جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (٦) – (بَابُ الأَمْرِ بِالإِيمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ – ﷺ -، وَشَرَائِعِ الدِّين، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ)
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٢٣] (١٧) – (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.
(ح) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى – وَاللَّفْظُ لَهُ – أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ الله – ﷺ -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا هَذَا الْحَيَّ، مِنْ رَبِيْعَةَ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا في شَهْرِ الْحَرَام، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِه، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا.
قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع: الْإِيمَانِ باللهِ»، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ، فَقَالَ: «شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالنَّقِير، وَالْمُقَيَّرِ – زَادَ خَلَفٌ فِي رِوَايَتِهِ – شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ»، وَعَقَدَ وَاحِدَةً).
[١٢٤] (…) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاس، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ – ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْم، أَوْ بِالْوَفْد، غَيْرَ خَزَايَا، وَلَا النَّدَامَى»، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَام، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بَأرْبَع، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، قَالَ: أَمَرَهُمْ بَالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ؟ «قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:»شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنْ الْمَغْنَمِ«، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ»، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: «النَّقِيرِ»، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: «الْمُقَيَّرِ»، وَقَالَ: «احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ»، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: «مَنْ وَرَاءَكُمْ»، وَلَيْسَ فِي روَايَتِهِ: «الْمُقَيَّرِ»).
[١٢٥] (…) – وحَدَّثَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيث، نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَالَ: «أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ في الدُّبَّاء، وَالنَّقِير، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ»، وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِه، عَنْ أَبِيه، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْأَشَجّ، أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْن، يُحِبُّهُما اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأنَاةُ»).
[١٢٦] (١٨) – (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ عَبْدِ الْقَيْس، قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّ أنَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْس، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحُرُم، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ، نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «آمرُكُمْ بِأَرْبَع، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: اعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزّكاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْغَنَائِمِ.
وَأنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّت، وَالنَّقِيرِ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: «بَلَى، جِذْعٌ تنقُرُونَهُ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاء»
– قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ -: مِنْ التَّمْر، ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاء، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ – أَوْ – إِنَّ أَحَدَهُمْ، لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ»، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ، قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا؛ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَم، الَّتي يُلَاثُ عَلَى أفوَاهِهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِن أَرْضَنَا كثِيرَةُ الْجِرْذَان، وَلَا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَم، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: (وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ«، قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ:»إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْن، يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ”).
[١٢٧] (. . .) – (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، لَقِيَ ذَاكَ الْوَفْدَ، وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَن وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ – ﷺ – بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَن فِيهِ: «وَتَذِيفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاء، أَوْ التَّمْرِ وَالْمَاءِ»، وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: «مِنَ التَّمْرِ»).
١٢٨ – (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. (ح) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَةَ، أَنَّ أبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ وَحَسَنًا أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدرِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أتوا نَبِيَّ اللهِ – ﷺ – قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ – جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ – مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِن الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ – جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ – أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، الْجِذْعُ، يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلَا فِي الدُّبَّاء، وَلَا فِي الْحَنْتَمَة، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
(٦) – (بَابُ الأَمْرِ بِالإِيمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ – ﷺ -، وَشَرَائِعِ الدِّين، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ)
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٢٣] (١٧) – ( … ).شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) – بالجيم والراء – نصر بن عمران، كما تقدم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) – رضي الله عنه -، أنه (قَالَ) سبب قول ابن عباس – رضي الله عنه – هذا أن امرأةً جاءته تسأله عن نبيذ الجرّ، كما سيأتي في الحديث التالي: – إن شاء الله تعالى – (قَدِمَ) – بكسر الدال – وفي «القاموس»: وقَدِمَ من سَفَرِه، كعَلِمَ قُدُومًا وقِدْمَانًا بالكسر: آب، فهو قادم، انتهى [«القاموس المحيط» ص ١٠٣٤].
(وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ) «الْوَفد» بفتح، فسكون: جمع وافد، قال الفيّوميّ: وَفَدَ على القوم وَفْدًا، من باب وَعَدَ، ووُفُودًا، فهو وافدٌ، وقد يُجمَعُ على وُفَّاد، ووُفَّدٍ، وعلى وَفْدٍ، مثلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، انتهى [«المصباح» ٢/ ٦٦٦].
و«عبد القيس»: أبو قبيلة، وهو ابن أفصى – بفتح الهمزة، وسكون الفاء، والصاد المهملة المفتوحة – ابن دُعْميّ – بضم الدال المهملة، وسكون العين المهملة، وبياء النسبة – ابن جَدِيلة – بفتح الجيم – ابن أسد بن ربيعة بن نِزَار، كانوا ينزلون البحرين، وحوالي القطيف والأحساء، وما بين هَجَر إلى الديار المصريّة [راجع «عمدة القاري» ١/ ٣٠٤].
(عَلَى رَسُولِ الله – ﷺ -) متعلّق بـ «قَدِمَ»، قال صاحب «التحرير»: وَفْدُ عبد القيس هؤلاء تقدَّموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله – ﷺ -، وكانوا أربعة عشر راكبًا الأشجّ الْعَصَريّ [واسمه المنذر بن عائذ – ….ابن عبد القيس بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار، وإنما قال له النبيّ – ﷺ -: الأشجّ لأثر كان في وجهه. انتهى»عمدة القاري«١/ ٣٠٨] رئيسهم،
وفي »المعرفة« لابن منده، من طريق هُود العَصَريّ، عن جده لأمه، مزيدة، قال: بينما رسول الله – ﷺ – يحدث أصحابه، إذ قال لهم: «سيطلُع لكم من هذا الوجه رَكْبٌ، هم خير أهل المشرق»، فقام عمر، فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فرَحَّب، وقرب، وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس.
فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب، أو مُرتدفًا.
وأما ما رواه الدُّولابيّ وغيره من طريق أبي خَيْرَة – بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثنّاة التحتانية، وبعد الراء هاء – الصُّبَاحيِّ وهو – بضم الصاد المهملة، بعدها موحدة خفيفة، وبعد الألف حاء مهملة – نسبة إلى صُبَاح بطن من عبد القيس، قال: كنت في الوفد الذين أَتَوْا رسول الله – ﷺ – من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلًا، فنهانا عن الدباء، والنقير … الحديث.
فيمكن: أن يُجْمَع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر، كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانًا، وكان الباقون أتباعًا.
