تابع 6982 إلى 6991 – منحة الباري في تحضير صحيح البخاري
مشاركة: أحمد بن علي و محمد سيفي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة،
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبيc
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
٢٢ – بَاب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ /هود: ٧/.
الجَهلُ في بابِ الأسماءِ والصِّفاتِ
يختَلِفُ حُكمُ الإلحادِ مِن شَخصٍ إلى آخَرَ، فحُكمُ مَن ألحَدَ في أسْماءِ اللهِ وصِفاتِه متعَمِّدًا وعِنادًا، ليس كمَن ألحَدَ فيها جَهلًا وتأوُّلًا.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ القُرآنِ:
قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: 138] .
قال البَغَويُّ: (لم يكُنْ ذلك شكًّا من بني إسرائيلَ في وَحْدانيَّةِ اللهِ، وإنَّما معناه: اجعَلْ لنا شيئًا نُعَظِّمُه ونتقَرَّبُ بتعظيمِه إلى اللهِ، وظَنُّوا أنَّ ذلك لا يَضُرُّ الدِّيانةَ، وكان ذلك لشِدَّةِ جَهْلِهم. قال موسى: إنَّكم قَومٌ تَجهَلونَ عظَمةَ اللهِ) .
وقال ابنُ كثير: (أي: تجهَلونَ عَظمةَ اللهِ وجَلالَه، وما يجِبُ أن يُنَزَّهَ عنه من الشَّريكِ والمثيلِ) .
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ:
1- عن أبي واقِدٍ اللَّيثيِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا خرجَ إلى خَيبرَ مرَّ بشَجَرةٍ للمُشرِكينَ يقالُ لَها ذاتُ أنواطٍ، يعلِّقونَ عليْها أسلحِتَهم، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ اجعَل لنا ذاتَ أنواطٍ كما لَهم ذاتُ أنواطٍ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((سُبحانَ اللهِ! هذا كما قالَ قومُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ[الأعراف: 138] ، والَّذي نفسي بيدِهِ لترْكبُنَّ سُنَّةَ مَن كانَ قبلَكم)) وفي رواية: ((خرَجْنا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى حُنَينٍ، ونحنُ حُدَثاءُ عَهدٍ بكُفرٍ)) .
قال الملَّا علي القاري: («لَمَّا خرج إلى غَزوةِ حُنَينٍ» أي: بعد فَتحِ مكَّةَ ومعه بَعضُ من دخل في الإسلامِ حديثًا، ولم يتعلَّمْ من أدِلَّة الأحكامِ آيةً ولا حديثًا «مَرَّ بشَجَرةٍ للمُشرِكينَ كانوا يُعَلِّقونَ عليها أسلِحَتَهم» أي: ويَعكُفونَ حولَها، يُقالُ لها ذاتُ أنواطٍ: جَمعُ نَوطٍ، وهو مَصدَرُ ناطَه، أي: عَلَّقَه، «فقالوا» أي: بعضُهم ممَّن لم يَكمُلْ له مرتبةُ التَّوحيدِ، ولم يطَّلِعْ على حقيقةِ التفريدِ: «يا رَسولَ اللهِ، اجعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ» أي: شَجَرةً نحن أيضًا نعَلِّقُ عليها أسلِحَتَنا، وكأنَّهم أرادوا به الضِّدِّيَّةَ والمخالَفةَ العُرفيَّةَ، وغَفَلوا عن القاعِدةِ الشَّرعيَّةِ، «فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سُبحانَ الله!» تنزيهًا وتعجُّبًا «هذا» أي: هذا القَولُ منكم «كما قال قومُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ[الأعراف: 138] »، لكِنْ لا يخفى ما بيْنهما من التَّفاوُتِ المُستفادِ مِنَ التَّشبيهِ؛ حيث يكونُ المشَبَّهُ به أقوى) .
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ علَى نَفْسه، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ قالَ لِبَنِيه: إذا أنا مُتُّ فأحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي في الرِّيحِ، فَواللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذابًا ما عَذَّبَهُ أحَدًا، فَلَمَّا ماتَ فُعِلَ به ذلكَ، فأمَرَ اللهُ الأرْضَ فقالَ: اجْمَعِي ما فِيكِ منه، فَفَعَلَتْ، فإذا هو قائِمٌ، فقالَ: ما حَمَلَكَ علَى ما صَنَعْتَ؟ قال: يا رَبِّ، خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لهـ)) .
قال الخَطَّابيُّ: (قد يُستشكَلُ هذا، فيُقالُ: كيف يَغفِرُ له وهو مُنكِرٌ للبَعثِ والقُدرةِ على إحياءِ الموتى؟! والجوابُ: أنَّه لم ينكِرِ البَعثَ، وإنَّما جَهِلَ فظَنَّ أنَّه إذا فعل به ذلك لا يُعادُ فلا يُعَذَّبُ، وقد ظَهَر إيمانُه باعترافِه بأنَّه إنَّما فعل ذلك مِن خَشيةِ اللهِ) .
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: (وأمَّا جَهلُ هذا الرَّجُلِ المذكورِ في هذا الحديثِ بصِفةٍ مِن صِفاتِ اللهِ في عِلْمِه وقَدَرِه، فليس ذلك بمُخرِجِه مِنَ الإيمانِ) .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (فهذا رجُلٌ شكَّ في قُدرةِ اللهِ وفي إعادتِه إذا ذُرِيَ، بل اعتَقَد أنَّه لا يعادُ، وهذا كفرٌ باتِّفاقِ المسلِمينَ، لكِنْ كان جاهِلًا لا يَعلَمُ ذلك، وكان مؤمنًا يخافُ اللهَ أن يعاقِبَه، فغَفَر له بذلك، والمتأوِّلُ مِن أهلِ الاجتِهادِ، الحريصُ على متابعةِ الرَّسولِ: أَولى بالمَغفِرةِ مِن مِثلِ هذا) .
