تتمة شرح صحيح مسلم كتاب الإيمان باب من لقؤ الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): فيما يتعلق بتوضيح الحديث:
(المطلب الأول):
قال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»:
(اعلم): أن مذهب أهل السنة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات مُوَحّدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالِمًا من المعاصي، كالصغير، والمجنون، والذي اتَّصَل جنونه بالبلوغ، والتائب توبةً صحيحة من الشرك، أو غيره من المعاصي إذا لم يُحْدِث معصية بعد توبته، والْمُوفَّق الذي لم يُبْتَلَ بمعصية أصلًا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلًا، لكنهم يَرِدُون على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم – أعاذنا الله منها، ومن سائر المكروه – وأما من كانت له معصيةٌ كبيرة، ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة أوّلًا، وجعله كالقسم الأوّل، وان شاء عذّبه القدر الذي يُريده سبحانه وتعالى، ثم يدخله الجنة، فلا يُخَلَّد في النار أحدٌ مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عَمِلَ، كما أنه لا يدخل الجنة أحدٌ مات على الكفر، ولو عَمِلَ من أعمال البر ما عَمِلَ.
هذا مختصرٌ جامع لمذهب أهل الحقّ في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع مَن يُعْتَدُّ به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوصٌ تُحَصِّلُ العلم القطعيّ.
فإذا تَقَرَّرت هذه القاعدة، حُمِل عليها جميعُ ما وَرَدَ من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مُخَالَفَةٌ وَجَبَ تأويله عليها» لِيُجْمَعَ بين نصوص الشرع، وسنذكر من تأويل بعضها ما يُعْرَف به تأويل الباقي – إن شاء الله تعالى – انتهى كلام النوويّ [«شرح مسلم» ١/ ٢١٧]، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قاله الإتيوبي رحمه الله تعالى. [البحر المحيط الثجاج].
(المطلب الثاني):
قد تكلّم العلماء في معنى هذا الحديث، فقد جَمَع القاضي عياض رحمه الله تعالى كلامًا حسنًا، جَمَعَ فيه نفائس، لخّصه النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»، وزاد عليه، فقال:
قال القاضي رحمه الله تعالى: اختلف الناس فيمن عَصَى الله تعالى من أهل الشهادتين،
فقالت المرجئة: لا تضرّه المعصية مع الإيمان،
وقالت الخوارج: تضره، ويُكَفَّر بها،
وقالت المعتزلة: يُخَلَّد في النار، إذا كانت معصيةً كبيرةً، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسقٌ،
وقالت الأشعرية ( يقصد أهل السنة ) : بل هو مؤمن، وإن لم يُغْفَر له، وعُذِّب فلا بد من إخراجه من النار، وإدخاله الجنة،
قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج، والمعتزلة، وأما المرجئة، فإن احتجت بظاهره، قلنا: مَحْمِله على أنه غُفِر له، أو أُخرج من النار بالشفاعة، ثم أُدخل الجنة، فيكون معنى قوله – ﷺ -: «دَخَل الجنة»، أي دخلها بعد مُجازاته بالعذاب، وهذا لا بد من تأويله، لِمَا جاء في ظواهرَ كثيرةٍ من عذاب بعض العصاة، فلا بُد من تأويل هذا؛ لئلا تتناقض نصوص الشريعة.
وفي قوله – ﷺ -: «وهو يَعْلَمُ»، إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة المرجئة: إنّ مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قُيِّد ذلك في حديث آخر بقوله – ﷺ -: «غير شاكّ فيهما»، وهذا يؤكد ما قلناه.
قال القاضي: وقد يَحتَجّ به أيضًا من يَرَى أن مجرد معرفة القلب نافعة، دون النطق بالشهادتين؛ لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما، ولا تُنجي من النار دون الأُخرى، إلا لمن لم يقدر على الشهادتين؛ لآفة بلسانه، أو لم تُمْهِله لمدة ليقولها، بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد وَرَدَ مُفَسَّرًا في الحديث الآخر: «من قال: لا إله إلا الله»، و«من شَهِد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله»، وزاد في الحديث الآخر: «مستيقنًا بها قلبه»، وفي الآخر: «صادقًا من قلبه»، وفي الآخر: «غير شاكّ فيهما».
وقد جاء هذا الحديث، وأمثلة له كثيرة، في ألفاظها اختلافٌ، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلافٌ، وللناس فيها خبط كثيرٌ، وعن السلف خلاف مأثورٌ.
فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث، وفي رواية معاذ – رضي الله عنه – عنه – ﷺ -: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة» [أخرجه أبو داود (٣١١٦)، وصححه الحاكم في»المستدرك ١/ ٥٠٠، ووافقه الذهبيّ]، وفي رواية عنه قال – ﷺ -: «من لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا، دخل الجنة»، وعنه – ﷺ -: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا حرمه الله على النار»، وكلها أحاديث صحيحة.
ونحوه في حديث عبادة بن الصامت، وعِتبان بن مالك، وزاد في حديث عبادة: «على ما كان من عَمَل»، وفي حديث أبي هريرة: «لا يلقى الله تعالى بهما عبدٌ غير شاكّ فيهما إلا دخل الجنة»، وفي حديث آخر: «فيُحجب عن الجنّة».
وفي حديث أبي ذرّ، وأبي الدرداء – رضي الله عنهما -: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنّة، وإن زنى، وإن سرق».
وفي حديث أنس – رضي الله عنه – «حَرَّم الله على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله». وهذه الأحاديث كلُّها سردها مسلم رحمه الله تعالى في كتابه.
فَحُكِيَ عن جماعة من السلف رحمهم الله تعالى، منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وقال بعضهم: هي مُجْمَلةٌ تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة، وأَدَّى حقَّها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصريّ، وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخاريّ.
وهذه التأويلات إنما هي إذا حُمِلت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نُزِّلت منازلها، فلا يُشكِل تأويلها على ما بينه المحققون.
فنقر أوّلًا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم، من السلف الصالح، وأهل الحديث، والفقهاء … أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان، وتشهَّد مُخْلِصًا من قلبه بالشهادتين، فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبًا، أو سليمًا من المعاصي، دخل الجنة برحمة ربه، وحُرِّم على النار بالجملة، فإن حَمَلْنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بَيِّنًا، وهذا معنى تأويلي الحسن والبخاريّ، وإن كان هذا من الْمُخَلِّطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه، أو بفعل ما حُرِّم عليه، فهو في المشيئة، لا يُقْطَع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه الجنة لأول وَهْلَة، بل يُقْطَع بأنه لا بُدّ من دخوله الجنة آخرًا، وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة، إن شاء الله تعالى عَذَّبه بذنبه، وإن شاء عفا عنه بفضله.
ويُمكِن أن تَسْتَقِلّ الأحاديث بنفسها، وُيجمَع بينها، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل مُوَحِّد، إما مُعَجَّلًا مُعَافًى، وإما مُؤَخَّرًا بعد عقابه.
والمراد بتحريم النار الخلود، خلافًا للخوارج والمعتزلة في المسألتين.
ويجوز في حديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة»، أن يكون مخصوصًا بمن كان هذا آخر نطقه، وخاتمة لفظه، وإن كان قبل مُخَلِّطًا، فيكون سببًا لرحمة الله تعالى إيّاه، ونجاته رأسًا من النار، وتحريمه عليها، بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلِّطين.