وطول ابن حجر في ذكر اسمائهم
وقال الحافظ: وإنما أطلت في هذا الفصل؛ لقول صاحب «التحرير»: إنه لم يَظْفَر بعد طول التتبع إلا بما ذكرهم، انتهى [«الفتح» ١/ ١٥٨ – ١٥٩].
تخريج : روى ابن حبان ٧٢٥٠ – أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زُهَيْرٍ بِتُسْتَرَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زِمام حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ حَدَّثَنَا شُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
(خَيْرُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ عَبْدُ الْقَيْسِ أَسْلَمَ النَّاسُ كَرْهًا وأسلموا طائعين)
[تعليق الشيخ الألباني]
صحيح لغيره – «الصحيحة» (١٨٤٣)
وعند أبي يعلى :
٦٠٦٢ – حَدَّثَنَا خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ كَهْمَسٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «خَيْرُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ عَبْدُ الْقَيْسِ»
[حكم حسين سليم أسد]: إسناده حسن
وفي مسند أحمد
١٧٨٣٠ – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي الْقَمُوصِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحَدُ الْوَفْدِ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، – فَإِنْ لَا يَكُنْ قَالَ: قَيْسَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَإِنِّي نَسِيتُ اسْمَهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ – قَالَ: وَابْتَهَلَ يَدْعُو لِعَبْدِ الْقَيْسِ وَوَجْهُهُ هَاهُنَا مِنَ الْقِبْلَةِ، – يَعْنِي عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ حَتَّى اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ يَدْعُو لِعَبْدِ الْقَيْسِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ عَبْدُ الْقَيْسِ» وحسنه محققو المسند
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: اعترض العينّي على الحافظ في الجمع المذكور، مع أنه سبق له قوله: لم يذكر دليله، ونصّ عبارة العينيّ بعد ذكره الجوابين: هذا عجيب منه؛ لأنه لم يسلّم التنصيص على العدد المذكور، فكيف يوفق بينه وبين ثلاثة عشر، وأربعين؟
قال الإتيوبي: يجاب عن الحافظ بأن جمعه المذكور على تقدير صحة ذلك، والله تعالى أعلم.
قلنا :
٢٨٢٥ – عن أبي خَيْرَة الصُّبَاحي قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ من وفد عبد القيس وكنا أربعين رجلًا فنهانا عن الدُّبَّاء والنَّقِير. الحديث
قال الحافظ: رواه الدولابي وغيره من طريق أبي خَيْرَة الصُّبَاحي قال: فذكره«
ضعيف
أنيس الساري (تخريج أحاديث فتح الباري) ٦/٤٠٥٦ — نبيل البصارة (معاصر)
قال العينيّ رحمه الله تعالى: ومن الذين كانوا في الوفد الأعور بن مالك ….
فهؤلاء اثنان وعشرون رجلًا زيادة على ما ذكره هذا القائل [-يريد الحافظ ابن حجر-]، فجملة الجميع تكون خمسة وأربعين نفسًا، فعلمنا أن التنصيص على عدد معيّن لم يصحّ، ولهذا لم يُخرجه البخاريّ ومسلم بالعدد المعيّن، انتهى كلام العينيّ رحمه الله تعالى [ راجع «عمدة القاري» ١/ ٣٠٩].
[تنبيه]: سبب قدوم وَفْد عبد القيس على النبيّ – ﷺ – أنّ مُنقِذ بن حَبّان أحد بني غَنْم بن وَدِيعة كان مَتْجَرُه إلى يثرب في الجاهلية، فشَخَصَ إلى يثرب بِمَلاحِفَ وتَمْر من هَجَر، بعد هجرة النبيّ – ﷺ -، فبينا منقذُ بن حبّان قاعدٌ إذ مَرّ به النبيّ – ﷺ -، فنَهَضَ منقذ إليه، فقال النبيّ – ﷺ -: »أمنقذُ بن حبّان؟ كيف جميع هيئتك وقومك؟ ثم سأله عن أشرافهم، رجلٍ رجلٍ، يُسَمِّيهم بأسمائهم، فأسلم منقذٌ، وتَعَلَّم «سورة الفاتحة»، و«اقرأ باسم ربك»، ثم رَحَلَ قِبَلَ هَجَر، فكتب النبيّ – ﷺ – معه إلى جماعة عبد القيس كتابًا، فذَهَب به، وكَتَمَه أيامًا، ثم اطَّلَعت عليه امرأته، وهي بنت المنذر بن عائذ – بالذال المعجمة – ابن الحارث، والمنذر هو الأشجّ، سَمّاه رسول الله – ﷺ – به؛ لأثر كان في وجهه، وكان منقذ – رضي الله عنه – يصلي، ويقرأ، فنَكِرَت امرأته ذلك، فذكرته لأبيها المنذر، فقالت: أنكرت بَعْلي منذ قَدِمَ من يثرب، إنه يغسل أطرافه، ويستقبل الجهة – تعني القبلة – فيَحنِي ظهره مرّةً، ويضع جَبِينه مرةً، ذلك دَيْدَنه منذ قَدِمَ، فتلاقيا، فتجاريا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، ثم ثار الأشجّ إلى قومه عَصَرَ ومُحَارِب بكتاب رسول الله – ﷺ -، فقرأه عليهم، فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على المسير إلى رسول الله – ﷺ -، فسار الوَفْدُ، فلما دَنَوْا من المدينة، قال النبيّ – ﷺ – لجلسائه: «أتاكم وَفْدُ عبد القيس خير أهل المشرق، وفيهم الأشجّ العصَريّ، غير ناكثين، ولا مُبَدِّلين، ولا مُرْتابين؛ إذ لم يُسْلِم قوم حتى وُتِرُوا»، نقله النوويّ عن صاحب «التحرير» [راجع «شرح النوويّ» ١/ ١٨١].
تفرد به محمد بن عبد الرحمن السلمي.
قال الألباني في حديث آخر : هو مجهول كشيخه ابي عمران الحراني
(وَقَدْ حَالَتْ) أي منعت، (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) وهو مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، ويقال له مضر الحمراء، ولأخيه ربيعة الفَرَس؛ لأنهما لَمّا اقتسما الميراث أُعطي مُضَرُ الذهب، وربيعة الخيل، وكانوا يخافون منهم إلا في الأشهر الْحُرُم؛ لامتناعهم من القتال فيها
قولهم: «شهر الحرام» المراد به جنس الأشهر الْحُرُم، وهي أربعة أشهر حُرُم، كما نَصَّ عليه القرآن العزيز، وتدل عليه الرواية الأخرى بعد هذه: «إلا في أشهر الحرُم»، قاله النوويّ.
