جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (٧) – (بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإسْلَامِ)
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
(١٩) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرَيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَني رَسُولُ اللهِ – ﷺ – قَالَ: «إِنَّكَ تَأْتي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأنِّي رَسُولُ الله، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُوم، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ»).
[١٣٠] (…) – (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِمٍ، عِنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ – ﷺ – بَعَثَ مُعَاذًا إِلى الْيَمَن، فَقَالَ: «إِنَّكَ سَتَأتِي قَوْمًا …» بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ).
[١٣١] (…) – (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثنَا رَوْحٌ – وَهُوَ ابْنُ الْقَاسمِ – عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس، أَن رَسُولَ اللهِ – ﷺ – لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ، أَهلِ كتَاب، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ عز وجل، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهً فَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَن اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال العلامة النووي عفا الله عنه: “(٧) – (بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإسْلَامِ)”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
(١٩) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرَيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَني رَسُولُ اللهِ – ﷺ – … »). الحديث.
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بمعاذ نحو أربعة وعشرين شخصًا، ولا يوجد من يُسمّى معاذ بن جبل، غير صاحب الترجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
أن فيه قوله: «عن أبي مَعْبد، عن ابن عباس، عن معاذ، قال أبو بكر: وربما قال وكيع: عن ابن عباس، أن معاذًا قال».
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي فعله مسلم رحمه الله تعالى نهايةُ التحقيق، والاحتياط، والتدقيق، فإن الرواية الأولى قال فيها: «عن معاذ»، والثانية: «أن معاذًا»، وبين «أَنّ»، و«عن» فرق،
فإن الجماهير قالوا: «أَنَّ» كـ«عَن»، فيُحمَل على الاتصال، وقال جماعة: لا تَلْتَحِق «أنَّ» بـ «عَن»، بل تحمل «أن» على الانقطاع، ويكون مُرسَلًا، ولكنه هنا يكون مُرسَل صحابيّ، له حكم المتصل، على المشهور، من مذاهب العلماء، وفيه قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيّ الذي قَدَّمناه في الفصول أنه لا يُحْتَجّ به، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وبين اللفظين، والله تعالى أعلم. انتهى.
شرح الحديث:
وقال في »الفتح« عند قوله: »قال رسول الله – ﷺ – لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن إلخ«: ما نصّه: كذا في جميع الطُّرُق إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، فقال فيه: »عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله – ﷺ -، فعلى هذا فهو من مسند معاذ – ﷺ -،
وقال ابن الملقّن رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الاختلاف المذكور ما نصّه: ويُجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرّة عن معاذ، فرواه متّصلًا، وأرسله تارة، ومرسله حجة على المشهور، كيف وقد عُرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القصّة، فرواه تارة بلا واسطة، وتارة بها، إما لنسيانه، وإما لمعنى آخر، انتهى. [«الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ١٤].
[تنبيه]: كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبيّ – ﷺ -، كما ذكره البخاريّ في أواخر «كتاب المغازي»، وقيل تسع أو ثمان واتفقوا على أنه لم يَزَل على اليمن إلى أن قَدِمَ في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام، فمات بها، واختُلِفَ هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغسانيّ بالأول، ذكره في «الفتح». [«الفتح» ٣/ ٤٥١].
وفي «الاستيعاب»: لَمّا خلع من ماله لغرمائه بعثه النبيّ – ﷺ -، وقال: «لعلّ الله أن يجبُرك»، قال: وبعثه أيضًا قاضيًا، وجعل إليه قبض الصدقات من العمّال الذين باليمن، وكان رسول الله – ﷺ – قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أُميّة على كِنْدة، وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ على الْجَنَد، وأبى موسى على زَبِيد، وعَدَن، والساحل. انتهى. [«عمدة القاري» ٧/ ١٦٠].
(قَالَ) معاذ – رضي الله عنه – (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ – ﷺ -)، أي: إلى اليمن، كما سيأتي في الرواية التالية (قَالَ) – ﷺ – (إِنَّكَ تَأتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا كالتوطئة للتوصية، لتستجمع هِمَّتهُ عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة…قاله في الفتح
وقال الطيبيّ: قيد قومًا بأهل كتاب، وفيهم أهل الذمّة، وغيرهم من المشركين» تفضيلًا لهم، وتغليبًا على غيرهم.
[تنبيهان]:
(أحدهما): كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كُريب، وهو تُبّعٌ الأصغر، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل «السيرة النبويّة».