وكذلك ما وَرَدَ في حديث عبادة – رضي الله عنه – من مثل هذا، ودخوله من أيّ أبواب الجَنَّة شاء يكون مخصوصًا بمن قال ما ذكره النبيُّ – ﷺ -، وقُرِنَ بالشهادتين من حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يُرَجِّح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة، ودخول الجَنَّة لأول وَهْلَةٍ – إن شاء الله تعالى – والله تعالى أعلم بمراد نبيّه – ﷺ – [«إكمال المعلم» ١/ ٢٢٢ – ٢٢٧].
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهو في نهاية الحسن، وأما ما حكاه عن ابن المسيِّب وغيره فضعيف باطل، وذلك لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة – رضي الله عنه -، وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر، سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مُسْتَقِرَّةً، وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الإحكام قد تقرر فرضها، وكذا الحج على قول من قال فُرِض سنة خمس أو ست، وهما أرجح من قول من قال سنة تسع. والله تعالى أعلم.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلًا آخر في الظواهر الواردة بدخول الجَنَّة بمجرد الشهادة، فقال: يجوز أن يكون ذلك اقتصارًا من بعض الرواة، نشأ من تقصيره في الحفظ والضبط، لا من رسول الله -ﷺ-، بدلالة مجيئه تامًّا في رواية غيره، وقد تقدم نحو هذا التأويل، قال: ويجوز أن يكون اختصارًا من رسول الله – ﷺ – فيما خاطب به الكفارَ، عبدةَ الأوثان الذين كان توحيدهم لله تعالى مصحوبًا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام، ومستلزمًا له، والكافر إذا كان لا يُقِرّ بالوحدانية، كالوثنيّ والثنويّ، فقال: لا إله إلَّا الله، وحاله الحال التي حكيناها حُكِم بإسلامه، ولا نقول – والحالة هذه -: ما قاله بعض أصحابنا، من أن من قال: لا إله إلَّا الله يحكم بإسلامه، يُجْبَر على قبول سائر الإحكام، فإن حاصله راجع إلى أنه يُجْبَر حينئذ على إتمام الإسلام، ويجعل حكمه حكم المرتد إن لَمْ يفعل، من غير أن يُحْكَم بإسلامه بذلك في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة، ومن وصفناه مسلم في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، وقد تقدّم هذا البحث، مُسْتَوْفًى في المسائل التي ذكرتها في شرح حديث جبريل، فراجعها تُشْفَ غُلَّتك، وتَنَلْ بُغْيَتَكْ، وبالله تعالى التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قاله الإتيوبي رحمه الله [البحر المحيط الثجاج].
واليك ما ذكره ابن رجب :
قال ابن رجب:
الحديثِ الثاني والعشرون
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ: [جَابِر بْنِ عَبْد الله الأَنْصَاريّ رضي الله عنهما]: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:
أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيتُ المكتُوبَات، وَصُمْتُ رَمَضانَ، وأَحْلَلتُ الحلال، وَحَرَّمتُ الحرَام، وَلَم أَزِدْ عَلى ذَلك شَيْئًا، أَدْخُلُ الجْنَّة؟ قَالَ: “نَعَمْ”. رَوَاهُ مُسْلم.
وذكر الأحاديث التي ظاهرها التعارض ثم قال :
فقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة: والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانع، وهي اجتناب الكبائر.
[شرط النجاة بكلمة التوحيد]:
- قال الحسن للفرزدق: “إنّ للا إله إلَّا الله شروطًا فإِياك وقذفَ المحصنة”.
- وروي عنه أنه قال: هذا العمود فأين الطُّنُب، يعني أن كلمة التوحيد عمودُ الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات،
- وقيل للحسن: إن ناسا يقولون: من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة؟ فقال: “مَنْ قال: لا إله إلا الله، فأدى حقّها وفرضها: دخل الجنة”.
* * *
- وقيل لوهب بن مُنَبِّه: أَليس لا إله إلا الله مفتاحَ الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإِلا لم يفْتح لك.
ويشبه هذا ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن “لا إله إلا الله” هل يضرُّ معها عمل كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: ” عَشِّ ولا تغترَّ”.
وفي شبهة انقطاع بين قتادة وابن عمر : في المراسيل لابن أبي حاتم : ٦٤٠ – سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُرْسَلٌ وَقَتاَدُة عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌ وَلَمْ يَلْقَ قَتَادَةُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَسًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَرْجِسٍ
وفي مصنف عبدالرزاق
٢٠٥٥٣ – أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، هَلْ يَضُرُّ مَعَهَا عَمَلٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ تَرْكِهَا عَمَلٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «عَشِّ وَلَا تَغْتَرَّ»
الجامع – معمر بن راشد ١١/٢٨٥ — معمر بن راشد (ت ١٥٣)
لكن ورد في مسند الجعد
٣٣٨١ – حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ لَمْ يَدَعْ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا إِلَّا عَمِلَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا، قَالَ: «هَلَكَ الْبَتَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: رَجُلٌ لَمْ يَدَعْ مِنَ الشَّرِّ شَيْئًا إِلَّا عَمِلَ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: عَشِّ وَلَا تَغْتَرَّ»
٣٣٨٢ – حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ مَعْبَدٍ قَالَ: لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ
مسند ابن الجعد ١/٤٨٦ — ابن الجعد (ت ٢٣٠)
والقاسم بن الفضل وثقه بعض الائمة وأنكر عليه العقيلي حديث تكلم الذئب ، فهو حسن الحديث
من غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام :
قوله: عش ولا تغتر إنما هو مثل، وأصله فيما يقال: إن رجلًا أراد أن يقطع مفازة بإبله، فاتكل على ما فيها من الكلأ، فقيل له: عش إبلك قبل أن تفوز بها، وخذ بالاحتياط.
فإن كان فيها كلأ. فليس يضرك ما صنعت، وإن لم يكن فيها شئ كنت قد أخذت بالثقة.
فأراد «ابن عمر»، و«ابن عباس»، و
«ابن الزبير» ذلك المعنى في العمل، يقولون: اجتنب الذنوب، ولا تركبها اتكالًا على الإسلام، وخذ فى ذلك بالثقة والاحتياط،
[تفسير آخر للمراد]:
وقالت طائفة منهم الضحاك، والزهْري، كان هذا قبل الفرائض والحدود. فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نسخت، ومنهم من قال: بل ضُمَّ إليها شروط زيدت عليها، وزيادة الشروط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين.
وفي هذا كلّه نظر، فإن كثيرًا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.
وقال الثوري: “نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة.
ومثل هذه البيان وإزالة الإيهام كان السَّلف يسمونه نسخًا، وليس هو نسخا في الاصطلاح المشهور.
وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار معها على معصية.
وجاء في مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من قال لا إله إلا الله مخلصًا، دخل الجنة”: قيل: وما إخلاصها. قال: “أن تَحجُزك عما حرم الله”.
وروي ذلك مسندا من وجوه أخر ضعيفة.
