(تتمة المقدمة )فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
التعليق (2) على مقدمة الإمام مسلم في صحيحه،
==========
أولاً: التعليق على مقدمة صحيح مسلم:
مُقَدِّمَةٌ
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ- ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ بِالأَسَانِيدِ الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَرَدْتَ- أَرْشَدَكَ اللَّهُ- أَنْ تُوَقَّفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فِي التَّأْلِيفِ بِلا تَكْرَارٍ يَكْثُرُ.
فَإِنَّ ذَلِكَ- زَعَمْتَ- مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ مِنْ التَّفَهُّمِ فِيهَا، وَالاسْتِنْبَاطِ مِنْهَا، وَلِلَّذِي سَأَلْتَ- أَكْرَمَكَ اللَّهُ- حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَئُولُ بِهِ الْحَالُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَظَنَنْتُ حِينَ سَأَلْتَنِي تَجَشُّمَ ذَلِكَ أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ خَاصَّةً- قَبْلَ غَيْرِي مِنْ النَّاسِ- لأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ.
إِلا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ وَإِتْقَانَهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَوَامِّ إِلا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِي هَذَا كَمَا وَصَفْنَا فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ، وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ فِي الاسْتِكْثَارِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ لِخَاصَّةٍ مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ.
فَذَلِكَ – إِنْ شَاءَ اللَّهُ – يَهْجُمُ بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِي الاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ، فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ- الَّذِينَ هُمْ بِخِلافِ مَعَانِي الْخَاصِّ مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ- فَلا مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ، ثُمَّ إِنَّا- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مُبْتَدِئُونَ فِي تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ وَتَأْلِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَةٍ سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ.
وَهُوَ أَنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنْ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلاثِ طَبَقَاتٍ مِنْ النَّاسِ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعٌ لا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ؛ لأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ؛ فَلا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنْ الزِّيَادَةِ، أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ، وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ- إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ- أَسْلَمُ فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ فَلا نَتَوَلَّى فِعْلَهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ فَإِنَّا نَتَوخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنْ الْعُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنْقَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا لَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمْ اخْتِلافٌ شَدِيدٌ، وَلا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ، فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنْ النَّاسِ أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالإِتْقَانِ كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ، كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ.
فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا- بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْعِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ- مَعْرُوفِينَ فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الإِتْقَانِ وَالاسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِي الْحَالِ وَالْمَرْتَبَةِ؛ لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ، وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ: عَطَاءً، وَيَزِيدَ، وَلَيْثًا، بِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي إِتْقَانِ الْحَدِيثِ وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ- وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ، لا يُدَانُونَهُمْ، لا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ؛ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ، وَيَزِيدَ، وَلَيْثٍ، وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ كَابْنِ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، مَعَ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ، وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ.
كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلا أَنَّ الْبَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ، وَصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ، وَأَشْعَثُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَكِنَّ الْحَالَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلَاءِ فِي التَّسْمِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ فَلا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعَالِي الْقَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَدْرِ فِي الْعِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنْ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ فَلَسْنَا نَتَشَاغَلُ بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْوَرٍ- أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيِّ -، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ، وَغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو- أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ-، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنْ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ، وَتَوْلِيدِ الأَخْبَارِ، وَكَذَلِكَ مَنْ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ، أَوِ الْغَلَطُ، أَمْسَكْنَا- أَيْضًا- عَنْ حَدِيثِهِمْ.
وَعَلامَةُ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ: إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ، أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا، فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلا مُسْتَعْمَلِهِ.
فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَالْجَرَّاحُ بْنُ الْمِنْهَالِ- أَبُو الْعَطُوفِ-، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنْ الْحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ، وَلا نَتَشَاغَلُ بِهِ؛ لأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنْ الْحَدِيثِ: أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ.
فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلالَتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الاتِّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ فَيَرْوِي عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنْ الْحَدِيثِ، مِمَّا لا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ الْقَوْمِ، وَوُفِّقَ لَهَا، وَسَنَزِيدُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- شَرْحًا وَإِيضَاحًا فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ، إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَبَعْدُ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ- فَلَوْلا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمْ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنْ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِثْلُ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ- لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الانْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنْ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ.
قوله: «فَإِنَّكَ- يَرْحَمُكَ اللَّهُ بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ- ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالْفَحْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ بِالأَسَانِيدِ الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ، وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ»:
هذا بيان سبب تأليفه لكتابه الصحيح، وهو: أنه سُئل كتابة جملة الأخبار المأثورة في سنن الدين وأحكامه، وفي الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب ملخصة أسانيدها من التكرار.
وقوله: «إِلا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ وَإِتْقَانَهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، وَلا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَوَامِّ إِلا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِي هَذَا كَمَا وَصَفْنَا فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ»: وفي هذا بيان وإرشاد لطالبِ العلمِ المبتدئِ التدرجَ في طلب العلم، فإذا أرآد أخذ الحديث- مثلًا- فعليه أن يبتدئ بحفظ عمدة الأحكام، ثُمَّ ينتقل إلى بلوغ المرام، ثُمَّ يتوسع فينتقل إلى منتقى الأخبار … وهكذا.
وقوله: «نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنْ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلاثِ طَبَقَاتٍ مِنْ النَّاسِ، عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ»:
وقد فعل رحمه الله، فإنه اعتنى بالأحاديث عناية عظيمة، وجمع طرقها في مكان واحد من غير تكرار.
وقوله: «فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ»: الستر- بفتح السين -: المصدر، وبالكسر: الاسم، والمراد هنا: الأول.
[توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم، (1/ 9 – 14)].
ثانيا: الأحكام والمسائل والملحقات:
سبق في التمهيد ذكر ترجمة للإمام مسلم نب الحجاج رحمه الله تعالى في الباب الأول، والآن
(الباب الثاني): في الكلام على «صحيح مسلم»، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): اسم الكتاب:
اشتهر هذا الكتاب بين العلماء باسم: “صحيح مسلم”.
قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: “روينَا عَن مُسلم رضي الله عنه، قَالَ: صنفت هَذَا الْمسند الصَّحِيح من ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث مسموعة.
وبلغنا عَن مكي بن عَبْدَانِ وَهُوَ أحد حفاظ نيسابور، قَالَ سَمِعت مُسلم بن الْحجَّاج، يَقُول: لَو أَن أهل الحَدِيث يَكْتُبُونَ مِائَتي سنة الحَدِيث فمدارهم على هَذَا الْمسند. يَعْنِي: مُسْنده الصَّحِيح”. [صيانة صحيح مسلم، (67 – 68)، لابن الصلاح (ت ٦٤٣)].
(المسألة الثانية): سبب تأليفه:
نصَّ الإمام مسلم رحمه الله تعالى على هذا في مقدمته (1/ 4 – 7)، حيث ذكر أن سبب ذلك أمران:
الأول: إجابة لسؤال أحد تلاميذه حيث قال في مقدمته: «ثم إنا – إن شاء الله – مبتدؤون في تخريج ما سألت تأليفه على شريطة سوف أذكرها لك».
الثاني: كثرة ما أُلِّف وقُذِف به إلى الناس من الكتب المملؤة بالضعاف والمناكير والواهيات حيث قال في مقدمته: «ولكن من أجل ما أعلمناك من أن نشر القوم الأخبار بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها، خَفَّ على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت».
(المسألة الثالثة): منهجه في كتابه:
هو كتاب جامع في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقتصر مؤلفه على ما صح، وتجنب الضعيف، ولا يعتني بذكر الموقوفات، والمقطوعات، وأقوال العلماء، وآرائهم الفقهية …، وإن كان بعض ذا قد يأتي بِقِلَةٍ لعلة.