وقال أيضًا: (فهذا الرَّجُلُ اعتَقَد أنَّ اللهَ لا يَقدِرُ على جَمْعِه إذا فَعَل ذلك، أو شَكَّ، وأنَّه لا يبعَثُه، وكُلُّ مِن هذينِ الاعتقادينِ كُفرٌ، يَكفُرُ من قامت عليه الحُجَّةُ، لكِنَّه كان يَجهَلُ ذلك، ولم يَبلُغْه العِلْمُ بما يَرُدُّه عن جَهْلِه، وكان عنده إيمانٌ باللهِ، وبأَمْرِه ونَهْيِه، ووَعْدِه ووَعيدِه، فخاف من عقابِه، فغَفَر اللهُ له بخَشْيتِه، فمن أخطأَ في بعضِ مَسائِلِ الاعتقادِ مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرَسولِه وباليَومِ الآخِرِ، والعَمَلِ الصَّالحِ؛ لم يكُنْ أسوَأَ حالًا مِن الرَّجُلِ) .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (أمَّا جَحْدُ ذلك جهلًا أو تأويلًا يُعذَرُ فيه صاحِبُه، فلا يَكفُرُ صاحِبُه به، كحديثِ الذي جَحَد قُدرةَ اللهِ عليه، وأمَرَ أهلَه أن يُحَرِّقوه ويَذُرُّوه في الرِّيحِ، ومع هذا فقد غَفَر اللهُ له، ورَحِمَه؛ لجَهْلِه؛ إذ كان ذلك الذي فعَلَه مَبلَغُ عِلْمِه، ولم يجحَدْ قُدرةَ اللهِ على إعادتِه عِنادًا أو تكذيبًا) .
وقال ابنُ الوزير: (إنما أدركَتْه الرَّحمةُ؛ لجَهْلِه، وإيمانِه باللهِ والمعادِ؛ لذلك خاف العِقابَ، وأمَّا جَهْلُه بقُدرةِ اللهِ تعالى على ما ظَنَّه مُحالًا، فلا يكونُ كُفرًا إلَّا لو عَلِمَ أنَّ الأنبياءَ جاؤوا بذلك، وأنَّه مُمكِنٌ مقدورٌ، ثمَّ كَذَّبَهم أو أحدًا منهم؛ لِقَولِه تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] وهذا أرجى حديثٍ لأهلِ الخَطَأِ في التأويلِ) .
وقال عبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ: (فهذا الرَّجُلُ اعتقد أنَّه إذا فُعِل به ذلك لا يَقدِرُ اللهُ على بَعْثِه، جَهلًا منه لا كُفرًا ولا عِنادًا، فشَكَّ في قُدرةِ اللهِ على بَعْثِه، ومع هذا غَفَر له ورَحِمَه، وكُلُّ مَن بَلَغه القُرآنُ فقد قامت عليه الحُجَّةُ بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولكِنَّ الجاهِلَ يحتاجُ إلى من يُعَرِّفُه بذلك من أهْلِ العِلْمِ. واللهُ أعلَمُ) .
فالجَهلُ في هذه المسألةِ عُذرٌ مُعتَبَرٌ شَرعًا، وكذلك قيامُ الشُّبهةِ ووقوعُ التَّأويلِ.
قال الشَّافعيُّ: (لله تعالى أسماءٌ وصِفاتٌ لا يَسَعُ أحدًا قامت عليه الحُجَّةُ رَدُّها. زاد في «المختَصَر»: فإن خالَفَ بعد ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه، فهو كافِرٌ، فأمَّا قَبْلَ ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه فمَعذورٌ بالجَهلِ؛ لأنَّ عِلْمَ ذلك لا يُدرَكُ بالعَقلِ، ولا بالرَّوِيَّةِ والفِكْرِ، ويُثبِت هذه الصِّفاتِ ويَنفي عنها التَّشبيهَ، كما نفى عن نَفْسِه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير [الشورى: 11] ) .
وقال ابنُ جريرٍ: (للهِ تعالى ذِكْرُه أسماءٌ وصِفاتٌ جاء بها كتابُه، وأخبر بها نبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه، لا يسَعُ أحدًا من خَلْقِ اللهِ قامت عليه الحُجَّةُ بأنَّ القُرآنَ نزل به، وصَحَّ عنده قَولُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما رُوِيَ عنه به الخَبَرُ منه، خلافُه؛ فإن خالف ذلك بعد ثبوتِ الحُجَّةِ عليه به من جهةِ الخَبَرِ على ما بَيَّنْتُ فيما لا سبيلَ إلى إدراكِ حقيقةِ عِلْمِه إلَّا حسًّا؛ فمعذورٌ بالجَهلِ به الجاهِلُ؛ لأنَّ عِلمَ ذلك لا يدرَكُ بالعقلِ، ولا بالرَّوِيَّةِ والفِكرةِ. وذلك نحوُ إخبارِ الله تعالى ذِكْرُه إيَّانا أنَّه سميعٌ بصيرٌ، وأنَّ له يدينِ… فإنَّ هذه المعانيَ التي وُصِفَت، ونظائِرَها، مِمَّا وصف اللهُ عزَّ وجَلَّ بها نَفْسَه، أو وصفه بها رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ممَّا لا تُدرَكُ حقيقةُ عِلمِه بالفِكرِ والرَّوِيَّةِ. ولا نُكَفِّرُ بالجَهلِ بها أحدًا إلَّا بعد انتهائِها إليهـ) .