(ثانيهما): قال ابن العربيّ في «شرح الترمذيّ»: تبرّأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن عزيرًا ابنُ الله، وهذا لا يمنع كونه موجودًا في زمن النبيّ – ﷺ -؛ «لأن ذلك نزل في زمنه، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردّ ذلك، ولا تعقّبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميعهم بدليل أن القائل من النصارى: إن المسيح ابن الله طائفة منهم، لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحوّل معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية، لا الحسيّة، فسبحان مقلّب القلوب. [»الفتح” ٤/ ١٢٧].
وكتب العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى على قول ابن العربيّ: ولم ينقل عن أحد منهم ردّ ذلك ولا تعقّبه، ما نصّهُ: ونقول: إنهم لا يُصَدَّقون الآن في دعوى البراءة، فإنهم يُكَذّبون نصّ القرآن، فإن الله أخبرنا بأن صفات رسولنا محمد – ﷺ – عندهم، يجدونه مكتوبًا في التوراة والإنجيل، وأنكروا ذلك، فكيف تقبل براءتهم مما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإن أراد ابن العربي أن الموجودين في زمنه تبرؤوا من قولهم بذلك، فلا يُجدي نفعًا، ولا ينفي إشراك آبائهم، وإن قيل: إن بعض اليهود كان يقول ذلك، فكذلك قد قيل: إن بعض النصارى يقول ذلك، وقد نسب الله القول إلى اليهود والنصارى جملة. انتهى كلام الصنعانيّ. [«العدّة حاشية العمدة» ٣/ ٢٧٣]، وهو تَعَقُّبٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
(فَادْعُهُمْ) أي: ادع أهل اليمن أوّلًا إلى شيئين:
أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: شهادة أن محمدًا رسول الله، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: «إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك».وفي رواية ( أن يعبدوا الله )
قال في «الفتح»: ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيد الشهادة له بذلك، ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين، الذي لا يصح شيءٌ غيرهما إلا بهما،
وقال الحافظ زين الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: كيفيّة الدعوة إلى الإسلام باعتبار أصناف الخلق في الاعتقادات، فلمّا كان إرسال معاذ إلى من يُقرّ بالإله والنبوّات، وهم أهل الكتاب أمره بأول ما يدعوهم إلى توحيد الإله، والإقرار بنبوّة محمد – ﷺ -، فإنهم وإن كانوا يعترفون بإلهيّة الله تعالى، ولكن يجعلون له شريكًا، لدعوة النصارى أن المسيح ابن الله، ودعوة اليهود أن عُزيرًا ابن الله، تعالى الله سبحانه عما يصفون، وأن محمدًا – ﷺ – ليس برسول الله أصلًا، أو أنه ليس برسول إليهم، على اختلاف آرائهم في الضلالة، فكان هذا أول واجب يُدْعَون إليه [«عمدة القاري» ٧/ ١٦١].
قال الصنعانيّ: ويظهر أن المراد: فَأَخْبِرْهم أن الله قد فرض عليهم فعل خمس صلوات في اليوم والليلة، لا أنه فَرَضَ الإقرار بوجوبها خمس مرّات، كما عبّر في غيره بقوله – ﷺ -: «وتُقيم الصلاة»، وإقامتها فعلُها، فطاعتهم بفعلها هو المطلوب، لا مجرّد الإقرار، ولذا ضمَّنَ «أطاعوا»، معنى انقادوا، فعدّاه باللام …و لو فعلوها غير معتقدين وجوبها، كصلاة المنافقين قبلنا ظاهر فعلهم، وأدخلناهم به في حكم الإسلام، ووكلْنا سرائرهم إلى الله عز وجل كما تقرّر في غير هذا. انتهى كلام الصنعانيّ رحمه الله تعالى [«العدّة» ٣/ ٢٧٤ – ٢٧٥]، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(فَأَعْلِمْهُمْ) بقطع الهمزة، من الإعلام (أَنَّ اللهَ) بفتح «أَنَّ» لأنها في محل نصب على أنها مفعول ثان و«أعلمهم» (افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ)، استُدِلّ به على أن الوتر ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في محلّه – إن شاء الله تعالى -.
وقال الخطّابيّ: وقد يستدلّ به من لا يرى على المديون زكاةَ ما في يده إذا لم يفضُل من الدين الذي عليه قدر نصاب؛ لأنه ليس بغنيّ إذ كان ماله مستحقًّا لغرمائه.
(مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) فيه دليلٌ على أن الزكاة تؤخذ من مال الطفل؛ لعموم قوله: «من أغنيائهم»، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في موضعه – إن شاء الله تعالى -، (فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) استدلّ به من قال بعدم جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، والراجح خلافه، وسيأتي تحقيقه في محلّه أيضًا – إن شاء الله تعالى -،
[تنبيه]:
كتب ابن الملقّن في «شرح العمدة» على قوله: «ليس بينها وبين الله حجاب» ما نصه: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان، والباري منزّه عن ذلك، ويحتمل كما قال الفاكهيّ أن يراد بالحجاب هنا المعنويّ، دون الحسيّ. انتهى. [«الإعلام» ٥/ ٢٨ – ٢٩].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: ليت شعري ما الذي يعنيه بنفي الحجاب؟ وفي الحديث (حجابه النورُ ) أخرجه مسلم
ومن العجيب أن صاحب «الفتح» قد ذكر أيضًا نحو هذا الكلام مُقَرِّرًا له، وراضيًا به.
وحديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه – هذا متّفق عليه.
والذي عليه أئمة الفتوى، وبهم يُقتدَى، كمالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة السلف أن أول الواجبات على المكلّف الإيمان التصديقيّ الْجَزميّ الذي لا ريب معه بالله تعالى، ورسله، وكتبه، وما جاءت به الرسل على ما تقرّر في حديث جبريل عليه السلام، كيفما حصل ذلك الإيمان، وبأيّ طريق إليه تُوُصّل، وأما النطق باللسان فمُظهر لِمَا استقرّ في القلب من إيمان، وسببٌ ظاهرٌ تترتّب عليه أحكام الإسلام.
قال الشيخ عبدالرحمن آل الشيخ في فتح المجيد :
وفيه دليل على أن التوحيد – الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه – هو أول واجب. ولهذا كان أول ما دعت إليه الرسل عليهم السلام {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 1 وقال نوح: {أَلا تَعْبُدُوا إِلَاّ اللَّهَ} 2 وفيه معنى “لا إله إلا الله” مطابقة3.
قال شيخ الإسلام: “وقد علم بالاضطرار من دين الرسول صلي الله عليه وسلم، واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما، والعدو وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال. ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان، قال: وأما إذا لم يتكلم بها مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين باطنا وظاهرا، عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير العلماء” اهـ.
قوله: ” فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ” “شهادة” رفع على أنه اسم “يكن” مؤخر. و “أول” خبرها مقدم. ويجوز العكس.
قوله: “وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله” هذه الرواية ثابتة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري. وأشار المصنف بذكر هذه الرواية إلى التنبيه على معنى “شهادة أن لا إله إلا الله”؛ فإن معناها توحيد الله بالعبادة ونفي عبادة ما سواه. وفي رواية: ” “فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله” ” وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا} 1 والعروة الوثقى هي “لا إله إلا الله”. وفي رواية للبخاري فقال: ” ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله “.
قلت: لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها:
أحدها: العلم المنافي للجهل.
الثاني: اليقين المنافي للشك.
الثالث: القبول المنافي للرد.
الرابع: الانقياد المنافي للترك.
الخامس: الإخلاص المنافي للشرك.
السادس: الصدق المنافي للكذب.
السابع: المحبة المنافية لضدها.
[فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص80]
قال عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب:
وقال العلامة ابن القيم – رحمه الله تعالى – في معنى قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} 4 الآية ذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو: فإنه إما أن يكون طالبا للحق محبا له، مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال. وإما أن يكون مشتغلا بضد الحق. لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب. وإما أن يكون معاندا معارضا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن. فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجدال إن أمكن. انتهى.
[فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص80]
قال الاتيوبي :
قال: وقد احتجّ بهذا الحديث من قال: إن الكفّار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، وهو أحد القولين لأصحابنا – يعني المالكيّة – وغيرهم من حيث إنه – ﷺ – إنما خاطبهم بالتوحيد أوّلًا، فلمّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاة، والزكاة، وهذا لا حجة فيه؛ لوجهين:
[أحدهما]: أنه لم يَنُصّ النبيّ – ﷺ – على أنه إنما قَدَّم الخطاب بالتوحيد لما ذكروه، بل يَحتمل ذلك، ويَحتَمِل أن يقال: إنه إنما قدَّمه لكون الإيمان شرطًا مُصحّحًا للأعمال الفروعيّة، لا للخطاب بالفروع؛ إذ لا يصحّ فعلها شرعًا إلا بتقدّم وجوده
[وثانيهما]: أن النبيّ – ﷺ – إنما رَتَّب هذه المَواعد ليبيّن الأوكدَ، فالأوكدَ
وقول من قال: إن الرواة سكتوا عن ذكر الصوم والحجّ، قول فاسد؛ لأن الحديث قد اشتَهَرَ، واعتَنَى به الناسُ سلفًا وخَلَفًا، فلو ذكر رسول الله – ﷺ – له شيئًا من ذلك لنُقِلَ. انتهى [«المفهم» ١/ ١٨٢ – ١٨٣].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: أشار القرطبيّ بقوله: «وقول من قال إلخ» إلى الردّ على ابن الصلاح في قوله: إن ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض في حديث معاذ – رضي الله عنه – هذا من تقصير الراوي. انتهى [راجع: «الصيانة» ص ١٦٣]، وقد أجاد القرطبيّ في الردّ عليه، والله تعالى أعلم.
وقد أجاد البحث في هذا في «الفتح» حيث قال: ما نصّه:
لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج، مع أن بعث معاذ كما تقدم كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتُعُقّب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية؛ لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كُرِّرَا في القرآن، فمن ثَمَّ لم يُذْكَر الصوم والحج في هذا الحديث، مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وَجَبَا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم، فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه، كما في المعضوب، ويحتمل: أنه حينئذٍ لم يكن شُرعَ، انتهى.
قال الإتيوبي: أما قوله: «ويحتمل أنه لم يكن شُرع» فيه نظر لا يخفى؛ لأنه فرض قبله على الراجح كما سبق، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وقال البُلْقينيّ رحمه الله تعالى:
قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة منها اعتقاديّ، وهو الشهادة، وبدنيّ، وهو الصلاة، وماليّ، وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها؛ لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيّ محضٌ، والحجّ بدنيّ ماليّ، وأيضًا فكلمة الإسلام، هي الأصل، وهي شاقّة على الكفار، والصلوات شاقّة؛ لتكررها، والزكاة شاقّة؛ لما في جِبِلّة الإنسان من حُبّ المال، فإذا أَذْعَنَ المرء لهذه الثلاثة، كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها. انتهى. [«الفتح» ٣/ ٤٥٤ – ٤٥٥ كتاب الزكاة رقم الحديث (١٤٩٦)].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره الْبُلْقِينيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال شيخ الإسلام: أجاب بعض الناس: أن بعض الرواة اختصر الحديث وليس كذلك. فإن هذا طعن في الرواة؛ لأن ذلك إنما يقع في الحديث الواحد; مثل حديث وفد عبد القيس حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره، فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيها كذلك، ولكن عن هذا جوابان:
أحدهما: أن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين ثم الصلاة. فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي، ولهذا لم يذكر وجوب الحج، كعامة الأحاديث، إنما جاء في الأحاديث المتأخرة.
الجواب الثاني: أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه. فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها: كالصلاة والزكاة. ويذكر تارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم. فإما أن يكون قبل فرض الحج; وإما أن يكون المخاطب بذلك لا حج عليه. وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان ظاهرتان بخلاف الصوم، فإنه أمر باطن من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة، ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم وأن يأكل سرا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته، وهو يذاكر في الأعمال الظاهرة التي يقاتل الناس عليها ويصيرون مسلمين بفعلها. فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصوم، وإن كان واجبا كما في آيتي براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس. وكذلك لما بعث معاذا إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصوم؛ لأنه تبع وهو باطن، ولا ذكر الحج؛ لأن وجوبه خاص ليس بعام، ولا يجب في العمر إلا مرة. انتهى بمعناه .
قوله: “أخرجاه” أي البخاري ومسلم، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
[فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص80]
[تنبيه]: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى عند قوله: «فإذا عرفوا الله فأخبرهم إلى آخره»: ما نصه: هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين بالله تعالى، وهو مذهب حُذّاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين بالله تعالى، وإن كانوا يعبدوف، ويظهرون معرفته؛ لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يَمْنَع أن يعرف الله تعالى من كَذب رسولًا.
