رقم القاعدة: 27 نص القاعدة: كُلِّيَّاتُ الْمَصَالِحِ لَا يَرْفَعُهَا تَخَلُّفُ آحَادِ الجُزْئِيَّاتِ [1]
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة وضع الكليات للمصالح [2]
2 – الكلي لا ينخرم بجزئي ما [3]
قواعد ذات علاقة:
1 – ما بُني على الحاجة لا يلزم فيه اطِّرادها وانعكاسها [4] /قاعدة متفرعة
2 – القواعد الكلية لا تزحمها الأقيسة الجزئية وإن كانت جلية [5] /قاعدة متكاملة
3 – اليقين لا يزول بالشك [6] /قاعدة مؤكِّدة
4 – المصالح والمفاسد في الحياة الدنيا إنما تفهم بمقتضى ما غلب [7] /قاعدة متكاملة
5 – الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبارَ العامِّ القطعي [8] /قاعدة مؤكِّدة
شرح القاعدة:
تتعلق هذه القاعدة بالمصالح الكلية المعتبرة في الشريعة, وبالكليات الشرعية الاستقرائية عموما. والمراد بها القواعدُ والمقاصد الكلية, التي تم التوصل إليها باستقراءات واسعة لأحكام الشريعة ومقاصدها الجزئية. وهي توصف بالكلية, لكونها تشكل الحصيلة والدلالة العامة المشتركة لمقتضى عدد غير محصور من أحكام الشرع وأصوله. ومنها الكليات الثلاث: الضروريات, والحاجيات, والتحسينيات, [1] التي ثبت القصد الشرعي إلى حفظها, بما لا يحصى من النصوص والأحكام والقواعد التشريعية [2]. وكذلك الشأن في ثبوت حفظ الضروريات الخمس (الدين, والنفس, والعقل, والنسل, والمال).
… وهكذا سائر الكليات الشرعية المعروفة: كإقامة القسط, وحفظ الأمن, ورعاية مكارم الأخلاق, وكوضع العقوبات الزاجرة عن الفساد والعدوان, وصون الأعراض, وحفظ كرامة الإنسان, وكرفع الحرج, والتيسير والترخيص في مواطن الشدة والعنت, وكمشروعية الاجتهاد, وجلب المصالح ورعايتها, ودرء المفاسد وسد ذرائعها, وتحكيمِ أعراف الناس في أقوالهم ومعاملاتهم بما لا يناقض الشرع, وكالقواعد القاضيةِ ألَّا تزر وازرة وزر أخرى, وأن ليس للإنسان إلا ما سعى , وألا تكليف بما لا يطاق , وأن النيات معتبرة في الأفعال والتصرفات …
فمقتضى القاعدة التي نحن بصددها, هو أن هذه الكلياتِ وأمثالَها, مما هو شائع معناه ومراعاته في أحكام كثيرة وأبواب متعددة, من أبواب الشريعة, إذا ثبتتْ واستقَرَّت, لا يمكن نقضها, أو تعطيلها, أو التشكيك فيها أو في مقتضاها الكلي, لمجرد أن بعض الجزئيات أو بعض الحالات واقعة على خلافها, أو جارية على غير مقتضاها. والجزئيات المقصودة هنا هي التي دل عليها دليل شرعي معتبر, وأما التي ليست كذلك, فهي ساقطة لا اعتبار لها ولا عمل بها أصلا.
أدلة القاعدة:
ثبوت هذه القاعدة لا يحتاج إلى عناء واستقصاء, لبداهتها العقلية, ولشدة وضوحها واطِّراد العمل بها في الشرع, وعند كافة العلماء المعتبرين في الأمة… اهـ
قال الشاطبي:
هَذِهِ الْكُلِّيَّاتُ الثَّلَاثُ إِذَا كَانَتْ قَدْ شُرِعَتْ لِلْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ بِهَا، فَلَا يَرْفَعُهَا تَخَلُّفُ1 آحَادِ الْجُزْئِيَّاتِ.
وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ2: أَمَّا فِي الضَّرُورِيَّاتِ، فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ مَشْرُوعَةٌ لِلِازْدِجَارِ، مَعَ أَنَّا نَجِدُ مَنْ يُعَاقَبُ فَلَا يَزْدَجِرُ عَمَّا عُوقِبَ عَلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَأَمَّا فِي الْحَاجِيَّاتِ، فَكَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، مَشْرُوعٌ لِلتَّخْفِيفِ وَلِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ، وَالْمَلِكُ الْمُتَرَفِّهُ لَا مَشَقَّةَ لَهُ، وَالْقَصْرُ فِي حَقِّهِ مَشْرُوعٌ، وَالْقَرْضُ أُجِيزَ لِلرِّفْقِ بِالْمُحْتَاجِ مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَيْضًا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا فِي التَّحْسِينِيَّاتِ، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ شُرِعَتْ لِلنَّظَافَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّ بَعْضَهَا عَلَى خِلَافِ النَّظَافَةِ كَالتَّيَمُّمِ.
فَكُلُّ هَذَا غَيْرُ قَادِحٍ فِي أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْكُلِّيَّ إِذَا ثَبَتَ كُلِّيًّا، فَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ مُقْتَضَى الْكُلِّيِّ لَا يخرجه عن كونه كليا، وأيضًا3، فَإِنَّ الْغَالِبَ الْأَكْثَرِيَّ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرِيعَةِ اعْتِبَارَ الْعَامِّ الْقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُتَخَلِّفَاتِ الْجُزْئِيَّةَ لَا يَنْتَظِمُ مِنْهَا كُلِّيٌّ يُعَارِضُ هَذَا الْكُلِّيَّ الثَّابِتَ…
وَأَيْضًا2، فَالْجُزْئِيَّاتُ الْمُتَخَلِّفَةُ3 قَدْ يَكُونُ تَخَلُّفُهَا لِحِكَمٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُقْتَضَى الكلي، فلا يكون دَاخِلَةً تَحْتَهُ أَصْلًا4، أَوْ تَكُونُ دَاخِلَةً لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا دُخُولُهَا، أَوْ دَاخِلَةً عِنْدَنَا، لَكِنْ عَارَضَهَا عَلَى الْخُصُوصِ مَا هِيَ بِهِ أولى…
فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا اعْتِبَارَ بِمُعَارَضَةِ الْجُزْئِيَّاتِ فِي صِحَّةِ وَضْعِ الْكُلِّيَّاتِ لِلْمَصَالِحِ.
[الموافقات 2/ 83]