تتمة شرح صحيح البخاري وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة
وَمَنْ تَأَمَّلَ سِيَاقَ «الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ» عَلِمَ أَنَّ التَّجَلِّيَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لَهُ عِنْدَهُمْ وَقْعٌ عَظِيمٌ لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا النَّوْعَ أَفْضَلُ مِنْ الرُّؤْيَةِ الْحَاصِلَةِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ أَكْثَرَ…
مجموع الفتاوى ٦/٤٥٥ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)
فَرَوَى الدارقطني بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿سَارِعُوا إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ فَيَكُونُونَ فِي قُرْبٍ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا﴾ وَأَيْضًا بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ إلَى شَبَّابَةَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ﴿سَارِعُوا إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ أَبْيَضَ فَيَكُونُونَ فِي الدُّنُوِّ مِنْهُ عَلَى مِقْدَارِ مُسَارَعَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا إلَى الْجُمُعَةِ فَيُحْدِثُ لَهُمْ مِنْ الْكَرَامَةِ شَيْئًا لَمْ يَكُونُوا رَأَوْهُ فِيمَا خَلَا.﴾ قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَا يَسْبِقُهُ أَحَدٌ إلَى الْجُمُعَةِ قَالَ: فَجَاءَ يَوْمًا وَقَدْ سَبَقَهُ رَجُلَانِ فَقَالَ: رَجُلَانِ وَأَنَا الثَّالِثُ إنَّ اللَّهَ يُبَارِكُ فِي الثَّالِثِ.
مجموع الفتاوى ٦/٤٠٣
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” رَوَى الدارقطني بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ( سَارِعُوا إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ فَيَكُونُونَ فِي قُرْبٍ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا ) … ” ثم ذكر له عدة طرق ثم قال :
” وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ أَمْرٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا نَبِيٌّ أَوْ مَنْ أَخَذَهُ عَنْ نَبِيٍّ ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَخَذَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِوُجُوهِ: (أَحَدُهَا) : أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ نُهُوا عَنْ تَصْدِيقِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا يُخْبِرُونَهُمْ بِهِ: فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُحَدِّثَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الْيَهُودُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ وَيَبْنِيَ عَلَيْهِ حُكْمًا.
(الثَّانِي) : أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – خُصُوصًا كَانَ مِنْ أَشَدِّ الصَّحَابَةِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – إنْكَارًا لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ .
(الثَّالِثُ) : أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا لَنَا وَالتَّبْكِيرُ فِيهَا لَيْسَ إلَّا فِي شَرِيعَتِنَا فَيَبْعُدُ مِثْلُ أَخْذِ هَذَا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَيَبْعُدُ أَنَّ الْيَهُودِيَّ يُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَهُمْ الْمَوْصُوفُونَ بِكِتْمَانِ الْعِلْمِ وَالْبُخْلِ بِهِ وَحَسَدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ” .
انتهى من مجموع الفتاوى (6/ 403-405) .
وروى مسلم (2833) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ ، وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا ).
قال شيخ الإسلام :
” يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ سَبَبَ الِازْدِيَادِ ” رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى ” مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِهَا، وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ” نِسَاؤُهُمْ الْمُؤْمِنَاتُ ” رَأَيْنَ اللَّهَ فِي مَنَازِلِهِنَّ فِي الْجَنَّةِ ” رُؤْيَةً ” اقْتَضَتْ زِيَادَةَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ – إذَا كَانَ السَّبَبُ هُوَ الرُّؤْيَةَ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ – ”
إلى أن قال :
” إذَا تَلَخَّصَ ذَلِكَ. فَنَقُولُ: الْأَحَادِيثُ الزَّائِدَةُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَعْضِهَا ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ فِي الْجُمُعَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَقْدِيرِ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثِ سُوقِ الْجَنَّةِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُمْ يَجْلِسُونَ مِنْ اللَّهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا؛ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ – كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَرْفُوعِ – وَفِي بَعْضِهَا ذِكْرُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَهِيَ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (6/ 408-409) .