وقد ابتدأ كتابه بمقدمة ذكر فيها سبب تأليفه، وطريقته …، ثم مسائل في علوم الحديث، ثم أورد بعد المقدمة ذكر المقصود من الكتب، بدأ بكتاب الإيمان ثم الطهارة، ثم الحيض …، وانتهى بكتاب التفسير.
ومجموع ذلك أربعة وخمسون كتابًا في عدِّ محمود فؤاد عبد الباقي في طبعته، وفي “تحفة الأشراف”، اثنان وأربعون كتابًا لدخول بعض الكتب في بعض، وهذه الكتب تغطي – لمن تمعن – معظم أبواب الدين، فقد اشتملت على أمور العبادات والمعاملات، والأخلاق، والسيرة، والفضائل، والزهد والرقائق، والجنة والنار، والتفسير.
وكل كتاب منها تحته أحاديث كثيرة، مفصلة على أبواب، وإن لم يترجم لها، كما فعل بقية أصحاب الكتب الستة، وقد رتبت الأبواب، والأحاديث، ترتيبًا دقيقا، وقام بجمع الطرق الكثيرة للحديث في مكان واحد، ويحيل على الألفاظ.
وأما طريقته فقد نص عليها في مقدمة صحيحه، وهي:
أنه يعتمد إلى ما صح متجنبا التكرار لئلا يكثر – إلا لحاجه -، فيشتغل عن ضبط القليل، وكذا ينشغل عن الاستنباط، ولا يحتاجه عامة الناس بل القليل من الخاصة.
وقال – وهو من العلماء الذين بينوا مناهجهم -:
إنه سيعمد “إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله ﷺ، فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس على غير تكرار إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد لعلَّة تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن – ثم بين مراده من الأقسام، فقال:
القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، وأن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوه، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش …، فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها
القسم الثاني: أخبار يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم على أنهم، وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم …، فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت … .
القسم الثالث: فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم … .
وكذلك مَن الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط أمسكنا أيضًا عن حديثهم”. انتهى بتصرف.
وهنا مسألة مهمة؛ هل ذكر مسلم الطبقتين في صحيحه على النحو الذي ذكره في المقدمة أم لا ؟
القول الأول: أنه لم يطبقه، بل إن المنية قد اخترمته قبل استيفاء غرضه من كتابه وممن قال به أبو القاسم ابن عساكر، وأبو عبد الله النيسابوري، وأبوبكر البيهقي.
القول الثاني: إن الإمام مسلما قد طبق هذا في صحيحه، واشتهر هذا القول عن القاضي عياض، ورد على من قال إن المنية اخترمت مسلما قبل استيفاء غرضه إلا من الطبقة الأولى، بل خرج للطبقتين .
ورجح القول الثاني النووي حيث قال معلقا على قول مسلم في مقدمته: ( فقد قدمنا في الفصول بيان الاختلاف في معناه، وأنه هل وفى به في هذا الكتاب أم اختر مته المنية دون تمامه؟ والراجح أنه وفى به، والله أعلم .
أما ابن الصلاح فلم يرجح أحد القولين، إلا أنه خالف الحاكم ومن معه في دعوى أن مسلما اختر منه المنية قبل إتمامه ).
والقول بأن مسلماً قد أنهى كتابه قبل أن تخترمه المنية لا شك أقوى الورود أقوال عن الإمام مسلم نفسه تدل على هذا المعنى، من عرضه على الأشياخ وثنائه على الكتاب.
لكن على القول بأن مسلماً قد أخرج عن أهل الطبقة الثانية، وإن الرواية موجودة في صحيحه؛ هل احتج بهم كما احتج بأهل الطبقة الأولى أم لا ؟
يجيب الحافظ ابن حجر عن هذا السؤال بقوله:
الحق أنه لم يخرج شيئا مما انفرد الواحد منهم، وإنما احتج بأهل القسم الأول، سواء تفردوا أم لا، ويخرج من أحاديث أهل القسم الثاني ما يرفع به التفرد عن أحاديث القسم الأول، وكذلك إذا كان الحديث أهل القسم الثاني طرق كثيرة يعضد بعضها بعضا، فإنه يخرج ذلك.
وهذا ظاهر بين في كتابه، ولو كان يخرج جميع أحاديث القسم الثاني في الأصول بل وفي المتابعات ؛ لكان كتابه أضعاف ما هو عليه …..
والإمام مسلم يسوق الأحاديث بأسانيده، ويميز الألفاظ، وصيغ الأداء، وتحويل الأسانيد، ويعتني بهذا جدا، ويسوق متون الأحاديث التي يريد، ويحيل عند التكرار، وقد جعل كتابه الصحيح – كما تقدم – مقسمًا إلى كتب، يندرج تحتها أبواب، يدخل تحتها أحاديث بحسب الحاجة، ومع أنه أخلى الأبواب من التراجم إلا أنه سلسلها تسلسلاً فقهيا مرتبا بترتيب علمي رصين.
وتراه أيضًا: يقدم المنسوخ ثم يعقبه مباشرة بالناسخ، ويشير ويبين بعض العلل أحيانا، ويؤدي كما سمع من غير أدنى تصرف في الإسناد، أو في المتن ولو كان لا يخل المعنى …، وهكذا سرد أحاديث كتابه كلها.
قال العلامة المعلمي رحمة الله عليه: “عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها: يقدم الأصح فالأصح”. [الأنوار الكاشفة، ص (29 و320)].
وقال أيضًا: “من عادة مسلم في صحيحه أنه عند سياق الروايات المتفقة في الجملة يقدم الأصح فالأصح، فقد يقع في الرواية المؤخرة إجمال أو خطأ تبينه الرواية المقدمة في ذاك الموضع”.
(المسألة الرابعة): رواة الكتاب صحيح مسلم
قال النووي: “صحيح مسلم رحمه الله في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبى الحسين مسلم بن الحجاج.
وأما من حيث الرواية المتصلة بالإسناد المتصل بمسلم، فقد انحصرت طريقه عنده في هذه البلدان والازمان في رواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، ويروى في بلاد المغرب – مع ذلك – عن أبي محمد أحمد بن على القلانسي عن مسلم، ورواه عن ابن سفيان جماعة منهم الجلودي، وعن الجلودي جماعة منهم الفارسي، وعنه جماعة منهم الفراوي وعنه خلائق منهم منصور، وعنه خلائق منهم: شيخنا أبو إسحاق”. انتهى. [شرح النووي على مسلم، (1/ 11)].
(المسألة الخامسة): عناية العلماء بصحيح مسلم:
لقد اعتنى العلماء بصحيح الإمام مسلم رحمة الله عليه شرحا، واختصارًا، وترجمة لرجاله، وبيانا لمبهماته، و… إلخ.
ومن أهم شروح مسلم ما يلي:
1- “المعلم في شرح مسلم”، لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري المالكي (ت ٥٣٦ هـ).
2- “إكمال المعلم بفوائد شرح صحيح مسلم”، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ).
3- “المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج”، لأبى زكريا يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ)، طبع عدة طبعات من أمثلها طبعة دار المعرفة، تحقيق: خليل مأمون شيحا في (10) مجلدات.
4- “المفهم شرح تلخيص صحيح مسلم”، لأبي العباس القرطبي (ت٦٥٦هـ). [المعين في معرفة مناهج المحدثين، تأليف خالد الردادي رحمه الله تعالى، ص(55-63) بتصرف].