وقال ابنُ تَيميَّةَ: (الصَّوابُ أنَّ الجَهلَ ببَعضِ أسْماءِ اللهِ وصِفاتِه لا يكونُ صاحِبُه كافِرًا إذا كان مُقِرًّا بما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولم يَبلُغْه ما يُوجِبُ العِلْمَ بما جَهِلَه، على وَجهٍ يَقتَضي كُفْرَه إذا لم يَعلَمْهـ) .
وقال أيضًا: (تكفيرُ الجَهميَّةِ مَشهورٌ عن السَّلَفِ والأئِمَّةِ، لكِنْ ما كان أي: أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ يُكَفِّرُ أعيانَهم… فالذين كانوا من ولاةِ الأُمورِ يقولونَ بقَولِ الجَهميَّةِ: إنَّ القُرآنَ مخلوقٌ، وإنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ لا يُرى في الآخِرةِ، وغيرَ ذلك، ويَدْعُونَ النَّاسَ إلى ذلك، ويمتَحِنونَهم ويعاقِبونَهم إذا لم يُجيبوهم، ويُكَفِّرونَ من لم يُجِبْهم، حتَّى إنَّهم كانوا إذا افتَكُّوا الأسيرَ لا يُطلِقونَه حتى يُقِرَّ بقَولِ الجَهميَّةِ: إنَّ القُرآنَ مخلوقٌ، وغيرَ ذلك، ولا يُوَلُّونَ مُتوَلِّيًا، ولا يُعطُونَ رِزقًا من بيتِ المالِ، إلَّا لِمن يقول ذلك! ومع هذا فالإمامُ أحمدُ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه، ترَحَّم عليهم، واستغفَرَ لهم؛ لعِلْمِه بأنَّهم لم يتبيَّنْ لهم أنَّهم مُكَذِّبونَ للرَّسولِ، ولا جاحِدونَ لِما جاء به، ولكِنْ تأوَّلوا فأخطَؤوا، وقَلَّدوا من قال ذلك لهم، وكذلك الشَّافِعيُّ لَمَّا قال لحَفصٍ الفردِ -حين قال: القُرآنُ مخلوقٌ-: كفَرْتَ باللهِ العظيمِ، بَيَّنَ له: أنَّ هذا القَولَ كُفرٌ، ولم يحكُمْ برِدَّةِ حَفصٍ بمجَرَّدِ ذلك؛ لأنَّه لم يتبيَّنْ له الحُجَّةُ التي يَكفُرُ بها، ولو اعتَقَد أنَّه مُرتَدٌّ لسعى في قَتْلِه، وقد صرَّح في كُتُبِه بقَبولِ شَهادةِ أهلِ الأهواءِ، والصَّلاةِ خَلْفَهم) .
وقال أيضًا: (كُنتُ أقولُ للجَهْميَّةِ مِنَ الحُلوليَّةِ والنُّفاةِ الذين نَفَوا أن يكونَ اللهُ تعالى فوق العَرشِ، لَمَّا وَقَعَت مِحنَتُهم: أنْ لو وافقْتُكم كنتُ كافرًا؛ لأنِّي أعلَمُ أنَّ قَولَكم كُفرٌ، وأنتم عندي لا تَكفُرونَ؛ لأنَّكم جُهَّالٌ، وكان هذا خِطابًا لعُلَمائِهم وقُضاتِهم وشُيوخِهم وأُمَرائِهم! وأصلُ جَهْلِهم شُبُهاتٌ عَقليَّةٌ حَصَلَت لرُؤوسِهم في قُصورٍ مِن معرفةِ المنقولِ الصَّحيحِ، والمعقولِ الصَّريحِ الموافِقِ له؛ فكان هذا خِطابَنا) .
وقال ابنُ تَيميَّةَ أيضًا: (أكثَرُ الطَّالِبينَ للعِلْمِ والدِّينِ ليس لهم قَصدٌ مِن غيرِ الحَقِّ المُبينِ، لكِنْ كَثُرَت في هذا البابِ الشُّبَهُ والمقالاتُ، واستولَتْ على القُلوبِ أنواعُ الضَّلالاتِ، حتى صار القَولُ الذي لا يَشُكُّ مَن أُوتِيَ العِلْمَ والإيمانَ أنَّه مخالِفٌ للقُرآنِ والبرهانِ، بل لا يَشُكُّ في أنَّه كُفرٌ بما جاء به الرَّسولُ مِن رَبِّ العالَمينَ؛ قد جَهِلَه كثيرٌ من أعيانِ الفُضَلاءِ، فظَنُّوا أنَّه مِن مَحضِ العِلْمِ والإيمانِ، بل لا يَشُكُّـونَ في أنَّه مُقتَضى صريحِ العَقلِ والعِيانِ، ولا يظُنُّونَ أنَّه مخالِفٌ لقواطِعِ البُرهانِ؛ ولهذا كنتُ أقولُ لأكابِرِهم: لو وافَقْتُكم على ما تقولونَه لكنتُ كافِرًا مَرِيدًا؛ لعِلْمي بأنَّ هذا كُفرٌ مُبِينٌ، وأنتم لا تَكفُرونَ؛ لأنَّكم من أهلِ الجَهلِ بحقائِقِ الدِّينِ؛ ولهذا كان السَّلَفُ والأئِمَّةُ يُكفِّرونَ الجَهْميَّةَ في الإطلاقِ والتَّعميمِ، وأمَّا المعَيَّنُ منهم فقد يَدْعُونَ له ويَستَغفِرونَ له؛ لكونِه غيرَ عالمٍ بالصِّراطِ المستقيمِ، وقد يكونُ العِلْمُ والإيمانُ ظاهِرًا لقَومٍ دونَ آخَرِينَ، وفي بعضِ الأمكِنَةِ والأزمِنَةِ دونَ بَعضٍ، بحَسَبِ ظُهورِ دِين ِالمرسَلينَ) .
قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى:
ﻭﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺃﺣﻤﺪ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ – ﻛﺎﻟﻘﺎﺿﻲ ﺃﺑﻲ ﻳﻌﻠﻰ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻣﻤﻦ ﻳﻮاﻓﻖ ﺃﺑﺎ اﻟﺤﺴﻦ اﻷﺷﻌﺮﻱ – ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ” اﻝﻓﻌﻞ ” ﻫﻮ اﻟﻤﻔﻌﻮﻝ؛ ﻭﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﺬاﺗﻪ ﻓﻌﻞ اﺧﺘﻴﺎﺭﻱ. ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻣﻌﻨﻰ اﻟﻨﺰﻭﻝ ﻭاﻻﺳﺘﻮاء ﻭﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ: ﺃﻓﻌﺎﻝ ﻳﻓﻌﻠﻪا اﻟﺮﺏ ﻓﻲ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ. ﻭﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﻤﻨﺼﻮﺹ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ اﻟﺤﺴﻦ اﻷﺷﻌﺮﻱ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻗﺎﻟﻮا: اﻻﺳﺘﻮاء ﻓﻌﻞ ﻓﻌﻠﻪ ﻓﻲ اﻟﻌﺮﺵ ﻛﺎﻥ ﺑﻪ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎ ﻭﻫﺬا ﻗﻮﻝ ﺃﺑﻲ اﻟﺤﺴﻦ ﺑﻦ اﻟﺰاﻏﻮﻧﻲ. ﻭﻫﺆﻻء ﻳﺪﻋﻮﻥ ﺃﻧﻬﻢ ﻭاﻓﻘﻮا اﻟﺴﻠﻒ؛ ﻭﻟﻴﺲ اﻷﻣﺮ ﻛﺬﻟﻚ. انتهى
وقال ايضا:
ﻓﺎﻷﺷﻌﺮﻱ ﻳﻘﻮﻝ: اﻻﺳﺘﻮاء ﻓﻌﻞ ﻓﻌﻠﻪ ﻓﻲ اﻟﻌﺮﺵ ﻓﺼﺎﺭ ﺑﻪ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﺮﺵ انتهى
تنبيه : وذكر البخاري في صحيحه «عن أبي العالية: استوى إلى السماء ارتفع. وقال مجاهد: استوى علا على العرش». اهـ. ص ٤٠٣ فتح ط السلفية وقال البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ . قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء. وقال في تفسير قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . قال الكلبي ومقاتل: استقر وقال أبو عبيدة: صعد.
فهذه أيها الشيخ أربعة معان للاستواء عند السلف وإليها أشار ابن القيم في نونيته حيث قال:
فلهم عبارات عليها أربع … قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذا ار … تفع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابع … وأبو عبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره … أدرى من الجهمي بالقرآن
أفبعد إثبات أربعة معان للاستواء عن السلف يصح أن نقول: إن الواحد منهم لم يكن يتلفظ بمعنى الاستواء؟
وأما جواب مالك لمن سأله عن كيفية الاستواء بقوله: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول» فإن مالكا لم يسأل عن معنى الاستواء حتى يقال: إنه أحجم عن الإفصاح بمعناه، وإنما سئل عن الكيفية، فأجاب بأنها مجهولة لنا، ولكن لقوة احتراسه خاف أن يتوهم واهم بأن المعنى مجهول أيضا فقال: الاستواء معلوم ولم يفصح بالمعنى لظهوره، ولذلك لم يقع السؤال عنه.
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١/٢٤١
قول الحافظ ابن عبد البر إمام أهل الأندلس: قال أبو عُمر: الاستواء الاستقرار في العلو وبهذا خاطبنا الله عز وجل وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٣). وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾
التمهيد – ابن عبد البر – ت بشار ٥/١٤٢
وللشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف تحقيق مفيد لرسالة الاعتقاد القادري لأبي طاهر الكرجي، نشر في العدد التاسع والثلاثين من مجلة جامعة أم القرى، قال فيه: بعض الأئمة تعقب هذا الاعتقاد، فقد ساق الحافظ الذهبي مآخذ لطيفة لبعض عبارات الاعتقاد، فقد حكى الذهبي هذه العبارات: كان ربنا عز وجل وحده لا شيء معه، ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجة إليه، فاستوى عليه استواء استقرار كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة كما يستريح الخلق، ثم أعقبها بقوله: قلت: ليته حذف ـ استواء استقرار ـ وما بعده، فإن ذلك لا فائدة فيه بوجه، والباري منزه عن الراحة والتعب… ويمكن أن يستدرك على تعقيب الإمام الذهبي، فيقال: إن قوله: ليته حذف استواء استقرار ـ محل نظر، فإن عددا كثيرا من أهل العلم قالوا: إن معنى استوى العرش: استقر انظر: تفسير البغوي 2/165، وشرح حديث النزول لشيخ الإسلام صـ 390، وشرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان 1/356ـ وقال الحافظ ابن عبد البر: الاستواء الاستقرار في العلو، بهذا خاطبنا الله عز وجل ـ ولا محذور في تفسير الاستواء بالاستقرار، فإن ذلك لا يوهم نقصا ولا تمثيلا، بل هذا المعنى على الوجه اللائق بالله تعالى، لاسيما وأن تلك العبارة ـ التي تمنى الذهبي حذفها ـ قد نقلها أئمة كبار كابن تيمية في كتابه الدرء، وابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة وقررا ذلك دون تعقيب. اهـ.
