَبِيثًا وَلَا ضَارًّا إلَّا أَبَاحَ لَهُمْ طَيِّبًا بِإِزَائِهِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ إلَّا وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ فَوَسِعَتْهُمْ رَحْمَتُهُ وَوَسِعَهُمْ تَكْلِيفُهُ.
[إعلام الموقعين عن رب العالمين 2/ 113 ط العلمية]