[تفسير كلام الحسن البصري]:
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عَنْه – من قبل – إلى هذا، فإنَّ تحقُّق القلب بمعنى لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يُرَسَّخَ فيه تألُّهُ الله وحده؛ إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاءً وتعظيمًا وتوكلًا ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبّه، وينتفى بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها ووساوسُ الشيطان؛ فمن أحب شيئًا أوّ أطاعه، وأحب عليه، وأبغض عليه، فهو إلهه.
فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقا.
ومن أحب لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه فإلهه هواه كما قال تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43].
قال الحسن: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه.
وقال قتادة: هو الذي كلما هوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزُه عن ذلك وَرَعٌ، ولا تقوى.
ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا “ما تحت ظل السماء [من] إله يُعبد [من دون الله] أعظم عند الله من هوى متبع”.
وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده؛ كما قال الله عز وجل {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}.
فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: “لا إله إلا الله” إلا لمن لَمْ يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي.
ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} قال: “لا تحبوا غيري”، وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الشرك أخفى من دبيب الذّرِّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجوْرِ، وتُبغضَ على شيء من العَدْل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله عز وجل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}.
وهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه، متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه – من الشرك الخفي.
وخرّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعًا: “لا تزال لا إله إلا الله” تمنع العباد من سُخْط الله ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإِذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا: “لا إله إلا الله” ردّها الله عليهم، وقال الله: كذبتم.
فتبين بهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرمه الله على النار” وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فَلِقلّة صدقه في قولها؛ فإن هذه الكلمة إذا صدَقت طهَّرَت من القلب كُلَّ مَا سوى الله؛ فَمَنْ صدق في قوله “لا إله إلا الله” لم يحبَّ سواه، ولم يرجُ إلا إياه، ولم يَخْشَ أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من أثر نفسه وهواه.
ومتى بقى في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها
تنبيه : في الكامل لابن عدي : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ فَضَالَةَ الْبَغْدَادِيُّ الْحَنْبَلِيُّ بِالْمَوْصِلِ، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ مُصَفَّى وَحَدَّثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبد اللَّهِ الْقَطَّانُ وَالنُّعْمَانُ بْنُ هَارُونَ الْبَلَدِيُّ، قَالا: حَدَّثَنا سَعِيد بن عَمْرو
وقالا، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ عَنْ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ القرشي، حَدَّثَنا الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ خَصِيبٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعِيد، عَن أَبِي أُمَامَةَ، قَال: قَال رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ.
قَالَ ابنُ عَدِي وَهَذَا إِنْ كَانَ الْبَلاءُ فِيهِ مِنَ الْحَسَنِ وَإِلا مِنَ الْخَصِيبِ بْنِ جَحْدَرٍ ولعله أضعف منه.
الكامل في ضعفاء الرجال ٣/١٢٦ — ابن عدي (ت ٣٦٥)
قال الألباني
موضوع إسناده مسلسل بالمتروكين عيسى بن إبراهيم وهو ابن طهمان الهاشمي وابن دينار وهو الحسن بن دينار أبو سعيد التميمي والخصيب وهو ابن جحدر وهذا والذي قبله كذبهما جماعة.
والحديث قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/١٨٨: رواه الطبراني في الكبير وفيه الحسن ابن دينار وهو متروك الحديث.
الألباني السنة لابن أبي عاصم
(المسألة الثانية): مطالب في معالم معنى: (لا إله إلا الله)
(المطلب الأول): تعريف لا إله إلا الله:
أولاً: التعريف لغةً:
شهادة التوحيد وكلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) مشتملة على جزأين في المعنى، النفي في قول: (لا إله)، والإثبات في قول: (إلا الله)، وبيان كل منهما من جهة اللغة والشرع في غاية الأهمية.
(الإله): هو الله تعالى؛ قال ابن فارس رحمه الله: «الهمزة واللام والهاء أصل واحد: وهو التعبد، فالإله: الله تعالى، وسمِّي بذلك؛ لأنه معبود، ويقال: تألَّه الرجل: إذا تعبَّد» [مقاييس اللغة (1/127) [دار الجيل، ط 1420هـ] ].
(الله): مشتق من (إلاه) على وزن (فِعال)، يقال: ألِهَ يَألَه إِلَهَةً وأُلوهِيَةً وأُلْهانية، فهو إلاه، بمعنى: مألوه؛ فِعال بمعنى: مفعول؛ أي: معبود، والتَّأَلُّه: التَّعَبُّد، فلما دخلت عليه الألف واللام حُذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرته في الكلام، وقُطعت الهمزة في النداء للزومها تفخيمًا لهذا الاسم [انظر: العين (4/90) [مكتبة الهلال، ط1، 1993م]، وتهذيب اللغة (6/422) [الدار المصرية، ط1، 1387هـ]، والصحاح (6/2223) [دار العلم للملايين، ط4] ].
ثانيًا: التعريف شرعًا:
لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، أو لا معبود يستحق العبادة إلا الله تعالى.
قال الطبري: «فإنه لا إله إلا هو. يقول: لا معبود يستحق عليك إخلاص العبادة له إلا الله» [تفسير الطبري (12/32)].
وقال الشوكاني: «قوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [البقرة: 255]؛ أي: لا معبود بحق إلا هو» [فتح القدير (1/466) [دار الوفاء، ط1، 1428هـ] ].
وقال سليمان بن عبد الله: «ومعنى (لا إله إلا الله)؛ أي: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له» [تيسير العزيز الحميد (1/177) [دار الصميعي، ط1] ].
(المطلب الثاني): الأسماء الأخرى:
(لا إله إلا الله) أسماء عديدة جاءت بها نصوص الكتاب والسُّنَّة النبوية، فهي تسمى: بكلمة الإخلاص، وكلمة التقوى، وكلمة الحق، والكلمة الباقية، وكلمة السواء، وشهادة التوحيد، والقول الثابت، إلى غير ذلك من الأسماء.
(المطلب الثالث): الحكم:
شهادة (لا إله إلا الله) هي أصل الإيمان، وهي ركن من أركان الإسلام، وقاعدة الدين، ومبنى العقيدة الإسلامية، فبقولها يدخل العبد الإسلام فيعصم دمه، وماله، وبجحدها أو الامتناع من قولها يكون العبد كافرًا خارجًا عن ملة الإسلام، وهي أول واجب على المكلف، وأول ما دعت إليه الرسل كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء].
قال ابن تيمية رحمه الله: «وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين؛ فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول: أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين، سواء كان معطلاً، أو مشركًا، أو كتابيًّا، وبذلك يصير الكافر مسلمًا، ولا يصير مسلمًا بدون ذلك» [درء التعارض (8/7) [جامعة الإمام، ط2] ].
(المطلب الرابع): الحقيقة:
حقيقة كلمة التوحيد (لا إله إلا الله): النفي والإثبات:
1 ـ نفي في قول: لا إله.
2 ـ إثبات في قول: إلا الله.
و(لا إله): نفت الألوهية عن كل من سوى الله عزّ وجل، من مَلَك مقرَّب أو نبي مرسل، فضلاً عن غيرهم، فليسوا بإله ولا لهم من العبادة شيء.
و(إلا الله): تثبت الألوهية لله وحده لا شريك له، فهو الإله الحق، وما اتخذ من دونه من آلهة فكلها باطلة كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62].
وتتمثل حقيقة لا إله إلا الله في إخلاص العبادة لله عزّ وجل وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه، والقرآن الكريم والسُّنَّة النبوية حافلان بالنصوص التي تقرر هذه الحقيقة.