(المسألة السادسة): في بيان حال الكتاب، وفضله:
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمهُ الله تعالى: هذا الكتاب ثاني كتاب صُنِّفَ في صحيح الحديث، ووُسم به، ووضع له خاصةً، سَبَقَ البخاري إلى ذلك، وصلَّى [قال الإتيوبي رحمه الله معلقا: “يقال: صَلَّى الفَرَسُ: إذا تلا السابقَ. قاله في «القاموس». وفي «المصباح»: والصَّلَا وزانُ العَصَا مَغْرِزُ الذَّنَب من الفَرَسِ، والتثنية صَلَوَان، ومنه قيل للفرس الذي بعد السابق في الحَلْبَةِ: المُصَلِّي؛ لأنه عند رأسَ صلَا السابق. انتهى. جـ ١ ص ٣٤٦”. انتهى]
مسلم، ثم لم يلحقهما لاحق، وكتاباهما أصح ما صنفه المصنفون،
والبخاري وكتابه أعلى حالا في الصحيح وانتقاده أخر جمه [قال الإتيوبي رحمه الله معلقا: “هكذا نسخة «الصيانة» ص ٦٧ والظاهر أنه مصحّف، والصواب: «وأنقى رجالًا منه». والله تعالى أعلم”. انتهى.]، وكان مسلم مع حِذْقه، ومشاركته له في كثير من شيوخه أحد المستفيدين منه، والمقِرِّين له بالأُستاذية.
رَوَينا عن مسلم رحمهُ الله تعالى قال: صَنَّفتُ هذا «المسند الصحيح» من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وبلغنا عن مكي بن عَبْدان، وهو أحد حفاظ نيسابور، قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديثَ، فمدارهم على هذا المسند -يعني مسنده الصحيح-.
قال: وسمعت مسلما يقول: عَرَضتُ كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي، فكلُّ ما أشار أن له عِلّةً تركته، وكل ما قال: إنه صحيح، وليس له علة أخرجته. وورد عن مسلم أنه قال: ما وضعت شيئا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة.
قال أبو عمرو: أخبرني الشيخ المسنِدُ أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي بن المقرىء بقراءتي عليه، بِشَاذْيَاخ نيسابور، عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد الشيباني، قال: أخبرنا الحافَظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السُّوذِرْجَاني بأصبهان، قال: سمعت محمد بن إسحاق بن منده، قال: سمعت أبا علي الحسين ابن علي النيسابوري، يقول: ما تحت أَدِيم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.
ورويناه من وجه آخر عن ابن منده الحافظ هذا، وقال فيه: سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري، وما رأيت أحفظ منه هذا، مع كثرة من لقيه ابن منده من الحفاظ.
وقول أبي علي هذا، إن أراد به أن كتاب مسلم أصح من غيره على معنى أنه غير ممزوج بغير الصحيح، فإنه جَرَّد الصحيح، وسرده على التوالي بأصوله، وشواهده، على خلاف كتاب البخاري، فإنه أودع تراجم أبواب كتابه كثيرا من موقوفات الصحابة، ومقطوعات التابعين، وغير ذلك، مما ليس من جنس الصحيح، فذلك مقبول من أبي علي، وإن أراد ترجيح كتاب مسلم على كتاب البخاري في نفس الصحيح، وفي إتقانه، والإضطلاع بشروطه، والقضاء به، فليس ذلك كذلك، كما قدمناه، وكيف يُسَلَّم لمسلم ذلك، وهو يرى على ما ذكره من بعدُ في خطبة كتابه أن الحديث المعنعن، وهو الذي يقال في إسناده: فلان عن فلان، ينسلك في سلك الموصول الصحيح، بمجرد كونهما في عصر واحد، مع إمكان تلاقيهما، وإن لم يثبت تلاقيهما، وسماع أحدهما من الآخر، وهذا منه توسع يَقعُد به عن الترجيح في ذلك، وإن لم يلزم منه عمله به فيما أودعه في «صحيحه» هذا، وفيما يورده فيه من الطرق المتعددة للحديث الواحد، ما يؤمن من وهن ذلك. والله أعلم.
وقد علّق الحافظ في «هدي الساري» ١/ ١٣ – ١٤ على كلام أبي عليّ المذكور، فقال:
وأما قول أبي عليّ النيسابوري، فلم نقف فقط على تصريحه بأن كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري، بخلاف ما يقتضيه إطلاق الشيخ محيي الدين في مختصره في علوم الحديث، وفي مقدمة شرح البخاري أيضًا، حيث يقول: اتفق الجمهور على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحا، وأكثرهما فوائد. وقال أبو عليّ النيسابوري، وبعض علماء المغرب. «صحيح مسلم» أصح. انتهى.
ومقتضى كلام أبي عليّ نفي الأصحية عن غير كتاب مسلم عليه، أما إثباتها له فلا؛ لأن إطلاقه يحتمل أن يريد ذلك، ويحتمل أن يريد المساواة. والله أعلم.
قال: والذي يظهر لي من كلام أبي عليّ أنه إنما قدم «صحيح مسلم» لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده، من الشرائط المطلوبة في الصحة، بل ذلك لأن مسلما صَنّف كتابه في بلده، بحضور أصوله، في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياق، ولا يتصدى لما تصدى له البخاري، من استنباط الأحكام؛ ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث، دون الموقوفات، فلم يُعَرِّج عليها، إلا في بعض المواضع على سبيل الندور، تبعا لا مقصودا، فلهذا قال أبو عليّ ما قال، مع أني رأيت بعض أئمتنا يُجَوِّز أن يكون أبو عليّ ما رأى «صحيح البخاري»، وعندي في ذلك بُعْدٌ، والأقرب ما ذكرته، وأبو عليّ لو صرح بما نُسب إليه لكان محجوجًا بما قدمناه، مجملا ومفصلا.
قال: وأما بعض شيوخ المغاربة، فلا يُحفظ عن أحد منهم تقييد الأفضلية بالأصحية، بل أطلق بعضهم الأفضلية، وذلك فيما حكاه القاضي أبو الفضل عياض في «الإلماع» عن أبي مروان الطُّبْني -بضم الطاء المهملة، ثم إسكان الباء الموحدة، بعدها نون- قال: كان بعض شيوخي يُفَضّل «صحيح مسلم» على «صحيح البخاري». انتهى.
قال: وقد وجدت تفسير هذا التفضيل عن بعض المغاربة، فقرأت في فهرسة أبي محمد القاسم بن القاسم التُّجيبيّ قال: كان أبو محمد بن حزم يفضّل كتاب مسلم على كتاب البخاري؛ لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السَّرْد. انتهى.
قال: وعندي أن ابن حزم هذا هو شيخ أبي مروان الطُّبْني الذي أبهمه القاضي عياض، ويجوز أن يكون غيره، ومحل تفضيلهما واحد.
وقال أيضًا: ومن ذلك قول مسلمة بن قاسم القرطبي وهو من أقران الدارقطني، لَمّا ذَكَر في تاريخه «صحيح مسلم» -قال: لم يَضَع أحد مثله، فهذا محمول على حسن الوضع وجودة الترتيب، وقد رأيت كثيرا من المغاربة ممن صَنّف في الأحكام بحذف الأسانيد، كعبد الحق في «أحكامه»، و«جمعه» يعتمدون على كتاب مسلم في نقل المتون وسياقها، دون البخاري؛ لوجودها عند مسلم تامة، وتقطيع البخاري لها، فهذه جهة أخرى من التفضيل، لا ترجع إلى ما يتعلق بنفس الصحيح. انتهى كلام الحافظ [«هدي الساري» ١٥ – ١٦].
وقال الشيخ أبو عمرو: نعم يترجح كتاب مسلم بكونه أسهل متناولًا، من حيث إنه جعل لكل حديث موضعا واحدًا يليق به، يورده فيه بجميع ما يريد ذكره فيه من أسانيده المتعددة، وألفاظه المختلفة، فيسهل على الناظر النظر في وجوهه، واستثمارها، بخلاف البخاري، فإنه يورد تلك الوجوه المختلفة في أبواب شتى متفرقة، بحيث يصعب على الناظر جمع شملها، واستدراك الفائدة من اختلافها. انتهى.