وقال في «الفتح»: المراد بالشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده روايةُ: «إلا في أشهر الحرم»، وروايةُ: «إلا في كل شهر حرام»، وقيل: اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مُضَرُ تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة – رضي الله عنه – حيث قال: «رجبُ مضر»، كما سيأتي، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم، مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسأوها بخلافه.
وفيه: دليلٌ على تقدّم إسلام عبد القيس على قبائل مُضَر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وقال الزجاج: هي الغاية التي تُقْصَد، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما رواه البخاريّ في «كتاب الجمعة» من طريق أبي جمرة أيضًا، عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال: «إنّ أوّلَ جمعة جُمِّعَت بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله – ﷺ – في مسجد عبد القيسِ بِجُوَاثَى من البحرين»، و«جُوَاثَى» بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فَدَلَّ على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام، انتهى [«الفتح» ١/ ١٦٠].
[تنبيه]: الأشهر الحُرُم هي: ذو الْقَعْدَة، وذو الْحِجَّة، والمحرَّم، ورجب، هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء، من أصحاب الفنون،
(قَالَ) – ﷺ – (آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ) أي بأربع خصال، أو بأربع جُمَل (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أي عن الانتباذ في أربعة أوعية، فالمنهيّ عنه واحد بالنوع، وهو الانتباذ، ثم إنه تعدّد بحسب الأوعية الأربع الآتي ذكرها
(الْإِيمَانِ بِاللهِ ثم فسرها لهم ) (فَقَالَ) – ﷺ – (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللهُ)
قال النوويّ رحمه الله تعالى:
وقد ذكر البخاريّ هذا الحديث في مواضع كثيرة، من «صحيحه»، وقال فيه في بعضها: «شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له»، ذكره في «باب إجازة خبر الواحد»، وذكره في باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل – ﷺ – في آخر ذكر الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين – وقال فيه: «آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان»، بزيادة واو [سيأتي أن زيادة الواو رواية شاذّة، فتنبّه]، وكذلك قال فيه في أول «كتاب الزكاة»: «الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله»، بزيادة واو أيضًا، ولم يَذكُر فيها الصيام، وذكر في باب حديث وفد عبد القيس: «الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله».
فهذه ألفاظ هذه القطعة في «الصحيحين»، وهذه ألفاظ مما يُعَدُّ من المشكل، وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق، والإشكال في كونه – ﷺ – قال: «آمركم بأربع»، والمذكور في أكثر الروايات خمس.
واختلف العلماء في الجواب عن هذا على أقوال:
أظهرها ما قاله الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى في «شرح صحيح البخاريّ»، قال: أمرهم بالأربع التي وَعَدَهم بها، ثم زادهم خامسة – يعني أداء الخمس -؛ لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، فكانوا أهل جهاد وغنائم.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا، فقال: قوله: «أمرهم بالإيمان بالله» أعاده لذكر الأربع، ووصفِهِ لها بأنها إيمان، ثم فسرها بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، فهذا موافق لحديث: «بُنِي الإسلام على خمس»، ولتفسير الإسلام بخمس، في حديث جبريل عليه السلام، وقد سبق أن ما يُسَمَّى إسلامًا يُسَمَّى إيمانًا، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وقد قيل: إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث؛ لكونه لم يكن نزل فرضه.
وأما قوله – ﷺ -: «وأن تؤَدُّوا خُمُسًا من المغنم»، فليس عطفًا على قوله: «شهادة أن لا إله إلا الله»، : وأما عدم ذكر الصوم في الرواية الأولى، فهو إغفال من الَراوي، وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله – ﷺ -، بل من اختلاف الرُّواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ، على ما تقدم بيانه، فافهم ذلك، وتدبّره تجده – إن شاء الله تعالى – مما هدانا الله سبحانه وتعالى لحلِّه من الْعُقَد.
قال النووي – بعد نقل كلام ابن بطّال، وابن الصلاح -: وقيل في معناه غير ما قالاه، مما ليس بظاهر، فتركناه.
قال: وأما قول ابن الصلاح: إن ترك الصوم في بعض الروايات إغفال من الراوي، وكذا قاله القاضي عياض وغيره، وهو ظاهرٌ، لا شكّ فيه، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكانت وفادة عبد القيس عامَ الفتح قبل خروج النبيّ – ﷺ – إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر، انتهى [«شرح مسلم» للنوويّ ١/ ١٨٣ – ١٨٤].
وقال في «الفتح» عند قوله: «فأمرهم بأربع» أي: خصالٍ، أو جُمَلٍ؛ لقولهم: «حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ من الأمر»، وهي رواية قُرّة عند البخاريّ في «كتاب المغازي».
قال القرطبيّ: قيل: إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا بهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإلى هذا نحا الطيبيّ،
[فإن قيل]: ظاهر ما ترجم به البخاريّ من أَنَّ أداء الخمس من الإيمان، يقتضي إدخاله مع باقي الخصال، في تفسير الإيمان، والتقدير المذكور يخالفه.
[أجاب ابنُ رُشيد]: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء، منها أداء الخُمس، والأعمال التي تُدخل الجنة، هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير.
[فإن قيل]: فكيف قال في رواية حماد بن زيد، عن أبي جمرة: «آمركم بأربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله»، وعَقَدَ واحدةً، كذا للبخاريّ في «المغازي»، وله في «فرض الخمس»: وعقد بيده، فدل على أن الشهادة إحدى الأربع، وأما ما وقع عنده في «الزكاة» من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: «وشهادة أن لا إله إلا الله»، فهي زيادة شاذة، لم يُتَابعْ عليها حجاجَ بنَ منهال أحدٌ.
ثم ذكر [-الضمير لصاحب «الفتح»-] الاستشكال المتقدّم فقال: ما حاصله: كيف قال: «أربع»، والمذكورات خمس؟
قال: وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعًا لابن بطال، بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان، وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يَلْزَمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، قال: وكذلك لم يذكر الحج؛ لأنه لم يكن فُرِضَ.
وقال البيضاويّ: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأُخَر حذفها الراوي؛ اختصارًا، أو نسيانًا، كذا قال، وما ذَكَرَ أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع؛ لقوله: «وعَقَدَ واحدةً»، وكان القاضي أراد أن يَرْفَعَ الإشكال من كون الإيمان واحدًا، والموعود بذكره أربعًا.
ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشدّ في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها؛ لكثرة تعاطيهم لها.
وأما ما وقع في «كتاب الصيام»، من «السنن الكبرى» للبيهقيّ من طريق أبي قلابة الرَّقَاشِيّ، عن أبي زيد الهرويّ، عن قُرّة، في هذا الحديث، من زيادة ذكر الحج، ولفظه: «وتَحُجُّوا البيت الحرام»، ولم يتعرض لعدد، فهي رواية شاذة.
وقد أخرجه الشيخان، ومن استخرج عليهما، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان، من طريق قُرّة، لم يذكر أحدٌ منهم الحج، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره، فلعل هذا مما حَدَّث به في التغير.
وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة، وقد ورد ذكر الحج أيضًا في «مسند الإمام أحمد» من رواية أبان العطار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، وعن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة وفد عبد القيس.
وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظًا، فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين، وأداء الخمس، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح» [«الفتح» ١/ ١٦١ – ١٦٣]، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم.
وفي «مسند أبي داود الطيالسي» عن أبي بكرة – رضي الله عنه – قال: أما الدُّبّاء، فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القَرْع، فيَخْرطُون فيه العنب، ثم يَدْفِنُونه، حتى يُهدَر، ثم يموت.
وأما «النقير»: فإن أهل اليمامة كانوا يَنْقُرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرُّطَب والبسر، ثم يَدَعُونه، حتى يُهدَر ثم يموت.
وأما «الْحَنْتَم»: فَجِرَارٌ كانت تُحمَلُ إلينا فيها الخمر.
وأما «المُزَفَّت»: فهذه الأوعية التي فيها الزِّفتُ، انتهى، وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أولى أن يُعْتَمَدَ عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد. انتهى [«الفتح» ١/ ١٦٣].
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما معنى النهي عن الانتباذ في هذه الأربع، فهو أنه نَهَى عن الانتباذ فيها، وهو أن يُجْعَل في الماء حَبّات، من تمر، أو زبيب، أو نحوهما، لِيَحْلُوَ؛ ويُشْرَب، وإنما خُصَّت هذه بالنهي؛ لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حَرَامًا، وتبطل ماليته، فَنَهَى عنه؛ لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شَرِبَه بعد إسكاره مَن لم يَطَّلِعِ عليه، ولم يَنْهَ عن الانتباذ في أسقية الأَدَم، بل أَذِنَ فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخْفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شَقَّها غالبًا.
ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نُسِخَ بحديث بُرَيدة – رضي الله عنه – أن النبي – ﷺ – قال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وِعَاءٍ، ولا تشربوا مُسْكِرًا»، رواه مسلم في «الصحيح».
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخًا هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قال الخطابيّ: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باقٍ، وكَرِهُوا الانتباذ في هذه الأوعية، ذهب إليه مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس – رضي الله عنهم -، انتهى [»شرح النوويّ«١/ ١٨٥ – ١٨٦].
(زَادَ خَلَفٌ) هو خَلَف بن هشام شيخ المصنّف الأول (فِي رِوَايَتِهِ) عن حمّاد بن زيد (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ) أي مع «وأن محمدًا رسول الله» كما صُرِّح به في رواية يحيى بن يحيى شيخه الثاني، عن عباد بن عباد، قال في «الفتح»: والاقتصار على «شهادة أن لا إله إلا الله» على إرادة الشهادتين معًا؛ لكونها صارت عَلَمًا على ذلك.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٢٤١] (…) – الحديث
شرح الحديث:
وقال النوويّ في»شرحه«: وأما معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة، ثم قيل: إنه كان يتكلم بالفارسية، فكان يُتَرْجِم لابن عباس عمن يتكلم بها، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وعندي أنه كان يُبَلِّغ كلام ابن عباس إلى من خَفِي عليه من الناس، إما لزحامٍ مَنَعَ من سماعه فأسمعهم، وإما لاختصار مَنَعَ من فهمه فأفهمهم، أو نحو ذلك، قال: وإطلاقه لفظ»الناس«يُشْعِر بهذا، قال: وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، فقد أطلقوا على قولهم: «باب كذا» اسم الترجمة؛ لكونه يُعَبِّر عما يُذكَرُ بعده. انتهى [«صيانة صحيح مسلم» ص ١٥٢].
قال النوويّ: والظاهر أن معناه أنه يُفهمهم عنه، ويفهمه عنهم. انتهى [«شرح صحيح مسلم» ١/ ١٨٦].
واستظهر في «الفتح» كون ترجمته لقصور الفهم، قال: لأنه كان جالسًا معه على سريره، ففي رواية البخاريّ: «كنتُ أقعد مع ابن عبّاس، يُجلسني على سريره. . .»، فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يُحمَل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل: إن أبا جمرة كان يَعْرِف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها، قال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنه مخبرٌ، انتهى.
وقد بوب عليه البخاري في أواخر «كتاب الأحكام»، فقال: «باب ترجمة الحاكم، وهل يجوز ترجمان واحد» [راجع: «صحيح البخاريّ» ٩/ ٩٤]، وقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادة [«المفهم» ١/ ١٧١].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي الأول هو الأرجح، كما فعل ابن عبّاس – رضي الله عنهما -، والله تعالى أعلم.
قال القرطبي :
وفيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل، مستغنيًا به عن التنصيص على جواب الفتيا، إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة. انتهى [«المفهم» ١/ ١٧٢].
وللنسائيّ بسنده عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فَنَهَى عنه، قلت: يا أبا عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حُلْوًا، فأشرب منه، فَيُقَرْقِرُ بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل.
وللبخاريّ في أواخر «المغازي» من طريق قُرَّة، عن أبي جمرة قال: «قلت لابن عباس: إن لي جَرّةً أنتبذ فيها، فأشربه حُلْوًا، إن أكثرت منه فجالست القوم، فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: قَدِمَ وفد عبد القيس. . .».
فلما كان أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار، ناسب أن يذكره له.
وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم يبلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديثٌ بُرَيدة بن الحصيب – رضي الله عنه – عند مسلم وغيره [راجع: «الفتح» ١/ ١٥٨].
قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: في قوله: «مَنِ القومُ؟»، دليل على استحباب سؤال القاصد عن نفسه؛ لِيُعْرَفَ، فَيُنَزَّلَ مَنْزِلَته.
(قَالَ) – ﷺ -: (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ) معناه: صادفت رُحْبًا وسَعَةً، انتهى.