وقال أيضا :
” الرُّؤْيَةَ الْمُعْتَادَةَ الْعَامَّةَ فِي الْآخِرَةِ تَكُونُ بِحَسَبِ الصَّلَوَاتِ الْعَامَّةِ الْمُعْتَادَةِ ، فَلَمَّا كَانَ الرِّجَالُ قَدْ شُرِعَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الِاجْتِمَاعُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمُنَاجَاتِهِ وَتَرَائِيِهِ بِالْقُلُوبِ وَالتَّنَعُّمِ بِلِقَائِهِ فِي الصَّلَاةِ كُلَّ جُمُعَةٍ ، جَعَلَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ اجْتِمَاعًا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِمُنَاجَاتِهِ وَمُعَايَنَتِهِ وَالتَّمَتُّعِ بِلِقَائِهِ.
وَلَمَّا كَانَتْ السُّنَّةُ قَدْ مَضَتْ بِأَنَّ النِّسَاءَ يُؤْمَرْنَ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدِ ، حَتَّى الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ ، وَكَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ عَامَّةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْعِيدِ : جُعِلَ عِيدُهُنَّ فِي الْآخِرَةِ بِالرُّؤْيَةِ عَلَى مِقْدَارِ عِيدِهِنَّ فِي الدُّنْيَا ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (6/ 420) .
ثالثا :
لا يمنع كون أهل الجنة يرون ربهم سبحانه كل جمعة ، أن يكون منهم من يراه في غير ذلك من الأوقات ، فأهل الجنة متفاوتون في النعيم ، ومن أعظم النعيم رؤية الرب تعالى في الجنة ، فكما يتفاوتون في نعيم الجنة الحسى ، فهم يتفاوتون في نعيمها المعنوي .
غير أن إثبات ذلك ـ الرؤية في كل يوم ـ أو نفيه ، يتوقف على بلوغ الخبر من الصادق المصدوق به ، ولم يبلغنا شيء من ذلك ، فيما نعلم .
قال الشيخ الألباني رحمه الله :
” المؤمنون يرون ربهم كل يوم جمعة ، أما كل ساعة وكل لحظة ، فما عندنا علم ” انتهى من “دروس مفرغة للشيخ الألباني” (43/ 3) بترقيم الشاملة .
والله تعالى أعلم .
قال الطبري في تفسيره حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: ثنا آدَمُ، قَالَ: ثنا الْمُبَارَكُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قَالَ: حَسَنَةٌ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قَالَ: تَنْظُرُ إِلَى الْخَالِقِ، وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَنْضُرَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الْخَالِقِ
ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺗﺄﻭﻳﻞ اﻟﻨﻈﺮ ﺑﺎﻧﺘﻈﺎﺭ اﻟﺜﻮاﺏ ﻓﺈﻧﻪ ﺃﺿﺎﻑ اﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﻮﺟﻮﻩ اﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﺤﻠﻪ ﻭﻋﺪاﻩ ﺑﺤﺮﻑ ﺇﻟﻰ اﻟﺘﻲ ﺇﺫا اﺗﺼﻞ ﺑﻬﺎ ﻓﻌﻞ اﻟﻨﻈﺮ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﻧﻈﺮ اﻟﻌﻴﻦ ﻟﻴﺲ ﺇﻻ ﻭﻭﺻﻒ اﻟﻮﺟﻮﻩ ﺑﺎﻟﻨﻀﺮﺓ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺤﺼﻞ ﺇﻻ ﻣﻊ ﺣﻀﻮﺭ ﻣﺎ ﻳﺘﻨﻌﻢ ﺑﻪ ﻻ ﻣﻊ اﻟﺘﻨﻐﻴﺺ ﺑﺎﻧﺘﻈﺎﺭﻩ ﻭﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﻣﻊ ﻫﺬا اﻟﺘﺮﻛﻴﺐ ﺗﺄﻭﻳﻞ اﻟﻨﻈﺮ ﺑﻐﻴﺮ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ اﻟﻨﻈﺮ ﺑﻤﻌﻨﻰ اﻻﻧﺘﻈﺎﺭ ﻗﺪ اﺳﺘﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ {اﻧﻈﺮﻭﻧﺎ ﻧﻘﺘﺒﺲ ﻣﻦ ﻧﻮﺭﻛﻢ}
الصواعق المرسلة
النصوص المتواترة الدالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
النوع الثاني عشر: ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة من رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، كقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ – ٢٣]، وقوله ﷺ كما ثبت في الصحيح: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته)، وفي لفظ: (كما ترون الشمس والقمر)، فهذه النصوص دلت على أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم.