وقال مسلمة بن قاسم القرطبيّ: لم يضع أحد مثل «صحيح مسلم» في حسن الصناعة، وجودة الترتيب، لا في الصحّة. انتهى.
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [نسب هذين البيتين، واللذين بعدهما إلى الحافظ عبد الرحمن بن الدَّيبع، تلميذ الحافظ السخاويّ رحمهما الله تعالى، انظر ما كتبه في كتابه «الإمام مسلم بن الحجاج» ٢/ ٥٦٩] [من الطويل]:
تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِي وَمُسْلِمِ … لَدَيَّ وَقَالُوا أَيُّ ذَيْنِ يُقَدَّمُ
فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّة … كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
ومن قال:
قَالُوا لِمُسْلِمٍ فَضْلٌ … قُلْتُ الْبُخَارِيُّ أَعْلَى
قَالُوا الْمُكَرَّرُ فِيهِ … قُلْتُ الْمُكَرَّرُ أَحْلَى
وقال الحافظ السيوطيّ في «ألفيّة الأثر»:
وَأَوَّلُ الْجَامِعِ بِاقْتِصَارِ … عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ الْبُخَارِي
وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ وَالأَوَّلُ … عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ
وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا … تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا
وقال السيد مصطفى البكريّ رحمه الله تعالى في مدح مسلم، و«صحيحه» [من الكامل]:
بَدْرٌ عَلَا بِصَحِيحِهِ فَلَكَ الْعُلَا … إِذْ فَاقَ صُنْعًا كُلَّ هَادٍ ضَيْغَمِ
وَلِذَا حُمَاةُ الْغَرْبِ هَذَا رَجَّحُوا … لا سِيَّمَا فَوْقَ السِّمَاكِ الأَفْخَمِ
وَبِقِلَّةِ التَّكْرَارِ فَاقَ مُكَرَّرًا … وَبِحُسْنِ تَرْتِيبٍ وَسَبْكٍ مُفْخَمِ
لَكِنْ مُحَمَّدُنَا الْبُخَارِيْ شَيْخُهُ … هُوَ عِنْدَ جُلِّ الْخَلْقِ أَعْلَى فَافْهَمِ
رَضِيَ الإِلَهُ عَنْهُمَا مَا بَاكَرَتْ … سُحْبُ الْغَمَامِ لِرَوْضِ أُنْسٍ أَعْظَمِ
وَالتِّرْمِذِيُّ مَعَ النَّسَائِيِّ ابْنُ مَا … جَهْ ضيفْ [هكذا النسخة، والكلمة ليست واضحة المعنى، ولا المبنى؛ إذ ينكسر الوزن عندها، ولا تكون «ضف» لأن ضاف بمعنى نزل ضيفًا، ولا يناسب هنا، ولا يمكن أضف بالألف أيضًا لانكسار الوزن، فلو قال: «زد» لاستقام الوزن والمعنى. فليُحرّر. والله تعالى أعلم] أَبَا دَاوُدَ أَهْلُ تَقَدُّمِ
وقال العجلونيّ رحمه الله تعالى [من الكامل]:
لَصَحِيحُ مُسْلِمٍ الإِمَامِ الأَوْحَدِ … قَدْ فَاقَ فِي جَمْع الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ
فَبِجَمْعِهِ طُرُقَ الْحَدِيثِ بِمَوْضِعٍ … حَازَ الْفَخَارَ عَلى صَحِيحِ مُحَمَّدِ
لَكِنَّ ذَاكَ أَصَحُّ فَاعْلَمْ يَا فَتَى … عِنْدَ الْجَمِيعِ سِوَى شُذُوذٍ مُفْرَدِ
وَهُمَا الْكِتَابَانِ اللَّذَانِ تُلُقِّيَا … بِقَبُولِ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ الأَمْجَدِ
وَهُمَا أَصَحُّ الْكُتْبِ بَعْدَ كِتَابِنَا … قَدْ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ لِلْمُهْتَدِي
فَعَلَيْكَ يَا ذَا اللُّبِّ أَنْ تَقْرَأَهُمَا … لِتَنَالَ مِنْ هَدْيِ الرَّسُولِ الأَوْحَدِ
فَسَقَى الإِلَهُ بِفَضْلِهِ قَبْرَيْهِمَا … صَوْبَ الرِّضَا وَحَبَاهُمَا بِالسُّودَدِ
وَكَذَا حَبَا أَهْلَ الْحَدِيثِ وَمَنْ بِهِمْ … فِي سَائِرِ الآفَاقِ حَقًّا يَقْتَدِي
[تنبيه]: قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: قرأت على الشيخة الصالحة، أم المؤيد، ابنة عبد الرحمن بن الحسن النيسابورية بها، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي وغيره، عن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ وغيره، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت عمر بن أحمد الزاهد، قال: سمعت الثقة من أصحابنا يقول: رأيت فيما يرى النائم، كأن أبا علي الزَّغُوري يمشي في شارع الْحِيرة، ويبكي وبيده جزء من كتاب مسلم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: نجوت بهذا، وأشار إلى ذلك الجزء.
قال: أبو علي هذا، هو محمد بن عبد العزيز الزَّغُوري -بفتح الزاي، وضم الغين المعجمة، وبعدها واو ساكنة، ثم راء مهملة- وكانت له عناية بـ «صحيح مسلم»، والتخريج عليه، وشارع الْحِيرة هو بنيسابور، نفعنا الله الكريم بالدأب كما نفعه، آمين. انتهى [«صيانة صحيح مسلم» ص ٧٠ – ٧١]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في بيان شروط الإمام مسلم رحمه الله تعالى في «صحيحه»
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: “شرط مسلم في «صحيحه» أن يكون الحديث متصل الإسناد، بنقل الثقة عن الثقة، من أوله إلى منتهاه، سالما من الشذوذ، ومن العلة. وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر”.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: إدخال السلامة من الشذوذ في حدّ الصحيح محلّ نظر؛ لأمور:
أولها: أنه ليس للإمام مسلم نص بذلك، بل لم يُرْوَ عن أحد من أئمّة الحديث المتقدمين أنه اشترط لصحّة الحديث نفي الشذوذ المعبّر عنه بالمخالفة، وإنما الموجود من تصرّفاتهم تقديم بعض ذلك على بعضٍ في الأصحّية.
ثانيها: أنه إذا كان الإسناد متّصلًا، وكان رواته كلّهم عدولًا ضابطين، فقد انتفت عنه العلل الظاهرة، ثم إذا زاد على هذا كونه غير مُعَلٍّ، فما المانع من الحكم بصحّته؟ فمجرّد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه، أو أكثر عددًا، لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيحٍ، وأصحّ.
قلت سيف بن دورة فاذا كانوا قدموا الأصح فمن باب أولى أعرضوا عن الشاذ .
ثالثها: أن عمل الشيخين في «صحيحيهما» على خلاف ذلك، فقد أخرجا ما وقع فيه مخالفة بعض الرواة لمن هو أرجح منه:
(فمن ذلك): أنّهما أخرجا قصّة جمل جابر رضي الله عنه من طرقٍ، وفيها اختلافٌ كثيرٌ في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجّح البخاريّ الطرق التي فيها الإشتراط على غيرها، مع تخريج الأمرين، ورجّح أيضًا كون الثمن أوقيّةً، مع تخريجه ما يُخالف ذلك.