في رواية البخاريّ: «مَرْحبًا بالقوم الذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامى».
ومعنى هذا الكلام: تأنيسهم، وإكرامهم، والثناء عليهم بأنهم لم يحصل منهم تأخّر عن الإسلام، ولا عناد، بل بادروا بإسلامهم طائعين من غير خزيٍ لَحِقهم من قهر، ولا سباء، فلم يُخزِهِم حربٌ، ولم يَفْضَحهم سبيٌ، ولا ما أشبه ذلك، مما يستحيون بسببه، أو يُذلّون، أو يهانون، ثم إنهم لما أسلموا كذلك احتُرِموا، وأُكرموا، وأُحِبُّوا، فلم يندموا على ذلك، بل انشرحت صدورهم للإسلام، وتنوّرت قلوبهم بالإيمان.
وقوله (وَلَا النَّدَامَى»)، هكذا هو في الأصول: «النَّدَامَى» بالألف واللام و«خزايا» بحذفهما، ورُويَ في غير هذا الموضع بالألف واللام فيهما، ورُوي بإسقاطهما فيهما. قاله ابن الصلاح
بَشَّرهم بالخير عاجلًا وآجلًا؛ لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثَبَتَ ضدّها. انتهى [«الفتح» ١/ ١٦٠].
(قَالَ) الراوي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم: «كفّار مضر»، وفي قولهم: «اللهُ ورسوله أعلم» . قاله في «الفتح» [«الفتح» ١/ ١٦٠].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: هذا الذي قرّره الطيبيّ رحمه الله في توجيه الاستشكال الوارد على هذا الحديث من عدم عدّ الشهادتين من الأربع يضعّفه قوله: «وعقد واحدة»، فإنه ظاهر في كونه – ﷺ – عدّ الشهادتين منها، فالأولى ما سبق لابن الصلاح رحمه الله وغيره، من التوجيه بأنهما داخلتان فيها، وأن أداء الخمس غير داخل فيها، بل هو أمر مستقلّ،
(خُمُسًا) بضمّتين، أو بضمّ فسكون، كما سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي (مِنْ الْمَغْنَمِ») أي الغنيمة، وهي تُقْسَم على خمسة أخماس، أربعة أخماسه للغزاة، والخُمس يُخَمَّس ثانيًا للمصارف الخمسة التي بيّنها الله تعالى في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١].
وقوله: (وقال رسول الله ﷺ للأشجِّ أَشَجِّ عبد القيس: «إنّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة»).
وأما «الْحِلمْ»: فهو العقل، وهو بكسر الحاء، يقال منه: حَلُمَ الرجل يَحلُم بضمّ اللام: إذا صار حليمًا، وتحلّم: إذا تكلّف ذلك.
وأما «الأَناة»: فهي الرفق، والتَثَبُّتُ في الأمور، وتركُ الْعَجَلة،
وسبب قول النبيّ ﷺ ذلك له ما جاء في حديث الوفد: أنهم لَمّا وَصَلُوا المدينة بادروا إلى النبيّ ﷺ، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجَمَعَها، وَعَقَل ناقته، ولَبِس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبيّ ﷺ، فقرّبه النبيّ ﷺ وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبيّ ﷺ: «تبايعونَ على أنفسكم وقومكم؟»، فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول الله إنك لم تُزاول الرجل عن شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل معنا مَنْ يدعوهم، فمن اتبعنا كان منّا، ومن أبى قاتلناه، قال: «صدقت، إن فيك خصلتين. . .» الحديث [أخرجه أبو داود بمعناه مختصرًا في «سننه» ٥/ ٣٩٥ برقم (٥٢٢٥) ولفظه: حدثنا محمد بن عيسى بن الطّبّاع، حدثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق، حدثتني أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدّها زارع، وكان في وفد عبد القيس، قال: لَمّا قدمنا المدينة، فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنُقَبِّل يد النبي ﷺ ورجله، قال: وانتظر المنذر الأشجّ حتى أَتَى عَيْبَتَهُ، فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي ﷺ فقال له: «إن فيك خَلَّتَين يحبهما الله: الحلم والأناة»، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما، أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جَبَلَك عليهما، قال:»الحمد لله الذي جَبَلني على خلتين، يحبهما الله ورسوله«. وحسنه الشيخ الألباني دون ذكر رجله. انظر:»صحيح أبي داود«٣/ ٩١٨].
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فالأناة تربُّصُهُ حتى نظر في مصالحه، ولم يَعْجَل، والحِلمُ هذا القول الذي قاله الدالّ على صحة عقله، وجَوْدة نظره للعواقب [»إكمال المعلم” ١/ ١٦٦ – ١٦٨].
قال النوويّ: ولا يخالف هذا ما جاء في «مسند أبي يعلى» وغيره أنه لَمّا قال رسول الله ﷺ للأشجّ: «إن فيك خصلتين. . .» الحديث، قال: يا رسول الله، كانا فيَّ أم حَدَثَا؟ قال: «بل قديم»، قال: قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما [»شرح مسلم” للنوويّ ١/ ١٨٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما هذا متفق عليه.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٢٦] (١٨) – الحديث
شرح الحديث:
ثم فصّل الأربع الأُوَلَ، فقال (اعْبُدُو اللهَ) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: عبادته هي طاعته بفعل المأمور، وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن معنى الإسلام: الاستسلام لله تعالى المتضمّن غاية الانقياد، والذلّ، والخضوع. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: العبادة هي طاعة الله تعالى بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقال أيضًا: العبادة اسم جامع لكلّ ما يُحبّه الله تعالى ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة.
وقال العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: ومدارها على خمس عشرة قاعدةً، من كملها كمل مراتب العبوديّة، وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح، والأحكامُ التي للعبوديّة خمسة: واجبٌ، ومستحبّ، وحرام، ومكروه، ومباح، وهنّ لكلّ واحد من القلب، واللسان، والجوارح.