والرؤية المعقولة عند جميع بني آدم تقتضي مواجهة الرائي للمرئي ومباينته له، فهذا يدل على أنه ليس مختلطًا بخلقه، فهذا فيه بطلان لقولهم: إنه مختلط بالمخلوقات.
دروس في العقيدة – الراجحي ١٨/١٦
اتفاق أهل السنة على رؤية الناس لربهم بأعينهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مالك بن أنس رضي الله عنه : الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة].
وهذا دليل من أقوال السلف وهو قول الإمام مالك بن أنس وهو الإمام المشهور، وهذا الأثر رواه الآجري في كتاب الشريعة.
وهذا القول: هو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، فكلهم يقولون مثلما قال الإمام مالك: الناس ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم يوم القيامة، والقصد من هذا الرد على المعتزلة الذين يفسرون الرؤية بالعلم، أي: الناس يعلمون الله بقلوبهم، ويقولون: إن معنى قوله: (إنكم سترون ربكم كم ترون القمر) أي: ستعلمون ربكم كما تعلمون أن القمر قمر، وهذا من أبطل الباطل.
ومن الأشاعرة من وافق المعتزلة وقال: إن المراد بالرؤية زيادة العلم في القلب.
وهذا باطل، والأشاعرة يثبتون الرؤية دون مقابلة وهذا باطل.
شرح الاقتصاد في الاعتقاد – الراجحي ٦/٩
والمنافقون كفرة محجوبون عن الله، أما في الموقف فهناك اختلاف بين أهل العلم فيهم على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يراه أهل الموقف كلهم المؤمنون والكافرون ثم يحتجب عن الكفرة.
القول الثاني: أنه يراه المؤمنون والمنافقون، كما جاء في الحديث: أنه يقال يوم القيامة لكل من كان يعبد شيئًا: (ليتبع كل من كان يعبد شيئًا من يعبده، فمن كان يعبد القمر يتبع القمر، ومن كان يعبد الشمس يتبعها، ثم يتساقطون في النار، وتبقى هذا الأمة فيتجلى الله لهم) فظاهره أن المنافقين معهم، فيسجد له المؤمنون، والمنافقون يكون ظهر الواحد منهم طبقة لا يستطيع السجود، ثم إذا ساروا انطفأ نور المنافقين وضرب بينهم بسور له باب، وهذا حديث طويل.
والقول الثالث: أنه لا يراه إلا المؤمنون في الموقف.
وظاهر الحديث الطويل أن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الدنيا، وتنزل عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، وظاهره أنهم يرون الله في الموقف ثم يحتجب عنهم بعد ذلك، فيكون هذا عذابًا لهم نسأل الله السلامة والعافية.
شرح الحموية لابن تيمية – الراجحي ١٠/١٠ —
وصفة الرؤية من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدع، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدع ومثلها صفة العلو والكلام.
شرح الاقتصاد في الاعتقاد – الراجحي ٦/٥
قال الدارمي:
بَابٌ: وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ
وَهِيَ فِي دَعْوَاهُ: اللَّمْسُ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَالْبَصَرِ بِالْعَيْنِ وَالسَّمْعِ، وَاحْتَجَّ لِدَعْوَاهُ بِحَدِيثٍ مُفْتَعَلٍ مَكْذُوبٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ1 مَعَهُ شَوَاهِدُ وَدَلَائِلُ كَثِيرَةٌ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ مُفْتَعَلٌ2؛ فَأَوَّلُ شَوَاهِدِهِ: أَنَّهُ رَوَاهُ الْمُعَارِضُ عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ الْمُتَّهَمِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ، الْمُكَذِّبِ بِصِفَاتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَوَاهُ بِشْرٌ عَنْ قَوْمٍ لَا يُوثَقُ بِهِمْ، وَلَا يُعْرَفُونَ، رَوَاهُ الْمَرِيسِيُّ3 عَنْ أَبِي شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ4 عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ5 عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن مَيْمُون عَنْ عَطَاءٍ1 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ2.