(ومن ذلك): أنّ مسلمًا أخرج حديث مالك، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها في الإضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامّة أصحاب الزهريّ، كمعمرٍ، ويونس، وعمرو بن الحارث، والأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، وشعيب، وغيرهم، عن الزهريّ، فذكروا الإضطجاع بعد ركعتي الفجر، قبل صلاة الصبح، ورجّح جمعٌ من الحفّاظ روايتهم على رواية مالكٍ، ومع ذلك، فلم يتأخّر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة.
قلت سيف بن دورة : فليس مقصودهم إخراج الشاذ إلا للاشارة إلى أنه غير محفوظ أو يعتبرون كلا اللفظين محفوظ صحيح
رابعها: أن اشتراط انتفائه ينافي ما تقرّر عند المحدّثين، من قبول زيادة الثقة، سواء من قبلها مطلقًا، كابن حبّان، والحاكم، وجماعة من الفقهاء، والأصوليين، وعليه جرى النوويّ في «مصنّفاته»، كما ذكر ذلك الحافظ في «نكته» ٢/ ٦٨٧ – ٦٨٨ – أو من قبلها بشرط عدم المنافاة لرواية الأرجح، وهذا هو الصحيح الذي عليه جمهور المحدّثين، كما اختاره الحافظ في «نخبته».
ولا يقال: يلزم على هذا أن يُسمّى الحديث صحيحًا، ولا يُعمل به؛ لأنا نقول: لا مانع من ذلك؛ إذ ليس كلّ حديث صحيح يُعمل به، بدليل المنسوخ.
والحاصل أن الصواب عدم إدخال انتفاء الشذوذ في حدّ الصحيح، وتمام البحث في هذا في شرحي الكبير على «ألفية السيوطيّ» في الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال أبو عمرو: فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف، فلا خلاف بين أهل الحديث في صحته، وما اختلفوا في صحته من الأحاديث، فقد يكون سبب اختلافهم انتفاءَ وصف من هذه الأوصاف، بينهم خلافٌ في اشتراطه، كما إذا كان بعض رواة الحديث مستورًا، أو كما إذا كان الحديث مرسلًا. وقد يكون سبب اختلافهم في صحته اختلافهم في أنه هل اجتمعت فيه هذه الأوصاف، أو انتفى بعضها، وهذا هو الأغلب في ذلك، وذلك كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في ثقته، وكونه من شرط الصحيح، فإذا كان الحديث قد تداولته الثقات، غير أن في رجاله أبا الزبير المكي مثلًا، أو سهيل بن أبي صالح، أو العلاء بن عبد الرحمن، أو حماد بن سلمة، قالوا فيه: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وليس بصحيح على شرط البخاري؛ لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الأوصاف المعتبرة، ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم. وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة، مولى ابن عباس، وإسحاق بن محمد الْفَرْوِيّ، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم، ممن احتج بهم البخاري، ولم يحتج بهم مسلم.
وقال الحاكم أبو عبد الله الحافظ، في كتابه «المدخل إلى معرفة المستدرك» عددُ من أخرج لهم البخاري في «الجامع الصحيح»، ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخًا، وعدد من احتج بهم مسلم في «المسند الصحيح»، ولم يحتج بهم البخاري في «الجامع الصحيح» ستمائة وخمسة وعشرون شيخًا.
وأما قول مسلم رحمه الله تعالى في باب صفة صلاة رسول الله ﷺ، من «صحيحه»: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا -يعني في كتابه «الصحيح»، وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه.
فمشكل جِدًّا، فإنه قد وضع فيه أحاديث، قد اختلفوا في صحتها؛ لكونها من حديث من ذكرناه، ومن لم نذكره، ممن اختلفوا في صحة حديثه، ولم يجمعوا عليه.
وقد أجاب عنه الشيخ أبو عمرو بجوابين:
[أحدهما]: ما ذكره في كتاب «معرفة علوم الحديث»، وهو أنه أراد بهذا الكلام -والله أعلم- أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وُجد عنده فيها شرائط المجمع عليه، وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم.
[والثاني]: أنه أراد أنه ما وَضَع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنا، أو إسنادًا، ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه، فإنه ذكر ذلك لَمّا سئل عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «وإذا قرأ فأنصتوا»، هل هو صحيح؟ فقال: هو عندي صحيح. فقيل له: لم لم تضعه هاهنا؟ فأجاب بالكلام المذكور، ومع هذا قد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في إسنادها أو متنها؛ لصحتها عنده، وفي ذلك ذهول منه -رحمنا الله وإياه- عن هذا الشرط، أو سبب آخر، وقد استُدرِكتْ عليه، وعُلِّلت. انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى [«صيانة صحيح مسلم» ٧٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في بيان ما وقع في «صحيح مسلم» مما صورته صورة المنقطع:
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: قد وقع في هذا الكتاب، وفي كتاب البخاري ما صورته صورةُ المنقطع، وليس ملتحقا بالمنقطع في إخراج ما وقع فيه ذلك من حيز الصحيح إلى حيز الضعيف، ويُسَمَّى تعليقا، سماه به الإمام أبو الحسن الدارقطني، ويَذكره الحميدي في «الجمع بين الصحيحين» وغيره من المغاربة، وكأنهم سموه تعليقًا أخذًا من تعليق العتق، والطلاق، وتعليق الجدار؛ لما يشترك فيه الجميع من قطع الإتّصال، فإن ما فيه من حذف رجل، أو رجلين، أو أكثر من أوائل الإسناد قاطع للإتصال، لا محالة، وهو في كتاب البخاري كثير جدّا، وفي كتاب مسلم قليل جدّا، وإذا كان التعليق بلفظ فيه جزم منهما، وحكم بأن من وقع بينهما وبينه الإنقطاع قد قال ذلك، أو رواه واتصل الإسناد منه على الشرط، مثل أن يقولا: روى الزهري، ويسوقا إسناده متصلا ثقة عن ثقة، فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما، وكذلك ما روياه عمن ذكراه بما لم يحصل به التعريف به، وأورداه أصلا مُحْتَجَّيْنِ به، وذلك مثل حدثني بعض أصحابنا، ونحو ذلك.