قال السعدي رحمه الله: «وحقيقة تفسير التوحيد العلم والاعتراف بتفرد الرب بجميع صفات الكمال وإخلاص العبادة له، وذلك يرجع إلى أمرين:
الأول: نفي الألوهية كلها عن غير الله، بأن يعلم ويعتقد أنه لا يستحق الإلهية ولا شيئًا من العبودية أحد من الخلق، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا غيرهما، وأنه ليس لأحد من الخلق في ذلك حظ ولا نصيب.
والأمر الثاني: إثبات الألوهية لله تعالى وحده لا شريك له، وتفرده بمعاني الألوهية كلها، وهي نعوت الكمال كلها،
ولا يكفي هذا الاعتقاد وحده حتى يحققه العبد بإخلاص الدين كله لله، فيقوم بالإسلام والإيمان والإحسان، وبحقوق الله وحقوق خلقه قاصدًا بذلك وجه الله وطالبًا رضوانه وثوابه، ويعلم أن من تمام تفسيرها وتحقيقها البراءة من عبادة غير الله، وأن اتخاذ أنداد يحبهم كحب الله أو يطيعهم كطاعة الله أو يعمل لهم كما يعمل لله ينافي معنى (لا إله إلا الله) أشد المنافاة،
فتبين بذلك أنه لا بدَّ من اعتقاد وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، ومن الإقرار بذلك اعتقادًا ونطقًا، ولا بدَّ من القيام بعبودية الله وحده طاعة لله وانقيادًا، ولا بدَّ من البراءة مما ينافي ذلك عقدًا وقولاً وفعلاً،
ولا يتم ذلك إلا بمحبة القائمين بتوحيد الله وموالاتهم ونصرتهم، وبغض أهل الشرك ومعاداتهم،
ولا تغني في هذا المقام الألفاظ المجردة، ولا الدعاوي الخالية من الحقيقة، بل لا بدَّ أن يتطابق العلم والاعتقاد والقول والعمل، فإن هذه الأشياء متلازمة متى تخلَّف واحد منها تخلفت البقية، والله أعلم» [القول السديد للسعدي (3/16، 17) ضمن المجموعة الكاملة [مركز صالح بن صالح الثقافي، ط2] ].
(المطلب الخامس): المنزلة:
كلمة التوحيد والإخلاص (لا إله إلا الله) أعلى شعب الإيمان وأصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته، وهي الكلمة التي قامت بها السماوات والأرض وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وأرسل بها جميع الرسل، وشرعت لأجلها الشرائع، وأقيم الجهاد ونصبت الموازين، وبها انقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكفار ومتقين وفجار، وهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب، وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وهي حق الله تعالى على العباد، وعنها يُسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: (ماذا كنتم تعبدون؟)، و(ماذا أجبتم المرسلين؟)، وجواب الأولى: بتحقيق (لا إله إلا الله) معرفة وإقرارًا وعملاً، وجواب الثانية: بتحقيق أن (محمدًا رسول الله) معرفة وانقيادًا وطاعة [لا إله إلا الله معناها ومكانتها وفضلها للفوزان (6، 7)].
قال ابن القيِّم رحمه الله: «وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أُسِّست الملة، ونصبت القبلة، وجرِّدت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر، وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسُّنَّة» [الداء والدواء لابن القيم (455) [دار عالم الفوائد، ط1، 1429هـ] ].
ومِن فَضائِلِ شَهادةِ لا إلهَ إلَّا اللهُ: أنَّها أفضَلُ ما ذُكِرَ اللهُ عزَّ وجَلَّ به، وأثقَلُ شَيءٍ في مِيزانِ العَبدِ يَومَ القِيامةِ
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَحْدَه لا شَريكَ له، له المُلْكُ وله الحَمدُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قَديرٌ، في يومٍ مائِةَ مَرَّةٍ، كانت له عَدْلَ عَشرِ رِقابٍ، وكُتِبَت له مائةُ حَسَنةٍ، ومُحِيَت عنه مائةُ سَيِّئةٍ، وكانت له حِرزًا مِنَ الشَّيطانِ يَومَه ذلك حتَّى يمسِيَ، ولم يأتِ أحَدٌ بأفضَلَ مِمَّا جاء به إلَّا أحَدٌ عَمِلَ أكثَرَ مِن ذلك )) أخرجه البخاري (3293) ومسلم (2691).
وعن أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَمِنَ الحَسَناتِ لا إلهَ إلَّا اللهُ؟ قال: ((هي أفضَلُ الحَسَناتِ )) أخرجه مطولاً أحمد (21487) واللفظ له، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (202). صَحَّحه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (3162)، وحَسَّنه ابنُ حجر في ((الأمالي المطلقة)) (129)، وحَسَّنه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (21487)
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ نُوحًا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال لابنِه عندَ مَوتِه: آمُرُك بلا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّمَواتِ السَّبعَ والأرَضِينَ السَّبعَ لو وُضِعَت في كِفَّةٍ، ووُضِعَت لا إلهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ؛ رَجَحَت بهِنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولو أنَّ السَّمَوات السَّبعَ، والأَرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلْقةً مُبهَمةً، قَصَمْتُهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ )) أخرجه مطولاً أحمد (6583) واللفظ له، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (548)، والحاكم (154). صححه الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (426)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (809(، وصحَّح إسنادَه الحاكِمُ، وابنُ كثير في ((البداية والنهاية)) (1/112)، والعراقي في ((تخريج الإحياء)) (1/396)، وأحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (10/87)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((مسند أحمد)) (6583).
وقال سُلَيمانُ آل الشَّيخِ: (قَولُه: ((مالت بهِنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ))، أي: رجَحَت عليهنَّ؛ وذلك لِما اشتمَلَت عليه من توحيدِ اللهِ الذي هو أفضَلُ الأعمالِ، وأساسُ المِلَّةِ، ورأسُ الدِّينِ، فمن قالها بإخلاصٍ ويقينٍ، وعَمِلَ بمُقتضاها ولوازِمِها، واستقام على ذلك؛ فهو من الذين لا خَوفٌ عليهم ولا هم يحزنونَ، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ[فَصْلت: 30 – 32] ) . يُنظر: ((تيسير العزيز الحميد)) (ص: 42).