قال القاضي عياض رحمه الله: ما عرف الله تعالى مَنْ شَبَّهَهُ، وجَسَّمه من اليهود، أو أجاز عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج، من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك، والمعاند في خلقه من المجوس، والثَّنَويّة، فمعبودهم الذي عبدوه، ليس هو الله، وإن سَمَّوه به؛ إذ ليس موصوفًا بصفات الإله الواجبة له، فإذن ما عرفوا الله سبحانه، فتحقق هذه النكتة، واعتَمِد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران الفاسيّ [هو الإمام الكبير العلامة عالم القيروان، أبو عمران، موسى بن عيسى الفاسيّ نزيل القيروان، .. [«إكمال المعلم» ١/ ١٨١ – ١٨٣، ونقله النوويّ في «شرح» ١/ ١٩٩ – ٢٠٠].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي عياض بقوله: «وبهما قطع الكلام أبو عمران إلخ» إلى قصّة ساقها الحافظ الذهبيّ في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة أبي عمران الفاسيّ المذكور، فقال:
وحكى القاضي عياض، قال: حَدَثَ في الْقَيْرَوان مسألة في الكفار، هل يَعرِفون الله تعالى، أم لا؟ فوقع فيها اختلاف العلماء، ووقعت في ألسنة العامّة، وكَثُرَ المراء، واقتتلوا في الأسواق، إلى أن ذَهَبُوا إلى أبي عمران الفاسيّ، فقال: إن أنصتم عَلَّمتكم، قالوا: نعم، قال: لا يُكَلِّمني إلا رجل، ويسمع الباقون، فَنَصَبُوا واحدًا، فقال له: أرأيتَ لو لقيت رجلًا، فقلت له: أتَعْرِف أبا عمران الفاسيّ؟ قال: نعم، فقلت له: صفه لي، قال: هو بَقّالٌ في سوق كذا، ويسكن سَبْتَةَ، أكان يعرفني؟ فقال: لا، فقال: لو لقيتَ آخر، فسألته كما سألت الأولَ، فقال: أعرفه، يُدَرِّسُ العلم، ويُفتي، ويسكن بغرب الشماط، أكان يعرفني؟ قال: نعم، قال: فكذلك الكافر قال: لربه صاحبةٌ، وولدٌ، وأنه جسم، فلم يعرف الله، ولا وصفه بصفته، بخلاف المؤمن، فقال: شَفَيتنا، ودَعَوا له، ولم يخوضوا بعدُ في المسألة.
قال الذهبيّ معلّقًا على الكلام: المشركون والكتابيون وغيرهم عَرَفُوا الله تعالى، بمعنى أنهم لم يَجْحَدوه، وعرفوا أنه خالقهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، فهؤلاء لم يُنكروا البارئ، ولا جحدوا الصانع، بل عرفوه، وإنما جَهِلُوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون، وأما المؤمن فعرف ربه بصفات الكمال، ونَفَى عنه سمات النقص في الجملة، وآمن بربه، وكَفَّ عما لا يَعْلَم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عَرَفَ الله من وجه، وجهله من وجوه، والنبيون عرفوا الله تعالى، وبعضُهُم أكمل معرفةً لله، والأولياءُ فعرفوه معرفة جيدةً، ولكنها دون معرفة الأنبياء، ثم المؤمنون العالمون بَعْدَهُم، ثم الصالحون دونهم، .. انتهى كلام الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى [«سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٤٦ – ٥٤٨]، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد يُسْتَدَل بلفظة «من أموالهم» على أنه إذا امتنع من الزكاة، أُخِذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته، ويَجزِيه ذلك في الباطن، فيه وجهان لأصحابنا – يعني الشافعيّة – انتهى [«شرح مسلم» ١/ ٢٠٠].
وقوله: (فتردّ على فقرائهم) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ لمالك على أن الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف المذكورين في الآية، وأنه يجوز للإمام أن يَصرفها إلى صنف واحد من الأصناف المذكورين في الآية، إذا رآه نظرًا ومصلحةً دينيّةً، وسيأتي هذا البحث مستوفًى في «كتاب الزكاة» – إن شاء الله تعالى.