وذكر الحافظ أبو علي الغساني الأندلسي أن مسلما وقع الإنقطاع فيما رواه في كتابه في أربعة عشر موضعا:
أولها في «التيمم» قوله في حديث أبي الجهم [«أبو الجهم» هكذا ورد في «صحيح مسلم»، وهكذا نقله ابن الصلاح، ولم يُعقّب عليه، وهو غلطٌ، وصوابه: ما وقع عند البخاريّ وغيره: «أبو الجهيم» بالتصغير، وهكذا وقع في صحيح البخاريّ. واسم أبي جهيم هذا: عبد الله بن الحارث بن الصمّة. أفاده النوويّ في «شرحه» ٤/ ٦٣ – ٦٤]: وروى الليث بن سعد. ثم قوله في «كتاب الصلاة» في «باب الصلاة على النبي ﷺ»: حدثنا صاحب لنا، عن إسماعيل ابن زكرياء، عن الأعمش، وهذا في رواية أبي العلاء بن ماهان، وسَلِمَت رواية أبي أحمد الجلودي من هذا، وقال فيه عن مسلم: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا إسماعيل بن زكرياء. ثم في «باب السكوت بين التكبير والقراءة» قوله: وحُدِّثتُ عن يحيى بن حسان، ويونس المؤدب. ثم قوله في «كتاب الجنائز» في حديث عائشة رضي الله عنها في خروج النبي ﷺ إلى البقيع ليلا: وحدثني من سمع حجاجا الأعور، واللفظ له، قال: حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا ابن جريج. وقوله في «باب الحوائج» في حديث عائشة رضي الله عنها: حدثني غير واحد من أصحابنا، قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس. وقوله في هذا الباب: ورَوَى الليث بن سعد، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، وذكر حديث كعب بن مالك في تقاضي ابن أبي حَدْرَد. وقوله في «باب احتكار الطعام» في حديث معمر بن عبد الله العدوي: حدثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن عون. وقوله في صفة النبي ﷺ: وحُدِّثتُ عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا أبو أسامة. وذكر أبو علي أنه رواه أبو أحمد الجلودي عن محمد بن المسيب الأرغياني، عن إبراهيم بن سعيد. قال أبو عمرو: ورَوَيناه من غير طريق أبي أحمد، عن محمد بن المسيب، ورواه غير ابن المسيب، عن إبراهيم الجوهري. وفي آخر «الفضائل» في حديث ابن عمر، عن رسول الله ﷺ: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد»، روايةُ مسلم إياه موصولا عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، ثم قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، ورواه الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر، كمثل حديثه. وقال مسلم في آخر «كتاب القدر» في حديث أبي سعيد الخدري: «لَتَرْكَبُنّ سنن من كان قبلكم»: حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم، وهذا قد وصله إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن محمد بن يحيى، عن ابن أبي مريم. قال أبو عمرو: وإنما أورده مسلم على وجه المتابعة والإستشهاد. وقوله فيما سبق في الإستشهاد والمتابعة في حديث البراء بن عازب في الصلاة الوسطى بعد أن رواه موصولا: ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري إلى آخره. وقوله أيضًا في «الرجم» في المتابعة لِمَا رواه موصولا من حديث أبي هريرة، في الذي اعترف على نفسه بالزنا: ورواه الليث أيضًا عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب بهذا الإسناد. وقوله في «كتاب الإمارة» في المتابعة لِمَا رواه متصلا من حديث عوف بن مالك. «خيار أئمتكم الذين تحبونهم»: ورواه معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد.
قال أبو عمرو: وذكر أبو علي فيما عندنا من كتابه في الرابع عشر حديث ابن عمر: «أرأيتكم ليلتكم هذه» المذكور في «الفضائل»، وقد ذكره مرة، فيسقط هذا من العدد، والحديث الثاني؛ لكون الجلودي رواه عن مسلمِ موصولا، وروايته هي المعتمدة المشهورة، فهي إذن اثنا عشر، لا أربعة عشر، وأخَذَ هذا عن أبي علي أبو عبد الله المازري، صاحب «المعلم»، وأطلق أن في الكتاب أحاديث مقطوعة، في أربعة عشر موضعا. وهذا يوهم خللا في ذلك، وليس ذلك كذلك، وليس شيء من هذا -والحمد لله- مخرجًا لما وُجد فيه من حيِّز الصحيح، بل هي موصولة من جهات صحيحة، لا سيما ما كان منها مذكورا على وجه المتابعة، ففي نفس الكتاب وصلها، فاكتفى بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث، كما أنه روى عن جماعة من الضعفاء؛ اعتمادا على كون ما رواه عنهم معروفا من رواية الثقات، على ما سنرويه عنه فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: سأذكر في آخر المسائل فيما يتعلّق بهذه الأحاديث المنقطعة ما كتبه العلامة رشيد الدين العطّار المتوفّى سنة (٦٦٢) رحمه الله تعالى في رسالته «غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة»، إن شاء الله تعالى.
قال أبو عمرو: وهكذا الأمر في تعليقات البخاري، بألفاظ مثبتة، جازمة، على الصفة التي ذكرناها، كمثل ما قال فيه: قال فلان، أو رَوَى فلان، أو ذكر فلان، أو نحو ذلك، ولم يُصِب أبو محمد بن حزم الظاهري، حيث جعل مثل ذلك انقطاعا، قادحا في الصحة، مُستروحا إلى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد، في إباحة الملاهي، وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث، مجيبا به عن حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، عن رسول الله ﷺ: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير، والخمر، والمعازف …» إلى آخر الحديث، فزعم أنه وإن أخرجه البخاري، فهو غير صحيح؛ لأن البخاري قال فيه: قال هشام بن عمار، وساقه بإسناده، فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام. وهذا خطأ من وجوه: [أحدها]: أنه لا انقطاع في هذا أصلًا، من جهة أن البخاري لقي هشاما، وسمع منه، وقد قررنا في كتاب «معرفة علوم الحديث» أنه إذا تحقق اللقاء والسماع، مع السلامة من التدليس، حُمِل ما يرويه عنه على السماع، بأي لفظ كان، كما يُحْمَل قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ على سماعه منه، إذا لم يظهر خلافه، وكذا غير «قال» من الألفاظ. [الثاني]: إن هذا الحديث بعينه معروف الإتصال بصريح لفظه، من غير جهة البخاري. [الثالث]: أنه وإن كان ذلك انقطاعا، فمثل ذلك في الكتابين غير ملتحق بالإنقطاع القادح؛ لما عُرِف من عادتهما، وشرطهما، وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة، فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور، من غير ثَبَث وثبوت، بخلاف الإنقطاع، والإرسال الصادرين من غيرهما، هذا كله في المعلّق بلفظ الجزم. وأما إذا لم يكن ذلك من الشيخين بلفظ جازم، مثبت له على ما ذكراه عنه، على الصفة التي قدمتُ ذكرها، مثل أن يقولا: ورُوي عن فلان، أو ذُكر عن فلان، أو في الباب عن فلان، ونحو ذلك، فليس ذلك في حكم التعليق، الذي ذكرناه، ولكن يستأنس بإيرادهما له.
وأما قول مسلم في خطبة كتابه: وقد ذُكِر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم»، فهذا بالنظر إلى أن لفظه ليس لفظا جازما بذلك عن عائشة، غير مقتض كونه مما حَكَم بصحته، وبالنظر إلى أنه احتج به، وأورده إيراد الأصول، لا إيراد الشواهد، يقتضي كونذ مما حَكَم بصحته، ومع ذلك قد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه «معرفة علوم الحديث» بصحته، وأخرجه أبو داود في «سننه» بإسناده منفردا به، وذَكَر أن الراوي له عن عائشة، ميمون بن أبي شبيب لم يدركها، وفيما قاله أبو داود توقف ونظر، فإنه كوفي متقدم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة رضي الله عنها، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي، كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون هذا أنه قال: لم ألق عائشة، أو نحو هذا، لاستقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح [«صيانة صحيح مسلم» ص ٨٤].
وقال النوويّ بعدما ذكر كلام ابن الصلاح هذا: وحديث عائشة هذا قد رواه البزّار في «مسنده»، وقال: هذا الحديث لا يُعلم عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا. انتهى [«شرح صحيح مسلم» ١/ ١٩].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: الراجح أن هذا الحديث ضعيف، وسيأتي البحث فيه مستوفىً عند ذكر المصنّف له، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في أن ما حكم الشيخان بصحّته، هل يفيد العلم، أو الظنّ؟
قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب، فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يُعْتَدُّ بخلافه ووفاقه في الإجماع، والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول، يوجب العلم النظري بصدقه، خلافا لبعض محققي الأصوليين، حيث نفى ذلك، بناء على أنه لا يفيد في حق كل واحد منهم إلا الظن، وإنما قبله لأنه يجب عليه العمل بالظن، والظن قد يخطىء، وهذا مندفع؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطإ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطإ، وقد أخبرونا في إذنهم عن الحافظ الفقيه، أبي طاهر أحمد بن محمد الأصبهاني رحمه الله، قال: سمعت القاضي أبا حكيم الجيلي يقول: سمعت أبا المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني بنيسابور يقول: لو حلف إنسان بطلاق امرأته، أن ما في كتابي البخاري ومسلم، مما حكما بصحته، من قول النبي ﷺ، لما ألزمته الطلاق، ولا حَنَّثْتُهُ؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما.