ولقد أجاد رحمه الله تعالى حيث قال في «نونيّته» [من الكامل]:
وَعِبَادَةُ الرَّحْمنِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ
وَمَدَارُهُ بِالْأَمْرِ أَمْرِ رَسُولِهِ … لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
ولبعضهم [من الكامل أيضًا]:
حَقُّ الإلَاهِ عِبَادَةٌ بِالأَمْرِ لَا … بِهَوَى النُّفُوسِ فَذَاكَ لِلشَّيْطَانِ
مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكٍ بِهِ شَيْئًا همَا … سبَبُ النَّجَاةِ فَحَبَّذَا السَّبَبَانِ
لَمْ يَنْجُ مِنْ غَضَبِ الْإِلَهِ وَنَارِهِ … إِلَّا الَّذِي قَامَتْ بِهِ الأَصْلَانِ
وَالنَّاسُ بَعْدُ فَمُشْرِكٌ بِإِلَاهِهِ … أَوْ ذُو ابْتِدَاعٍ أَوْ لَهُ الْوَصْفَانِ
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل العبادة التذلّل والخضوع، وسُمّيت وظائف الشرع على المكلّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها، خاضعين، متذلّلين لله تعالى [راجع: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ١٨ و٣٢].
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه:
[١٢٧] (. . .) – الحديث
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه:
١٢٨ – الحديث
[تنبيه]: (قوله: قال: أخبرني أبو قَزَعَة، أن أبا نَضْرة أخبره وحَسَنًا أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره).
هذا الإسناد مما يُعَدّ من مشكلات الأسانيد
وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ رحمه الله تعالى، وأَلَّف في ذلك كتابًا لطيفًا تبَجَّحَ فيه بإجادته وإصابته، مع وَهَم غير واحد من الحفّاظ فيه، فذَكَر أن حَسَنًا هذا هو الحسن بن مسلم بن يَنَّاق الذي رَوى عنه ابن جريج غير هذا الحديث، وأن معنى هذا الكلام: أن أبا نَضْرَة أخبر بهذا الحديث أبا قَزَعَةَ وحَسَن بن مسلم كِلَيْهِمَا، ثم أكَّد ذلك بأن أعاد، فقال: أخبرهما أنّ أبا سعيد أخبره – يعني أخبر أبو سعيد أبا نضرة – وهذا كما تقول: إنّ زيدًا جاءني وعمرًا جاءاني، فقالا: كذا وكذا.
وهذا من فصيح الكلام، واحتجّ على أن حَسَنًا فيه هو الحسن بن مُسلم بن يَنّاق بأنّ سَلَمَة بنَ شَبيب – وهو ثقة – رواه عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قَزعة أنّ أبا نَضْرَة أخبره، وحسَنَ بنَ مسلم بن يَنّاق أخبرهما، أن أبا سعيد أخبره. . . الحديث.
ورواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه «الْمُخَرَّج على صحيح مسلم».
وقد أسقط أبو مسعود الدمشقيّ وغيره ذِكْرَ حسنٍ أصلًا من الإسناد؛ لأنه مع إشكاله لا مَدْخَل له في رواية الحديث.
وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو عليّ الغسانيّ في كتابه «تقييد المهمل» في ذلك، وبَيَّنَ بُطلانه، وبطلان رواية من غَيَّرَ الضميرَ في قوله: «أخبرهما»، وغَيْرَ ذلك من التغييرات، ولقد أجاد وأحسن رحمه الله تعالى انتهى كلام الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى [«صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط» ص ١٥٨ – ١٦١].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق نفيسٌ جدًّا، كما قال ابن الصلاح [قال النوويّ في «شرحه» بعد نقل كلام ابن الصلاح رحمهما الله تعالى: وفي هذا القدر الذي ذكره أبلغ كفاية، وإن كان الحافظ أبو موسى قد أطنب في بسطه وإيضاحه بأسانيده، واستشهاداته، ولا ضرورة إلى زيادة على هذا القدر. والله تعالى أعلم].
ومن فوائد الحديث الباب أيضًا أنه لا عَتْبَ على طالب العلم، المستفتي إذا قال للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة، وفيه جوازُ مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد والاعتذار ليتلطف له في جواب لا يشقّ عليه، وفيه تأكيد الكلام، وتفخيمه؛ لِيَعْظُم وَقْعُهُ في النفس. والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وعليكم بالْمُوكَى) هو بضم الميم، وإسكان الواو، مقصورٌ غير مهموز، ومعناه: انبذُوا في السقاء الدقيق الذي يُوكَى، أي يُرْبَط فُوه بالْوِكَاء، وهو الخيط الذي يُرْبَط به.
قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان يتعلّق بالحديث سندًا، ومتنًا ما نصّه: فهذه أطراف مما يتعلّق بهذا الحديث، وهي وإن كانت طويلةً، فهي مختصرة بالنسبة إلى طالبي التحقيق.
ولقد أجاد رحمه الله تعالى في التنبيه، وأحسن المقال في التنويه، فعليك بالجدِّ والاستفادة، وعلوّ الهمة، وصدق العزيمة والإرادة، ولا تَمِلْ إلى الراحة والكسل، فإنه عنوان الفشل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ومنه التوفيق والعصمة والتفضيل. [البحر المحيط الثجاج، (1 / 325 – 402)، بتصرف].
[تنبيه]:
سبق عرض المسائل في الأبواب السابقة.
فوائد الحديث:
١ – (منها): الأمر بالإيمان بالله تعالى، ورسوله ﷺ، والأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان.
٢ – (ومنها): مشروعيّة وِفَادة الرؤساء، والأشراف إلى الأئمة عند الأمور المهمة.
٣ – (ومنها): تقديم الاعتذار بين يدي المسألة.
٤ – (ومنها): بيان مهمات الإسلام، وأركانه، ما سوى الحجّ؛ إذ لم يُفرض وقتئذٍ، وقيل: غير ذلك.
٥ – (ومنها): استعانة العالم في تفهيم الحاضرين، والفهم عنهم ببعض أصحابه، كما فعله ابن عبّاس رضي الله عنهما مع أبي جمرة رحمه الله تعالى.
٦ – (ومنها): جواز استفتاء المرأة الرجال الأجانب، وسماعها صوتهم، وسماعهم صوتها، خلافَ من قال: إنّ صوتها عورة، وهو قول ضعيف.
٧ – (ومنها): أن فيه استحباب تأنيس الرجل لزوَّاره، والقادمين عليه بقوله: مرحبًا، ونحوه، والثناء عليهم إيناسًا وبسطًا، وقد تكرر ذلك من النبي ﷺ، كهذا الحديث، وقوله ﷺ لأم هانئ رضي الله عنها: «مرحبًا بأم هانئ»، وفي قصة فاطمة رضي الله عنها: «مرحبًا بابنتي»، وكلها صحيحة وأخرج النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثيّ، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال له: لما دخل، فسلّم عليه: «مرحبًا، وعليك السلام»، وقد بوّب الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «صحيحه» ٨/ ٥٠ – ٥١: «باب قول الرجل: مرحبًا»، وأورد قول النبيّ ﷺ لفاطمة رضي الله عنها: «مرحبًا بابنتي»، وقصّة أم هانئ، ثم أخرج حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور في الباب.
