رقم القاعدة: 26 :نص القاعدة: المَقَاصِدُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ وَجُزْئِيَّةٌ [1]
قواعد ذات علاقة:
1 – رفع الحرج [2] قاعدة متفرعة
2 – المقاصد الشرعية ضروريات وحاجيات وتحسينات [3] قاعدة متفرعة
3 – المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه [4] قاعدة متفرعة
4 – يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما [5] قاعدة متفرعة
5 – النفع المتعدي أفضل من القاصر [6] قاعدة متفرعة
شرح القاعدة:
تبين هذه القاعدة أن المصالح التي راعاها الشارع في تشريعه وتوجهت إليها إرادته وقصده ليست على مستوى واحد من حيث تعلقها بمجالات الشريعة الإسلامية وأبوابها وموضوعاتها المختلفة, وأنها بحسب هذا النظر والاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المقاصد العامة: وهي المصالح التي راعاها الشارع في كل مجالات التشريع أو غالبها؛ كالمصالح الضرورية والحاجية والتحسينية, وكرفع الحرج وإقامة العدل وتحقيق الأمن والحفاظ على كرامة الإنسان, فهذا القسم من المصالح والمقاصد يمتاز بأنه ليس محصورا في موضوع من موضوعات الشريعة أو باب من أبوابها, وإنما هو عام في كل موضوعاتها أو غالبا.
القسم الثاني: المقاصد الخاصة : وهي المعاني والمصالح التي راعاها الشارع في باب معين من أبواب التشريع, كالمقاصد الخاصة بموضوع الأسرة, ومقاصد الشارع في التصرفات المالية, ومقاصد الشارع في القضاء والشهادة, ومقاصد الشارع في التبرعات, فلكل واحد من هذه المجالات مصالح ومقاصد خاصة يستقلُّ بها عن غيره من مجالات الشريعة الأخرى, فالشارع مثلا قاصد في مجال الأسرة إلى إشهار عقد الزواج والإعلام به حتى يتميز عن السِّفاح الذي يتم في السِّر والخفاء, وهو قاصد في مجال العقود المالية الحفاظ على الحقوق لأصحابها سواء أتمّ إعلانها أم لا. وأكثر من اعتنى بهذا النوع من المقاصد هو الشيخ ابن عاشور حيث أفرد لها قسما خاصا في كتابه مقاصد الشريعة وعنون له ب “مقاصد التشريع الخاصة بأنواع المعاملات بين الناس ” [1]
القسم الثالث: المقاصد الجزئية : وهي المصالح المتعلقة بجزئية مخصوصة من جزئيات الشريعة؛ كالمصلحة المرجوّة من إيجاب فعل من الأفعال أو الندب إليه أو تحريمه أو كراهته أو إباحته, أو جعله شرطاً أو مانعاً أو سبباً, مثل مقصد الشارع من النهي عن سبِّ آلهة المشركين, أو مقصده من اشتراط بلوغ المال النصاب لوجوب الزكاة فيه, أو مقصده من اعتبار القتل مانعا من الميراث, فهذا القسم من المقاصد مخصوص بجزئية من جزئيات الشريعة وليس عاما في جميع أبوابها ولا خاصا بجميع فروعها التي تندرج تحت باب واحد…
وقد نبّه الشاطبي إلى هذا التفاوت بين المصالح من حيث الكلية والعموم بقوله: “فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة, وعلى مصلحة كلية في الجملة أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته, وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته اعتقادا وقولا وعملا, فلا يكون متبعاً لهواه كالبهيمة المسيَّبة حتى يرتاض بلجام الشرع.
أدلة القاعدة:
مبنى هذه القاعدة على الاستقراء؛ حيث إن تتبع المعاني والمقاصد التي التفت إليها الشارع في تشريعه يظهر أن هذه المعاني ليست على وزان واحد من حيث عمومها وكليتها وشمولها لأبواب الشريعة…
تطبيقات القاعدة:
أولا: من المقاصد العامة:
التيسير على العباد ورفع الحرج عنهم هو من مقاصد الشريعة الكلية…
ثانيا: من المقاصد الخاصة:
قال الشاطبي في المقاصد الخاصة بالعبادات ” مقصود العبادات: الخضوع لله والتوجه إليه, والتذلل بين يديه, والإنقياد تحت حكمه, وعمارة القلب بذكره؛ حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرا مع الله ومراقبا له غير غافل عنه, وأن يكون ساعيا في مرضاته وما يقرب إليه على حسب طاقته….