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ سيُخَلِّصُ رجُلًا مِن أُمَّتي على رُؤوسِ الخلائِقِ يومَ القيامةِ، فيَنشُرُ عليه تِسعةً وتِسعينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثلُ مَدِّ البَصَرِ، ثمَّ يَقولُ: أتُنكِرُ مِن هذا شيئًا؟ أظلَمَك كتَبَتي الحافِظونَ؟ فيقولُ: لا يا رَبِّ، فيقولُ: أفلَكَ عُذرٌ؟ فيقولُ: لا يا رَبِّ، فيَقولُ: بلى، إنَّ لك عِندَنا حَسَنةً؛ فإنَّه لا ظُلْمَ عليك اليومَ، فتَخرُجُ بِطاقةٌ فيها: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، فيَقولُ: احضُرْ وَزْنَك، فيَقولُ: يا رَبِّ، ما هذه البِطاقةُ مع هذه السِّجِلَّاتُ؟! فقال: إنَّك لا تُظلَمُ، قال: فتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ في كِفَّةٍ، والبِطاقةُ في كِفَّةٍ، فطاشت السِّجِلَّاتُ، وثَقُلَت البِطاقةُ، فلا يَثقُلُ مع اسمِ اللهِ شَيءٌ )) قال ابنُ تَيميَّةَ: (مَن كَرَّر التَّوبةَ المذكورةَ، والعَودَ للذَّنبِ، لا يُجزَمُ له أنَّه قد دخل في معنى هذا الحديثِ، وأنَّه قد يَعمَلُ بعد ذلك ما شاء، لا يُرجى له أن يكونَ مِن أهلِ الوَعدِ، ولا يُجزَمُ لمعَيَّنٍ بهذا الحُكمِ، كما لا يُجزَمُ في حَقِّ مُعَيَّنٍ بالوعيدِ، كسائِرِ نُصوصِ الوَعدِ والوَعيدِ؛ فإنَّ هذا كقَولِه: من فَعَل كذا دَخَل الجنَّةَ، ومَن فَعَل كذا دخَلَ النَّارَ، لا يُجزَمُ لمعَيَّنٍ، لكِنْ يُرجى للمُحسِنِ، ويخافُ المسيءُ.
ومِن هذا البابِ حَديثُ البِطاقةِ التي قَدْرُ الكَفِّ فيها التَّوحيدُ، وُضِعَت في الميزانِ فرجَحَت على تلك السِّجِلَّاتِ مِن السَّيِّئاتِ. وليس كُلُّ من تكَلَّم بالشَّهادتينِ كان بهذه المنزِلةِ؛ لأنَّ هذا العَبدَ صاحِبَ البِطاقةِ كان في قَلْبِه مِنَ التَّوحيدِ واليَقينِ والإخلاصِ ما أوجَبَ أنْ عَظُم قَدْرُه حتَّى صار راجِحًا على هذه السَّيِّئاتِ.
ومِن أجلِ ذلك صار الْمُدُّ مِن الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم أفضَلَ مِن مِثْلِ جَبَلِ أحُدٍ ذَهَبًا مِن غَيرِهم.
ومن ذلك حَديثُ البَغِيِّ التي سَقَت كَلْبًا فغُفِرَ لها؛ فلا يُقالُ في كُلِّ بَغِيٍّ سَقَت كَلبًا: غُفِرَ لها؛ لأنَّ هذه البَغِيَّ قد حَصَل لها مِنَ الصِّدقِ والإخلاصِ والرَّحمةِ بخَلْقِ اللهِ ما عادَلَ إثْمَ البَغْيِ، وزاد عليه ما أوجَبَ المغفِرةَ، والمغفِرةُ تحصُلُ بما يحصُلُ في القَلبِ مِنَ الإيمانِ الذي يَعلَمُ اللهُ وَحْدَه مِقدارَه وصِفَتَه.
وهذا يَفتَحُ بابَ العَمَلِ، ويجتَهِدُ به العبدُ أن يأتيَ بهذه الأعمالِ وأمثالِها مِن مُوجِباتِ الرَّحمةِ وعَزائِمِ المغفِرةِ، ويكونُ مع ذلك بيْن الخَوفِ والرَّجاءِ، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ[المؤمنون: 60] ) . يُنظر: ((المستدرك على مجموع الفتاوى)) (1/ 224).
وقال الطِّيبي: (أفضَلُ الذِّكرِ: قَولُ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وهي الكَلِمةُ العُلْيا، وهي القُطبُ الذي يدورُ عليها رحى الإسلامِ، وهي القاعِدةُ التي بُنِيَ عليها أركانُ الدِّينِ) . يُنظر: ((الكاشف عن حقائق السنن)) (5/ 1733).
وقال ابنُ القَيِّمِ: (اعلَمْ أنَّ أشِعَّةَ لا إلهَ إلَّا اللهُ تبدِّدُ مِن ضَبابِ الذُّنوبِ وغُيومِها بقَدْرِ قُوَّةِ ذلك الشُّعاعِ وضَعْفِه، فلها نُورٌ، وتفاوُتُ أهلِها في ذلك النُّورِ قُوَّةً وضَعفًا لا يُحصِيه إلَّا اللهُ تعالى؛ فمِنَ النَّاسِ مَن نُورُ هذه الكَلِمةِ في قَلْبِه كالشَّمسِ، ومِنهم مَن نُورُها في قَلْبِه كالكوكَبِ الدُّرِّيِّ، ومنهم مَن نُورُها في قَلْبِه كالمِشعَلِ العَظيمِ، وآخَرُ كالسِّراجِ المضِيءِ، وآخَرُ كالسِّراجِ الضَّعيفِ؛ ولهذا تَظهَرُ الأنوارُ يومَ القيامةِ بأيمانِهم، وبَيْنَ أيديهم، على هذا المِقدارِ، بحسَبِ ما في قُلوبِهم مِن نُورِ هذه الكَلِمةِ؛ عِلمًا وعَمَلًا، ومَعرِفةً وحالًا.
وكلَّما عَظُم نُورُ هذه الكَلِمةِ واشتَدَّ، أحرَقَ مِنَ الشُّبُهاتِ والشَّهواتِ بحسَبِ قُوَّتِه وشِدَّتِه، حتَّى إنَّه رُبَّما وَصَل إلى حالٍ لا يُصادِفُ معها شُبهةً ولا شَهوةً ولا ذَنبًا، إلَّا أحرَقَه، وهذا حالُ الصَّادِقِ في توحيدِه، الذي لم يُشرِكْ باللهِ شَيئًا). يُنظر: ((مدارج السالكين)) (1/ 338 – 341).
وقال ابن حجر الهيتمي في شرحِ حديثِ: ((من لَقِيَني بقُرابِ الأرضِ خَطيئةً لا يُشرِكُ بي شيئًا، لَقِيتُه بمِثْلِها مَغفِرةً )) : (إنَّ الإيمانَ شَرطٌ في مَغفِرةِ ما عدا الشِّركَ؛ لأنَّه الأصلُ الذي ينبني عليه قَبولُ الطَّاعةِ وغُفرانُ المعصيةِ، وأمَّا الشِّركُ فلا أصلَ ينبني عليه ذلك: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23] فالسَّبَبُ الأعظَمُ للمَغفرةِ هو التوحيدُ، فمن فَقَده فقد فقَدَها، ومن أتـى به ولو وَحْدَه بأن لم يكُنْ له عَمَلُ خَيرٍ غَيرُه؛ فقد أتى بأعظَمِ أسبابِها، لكِنَّه تحت المشيئةِ، وعلى كُلٍّ فمآلُه إلى الجنَّةِ، وأمَّا من كَمَل توحيدُه وإخلاصُه، وقام بشرائطِه وأحكامِه؛ فإنَّه يُغفَرُ له ما سَلَف من ذنوبِه، ولا يدخُلُ النَّارَ إلَّا لتحِلَّةِ القَسَمِ) . يُنظر: ((الفتح المبين بشرح الأربعين)) (ص: 632).