تنبيه : قال ابن تيمية رحمه الله
ﻭاﻟﻄﺮﻑ اﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻃﺮﻑ اﻟﻐﻼﺓ ﻓﻲ اﻟﺮﺩ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﻫﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻗﺎﻟﻮا: ﻻ ﻳﻨﺰﻩ اﻟﺮﺏ ﻋﻦ ﻓﻌﻞ ﻣﻦ اﻷﻓﻌﺎﻝ ﻭﻻ ﻧﻌﻠﻢ ﻭﺟﻪ اﻣﺘﻨﺎﻉ اﻟﻔﻌﻞ ﻣﻨﻪ ﺇﻻ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺧﺒﺮﻩ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻔﻌﻠﻪ اﻟﻤﻄﺎﺑﻖ ﻟﻌﻠﻤﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﻻ ﻳﻔﻌﻠﻪ.
ﻭﻫﺆﻻء ﻣﻨﻌﻮا ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﺎ ﺃﺧﺒﺮ ﺑﻪ ﻣﻦ ﺃﻧﻪ ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺮﺣﻤﺔ ﻭﺣﺮﻡ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﻈﻠﻢ ﻗﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: {ﻭﺇﺫا ﺟﺎءﻙ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺆﻣﻨﻮﻥ ﺑﺂﻳﺎﺗﻨﺎ ﻓﻘﻞ ﺳﻼﻡ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻛﺘﺐ ﺭﺑﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺮﺣﻤﺔ}
. ﻭﻓﻲ اﻟﺼﺤﻴﺤﻴﻦ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻗﺎﻝ: ” {ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻟﻤﺎ ﻗﻀﻰ اﻟﺨﻠﻖ ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻓﻬﻮ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﻋﻨﺪﻩ ﻓﻮﻕ اﻟﻌﺮﺵ: ﺇﻥ ﺭﺣﻤﺘﻲ ﺗﻐﻠﺐ ﻏﻀﺒﻲ}
” ﻭﻟﻢ ﻳﻌﻠﻢ ﻫﺆﻻء ﺃﻥ اﻟﺨﺒﺮ اﻟﻤﺠﺮﺩ اﻟﻤﻄﺎﺑﻖ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﻻ ﻳﺒﻴﻦ ﻭﺟﻪ ﻓﻌﻠﻪ ﻭﺗﺮﻛﻪ؛ ﺇﺫ اﻟﻌﻠﻢ ﻳﻄﺎﺑﻖ اﻟﻤﻌﻠﻮﻡ؛ ﻓﻌﻠﻤﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﻳﻔﻌﻞ ﻫﺬا ﻭﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻔﻌﻞ ﻫﺬا ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﺗﻌﺮﺽ ﻷﻧﻪ ﻛﺘﺐ ﻫﺬا ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﺣﺮﻡ ﻫﺬا ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﺃﺧﺒﺮ ﻋﻦ ﻛﺎﺋﻦ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﺃﻧﻪ ﻳﻔﻌﻞ ﻛﺬا ﻭﻻ ﻳﻔﻌﻞ ﻛﺬا ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﻫﺬا ﺑﻴﺎﻥ ﻟﻜﻮﻧﻪ ﻣﺤﻤﻮﺩا ﻣﻤﺪﻭﺣﺎ ﻋﻠﻰ ﻓﻌﻞ ﻫﺬا ﻭﺗﺮﻙ ﻫﺬا؛ ﻭﻻ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﻳﺒﻴﻦ ﻗﻴﺎﻡ اﻟﻤﻘﺘﻀﻲ ﻟﻬﺬا ﻭاﻟﻤﺎﻧﻊ ﻣﻦ ﻫﺬا؛ ﻓﺈﻥ اﻟﺨﺒﺮ اﻟﻤﺤﺾ ﻛﺎﺷﻒ ﻋﻦ اﻟﻤﺨﺒﺮ ﻋﻨﻪ؛ ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﺑﻴﺎﻥ ﻣﺎ ﻳﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ اﻟﻔﻌﻞ ﻭﻻ ﺇﻟﻰ اﻟﺘﺮﻙ ﺑﺨﻼﻑ ﻗﻮﻟﻪ: {ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺮﺣﻤﺔ}
{ﻭﺣﺮﻡ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﻈﻠﻢ}
ﻓﺈﻥ اﻟﺘﺤﺮﻳﻢ ﻣﺎﻧﻊ ﻣﻦ اﻟﻔﻌﻞ ﻭﻛﺘﺎﺑﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﺩاﻋﻴﺔ ﺇﻟﻰ اﻟﻔﻌﻞ؛ ﻭﻫﺬا ﺑﻴﻦ ﻭاﺿﺢ؛ ﺇﺫ ﻟﻴﺲ اﻟﻤﺮاﺩ ﺑﺬﻟﻚ ﻣﺠﺮﺩ ﻛﺘﺎﺑﺘﻪ ﺃﻧﻪ ﻳﻔﻌﻞ ﻭﻫﻮ ﻛﺘﺎﺑﺔ اﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻛﻤﺎ ﻗﺪ ﺛﺒﺖ ﻓﻲ اﻟﺼﺤﻴﺢ: ” {ﺃﻧﻪ ﻗﺪﺭ ﻣﻘﺎﺩﻳﺮ اﻟﺨﻼﺋﻖ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺨﻠﻖ اﻟﺴﻤﻮاﺕ ﻭاﻷﺭﺽ ﺑﺨﻤﺴﻴﻦ ﺃﻟﻒ ﺳﻨﺔ ﻭﻛﺎﻥ ﻋﺮﺷﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺎء}
“؛ ﻓﺈﻧﻪ ﻗﺎﻝ: {ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺮﺣﻤﺔ}
ﻭﻟﻮ ﺃﺭﻳﺪ ﻛﺘﺎﺑﺔ اﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻟﻜﺎﻥ ﻗﺪ ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﻐﻀﺐ ﻛﻤﺎ ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺮﺣﻤﺔ؛ ﺇﺫ ﻛﺎﻥ اﻟﻤﺮاﺩ ﻣﺠﺮﺩ اﻟﺨﺒﺮ ﻋﻤﺎ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻭﻟﻜﺎﻥ ﻗﺪ ﺣﺮﻡ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻔﻌﻠﻪ ﻣﻦ اﻹﺣﺴﺎﻥ ﻛﻤﺎ ﺣﺮﻡ اﻟﻈﻠﻢ.