ثالثا: من المقاصد الجزئية:
ورد في الحديث أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم / نهى عن النوم قبل صلاة العشاء [3] , وقد ذكر العلماء أن المقصد الجزئي أو حكمة التشريع من هذا النهي: الخشية من خروج الوقت وهو نائم قال المناوي: ” نهى عن النوم قبل صلاة العشاء لتعريضها للفوات باستغراق النوم أو تفويت جماعتها “…. اهـ من معلمة زايد
قال معالي الشيخ/ عبد الله بن محمد بن خنين:
تنزيل الأحكام على الوقائع القضائية والفتوية
في الفقه الإسلامي:
المطلب الثاني: الأصل الثاني: مراعاة مقصد الشرع وحكمة التشريع.
إن القاضي والمفتي وهما يقومان بتنزيل الحكم على الواقعة عليهما مراعاة مقاصد الشرع وحكمته، فالشرع له مقاصد في الأحكام، سواء كانت هذه المقاصد عامة أم خاصة أم جزئية، وإذا كانت معرفة مقاصد الشرع في مجال تفسير الأحكام الكلية من الأهمية بمكان، فإن معرفتها عند تنزيل الأحكام على الوقائع لا يقل أهمية عن ذلك، فهي تعين القاضي – وكذا المفتي – على تحديد وصف الواقعة ابتداء، كما ترجح بعضها على بعض عند تعدد الاحتمالات فيها، ذلك أن تنزيل الحكم الكلي على الأعيان والوقائع مشخصة يتطلب نظرا خاصا يراعى فيه خصوصية الواقعة بأحوالها وظروفها وملابساتها، ومقاصد الشريعة وحكمتها من وراء ذلك تحوطه وتوجهه، فتعين على معرفة قبول المحل للحكم الكلي، أو عدم قبوله لذلك (1).
يقول ابن القيم (ت: 751هـ): ” الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل ” (1).
فالمنافع والمضار التي تبنى عليها مقاصد الشرع وحكمته إضافية، بمعنى أنها منافع أو مضار في حال دون حل ولشخص دون شخص، أو في وقت دون وقت، فمعرفة مقاصد الشرع وحكمته في الواقعة مما يرجح احتمالا على آخر في التفسير، وقولا على آخر عند الاختلاف، وهو مما يعين على تنزيل الحكم على الواقعة.
لا بد لهما من النظر في خصوصيات الوقائع والأشخاص، وما بينهما من فروق مؤثرة وأوصاف مقررة.
فقد يكون للشخص المتقاضي من مدع أو مدعى عليه أو للواقعة المتنازع فيها أو لواقعة الفتوى خاصية تستدعي حكما لا يطبق على نظائرها؛ لوجود وصف مؤثر متعلق بالشخص أو الواقعة استدعى المغايرة في الحكم.
يدل على ذلك ما رواه سعيد بن سعد بن عبادة قال: «كان بين أبياتنا إنسان مخدج ضعيف لم يرع أهل الدار إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها وكان ومسلما، فرفع شأنه سعد إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقال: اضربوه حده، قالوا: يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك، إن ضربناه مائة قتلناه، قال: فخذوا عثكالا فيه مائة شمراخ، فاضربوه به ضربة واحدة وخلوا سبيله (1)».
ففي ضرب هذا الرجل بعثكال فيه مائة شمراخ بدلا من مائة سوط مفرقة مراعاة لضعفه؛ لأنه لا يطيق الجلد بالسوط مفرقا، كما يضرب غيره من الأصحاء؛ لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (1).
كما يدل على مراعاة خصوصيات الأشخاص والأعيان ما رواه أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم (2)»،…
[مجلة البحوث الإسلامية 78/ 229]