٨ – (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه إذا لم يُخَف عليه الإعجاب، أو نحوه، وأما قوله ﷺ: «إياكم والمدح، فإنه الذبح»، أخرجه أحمد، وابن ماجه [قال الإتيوبي في حاشية البحر المحيط: “حديث حسنٌ، أخرجه أحمد ٤/ ٩٩ وابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية رضي الله عنه.”. انتهى.]، وقوله: «ويلك قطعت عنق صاحبك»، متّفقٌ عليه، فمحمول على ما إذا خيف فيه الافتتان.
قال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: وفيه جواز الثناء على الإنسان في وجهه، إذا لم يُخَفْ عليه فتنة بإعجاب ونحوه، وأما استحبابه فيختلف بحسب الأحوال والأشخاص، وأما النهي عن المدح في الوجه، فهو في حق من يُخاف عليه الفتنة … [«شرح مسلم» ١/ ١٩٥ – ١٩٦].
٩ – (ومنها): وجوب الْخُمُس في الغنيمة، قلّت أم كثُرت، وإن لم يكن الإمام مع السّريّة الغازية.
١٠ – (ومنها): النهي عن الانتباذ في الأواني الأربع المذكورة، وهو أن تجعل في الماء حبّات من تمر، أو زبيب، أو نحوهما؛ ليحلو، فيُشرب؛ لأنه يسرع فيها الإسكار، فيصير حرامًا، ولم يُنه عن الانتباذ في أسقية الأدم، كما سيأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه؛ لأنها لرقّتها لا يبقى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شقّها غالبًا.
١١ – (ومنها): أن في قوله: «إن وفد عبد القيس إلخ»، دليلٌ على أن مذهب ابن عباس رضي الله عنهما أن النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية، ليس بمنسوخ، بل حكمه باقٍ، وهذا منقول عنه، وعن عمر رضي الله عنه، وحكاه الخطابيّ عن مالك، وأحمد، وإسحاق، والصحيح قول جمهور أهل العلم: إنه منسوخ، وناسخه حديث بريدة بن الْحُصيب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلّ وِعاء، ولا تشربوا مسكرًا»، رواه مسلم، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه – إن شاء الله تعالى -.
١٢ – (ومنها): أنه استَنْبَطَ منه ابنُ التين رحمه الله جوازَ أخذ الأجرة على التعليم؛ لقول ابن عبّاس رضي الله عنهما لأبي جمرة: أقم حتى أجعل لك سهمًا من مالي”، وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج، كما ورد ذلك صريحًا عند البخاريّ.
١٣ – (ومنها): أن فيه اتخاذ المحدث المستملي.
١٤ – (ومنها): جواز قول: رمضان، من غير تقييد بالشهر.
١٥ – (ومنها): أنه لا عيب على الطالب، أو المستفتي أن يقول للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو ذلك.
١٦ – (ومنها): استحباب إكرام الفاضل، فقد أجلس النبيّ ﷺ الأشجّ إلى جانبه.
١٧ – (ومنها): أنه يدلّ على أن ابن عبّاس رضي الله عنهما كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنه مخبر، وقد اختُلف فيه، فقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادة، والأول أرجح.
١٨ – (ومنها): أن فيه ما يدلّ على أن المفتي يجوز له أن يذكر الدليل، مستغنيًا به عن إيضاح الفتيا، إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة، فقد استغنى ابن عبّاس رضي الله عنهما بإيراد الحديث للسائلة عن التصريح بحكم المسألة.
١٩ – (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على إبداء العذر، عند العجز عن توفية الحقّ واجبًا، أو مندوبًا، وعلى أنه يَبدأ بالسؤال عن الأهم، وعلى أن الأعمال الصالحة تُدخِل الجنة، إذا قُبِلت، وقبولها يقع برحمة الله تعالى.
٢٠ – (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد؛ لأنه فسّر الإسلام فيما مضى بما فسَّر به الإيمان هاهنا.
لكن : قال الشيخ عبيد الجابري في تعداد فوائد الحديث : تفسير النبي – صلى الله عليه وسلم – الإيمان بالأقوال والأعمال الظاهرة، وهذا دليل على أن الإيمان والإسلام إذا افترقتا شملت أحداهما الأخرى ، ألم تسمعوا إليه- صلى الله عليه وسلم – يقول: ((أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ))، وهذا يدل على أن القوم مسلمون ، ففسر لهم الإيمان بالأقوال والأعمال الظاهرة.
المصدر
الدرس الخامس من شرح صحيح البخاري
٢١ – (ومنها): ما قيل: إنما خُصّت هذه الأوعية المذكورة بالنهي؛ لأنها يسرع الإسكار إليها.
٢٢ – (ومنها): ما قيل: الحكمة في إجمال العدد قبل التفسير في قوله: «بأربع»، و«عن أربع»؛ لأجل تشويق النفس إلى التفصيل؛ لتسكن إليه، ولتحصيل حفظها للسامع، حتى إذا نسي شيئًا من تفاصيل ما أجمله طالبته نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي حفظه، عَلِم أنه قد فاته بعض ما سمعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج، (1/ 370 – 373)].
٢٣ – جمهور أهل السنة وافقوا الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى فتأدبوا مع النصوص، ومرجئة الفقهاء وافقوا الكتاب والسنة معنا وخالفوهما لفظا، ولا يجوز للمسلم أن يخالف النصوص لا لفظا ولا معنى. قال الله تعال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فبين الله تعالى أن هذه الأعمال كلها من الإيمان، فوجل القلب عند ذكر الله هذا عمل قلبي، وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن عمل قلبي ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ عمل قلبي ويشمل أيضا أعمال الجوارح من الإنفاق مما رزقهم الله، كل هذه الأشياء سماها إيمانا. وثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة» وفي رواية البخاري: «بضعٌ وستون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» فهذا من أقوى الأدلة في الرد على المرجئة فجعل النبي ﷺ الإيمان بضعا وسبعين شعبة فهذه كلها أدخلها النبي ﷺ في مسمى الإيمان فكيف يقال إن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان، وكذلك من أقوى الأدلة أيضا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وذلك أن «وفد عبد القيس جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لن نخلص إليك إلا في الشهر الحرام فمرنا بأمر فصل نعمل به ونخبر به من ورائنا فقال ﷺ: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خُمس ما غنمتم)» ففسر الإيمان بأعمال الجوارح وهذا دليل واضح صريح على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. فجمهور أهل السنة تأدبوا مع النصوص وأدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان ومرجئة الفقهاء وافقوا النصوص في المعنى لكن خالفوها في اللفظ ولا يجوز للإنسان مخالفة النصوص لا في اللفظ ولا في المعنى بل الواجب موافقة النصوص لفظا ومعنى.
أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر ١/١٤-١٦
عبدالعزيز الراجحي
٢٤ – قال حافظ الحكمي:
[مَرْتَبَةُ الْإِيمَانِ] :
… وَقَدْ فَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى “الْإِيمَانَ” بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 177] .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: مَا الْإِيمَانُ؟ فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [الْبَقَرَةِ: 177] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. ثُمَّ سَأَلَهُ أَيْضًا فَتَلَاهَا عَلَيْهِ ثُمَّ سَأَلَهُ فَقَالَ: “إِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً أَحَبَّهَا قَلْبُكَ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً أَبْغَضَهَا قَلْبُكَ”1 رَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ بِنَحْوِهِ، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَقَالَ: “آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ” قَالَ: “أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ “؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: “شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُؤَدُّوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمْسَ” 2، وَقَدْ جَعَلَ صلى الله عليه وسلم صِيَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَذَا قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَكَذَا أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَكَذَا الْجِهَادَ وَالْحَجَّ وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: “الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلَاهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ” 3 وَهَذِهِ الشُّعَبُ الْمَذْكُورَةُ قَدْ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ، مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ قَوْلِ اللِّسَانِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ جَامِعَةً لِقَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ وَقَوْلِ اللِّسَانِ وَعَمَلِهِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ، سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى إِيمَانًا فِي قَوْلِ اللَّهِ عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 143] يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَمَا سَبَقُونَا بِهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِالْغَيْبِ، ثُمَّ قَرَأَ: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ} إِلَى قَوْلِهِ: {الْمُفْلِحُونَ} [الْبَقَرَةِ: 1-5] 1. وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَرَاءَهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي قَصَدَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ بِقَوْلِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَإِنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ. وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَهُمْ.
وَأَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ وَجَعَلَهُ قَوْلًا مُحْدَثًا، مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَقَتَادَةُ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ2. قَالَ الثَّوْرِيُّ: هُوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ، أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْأَمْصَارِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ فَرَائِضُ وَشَرَائِعُ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ1. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِثْبَاتَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَعَلَيْهِ بَوَّبَ أَبْوَابَهُ كُلَّهَا، فَقَالَ: “بَابُ أُمُورِ الْإِيمَانِ” وَ”بَابُ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ” وَ”بَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ” وَ”بَابُ الْجِهَادِ مِنَ الْإِيمَانِ” وَ”بَابُ حُبِّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْإِيمَانِ” وَ”بَابُ الْحَيَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ” وَ”بَابُ صَوْمِ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الْإِيمَانِ” وَ”بَابُ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ” وَ”بَابُ أَدَاءِ الْخُمْسِ مِنَ الْإِيمَانِ” وَسَائِرَ أَبْوَابِهِ. وَكَذَلِكَ صَنَعَ النَّسَائِيُّ فِي الْمُجْتَبَى، وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ “بَابُ مَا جَاءَ فِي إِضَافَةِ الْفَرَائِضِ إِلَى الْإِيمَانِ” وَكَلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَتَرَاجِمُهُمْ فِي كُتُبِهِمْ يَطُولُ ذِكْرُهُ وَهُوَ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ، وَمِمَّا قَصَدُوهُ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ البدع ممن قالوا: هُوَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ فَقَطْ؛ كَابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، إِذْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْيَهُودُ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَاسْتَيْقَنُوهَا وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الْإِيمَانَ عَنْهُمْ.
وَقَالَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ فَقَطْ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَافِرٌ بِالْكُلِّيَّةِ، إذ لا يجهل الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ أَحَدٌ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله فِي نُونِيَّتِهِ الْكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ:
قَالُوا: وَإِقْرَارُ الْعِبَادِ بِأَنَّهُ … خَلَّاقُهُمْ هُوَ مُنْتَهَى الْإِيمَانِ
وَالنَّاسُ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ … كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ
فَاسْأَلْ أَبَا جَهْلٍ وَشِيعَتَهُ وَمَنْ … وَالَاهُمُو مِنْ عَابِدِي الْأَوْثَانِ….
هَلْ كَانَ فِيهِمْ مُنْكِرٌ لِلْخَالِقِ الْـ … ـرَبِّ الْعَظِيمِ مُكَوِّنِ الْأَكْوَانِ
فليبشروا ما فيهمو مِنْ كَافِرٍ … هُمْ عِنْدَ جَهْمٍ كَامِلُو الْإِيمَانِ
وَقَالَتِ الْمُرْجِئَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ دُونَ عَقْدِ الْقَلْبِ، فَيَكُونُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى هَذَا مُؤْمِنِينَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَهُمْ قَدْ نَطَقُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ وَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عز وجل فِي دَعْوَاهُمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: التَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مُخْرِجٌ لِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
وَذَهَبَ الْخَوَارِجُ وَالْعَلَّافُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ إِلَى أَنَّهُ الطَّاعَةُ بِأَسْرِهَا فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَهَذَا الْقَوْلُ مُصَادِمٌ لِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِوُفُودِ الْعَرَبِ السَّائِلِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. وَكُلَّ مَا يَقُولُ لَهُ السَّائِلُ فِي فَرِيضَةٍ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: “لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا” 2.
وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَصْرِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ الطَّاعَاتُ الْمَفْرُوضَةُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ دُونَ النَّوَافِلِ، وَهَذَا أَيْضًا يُدْخِلُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْإِيمَانِ وَقَدْ نَفَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَالَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ: الْعَمَلُ وَالنُّطْقُ وَالِاعْتِقَادُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ الْأَعْمَالِ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، بَلْ جَعَلُوا كَثِيرًا مِنْهَا شَرْطًا فِي الْكَمَالِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهَا: مَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ3، وَالْمُعْتَزِلَةُ جَعَلُوهَا كُلَّهَا شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[معارج القبول بشرح سلم الوصول 2/ 597]
——