قال أبو عمرو: ولقائل أن يقول في قوله: ولا حنثته؛ للإجماع على صحتهما: إنه لا يحنث ولو لم يُجْمَع على صحتهما؛ لأجل الشك فيه، حتى لو حلف بذلك في حديث ليس بهذه الصفة، فإنه لا يحنث؛ لذلك، وإن كان راويه فاسقا، فعدم الحنث حاصل قبل الإجماع، فلا يضاف إلى الإجماع.
فأقول: المضاف إلى الإجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا، والثابت عند الشك، وعدمِ الإجماع هو الحكم ظاهرا بعدم الحنث، مع احتمال وجوده في الباطن، فعلى هذا ينبغي أن يُحمَل كلام إمام الحرمين، فإنه اللائق بتحقيقه. والله أعلم.
إذا عرفت هذا فما أُخذ على البخاري ومسلم من ذلك وقَدَح فيه مُعْتَمَدٌ من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة. انتهى كلام أبي عمرو [«صيانة صحيح مسلم» ص ٨٦].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: سيأتي بيان الخلاف في عدد تلك الأحاديث، والجواب عنها قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
وقال أبو عمرو أيضًا في «جزء له»: ما اتّفق عليه البخاريّ ومسلم على إخراجه، فهو مقطوع بصدق مخبِره، ثابتٌ يقينًا؛ لتلقّي الأمة ذلك بالقبول، وذلك يُفيد العلم النظريّ، وهو في إفادة العلم كالمتواتر، إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروريّ، وتلقّي الأمة بالقبول يُفيد العلم النظريّ، وقد اتّفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته، فهو حقّ وصدق.
وقال في «علوم الحديث»: وقد كنت أميل إلى أن ما اتفقا عليه فهو مظنون، وأحسبه مذهبا قويا، وقد بان لي الآن أنه ليس كذلك، وأن الصواب أنه يفيد العلم. انتهى كلام أبي عمرو رحمه الله تعالى.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: تعقّب النوويّ كلام ابن الصلاح المذكور، فقال: وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث «الصحيحين» التي ليست بمتواترة، إنما تفيد الظن، فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها، إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا «الصحيحان»، وإنما يفترق «الصحيحان» وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا، لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقًا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى يُنظَر، وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ﷺ. وقد اشتد إنكار ابن بَرْهان الإمام على من قال بما قاله الشيخ، وبالغ في تغليطه، وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول، وقال: إن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحّته، قال: وهو مذهب رديء [انظر «التدريب» ١/ ١٣٢].
قال: وأما ما قاله الشيخ رحمه الله في تأويل كلام إمام الحرمين في عدم الحنث، فهو بناء على ما اختاره الشيخ، وأما على مذهب الأكثرين، فيحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهرا، ولا يستحب له التزام الحنث، حتى تُستحبَّ له الرجعة، كما لو حلف بمثل ذلك في غير «الصحيحين»، فإنا لا نُحَنِّثه، لكن نَستَحِبّ له الرجعة احتياطا؛ لاحتمال الحنث، وهو احتمالٌ ظاهر، وأما «الصحيحان» فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف، فلا تستحب له المراجعة؛ لضعف احتمال موجبها. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى [«شرح صحيح مسلم» ١/ ٢٠ – ٢١].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: تَعَقُّب النوويّ ما قاله أبو عمرو بن الصلاح، ودعواه أن المحققين على خلافه، فيه نظر لا يخفى، بل الصواب أن الأكثرين المحقّقين الذين أعطوا المسألة حقّها من البحث مع ابن الصلاح، بل كلّ حديث توفّرت فيه شروط الصحّة، وانتفت عنه العلل له هذا الحكم، فهو يفيد العلم، لا الظنّ، وهذا هو الحقّ الأبلج، والطريق الأبهج، كما سنحقّقه، إن شاء الله تعالى.
قال في «التدريب»: قال البلقيني ما قاله النووي، وابن عبد السلام، ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين، مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية، كأبي إسحاق، وأبي حامد الإسفرائيني، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن الزاغوني من الحنابلة، وابن فورك، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة، بل بالغ ابن طاهر المقدسي في «صفة التصوف»، فألحق به ما كان على شرطهما، وإن لم يخرجاه. وقال الحافظ: ما ذكره النووي في «شرح مسلم» من جهة الأكثرين [قال الإتيوبي رحمه الله تعالى معلقا: “عندي في قوله: الأكثرين نظر، إذ الأكثرون مع ابن الصلاح، كما سمعته في التقرير المذكور آنفًا. فتبصّر. والله تعالى أعلم”]، أما المحققون فلا، فقد وافق ابن الصلاح أيضًا محققون. وقال في «شرح النخبة»: الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم، خلافا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما»، مما لم يبلغ التواتر، فإنه احْتَفّ به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم، من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ، وبما لم يقع التجاذب بَين مدلوليه، حيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. قال: وما قيل من أنهم إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحته ممنوع؛ لأنهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجاه، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. قال: ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهم أصح الصحيح. قال: ومنها المشهور، إذا كانت له طرق متباينة، سالمة من ضعف الرواة والعلل، وممن صرح بإفادته العلم الأستاذ أبو منصور البغدادي. قال: ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ، حيث لا يكون غريبا، كحديثٍ يرويه أحمد مثلا، ويشاركه فيه غيره، عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره، عن مالك، فإنه يفيد العلم عند سماعه بالإستدلال، من جهة جلالة رواته.
قال: وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل، وكونُ غيره لا يحصل له العلم لقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور.
وقال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عَوّل عليه، وأرشد إليه، قال السيوطيّ: وهو الذي أختاره، ولا أعتقد سواه. انتهى [راجع «التدريب» ١/ ١٣٢ – ١٣٤].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بإفادة خبر الواحد المستجمع لشروط الصحّة ولا سيما إذا احتفّ بالقرائن العلمَ، لا الظنَّ هو الحقّ، كما اختاره ابن الصلاح، وابن كثير، والسيوطيّ بالنسبة لما في «الصحيحين»، وكما اختاره المحقّقون الآخرون بالنسبة إلى أحاديث غيرهما، ومنهم أبو المظفّر السمعانيّ، والإمام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم، وأحمد محمد شاكر من المتأخرين [انظر ما كتبه على «الفية السيوطي» في الحديث ص ٤ – ٥]، بل نقله وحقّقه إمام عصره المجمع على إمامته، أبو المظفّر، منصور بن محمد السمعانيّ في كتابه «الإنتصار» عن عامة أهل الحديث، والمحقّقين، وقد أطال النفس ابن القيّم في كتابه «الصواعق المرسلة» في تأييد هذا المذهب، وذكر له نحو أَحَدٍ وعشرين دليلًا، وسيأتي نقل ذلك في أواخر هذا الشرح، عند قول المصنّف رحمه الله: «أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل» -إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في الأحاديث المنتقدة على الشيخين:
اعلم: أن الشيخ ابن الصلاح استثنى من المقطوع بصحته في «الصحيحين» ما تُكُلِّمَ فيه من أحاديثهما، فقال: سوى أحرف يسيرة تَكَلّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وقد اختُلف في عددها، فقال النوويّ في «شرح مسلم» ١/ ٢٧: إنها مائتا حديث، وذكر الحافظ السِّلَفيّ أنها مائتان وسبعة أحاديث، وذكر البقاعيّ عن الحافظ ابن حجر أنها مائتان، وعشرة أحاديث، اشتركا في (٣٢) واختصّ البخاريّ بـ (٧٨) ومسلم بـ (١٠٠).