وقال سُلَيمانُ بنُ سحمان: (اعلَمْ -رَحِمَك اللهُ- أنَّ كَلِمةَ الإخلاصِ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، هي الكَلِمةُ التي قامت بها الأرضُ والسَّمَواتُ، وفَطَر اللهُ عليها جميعَ المخلوقاتِ، وعليها أُسِّسَت المِلَّةُ، ونُصِبَت القِبلةُ، ولأجْلِها جُرِّدَت سيوفُ الجِهادِ، وبها أمَرَ اللهُ جميعَ العبادِ؛ فهي فطرةُ اللهِ التي فطر النَّاسَ عليها، ومِفتاحُ عبوديَّتِه التي دعا الأُمَمَ على ألسُنِ رُسُلِه إليها، وهي كَلِمةُ الإسلامِ، ومفتاحُ دارِ السَّلامِ، وأساسُ الفَرضِ والسُّنَّةِ) . يُنظر: ((الدرر السنية)) (2/ 350).
وقال ابنُ باز: (لا إلهَ إلَّا اللهُ، هي أفضَلُ الكلامِ بَعْدَ القُرْآنِ، هي أحَبُّ الكَلامِ إلى اللهِ، وأفضَلُ الكَلامِ، وهي كَلِمةُ الإخلاصِ، وهي أوَّلُ شَيءٍ دَعَت إليه الرُّسُلُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأوَّلُ شَيءٍ دعا إليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ قال لقَومِه: ((قولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ تُفلحوا )) ، هي كَلِمةُ الإخلاصِ، كَلِمةُ التَّوحيدِ) يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) (1/ 33).
عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ما مِنكم من أحدٍ يتوضَّأُ فيُسبِغُ الوُضوءَ، ثمَّ يقولُ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا عبدُ اللهِ ورَسولُه، إلَّا فُتِحَت له أبوابُ الجنَّةِ الثَّمانيةُ يَدخُلُ من أيِّها شاء )). أخرجه مسلم (234).
قال عبدُ العزيزِ بنُ مَعمَرٍ النَّجْديِّ مُعَلِّقًا على هذا الحديثِ: (هذا فيه الإتيانُ بالشَّهادتينِ المتضَمِّنَتينِ طَهارةَ القَلبِ بَعْدَ الوُضوءِ الذي هو طَهارةُ الظَّاهِرِ؛ لتَتِمَّ له الطَّهارتانِ الظَّاهرةُ والباطِنةُ، وهذا غايةُ الكَمالِ) . يُنظر: ((منحة القريب المجيب)) (2/ 680).
(المطلب السادس): الأدلة:
قال الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *} [البقرة] ، وقال تعالى: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] ، وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19] ، وقال تعالى: {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ *} [النحل] ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء] .
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» [أخرجه مسلم (كتاب الإيمان، رقم 27)].
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ إلا حرَّمه الله على النار» [أخرجه البخاري (كتاب العلم، رقم 128)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم 32)، واللفظ له].
وقال صلّى الله عليه وسلّم: «فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله» [أخرجه البخاري (كتاب الصلاة، رقم 425)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم 33)]
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» الحديث [أخرجه البخاري (كتاب الإيمان، رقم 25)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم 22)].
(المطلب السابع): أقوال أهل العلم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الإلهية له؛ فلا يجوز أن يتأله القلب غيره، لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكرام، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لا بدَّ أن يكون الدين كله لله» [اقتضاء الصراط المستقيم (2/843) [مكتبة الرشد] ].
وقال ابن القيم رحمه الله: «وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب ـ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جدّه، ولا إله غيره ـ بالمحبة، والإجلال، والتعظيم، والخوف، والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل، والإنابة والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعًا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجى سواه، ويجتمع ذلك كله في حرف واحد، وهو أنه لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله» [الداء والدواء (457)].
وقال ابن رجب رحمه الله: «وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله: الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالاً، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلاً عليه، وسؤالاً منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله عزّ وجل، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك» [كتاب التوحيد لابن رجب (49) [دار القاسم، ط1] ].
(المطلب الثامن): الشروط:
المراد بشروط (لا إله إلا الله): الأمور التي يجب على العبد لزومها وتحقيقها حتى تتحقق شهادة (لا إله إلا الله)، وصحة الشهادة بها مُعلّقة بوجود تلك الشروط واجتماعها، والتزامها والقيام بها علمًا وعملاً، وهذه الشروط بمنزلة الأسنان للمفتاح كما قال وهب بن منبه رحمه الله لمن سأله: أليس (لا إله إلا الله) مفتاح الجنة؟ فقال: «بلى؛ ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك» [ذكره البخاري في صحيحه معلقًا (كتاب الجنائز، ص246) [مؤسسة الرسالة، ط1، 1431هـ]].
وقد بلغت بالتتبع والاستقراء لنصوص الكتاب العزيز والسُّنَّة النبوية ثمانية شروط نظمها بعضهم بقوله:
علم يقين وإخلاص وصدقك مع ** محبة وانقياد والقَبول لها
وزيد ثامنها الكفران منك بما ** سوى الإله من الأنداد قد أُلِّها
فهذه الشروط الثمانية لا ينتفع قائل: (لا إله إلا الله) إلا باجتماعها والتزامها، وبيانها فيما يلي:
الأول: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا.
الثاني: اليقين، وهو كمال العلم بها المنافي للشك والريب.
الثالث: الإخلاص المنافي للشرك، وهو ما تدل عليه (لا إله إلا الله).
الرابع: الصدق المانع من النفاق، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم غير معتقدين لمدلولها.
الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلَّت عليه، والسرور بذلك بخلاف ما عليه المنافقون.
السادس: الانقياد بأداء حقوقها، وهي الأعمال الواجبة إخلاصًا لله وطلبًا لمرضاته، وهذا هو مقتضاها.
السابع: القبول المنافي للرد، وذلك بالتزام أوامر الله وترك ما نهى عنه.
الثامن: الكفر بما يُعبد من دون الله، وهو البراءة من دين المشركين [انظر: معارج القبول (2/516 ـ 528) [دار ابن الجوزي، ط6، 1430هـ]، والشهادتان معناها وما تستلزم كل منهما للفوزان (103 ـ 108)].
وهذه الشروط يتفاوت الناس في تحقيقها زيادة ونقصانًا؛ لأنها من الإيمان، والإيمان يزيد وينقص كما هو معتقد أهل السُّنَّة والجماعة، وليس الشأن في حفظها، إنما الشأن في تحققها في قلب العبد ووجود كمالها الواجب في قلبه ولسانه وجوارحه، فكم من عامي اجتمعت فيه والتزمها، ولو قيل له: اعددها لم يحسن ذلك، وكم حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع في كثير مما يناقضها [معارج القبول (2/516)].
(المطلب التاسع): المسائل المتعلقة:
المسألة الأولى: إعراب (لا إله إلا الله):
عُني العلماء ببيان إعراب (لا إله إلا الله) من جهة علم النحو؛ ليتضح معناها الذي شرع النطق بها من أجله والعمل بمقتضاه، وإعرابها فيما يلي:
(لا): نافية للجنس.
(إله): اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب، والخبر مرفوع مقدر تقديره (حق)؛ أي: لا إله حق، ومن زعم أن الخبر المقدر لفظة (موجود) كما قدره المتكلمون فذلك باطل؛ فإن الآلهة الموجودة كثيرة فيلزم على ذلك كذب المعنى، كما أن تقدير الخبر (بموجود) يدل على معنى باطل، وهو أن كل موجود فهو الله ـ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ـ، وهذا مذهب أهل الحلول والاتحاد.