فَمن أبي شِهَابٍ الْخَوْلَانِيُّ3 وَمَنْ4 نُعَيْمُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ فَيُحْكَمُ بِرِوَايَتِهِمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ5 عَلَى رِوَايَةِ قَوْمٍ أَجِلَّةٍ مَشْهُورِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَدْ رَوَوْا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ؟!
فَمِنْ ذَلِكَ: مَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ6 عَنْ حَمَّادِ بن سَلمَة7 عَن عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ1 عَنْ أَبِي نَضْرَةَ2 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ3 قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “آتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابَ الْجَنَّةِ فَيُفْتَحُ لِي فَأَرَى رَبِّي وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ -أَوْ سَرِيرِهِ- فَيَتَجَلَّى لِي، فَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا” 4 فَهَذَا أَحَدُ الْحَوَاسِّ وَهُوَ النَّظَرُ بِالْعَيْنِ وَالتَّجَلِّي، رَوَاهُ5 هَؤُلَاءِ المشهورن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى رَغْمِ بشر….
[نقض الدارمي على المريسي – ت الألمعي 1/ 186]
قال الآجري:
كِتَابُ التَّصْدِيقِ بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّهِ عز وجل قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رحمه الله: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى جَمِيلِ إِحْسَانِهِ ، وَدَوَامِ نِعَمِهِ حَمْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَوْلَاهُ الْكَرِيمَ يُحِبُّ الْحَمْدَ ، فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَصَلِّ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ ، خَلَقَ خَلْقَهُ كَمَا أَرَادَ لِمَا أَرَادَ ، فَجَعَلَهُمْ شَقِيًّا وَسَعِيدًا ، فَأَمَّا أَهْلُ الشِّقْوَةِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ ، وَعَصَوْا رُسُلَهُ ، وَجَحَدُوا كُتُبَهُ ، فَأَمَاتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ يُعَذَّبُونَ وَفِي الْقِيَامَةِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَحْجُوبُونَ ، وَإِلَى جَهَنَّمَ وَارِدُونَ ، وَفِي أَنْوَاعِ الْعَذَابِ يَتَقَلَّبُونَ ، وَلِلشَّيَاطِينِ مُقَارِبُونَ ، وَهُمْ فِيهَا أَبَدًا خَالِدُونَ ، وَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ: فَهُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَصَدَّقُوا الْقَوْلَ بِالْفِعْلِ ، فَأَمَاتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ يُنَعَّمُونَ ، وَعِنْدَ الْمَحْشَرِ يُبَشَّرُونَ ، وَفِي الْمَوْقِفِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَعْيُنِهِمْ يَنْظُرُونَ ، وَإِلَى الْجَنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَافِدُونَ ، وَفِي نَعِيمِهَا يَتَفَكَّهُونَ ، وَلِلْحُورِ الْعِينِ مُعَانِقُونَ ، وَالْوِلْدَانُ لَهُمْ يَخْدُمُونَ ، وَفِي جِوَارِ مَوْلَاهُمُ الْكَرِيمِ أَبَدًا خَالِدُونَ؛ وَلِرَبِّهِمْ تَعَالَى فِي دَارِهِ زَائِرُونَ ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ يَتَلَذَّذُونَ ، وَلَهُ مُكَلِّمُونَ ، وَبِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَالسَّلَامِ مِنْهُ عَلَيْهِمْ يُكَرَّمُونَ ، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]…
[الشريعة للآجري 2/ 976]
قال ابن بطة:
… فَأَمَّا الَّذِي جَحَدَ مَا وَصَفَ الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ تَعَمُّقًا وَتَكَلُّفًا قَدِ {اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ} [الأنعام: 71]، فَصَارَ أَحَدَهَا، وَمِنْهَا يَسْتَدِلُّ مَنْ زَعَمَ عَلَى جَحْدِ مَا وَصَفَ الرَّبُّ وَسَمَّى مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: لَا بُدَّ إِنْ كَانَ لَهُ كَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَذَا، فَعُمِّيَ عَنِ الْبَيِّنِ بِالْخَفِيِّ، بِجَحْدِ مَا سَمَّى الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ، فَصَمَتَ الرَّبُّ عَمَّا لَمْ يُسَمِّ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ يُمْلِي لَهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى جَحَدَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23]، فَقَالَ: لَا يَرَاهُ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَجَحَدَ وَاللَّهِ أَفْضَلَ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَكْرَمَ بِهَا أَوْلِيَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ، وَنُضْرَتِهِ إِيَّاهُمْ {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 55]، وَقَدْ قَضَى أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ، فَهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ يَنْضَرُونَ وَإِنَّمَا كَانَ يَهْلِكُ مَنْ رَآهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَبْقَى سِوَاهُ، فَلَمَّا حَتَّمَ الْبَقَاءَ، وَنَفَى الْمَوْتَ وَالْفَنَاءَ، أَكْرَمَ أَوْلِيَاءَهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَاللِّقَاءِ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَجْعَلَنَّ اللَّهُ رُؤْيَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُخْلِصِينَ ثَوَابًا فَتَنْضَرُ بِهَا وُجُوهُهُمْ دُونَ الْمُجْرِمِينَ، وَتَفْلُجُ بِهَا حُجَّتُهُمْ عَلَى الْجَاحِدِينَ، فَهُمْ وَشِيعَتُهُ وَهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ مَحْجُوبُونَ، لَا يَرَوْنَهُ كَمَا زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُرَى، وَلَا يُكَلِّمُهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، كَيْفَ لَمْ يَعْتَبِرْ قَائِلُهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]؟ أَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُقْصِيهِمْ وَيُعَذِّبُهُمْ بِأَمْرٍ يَزْعُمُ الْفَاسِقُ أَنَّهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فِيهِ سَوَاءٌ؟ وَإِنَّمَا جَحَدَ رُؤْيَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ الضَّالَّةِ الْمُضِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ إِذَا تَجَلَّى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا مِنْهُ مَا كَانُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنِينَ، وَكَانَ لَهُ جَاحِدًا وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟» فَقَالُوا: لَا، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَئِذٍ كَذَلِكَ»…
[الإبانة الكبرى – ابن بطة 7/ 65]
قال الراجحي:
أهل السنة يثبتون الرؤية والفوقية، الجهمية والمعتزلة، والخوارج وجمهور الإمامية المتأخرين ينفون الرؤية والفوقية، الكلابية والأشاعرة يثبتون الرؤية وينفون الفوقية والعلو. أدلة أهل السنة في مسألة إثبات الرؤية
وأهل السنة اعتصموا بالكتاب والسنة، واستدلوا بالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واستدلوا أيضًا بالإجماع والعقل الصريح؛ إذن أدلتهم استدلوا بالكتاب واستدلوا بالسنة واستدلوا بالإجماع واستدلوا بالعقل الصريح وأدلتهم كثيرة.
لكن من أدلتهم من القرآن الكريم قول الله تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) } المؤمنون لهم ما يشاءون فيها أي: الجنة ولدينا مزيد هي رؤية الله في الآخرة، فسرها العلماء بأن المزيد هو رؤية الله في الآخرة.
الدليل الثاني قول الله -تعالى-: {* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} والحسنى المراد بها الجنة، والزيادة النظر وإلى وجه الله الكريم كما جاء تفسير ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم بأن (الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم) .
الدليل الثالث من القرآن الكريم قول الله -تعالى-: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } ناضرة الأولى بالضاد من النضرة والبهاء والحسن، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } الثاني بالظاء من النظر بالعين، ووجه الدلالة من الآية على أن الله يرى في الآخرة أن الله سبحانه وتعالى أضاف النظر إلى الوجه أو الذي هو محله وعداه بأداة إلى الصريحة في نظر العين وأخلى الكلام من قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته، فدل على أن المراد النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله؛ لأنه أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله وعداه بأداة إلى الصريحة في نظر العين، وأخلى الكلام عن قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته فدل على أن المراد النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله وذلك أن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديته بنفسه فإذا عدى بنفسه، النظر إذا عدي بنفسه معناه التوقف والانتظار كقوله تعالى: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} يعني توقفوا وانتظروا وإذا عدي بفي فمعناه التفكر والاعتبار كقوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وإذا عدي بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه وهنا إلى ربها ناظرة معناه النظر بالعين،
الدليل الرابع قول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } وجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن الكفار محجوبون عن الله فلا يرونه فدل على أن أولياءه يرونه، وإلا لو كان المؤمنون لا يرونه لتساووا هم والكفار في الحجب، فلما أن حجب الكفار دل على أن المؤمنين لا يحجبون وبهذا استدل الإمام الشافعي- رحمه الله فقال: لما أن حجب هؤلاء في السخط دل أن أولياءه يرونه في الرضا، هذه أمثلة من الكتاب العزيز على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة،.