وذكر الشيخ ربيع بن هادي في رسالته «بين الإمامين مسلم والدارقطني» ص ٢٨ أن ما في مسلم (٩٥) حديثًا، والباقي إما منسوب إليه غلطًا، وهما حديثان، وإما جاء مكرّرًا، وهو خمسة أحاديث. راجع ما كتبه في الرسالة المذكورة ص ٢٨ – ٢٩.
قال النوويّ في «شرح البخاري»: ما ضُعِّف من أحاديثهما مبني على علل ليست بقادحة. قال الحافظ: فكأنه مال بهذا إلى أنه ليس فيهما ضعيف، وكلامه في شرح مسلم يقتضي تقرير قول من ضَعَّفَ، فكأن هذا بالنسبة إلى مقامهما، وأنه يدفع عن البخاري، ويقرر على مسلم، قال العراقي: وقد أفردت كتابا لما تكلم فيه في «الصحيحين»، أو أحدهما مع الجواب عنه، قال الحافظ: ولم يُبَيَّض هذا الكتابُ وعُدِمت مُسَوَّدته، وقد سرد الحافظ ما في البخاري من الأحاديث المتكلم فيها في «مقدمة شرحه»، وأجاب عنها حديثا حديثا. قال الحافظ السيوطيّ: ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفا مخصوصا، فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته، وقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابا في الرد عليه، وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أُبهم راويه، وبعضها فيه إرسال وانقطاع، وبعضها فيه وجادة، وهي في حكم الإنقطاع، وبعضها بالمكاتبة، وقد ألف الرشيد العطار كتابا في الرد عليه، والجواب عنها حديثا حديثا.
قال الإتيوبي: سيأتي نقل ما كتبه الرشيد العطار نصّا، إن شاء الله تعالى.
ونلخّص هنا ما ذُكر من الجواب الشامل الذي لا يختص بحديث دون حديث:
قال الحافظ رحمه الله تعالى في «هدي الساري مقدمة فتح الباري»: الجواب من حيث الإجمال عما انتُقِد عليهما أنه لا ريب في تقدم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعده، من أئمة هذا الفن، في معرفة الصحيح والعلل، فإنهم لا يختلفون أن ابن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك، ومع ذلك فكان ابن المديني إذا بلغه عن البخاري شيء يقول: ما رأى مثل نفسه. وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد ذلك منه الشيخان جميعا. وقال مسلم: عرضت كتابي على أبي زرعة الرازي، فما أشار أن له علة تركته.
فإذا عُرِف ذلك، وتقرّر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما، يكون قوله معارِضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الإعتراض من حيث الجملة.
وأما من حيث التفصيل، فالأحاديث التي انتُقِدت عليهما ستة أقسام:
الأول: ما يختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص، من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب «الصحيح» الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود؛ لأن الراوي إن كان سمعه، فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة، فهو منقطع، والمنقطع ضعيف، والضعيف لا يُعِلُّ الصحيح.
ومن أمثلة ذلك: ما أخرجاه من طريق الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرين، قال الدارقطني في انتقاده: قد خالف منصور، فقال: عن مجاهد، عن ابن عباس، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاط طاوس، قال: وحديث الأعمش أصح.
قال الحافظ: وهذا في التحقيق ليس بعلة، فإن مجاهدا لم يوصف بالتدليس، وقد صح سماعه من ابن عباس، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش، والأعمش أيضًا من الحفاظ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة، والإسناد كيفما دار كان متصلًا، وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا.
وإن أخرج صاحب «الصحيح» الطريق الناقصة، وعلله الناقد بالمزيدة، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان الراوي صحابيا، أو ثقة غير مدلس، قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا، أو صرح بالسماع، إن كان مدلسا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك، اندفع الإعتراض بذلك، وإن لم يوجد، وكان الإنقطاع فيه ظاهرا، فمحصل الجواب عن صاحب «الصحيح» أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابعٌ، وعاضد، أو ما حَفَّته قرينة في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع.
مثاله: ما رواه البخاري من حديث أبي مروان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قال لها: «إذا صليت الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون …» الحديث. قال الدارقطني. هذا منقطع، وقد وصله حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، ووصله مالك في «الموطإ» عن أبي الأسود، عن عروة كذلك. قال الحافظ: حديث مالك عند البخاري مقرون بحديث أبي مروان، وقد وقع في رواية الأصيلي: عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة موصولا، وعليها اعتمد المزي في «الأطراف»، ولكن معظم الروايات على إسقاط زينب، قال أبو علي الجياني: وهو صحيح، وكذا أخرجه الإسماعيلي بإسقاطها من حديث عبدة بن سليمان، ومحاضر، وحسان بن إبراهيم، كلهم عن هشام، وهو المحفوظ من حديثه، وإنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي أسقطت منها، حاكيا للخلاف فيه على عروة كعادته، مع أن سماع عروة، من أم سلمة ليس بالمستبعد.
قال: وربما عَلَّل بعض النقاد أحاديث ادَّعَى فيها الإنقطاع؛ لكونها مروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الإنقطاع، عند من يسوغ ذلك، بل في تخريج صاحب «الصحيح» لمثل ذلك دليل على صحته عنده.
القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.
والجواب عنه: أنه إن أمكن الجمع، بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين، في الحفظ والعدد، أو متفاوتين، فيخرج الطريقة الراجحة، ويُعرض عن المرجوحة، أو يشير إليها، فالتعليل بجميع ذلك لمجرد الإختلاف غير قادح، إذ لا يلزم من مجرد الإختلاف اضطرابٌ يوجب الضعف.
الثالث: ما تفرد فيه بعض الرواة بزيادة، لم يذكرها أكثر منه، أو أضبط، وهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية، بحيث يتعذر الجمع، وإلا فهي كالحديث المستقل، إلا إن وضح بالدليل القوي أنها مدرجة من كلام بعض رواته، فهو مؤثر.
الرابع: ما تفرد به بعض الرواة، ممن ضُعّف، وليس في «الصحيح» من هذا القبيل، غير حديثين، تبين أن كلا منهما قد توبع:
[أحدهما]: حديث إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: «أن عمر استعمل مولى له يُدْعَى هُنيّا على الحمى …» الحديث بطوله. قال الدارقطني: إسماعيل ضعيف. قال الحافظ: ولم ينفرد به، بل تابعه معن بن عيسى عن مالك، ثم إن إسماعيل ضعفه النسائي وغيره، وقال أحمد وابن معين في رواية: لا بأس به. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وإن كان مغفلا. وقد صح أنه أخرج للبخاري أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وأخرج له مسلم أقل مما أخرج له البخاري.
[ثانيهما]: حديث أُبَيّ بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: «كان للنبي ﷺ فرس، يقال له: اللَّحِيف» [«اللحيف» بفتح اللام، وكسر الحاء، فَعيل بمعنى فاعل، كأنه يلحف الأرض بذنبه لطوله: أي يغطّيها. ويقال: بالخاء المعجمة، كما حكاه البخاريّ. ويقال: اللُّحيف بضم اللام، وفتح الحاء مصغّرًا. وروي بالنون بدل اللام من النحافة. روى ابن سعد: أنه أهداه له ربيعة بن نزار، فأثابه عليه من نعم بني كلاب]. قال الدارقطني: أُبَيّ ضعيف. قال الحافظ: تابعه عليه أخوه عبد المهيمن.
القسم الخامس: ما حُكِم فيه على بعض الرواة بالوهم، فمنه ما لا يؤثر قدحا، ومنه ما يؤثّر.
السادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح؛ لإمكان الجمع، أو الترجيح. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى [راجع «تدريب الراوي» ١/ ١٣٥ – ١٣٨]. وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.