وفيه دليلٌ لمن يقول: يدفعها من وجبت عليه للإمام العدل الذي يضعها مواضعها، ولا يجوز لمن وجبت عليه أن يلي تفرقتها بنفسه إذا أقام الإمام من تُدفع إليه.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي في هذا الاستدلال نظر، والذي يظهر لي أنه لا وجوب في ذلك إلا لموجب طارئ، كأن يكون الإمام ألزم أرباب الأموال الدفع إليه، وسنعود لاستيفاء البحث في موضعه – إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (وتوقّ كرائم أموالهم)، أي احذر من أخذ خيار أموالهم، ونفائسها، حذّره من ذلك نظرًا لأرباب الأموال، ورفقًا بهم، وكذلك أيضًا لا يأخذ من شرار المال، ولا معيبه؛ نظرًا للفقراء، فلو طابت نفس ربّ المال بشيء من كرائم أمواله جاز للمصدّق أخذها منه، ولو أن المصدّق رأى أن يأخذ معيبةً على وجه النظرة لمصلحة الفقراء جاز. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى [«المفهم» ١/ ١٨٣ – ١٨٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج، (1/ 403 – 441)، بتصرف].
——-
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل:
ويمكن بيان منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى، كالتالي:
(المطلب الأول): تمهيد: اختلاف الأمة الإسلامية وعدم احتكامها إلى الوحيين، وحدوث تيارات فكرية منحرفة أدّت إلى تحريف المنهج الإسلامية.
(المطلب الثاني): مقدمة: في بيان منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، ومن ذلك:
الأول: إكرام الإنسان بالعقل والفطرة.
فالله تعالى أكرم الإنسان ومن إكرامه له أن أعطاه العقل والفطرة السليمة التي توافق الشرع، فالعباد كلهم مفطورون على التوحيد، فاجتالتهم الشياطيين.
الثاني: إكرام البشر بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.
فالله تعالى لم يكلهم إلى العقل والفطرة بل أيد ذلك بالرسل، وأمر الأمم بطاعتهم، وكانت رسالاتهم شاملة لكل خير محذرة من كل شر،
وأن أسس دعوة الأنبياء تلتقي في التوحيد والنبوات والمعاد،
وأن كتب الله تعالى كلها داعية إلى هذه الأسس ومن أهمها التوحيد، بل إن قرآننا كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي ضد ذلك.
الثالث: بيان توحيد الألوهيَّة وأهميَّته وهو أن العبادات لا تصرف إلا لله تعالى، وأنه الجانب الأهم من دعوات الرسل عليهم السلام، وفيه حصل الخلاف الكبير عند المنتسبين للإسلام.
(المطلب الثالث) بيان دعوات الأنبياء بصفة عامة:
وأن دعوتهم جميعاً إلى التوحيد، مما يدل أنّ هذا هو الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلك في دعوة الناس إلى الله تعالى.
(المطلب الرابع ): [فإذا قال قائل]: هل يجوز للدعاة إلى الله في أيّ عصرٍ من العصور العدول عن منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله؟
الجواب:
لا يجوز شرعاً ولا عقلاً العدول عن هذا المنهج واختيار سواه؛ وذلك عدة أمور:
أولاً: أنَّ هذا هو الطريق الأقوم
ثانياً: أنَّ الأنبياء قد التزموه وطبّقوه
ثالثاً: أنَّ الله قد أوجب على رسولنا الكريم الذي فرض الله علينا اتباعه أن يقتدي بهم
رابعاً: ولما كانت دعـوتهم في أكمـل صورها تتمثل في دعوة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام -، زاد الله الأمر تأكيداً، فأمر نبيّنا محمداً — باتباع منهجه
خامساً: أمرنا عند التنازع بالرجوع إلى الله والرسول، فإذا رجعنا إلى القرآن أخبرنا أنَّ كل الرسل كانت عقيدتهم عقيدة التوحيد
[لمحة عن كتاب: “منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله في الحكمة والعقل”، للشيخ ربيع بن هادي المدخلي، بقلم: خالد بن ضحوي الظفيري، بتصرف].
رابعًا: فوائد الحديث:
١ – (منها): أن فيه قبولَ خبر الواحد، ووجوب العمل به، مطلقًا، سواء كان في باب العقائد، أو في باب الأحكام، وهو مجمع عليه بين أهل السنة، وإنما خالف فيه بعض أهل الزيغ
٢ – (ومنها): أن الكفار يُدْعَون إلى التوحيد قبل القتال، وأن لا يُحكَم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصحّ شيء من فروعه إلا بتحققّه.
٣ – (ومنها): أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة.
٤ – (ومنها): أن الوتر ليس بواجب؛ لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبيّ – ﷺ – بقليل، بعد الأمر بالوتر، والعملِ به، قال صاحب «التوضيح»: وهذا ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش به فقد غَلِط.