وأما السنة فالأحاديث فيها متواترة رواها من الصحابة نحو ثلاثين صحابيًا فهي متواترة في الصحاح والسنن والمسانيد رواها نحو ثلاثين صحابيًا ساقها العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح فهي متواترة ومن المعلوم أن المتواتر يفيد العلم القطعي فلا تجوز مخالفته ومع ذلك خالف الجهمية والمعتزلة هذه النصوص، وهي متواترة من أمثلتها ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا: لا يا رسول الله قال: هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا: لا يا رسول الله قال: فإنكم ترونه كذلك) .
الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: (كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم ترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته) .
الدليل الثالث: حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وجنتان من فضة آنيتها وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) رواه الشيخان.
الدليل الرابع: حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وفيه: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له فيقول: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب فيقول: ألم أعطك مالًا وأتفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب) والشاهد في الحديث قوله: (وليس بينه وبينه حجاب) هذا صريح في الرؤية.
الدليل الخامس: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أدخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند الله يريد أن ينْجزكموه فيقولون: ما هو؟ ، ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: بلى فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة) رواه الإمام مسلم في صحيحه، هذه أمثلة من النصوص المتواترة، وهي كثيرة كما سبق رواها نحو ثلاثين صحابيًا في الصحاح والسنن والمسانيد، وهي صريحة في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، ولما ساق العلامة ابن القيم رحمه الله هذه النصوص قال بعد ذلك فكأنك تشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ذلك ويبلغه للأمة ولا شيء أقر لأعينهم منه، وشهدت الجهمية والفرعونية والرافضة والقرامطة والباطنية وفرق الصابئة والمجوس واليونان بكفر من اعتقد ذلك وأنه من أهل التشبيه والتجسيد وساعدهم على ذلك كل عدو للسنة وأهلها، والله ناصر كتابه وسنة رسوله ولو كره الكافرون….
[شرح العقيدة الطحاوية – عبد العزيز الراجحي ص115 بترقيم الشاملة آليا]
جاء في شرح لامية ابن تيمية:
موقف السلف ممن أنكر رؤية الله في الآخرة
الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نختم مبحث الرؤية ببعض الآثار التي نقلت عن بعض سلف الأمة رحمهم الله تعالى في حكم من أنكر رؤية الله تعالى، والناظم يقول:
والمؤمنون يرون حقاً ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل
أخرج اللالكائي رحمه الله في أصول اعتقاد أهل السنة من طريق مفضل بن غسان، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: “عندي سبعة عشر حديثاً في الرؤية كلها صحاح” مما يدل على أن رؤية الرب سبحانه وتعالى مما تواترت النصوص في إثباتها والدلالة عليها.
وقال علي بن المديني رحمه الله تعالى: سألت ابن المبارك عن رؤية الله تعالى؟ فقال: ما حجب الله عنه أحداً إلا عذبه، ثم قرأ قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15] فقلت له -أي: مفسراً الآية على أنها لإثبات الرؤية-: إن عندنا أقواماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، وذكروا منها: أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ومنها: أن أهل الجنة يرون ربهم، قال: فحدثني -أي: ابن المبارك – بنحو عشرة أحاديث في هذا، وبين منهج أهل السنة، قال: أما نحن فإننا نأخذ ديننا هذا عن التابعين، والتابعون أخذوا دينهم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم عمن أخذوه؟ فما سندهم فيما أخذوه في نفي الرؤية وفي نفي النزول للرب سبحانه وتعالى؟! وهذا ما يتميز به المنهج السلفي أنه يأخذ عقيدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذهم لها عن طريق السند، أي: لا يأتون بها من عند أنفسهم، بخلاف المبتدعة فما لهم سند يأخذون عنه إلا أئمة من أهل الضلال والانحراف عن صراط الله المستقيم.
وقال عبد العزيز بن الماجشون: ولم يزل -أي: المبتدعة من الجهمية وغيرهم- يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23] فقالوا: لا يراه أحد من خلقه يوم القيامة، ولهذا جحدوا أفضل كرامة يكرم الله بها أولياءه سبحانه وتعالى.