(إلا): أداة استثناء، والاستثناء هنا مفرغ.
(الله) : اسم الله بدل من لفظ (إله) وهو بدل بعض من كل، والجملة مع خبرها المقدر: لا إله حق إلا الله [بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري (337)].
المسألة الثانية: هل يكفي مجرد النطق بـ(لا إله إلا الله)؟
من عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أن مجرد النطق بكلمة (لا إله إلا الله) من غير اعتقاد القلب لها والعمل بمقتضاها ليس كافيًا لاستحقاق الجنة والنجاة من النار؛ إذ لو كان الأمر كذلك لتساوت منزلة المؤمنين والمنافقين عند الله عزّ وجل، وليس الأمر كذلك؛ فإن الله تعالى أخبر عن مآل المنافقين في الآخرة، أنهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا *} [النساء] ، مع أنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، وكان منهم من يصلي ويصوم ويزكي ويتصدق، فاستبان بذلك أنه لا بدَّ مع النطق بها من اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها، وهذا ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها [انظر: مجموع الفتاوى (35/202) [مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط2، 1425هـ]].
وبما أنه وردت نصوص قد يتوهم منها ما توهمه المرجئة وغيرهم: أن مجرد التلفظ بـ(لا إله إلا الله)، يكفي في دخول الجنة، أو النجاة من النار وإن لم يعمل أي عمل، كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله» [تقدم تخريجه]، وكذلك ما جاء من حديث أنس رضي الله عنه، قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم ومعاذ رديفه على الرحل، فقال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرّمه الله على النار» [تقدم تخريجه] ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ لا يلقى بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» [تقدم تخريجه] ، وغيرها من الأحاديث.
والقول الصواب فيها: أن من قال هذه الكلمة، عارفًا لمعناها، عاملاً بمقتضاها من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله تعالى مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك والعمل به فهذا هو المسلم حقًّا، فإن عمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد فهو المنافق، وإن عمل بخلافها مع الشرك فهو الكافر ولو قالها بلسانه، فجماع القول في هذه المسألة: أنه لا بدَّ من الإتيان بشروط (لا إله إلا الله)، حتى يفوز العبد بالجنة، وينجو من النار.
قال ابن القيِّم رحمه الله: «وما جاء من الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظن بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي، واستقرار الشرع، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود، وقال المعنى: لا يدخلها خالدًا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة.
والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بدَّ من قول القلب، وقول اللسان، وقول القلب يتضمن معرفتها، والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته، من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله، المختصة به، التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب: علمًا، ومعرفة، ويقينًا، وحالاً، ما يوجب تحريم قائلها على النار» [مدارج السالكين (1/279) [مؤسسة المختار، ط1، 1422هـ]].
قال ابن رجب :
حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة”.
فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص وتوبة وندم على ما مضى وعزم على أن لا يعود لمثله.
ورجَّح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّف له مُفْرَدٍ في التوحيد، وهو حَسن. جامع العلوم والحكم
(المطلب العاشر): الثمرات:
من أعظم وأجلّ ثمرات كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، وكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة الطيبة، فمثلها كمثل شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي ثمرها وأكلها كل حين، ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في قلب المؤمن، ومحبة القلب له، وإخلاصه فيها، وقيامه بحقوقها، وقد أخبر الله تعالى أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها الأعمال الصالحة كل وقت وحين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [انظر: إعلام الموقعين (2/299، 300) [دار ابن الجوزي، ط1، 1423هـ] ].
قال ابن رجب :
نار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين كما في الحديث المشهور “تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن؛ فقد أطفأ نورُك لَهَبِي”.
وفي مسند الإمام أحمد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردًا وسلاما، كما كانت على إبراهيم؛ حتى إن للنار ضجيجًا من بَرْدهم”.
فهذا ميراث ورثه المؤمنون من حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فَنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نارُ جَهَنَّم.
[جامع العلوم والحكم 2/ 611 ت الأحمدي أبي النور]
(المطلب الحادي عشر): الآثار [انظر: (لا إله إلا الله) للفوزان (36 ـ 41)]:
لهذه الكلمة إذا قيلت بصدق وإخلاص، وعمل بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، واستجمعت شروطها، آثار حميدة وثمرات يانعة، وفوائد جمة، وعواقب مرضية على الفرد والجماعة في العاجل والآجل، ومن أهم آثارها وأبرزها:
1 ـ اجتماع الكلمة التي تحقق القوة للمسلمين، والانتصار على عدوهم؛ إذ هم يدينون بدين واحد وعقيدة واحدة، كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
2 ـ توفر الأمن والطمأنينة في المجتمع الواحد الذي يدين بمقتضى (لا إله إلا الله).
3 ـ حصول السيادة والاستخلاف في الأرض، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55].
4 ـ حصول الطمأنينة النفسية والاستقرار الذهني لمن قال: (لا إله إلا الله) وعمل بمقتضاها؛ لأنه يعبد ربًّا واحدًا يعرف مراده، فيفعل ما يرضيه ويعرف ما يسخطه فيتقيه.
5 ـ حصول السموّ والرفعة لأهل (لا إله إلا الله) في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ *} [الحج].
6 ـ عصمة الدم والمال والعرض لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه» [أخرجه البخاري (كتاب الزكاة، رقم 1399)، ومسلم (كتاب الإيمان، رقم 20)].
هذه نبذة يسيرة من آثارها، وإلا فليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة والعواقب الحميدة مثل ما لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، فهي جماع كل خير في الدنيا والآخرة.
(المطلب الثاني عشر): مذاهب المخالفين:
فسَّر أهل الكلام كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)؛ بمعنى: أنه لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا التفسير قاصر؛ إذ يجعل معناها محصورًا في توحيد الربوبية، وهذا ما فسره البغدادي وهو من أعلام المتكلمين، ونسبه إلى أبي الحسن الأشعري، فيقول: «واختلف أصحابنا في معنى (الإله)؛ فمنهم من قال: إنه مشتق من الإلهية وهي قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري، وعلى هذا يكون مشتقًّا من صفة، وقال القدماء من أصحابنا: إنه يستحق هذا الوصف لذاته» [أصول الدين للبغدادي (123) [دار الكتب العلمية، ط1، 1423هـ]].
فأهل الكلام إذًا يجعلون توحيد الربوبية هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن أهل الكلام: «يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلّى الله عليه وسلّم لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر، وهم مع هذا مشركون» [مجموع الفتاوى (3/98)].
وقال أيضًا: «وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين؛ حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن لا إله إلا هو القادر على الاختراع دون غيره، فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون» [المصدر السابق (3/101)].
وتفسير أهل الكلام للإله بالقادر على الاختراع باطل، وبطلانه من وجوه:
أولها: أن هذا القول لا يعرف في لغة العرب وليس من استعمالهم، والقرآن جاء بلسان عربي مبين فلا يصح أن يفسر بغير لغته.
ثانيها: أن هذا القول مخالف لما جاء في القرآن من مدلول هذا اللفظ.
ثالثها: أن قولهم مخالف لأقوال الصحابة والتابعين وأهل السُّنَّة والجماعة.