وقد ناقشه العينيّ ناصرًا لمذهبه، كعادته في مثل هذا، تركت ذكره؛ لعدم جدواه؛ إذ الانتصار إنما هو للحقّ، لا لآراء الرجال، وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في محلّه – إن شاء الله تعالى -.
٥ – (ومنها): أن الزكاة فرض.
٦ – (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله – ﷺ -: «فتُرَذ في فقرائهم».
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وفيه عندي ضعف؛ لأن الأقرب أن المراد تؤخذ من أَغْنِيَائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنهم من أهل اليمن، وكذلك الردّ عليهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر، فهو محتمل احتمالًا قويًّا، ويقوّيه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكليّة لا تُعتبر، ولولا وجود مناسبة في باب الزكاة لقُطع بأن ذلك غير معتبر، وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصلاة، ولا يختصّ بهم قطعًا، أعني الحكم، وإن اختصّ بهم خطاب المواجهة، انتهى كلامه.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى من ضعف الاستدلال بهذا الحديث على عدم جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر هو الأرجح عندي؛ لما بيّنه في تحقيقه، وأما محاولة الصنعاني في «حاشيته» بالردّ عليه، ففيها نظر، فتأملها بعين الإنصاف.
وقد مال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه» لهذا الكتاب إلى ما رجحه ابن دقيق العيد، فانظره [«شرح صحيح مسلم» ١/ ١٩٧]. وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه – إن شاء الله تعالى -.
٧ – (ومنها): أنه يدلّ على أن من مَلَكَ النصابَ لا يُعطى من الزكاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك رحمهم الله تعالى من حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيًّا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذةٌ منه، فهو غنيّ، والغنيّ لا يُعطَى من الزكاة، إلا في المواضع المستثناة في الحديث، وليس بالشديد القوّة، قاله ابن دقيق العيد [«إحكام الأحكام» ٣/ ٢٧٨ بنسخة حاشية «العدّة»].
وأشار بالحديث إلى ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد – رضي الله عنه – مرفوعًا: «لا تحلّ الصدقة لغني، إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدّق عليه بها، فأهداها لغنيّ».
٨ – (ومنها): بيان عِظَم تحريم الظلم، وأن الإمام ينبغي أن يَعِظَ ولاته، ويأمرهم بتقوى الله تعالى،
٩ – (ومنها): أنه يَحرُم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط، انتهى [«إحكام الأحكام» مع حاشية «العدّة» ٣/ ٢٧٩ – ٢٨٠].
١٠ – (ومنها): أن الزكاة لا تُدفع إلى كافر، ولا تُدفع أيضًا إلى غنيّ من نصيب الفقراء.
١١ – (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة، من الصلاة والصوم والزكاة، وتحريم الزنا ونحوها؛ لكونه – ﷺ – قال: «فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن عليهم»، فدَلّ على أنهم إذا لم يُطيعوا لا يجب عليهم.
قال النوويّ: وهذا الاستدلال ضعيف؛ فإن المراد علمهم بأنهم مُطَالَبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبةُ في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، ولأنه – ﷺ – رَتَّبَ ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهمّ، ألا تراه بدأ – ﷺ – بالصلاة قبل الزكاة، ولم يقل أحد: إنه يصير مكلفًا بالصلاة دون الزكاة. انتهى كلام النوويّ [«شرح مسلم» ١/ ١٩٧ – ١٩٨]، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم.
١٢ – (ومنها): استَدَلَّ به من قال من العلماء أنه لا يشترط التَّبرِّي من كل دين يخالف دين الإسلام؛ خلافًا لمن قال: إن من كان كافرًا بشيء، وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به.
والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة عُزير وغيره، فَيُكْتَفَى بذلك.
١٣ – (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يُضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة، وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأُولى مسلمًا، ويُطالَب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة.
١٤ – (ومنها): أنه استُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون الله، ويُظهرون معرفته. [البحر المحيط الثجاج].
[تنبيه]:
وقد سبق الإشارة إلى أهل الكلام، وعظم المسائل التي تحدثوا بها وألزموا الناس بإلزامت فاسدة وعظيمة، ومن ذلك أن أول واجب، هو الشك في الله تعالى؛ إذ هو اللازم عن وجوب النظر، أو القصد إلى النظر! نسأل الله العافية وهذا مخالف لنصوص الوحيين.
فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم في تتمة (101).