( مجموع الفتاوى )
تعقيب على ابن حجر في قوله مما استشنع على ابن تيمية القول بتسلسل الحوادث : وراجع التعقيب حواشي العلماء على فتح الباري : الشئ المسلم فيه أن الله كما أن له ذات لا أول لها فله صفات لا أول لها . فلم يكن رب العزة عاجزا معطلا كما زعم من قال بامتناع تسلسل الحادث وأرادوا رد قول الفلاسفة بقدم العالم فردوا الباطل بباطل .
فنقول إن كان المراد بقدم العالم أنه لم يسبق بعدم، وأنه لم يزل موجودا مع الله تعالى ومعلولا له، ومساوقا له، مساوقة المعلول للعلة، ومساوقة النور للشمس، غير متأخر عنه بالزمان، وأن تقدم الباري تعالى عليه كتقدم العلة على المعلول، وهو تقدم بالذات والرتبة لا بالزمان، فبطلان ذلك عقلا يتبين من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في (درء التعارض): أما القائلون بقدم العالم فقولهم يستلزم امتناع حدوث حادث، فإن القديم إما واجب بنفسه، أو لازم للواجب بنفسه، ولوازم الواجب لا تكون محدثة ولا مستلزمة لمحدث، فالحوادث ليست من لوازمه، وما لا يكون من لوازمه يتوقف وجوده على حدوث سبب حادث، فإذا كان القديم الواجب نفسه، أو اللازم للواجب، لا يصدر عنه حادث – امتنع حدوث الحوادث، وهذا حقيقة قولهم، فإنهم يزعمون أن العالم له علة قديمة موجبة له، وهو لازم لعلته، وعلته عندهم مستلزمة لمعلولها ومعلول معلولها، فيمتنع أن يحدث شيء في الوجود، إذ الحادث المعين يكون لازما للقديم بالضرورة واتفاق العقلاء. اهـ.
وقال في (الصفدية): الحوادث الموجودة في العالم لا يجوز أن تكون صادرة عن العلة التامة الأزلية، لأن تلك يلزمها معلولها فيكون قديما معها فلا يكون محدثا، فوجب أن يكون للحوادث فاعل آخر غير العلة التامة القديمة، وذلك أيضا يوجب إثبات مشارك لله يحدث الحوادث، وهذا أيضا باطل؛ فإن ذلك الذي قدر محدثا للحوادث إن كان محدثا فهو من جملة الحوادث التي تحتاج إلى فاعل محدث، وإن كان قديما فقد صدرت الحوادث عن قديم، فإن كان علة تامة أزلية امتنع حدوث الحوادث عنه، وإن كان فاعلا باختياره يحدث عنه الحوادث بطل قولهم، سواء قيل: إنه صار محدثا للحوادث بعد أن لم يكن بغير سبب حادث، أو قيل: إنه لم يزل فاعلا قادرا بفعل اختياري يقوم بنفسه. اهـ.
وقال في (منهاج السنة النبوية): ما يثبت قدمه امتنع عدمه، فما جاز عدمه امتنع قدمه، فإنه لو كان قديما لامتنع عدمه، والتقدير أنه جائز العدم، فيمتنع قدمه، وما جاز حدوثه لم يمتنع عدمه، بل جاز عدمه، وقد تقدم أن ما جاز عدمه امتنع قدمه; لأنه لو كان قديما لم يجز عدمه، بل امتنع عدمه. اهـ.
فتوى :
الفرق بين الحلول والاتحاد
السؤال
ما هو الفرق بين الحلول والاتحاد؟
الجواب
الفرق بين الحلول والاتحاد: أن الحلول هو حلول شيئين أو اندماج عنصرين مختلفين مع بعضهما، مثل: حلول النور في الزجاجة، أو حلول الروح في الجسد.
أما الاتحاد فهو اندماج العنصرين بحيث لا يكون لأحدهما استقلال عن الآخر، مثل: دمج الطين مع الماء حتى يكون كتلة واحدة، بحيث لا تستطيع أن تنزع الواحد من الآخر.
إذًا: الحلول هو حلول شيء في شيء مع وجود الفرق بين العنصرين، والاتحاد هو حلول العناصر بعضها ببعض إلى حد لا نستطيع أن نميز بعضها عن بعض.