رابعها: أنه ترتب على هذا القول الاكتفاء بتوحيد الربوبية دون الألوهية، وهذا من أعظم الباطل لمخالفته للقرآن والسُّنَّة ودعوات الأنبياء وحال المشركين، وعلى هذا فتفسيرهم للإله بالقادر على الاختراع بدعة محدثة في اللغة وفي الشرع، فبطلانه في غاية الوضوح والظهور [حقيقة التوحيد بين أهل السُّنَّة والمتكلمين لعبد الرحيم السلمي (477) [دار المعلمة]].
[موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة – الجمعية العلمية].
رابعًا: فوائد الحديث:
١ – (منها): أن من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعًا، وهذا هو الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراده في هذا المحلّ.
٢ – (ومنها): أن في هَمِّ النبيّ – ﷺ – بذبح بعض حمائلهم بيانَ مراعاة المصالح، وتقديم الأهمّ فالأهمّ، وارتكاب أخفّ الضررين، لدفع أشدّهما.
٣ – (ومنها): أن في قول عمر – رضي الله عنه -: لو جمعتَ ما بقي من أزواد القوم إلخ»، بيانَ جواز عَرْض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحةً؛ لينظر الفاضل فيه، فإن ظَهَرت له مصلحةٌ فعله.
٤ – (ومنها): جوازُ خَلْط المسافرين أزوادهم، وأكلهم منها مجتمعين، وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد نصّ العلماء على أن ذلك سنة، وهو نظير مدح النبيّ – ﷺ – للأشعريين – رضي الله عنهم – في جمعهم الأزواد إذا قلّت، وتقاسمهم إياها بالسويّة، فقد أخرج الشيخان في «صحيحيهما» من حديث أبي موسى الأشعريّ – رضي الله عنه – قال: قال النبي – ﷺ -: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قَل طعام عيالهم بالمدينة، جَمَعُوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم منيّ، وأنا منهم» [راجع: “المفهم”، ١/ ١٩٨].
٥ – (ومنها): أنّ فيه عَلَمًا من أعلام النبوة الظاهرة، وما أكثر نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر، ويحصل العلم القطعي بها، وقد جمعها العلماء، وصَنَّفُوا فيها كُتُبًا مشهورة.
قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وهو بابٌ عُلِم على القطع والتواتر؛ لترادف الأحاديث بمعناه من تكثير الطعام القليل، وقد جمعنا مشهور أحاديث هذا الباب، ومن رواه من الصحابة، ومن حَمَلَهُ عنهم من التابعين في «باب معجزات نبيّنا – ﷺ – من كتابنا المسمَّى بـ»الشفا بتعريف حقوق المصطفى – ﷺ -«.
ولأن هذا الحديث ومثله إذا رواه الصحابيّ الواحد، وذكره عن المواطن المشهورة، والغزوات المحضورة، والجموع الْحَفِلَة، وحدَّث به عنهم بما شاهدوه، وجرى بحضرته، وهم غير منكرين، ولا مكذّبين، مع أنهم الملأ لا يقرّون على منكر، ولا يُداهنون في غير الحقّ، كان إقرارهم على خبره، وسكوتهم على ما حدّث به عن ملئهم كالنطق، ولَحِقَ خبره، وإن كان واحدًا بخبر التواتر الصدق. انتهى [»إكمال المعلم” ١/ ٢٣١ – ٢٣٢].
٦ – (ومنها): أن فيه ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه، وإخراجه عن أيديهم إلَّا بإذن الإمام؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم، وكذلك الحكم في أسلحتهم، وجميع ما يحتاجون إليه في غزوهم [المصدر السابق].
7 – (منها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم الموقع، وهو أجمعُ، أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه – ﷺ – جَمَعَ فيه ما يُخْرِج عن جميع ملل الكفر، على اختلاف عقائدهم، وتباعدها، فاختصر – ﷺ – في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم [«شرح النوويّ» ١/ ٢٢٧].
8 – (ومنها): بيان فضل هؤلاء الكلمات، حيث إنها توجب دخول الجَنَّة، من أيّ أبوابها شاء.
9 – (ومنها): إنما جمع في قوله: «وأن محمدًا عبده ورسوله»، بين الوصفين؛ تحذيرًا عن الإفراط والتفريط، فإن كثيرًا ممن يدّعي أنه من أمته يُفْرِط بالغلوّ قولًا وفعلًا، فيرفعه فوق مَنْزلته من العبوديّة، ويُفَرّط بترك متابعته، معتمدًا على آرائه، أو آراء مقلّديه المخالفة لما جاء به، ويتعسّف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها، فشهادة أن محمدًا عبده ورسوله تنافي ذلك؛ لأنَّها تقتضي الإيمان به، وتوجب تصديقه فيما به أخبر، وطاعته فيما به أَمَر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن تُعَظَّم سنّته، ولا يُقدّم عليها قول أحد كائنًا من كان.
وقد بيّن هذا في الحديث الآخر، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» من حديث عمر – رضي الله عنه – قال: سمعت النبيّ – ﷺ – يقول: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله».
وقد ورد وصفه بهاتين الصفتين في الكتب السابقة أيضًا، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» (٢١٢٥) عن عطاء بن يسار، قال: لَقِيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما -، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله – ﷺ – في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا”.
10 – (ومنها): بيان بطلان – ما عليه النصارى من اعتقادهم في عيسى – عليه السلام – أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
11 – (ومنها): بيان ضلال اليهود الذين يعتقدون في عيسى وأمه – عليه السلام – ما لا يليق بهما، من أنَّها حملته من الزنا، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
12 – (ومنها): بيان فضل عيسى – عليه السلام – حيث إنه كلمة الله تعالى، وروح منه.
13 – (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى وأمه – عليه السلام -، والتحذير من ذلك بأن عيسى عبد الله، لا إله، ولا ولد، وأمّه أَمَةُ الله تعالى، ومملوكة له، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا.
ويُستَفاد منه ما يُلَقَّنه النصرانيّ إذا أسلم، وقال غيره: في ذكر عيسى – عليه السلام – تعريض بالنصاري، وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وكذا قوله: «عبد الله»، وفي ذكر «رسوله» تعريض باليهود في إنكارهم رسالته، وقذفه بما هو مُنَزّه عنه، وكذا أمه، وفي قوله: «وابن أمته» تشريف له، وكذا تسميته بالروح، ووصفه بأنه منه، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فالمعنى أنه كائن منه كما أن معنى الآية الأخرى أنه سَخّر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مُكَوِّن كلّ ذلك، ومُوجِده بقدرته وحكمته [«الفتح» ٦/ ٥٤٧ – ٥٤٨].
14 – (ومنها): إثبات الجَنَّة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، خلافًا للمبتدعة، وأن الإيمان بحقيّتهما من أصول الدين.
15 – (ومنها): أن الجنّة لها أبواب، وأنها ثمانية.
16 – (ومنها): أن بعض عباد الله يخيّرون في دخول الجَنَّة من أيّ أبوابها شاؤوا، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]، اللهم ارزقنا الجَنَّة، وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعذنا من النار، وما قرّب إليها من قول وعمل، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج].
[تنبيه]: سبق ذكر ما يتعلق بأقسام التوحيد، وبيان شروط كلمة التوحيد في فتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند (1242).
تنبيه : جاء في الموسوعة العقدية:
… المبحث الخامس: فضل علم التوحيد فليراجع