ومما نقل عن الإمام أحمد في الذين نفوا الرؤية، قال: من لم يقل بالرؤية فهو جهمي.
وقال أيضاً وقد بلغه عن رجل قال: إن الله لا يرى يوم القيامة، فغضب لذلك غضباً شديداً رحمه الله تعالى وقال: إن من قال: إن الله لا يرى يوم القيامة فقد كفر، وعليه لعنة الله وغضبه كائناً من كان من الناس، أليس الله تعالى يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23] .
قال مالك: من كذب بالرؤية فهو زنديق.
وقال أيضاً: إن الرؤية وأحاديثها نعلم أنها حق من عند الله جاءتنا، وكذلك في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه نصوص تثبت قضية الرؤية للرب سبحانه وتعالى.
ومن اللطائف: ما ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى أن النساء لا يرين الله يوم القيامة، واستدلالهم بهذا أن يوم الجمعة هو يوم المزيد، وقد ورد حديث: (أنهم يرون ربهم فيزدادون حسناً، قالوا: فيرجعون إلى أهليهم -أي: إلى أزواجهم- فيقولون: قد بلغ منكم الحسن) وما ذلك إلا لرؤيتهم للرب، ولكن الذي يظهر أن الرؤية عامة للرجال والنساء، وللصغير والكبير، وتكون لأهل الإيمان ولأهل التوحيد بالله سبحانه وتعالى.
ثم قال الناظم:
والمؤمنون يرون حقاً ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل
قول المؤلف: (والمؤمنون) هذا وصف ينطبق على المتبعين لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة.
وقوله: (يرون ربهم) هذه نسميها الرؤية الحقيقية الحسية، وهي الرؤية بالأبصار، وليست رؤية القلب، فإن رؤية القلب كل يعرف ربه كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن الكفار بأنهم يعرفون الله تعالى.
وليست رؤية بصرية: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، هذه نسميها رؤية قلبية، فهم يعرفون بها ربهم سبحانه وتعالى، لكن الرؤية هنا للمؤمنين هي الرؤية البصرية الحسية، ولذلك نثبتها لله تعالى.
قوله: (حقاً) أي: صدقاً وحساً لا خيالاً، فليست رؤية خيالية، وليست رؤية مجازية كما يؤولها المبتدعة، فالمبتدعة يؤولون رؤية الله تعالى، ولذلك قال: (يرون ربهم) أي: خالقهم ورازقهم وموجدهم من العدم.
ومن اللطائف هنا: أن الأشاعرة ينفون علو الله سبحانه وتعالى، ويقولون: إن الله ليس في العلو، وقولهم هذا ليس صحيحاً بل باطل، ولكنهم يثبتون الرؤية لله تعالى، ولهذا نجد الجهمية نفوا الرؤية ونفوا العلو جميعاً، ويقال: هناك ثمة صفات مرتبطة بعضها ببعض، الاستواء على العرش، والعلو، والنزول، والرؤية، فمن أثبت واحدة منها لزمه أن يثبت الجميع، لأنه يترتب بعضها على بعض، ولهذا قال أئمة أهل السنة: إن الأشاعرة مضطربون، فقد قالوا: الله ليس في العلو، ولكنهم يقولون: الله يمكن أن يرى، أو الله يرى، فلما جاءهم هذا الاضطراب قيل لهم: كيف يرونه؟ بالنسبة لأهل الإيمان فقد ثبت في صحيح مسلم كما في حديث صهيب في صحيح مسلم: (إذ سطع عليهم نور من وفقهم فإذا الجبار سبحانه وتعالى أما هؤلاء فماذا سيعملون؟ قالوا: إن الله يرى في غير جهة، لا ندري من أي جهة يرى! المهم أننا نثبت الرؤية لكن من غير جهة، وبهذا أصبحوا مضطربين في قولهم، ليسوا على منهج صحيح، أما أهل السنة فإنهم قالوا: إنه يُرى من جهة العلو، ولذلك رفعوا أبصارهم فإذا الجبار سبحانه وتعالى، وأصبحوا يرونه رؤية حقيقية ليس كما يقوله المبتدعة.
[شرح لامية ابن تيمية 13/ 2 بترقيم الشاملة آليا]