شرح باب توحيد الربوبية من فتاوى ابن تيمية ٢٠/١٠ — (معاصر)
تخريج :
أنيس الساري
١٢٧٦ -»إنّ بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وإنْ سُمْك كلّ سماء كذلك، وإنّ بين كلّ أرض وأرض خمسمائة عام«
قال الحافظ: وقد روى أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا: فذكره، وأخرجه إسحاق بن راهويه والبزار من حديث أبي ذر نحوه» (٢)
ضعيف
روي من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي ذر
فأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد (٢/ ٣٧٠) ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل» (٨)
عن الحكم بن عبد الملك البصري
وابن أبي عاصم في «السنة» (٥٧٨) والبزار وابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٠٣) وأبو الشيخ في «العظمة» (٢٠١)
عن أبي جعفر الرازي
(١) ٧/ ٤٢٢ (كتاب أحاديث الأنبياء- باب علامات النبوة في الإسلام)
(٢) ٧/ ١٠٢ (كتاب بدء الخلق- باب ما جاء في سبع أرضين)
والترمذي (٣٢٩٨) وأبو الشيخ في «العظمة» (٣٠٢) والبيهقي في الأسماء«(ص ٥٠٥ – ٥٠٦) والجورقاني في»الأباطيل«(٦٥)
عن شيبان بن عبد الرحمن التميمي
كلهم عن قتادة ثنا الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ هل تدرون ما هذا؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال «هذا العنان، هذه زوايا الأرض يسوقه الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه» قال «هل تدرون ما فوقكم؟» قالوا: الله رسوله أعلم. قال «فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف»، ثم قال «هل تدرون كم بينكم وبينها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة» ثم قال «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «فإنّ فوق ذلك سماءين، ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدّ سبع سموات، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض» ثم قال «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «فإنّ فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد مثل ما بين السماءين» ثم قال «هل تدرون ما الذي تحتكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «فإنها الأرض» ثم قال «هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «فإنّ تحتها الأرض الأخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عدّ سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة» ثم قال «والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله. ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة»
وقال البيهقي: في رواية الحسن عن أبي هريرة انقطاع ولا يثبت سماعه من أبي هريرة«
وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، والحسن لم يسمع من أبي هريرة»
وقال الجورقاني: هذا حديث باطل. وله علة تخفى على من لم يتبحر، فمن تأمل هذا الحديث واعتبر أقوال رواته يحكم عليه بالصحة لأمانتهم وعدالتهم، والعلة فيه إرسال الحسن عن أبي هريرة فإنّه لم يسمع من أبي هريرة شيئا، ولا يعلم بإرسال الحسن عن أبي هريرة إلا المتبحرون.
قال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: لم يصح للحسن السماع من أبي هريرة.
وقال أيوب: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
وقال شُعبة: قلنا ليونس: أسمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: لا ولا حرفا.
وعن علي بن زيد أنّه قال: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
وقال بعد أنْ ذكر رواية أبي جعفر الرازي: هذا حديث لا يرجع منه إلى صحة«
وقال الذهبي: رواته ثقات لكن الحسن مدلس والمتن منكر» العلو ص ٦٠
قلت: وممن قال بعدم سماع الحسن من أبي هريرة غير من تقدم: ابن المديني وأبو حاتم وابنه وأبو زرعة والحاكم والخطيب وعبد الله بن أحمد والترمذي والحافظ ابن حجر.
والحديث اختلف فيه على قتادة، فرواه سعيد بن أبي عَروبة عنه مرسلا.
أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٢٧/ ٢١٦) عن بشر بن معاذ العَقَدي ثنا يزيد بن زُرَيع ثنا سعيد به.
قال ابن كثير: مرسل من هذا الوجه ولعل هذا هو المحفوظ«التفسير ٤/ ٣٠٣
وقال في»البداية«(١/ ٢١): وقد يكون هذا أشبه»
وأما حديث أبي ذر فأخرجه إسحاق في «مسنده» (المطالب ٣٤٤٨ – الإتحاف ٧٥٣٨) عن أبي معاوية محمد بن خازم الكوفي
وأخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في «كتاب العرش» (١٧) وأبو الشيخ في «العظمة» (١٩٩) والبيهقي في «الأسماء» (ص ٥٠٦) والجورقاني في «الأباطيل» (٦٣) وابن الجوزي في «العلل» (٧) والذهبي في «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٧٤٨) من طرق عن أبي معاوية محمد بن خازم الكوفي ثنا الأعمش عن أبي نصر عن أبي ذر مرفوعا «ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء إلى التي تليها مسيرة خمسمائة عام، كذلك إلى السماء السابعة، والأرضين مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك، ولو حفرتم لصاحبكم فيها لوجدتموه، يعني: علمه.
وفي رواية لبعضهم»غلظ كل سماء خمسمائة سنة«
وفي لفظ»وغلظ السماء الدنيا مسيرة خمسمائة سنة«.
قال البيهقي: منقطع»
وقال ابن الجوزي: هذا حديث منكر، والأعمش يروي عن الضعفاء ويدلس«
وقال الجورقاني: هذا حديث منكر»
وقال الذهبي: أبو نصر لا يعرف، والخبر منكر»
قلت: واختلف فيه على الأعمش، فرواه مُحَاضر بن مورع عنه عن عمرو بن مرة عن أبى نصر عن أبي ذر.
أخرجه البزار (كشف ٢٠٨٧) وأبو الشيخ (٢٠٠) والجورقاني (٦٤) من طرق عن محاضر به.
وقال البزار: لا نعلمه يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد، وأبو نصر أحسبه حميد بن هلال، ولم يسمع من أبي ذر«
وقال الذهبي: أبو نصر مجهول، والخبر منكر» العلو ص ٨٩
وقال في «الميزان»: أبو نصر عن أبي ذر لا يدرى من هو«
وقال ابن كثير: في إسناده نظر، وفي متنه غرابة ونكارة» التفسير ٤/ ٣٠٣
وقال في «البداية» (١/ ٢١): لا يصح إسناده«
—-
الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، التي ذُكر فيها أن ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام ، كلها أحاديث لا تثبت ولا تصح ، بلغتنا عن أربعة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم .
وهذا تفصيل ذلك :
الحديث الأول : عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه ، قَالَ :
” كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَطْحَاءِ ، فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ ) ، قَالَ : قُلْنَا : السَّحَابُ ، قَالَ : ( وَالْمُزْنُ ) ، قُلْنَا : وَالْمُزْنُ . قَالَ : ( وَالْعَنَانُ ) ، قَالَ : فَسَكَتْنَا ، فَقَالَ : ( هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ؟ ) ، قَالَ : قُلْنَا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ ، وَفَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ رُكَبِهِنَّ وَأَظْلافِهِنَّ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ شَيْءٌ ) .
الأوعال : ملائكة على صورة الأوعال على ما قاله ابن الأثير في”النهاية”.
روي هذا الحديث من طريق سماك بن حرب ، عن عبد الله بن عميرة ، عن عباس بن عبد المطلب . وبعضهم أضاف الأحنف بن قيس بعد ابن عميرة .
رواه الإمام أحمد في ” المسند ” (3/292)، وأبوداود (4723)، والترمذي (3320)، وغيرهم كثير.
وهذا إسناد ضعيف بسبب عبد الله بن عميرة ، ذكره ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” (5/124) ، والبخاري في ” التاريخ الكبير ” (5/159)، ولم ينقلا فيه جرحا ولا تعديلا . بل قال البخاري : لا نعلم له سماعا من الأحنف . وقال إبراهيم الحربي: لا أعرف عبد الله بن عميرة . كما في ” إكمال تهذيب الكمال ” (8/102)، لذلك قال الذهبي في ” المغني ” (1/350): ” لا يعرف “. وقال ابن حجر : مجهول . ” تعجيل المنفعة ” (2/274).
ولذلك قال ابن الجوزي عن هذا الحديث : ” لا يصح ” “العلل المتناهية ” (1/9)، وقال البوصيري : ضعيف منقطع ، كما في ” إتحاف الخيرة المهرة ” (6/165). وقال الشيخ أحمد شاكر في ” تحقيق المسند “: ضعيف جدا . وكذا قال المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة ، وضعفه الألباني في ” ضعيف الترمذي “.
الحديث الثاني : من طريق قتادة، عن الحسن البصري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
” بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مَرَّتْ سَحَابَةٌ فَقَالَ : ( أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ ؟ … ) وذكر نحو الحديث المتقدم ، ” قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ( الْعَنَانُ ، وَرَوَايَا الْأَرْضِ ، يَسُوقُهُ اللهُ إِلَى مَنْ لَا يَشْكُرُهُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَدْعُونَهُ ، أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ فَوْقَكُمْ ؟ ) ، قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : ( الرَّقِيعُ ، مَوْجٌ مَكْفُوفٌ ، وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ ، أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا ؟ ) ، قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ )، ثُمَّ قَالَ : ( أَتَدْرُونَ مَا الَّتِي فَوْقَهَا؟ قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : سَمَاءٌ أُخْرَى ، ( أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا ؟ ) ،قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ( مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) ، ثُمَّ قَالَ : ( أَتَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ ؟ ) ، قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: ( الْعَرْشُ) ، قَالَ : أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ؟ ) ، قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ( مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ ) .
ثُمَّ قَالَ : ( أَتَدْرُونَ مَا هَذَا تَحْتَكُمْ ؟ ) ، قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : أَرْضٌ ، أَتَدْرُونَ مَا تَحْتَهَا ؟ ) ، قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : (أَرْضٌ أُخْرَى ، أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ ) ، قُلْنَا : اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ( مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ ، ) ، ثُمَّ قَالَ : ( وَايْمُ اللهِ ، لَوْ دَلَّيْتُمْ أَحَدَكُمْ بِحَبْلٍ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى السَّابِعَةِ ، لَهَبَطَ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [الحديد: 3] ” .
رواه أحمد في ” المسند ” (14/422) ، والترمذي في ” السنن ” (3298)
وهذا حديث شديد الضعف أيضا ، فقتادة مدلس ولم يصرح بسماعه من الحسن البصري ، والحسن لم يسمع من أبي هريرة ، كما قال أيوب السختياني : ” لم يسمع الحسن من أبي هريرة ” انتهى من “المراسيل” لابن أبي حاتم (106).
لذلك قال الترمذي : غريب من هذا الوجه . وقال الجورقاني : ” باطل ” انتهى من ” الأباطيل ” (1/201) ، وقال ابن الجوزي : ” لا يصح ” انتهى من ” العلل المتناهية ” (1/27) ، وقال ابن حجر : ” لا يصح سنده ” انتهى من ” تحفة النبلاء ” (63). وقال الذهبي : ” منكر ” انتهى من ” العلو ” (74)، وضعفه الألباني في ” ضعيف الترمذي “.
الحديث الثالث : من طريق ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :
( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) [الواقعة: 34] وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ ارْتِفَاعَهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَإِنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَمَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ ) .
رواه الإمام أحمد في ” المسند ” (18/247)، والترمذي في ” السنن ” (2540) وقال : حديث غريب ، إشارة منه إلى ضعفه ، وضعفه الألباني في ” ضعيف الترمذي “.
وضعف هذا الإسناد ظاهر جدا ، بسبب ابن لهيعة ، ودراج أبي السمح ، وخاصة في روايته عن أبي الهيثم . ينظر ” تهذيب التهذيب ” (3/209)
الحديث الرابع : حديث أبي نصر ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( كثف الأرض مسيرة خمس مائة عام ، وبين الأرض العليا وبين السماء الدنيا خمس مائة عام …… ) وذكر نحو الحديث المتقدم .
رواه البزار في ” البحر الزخار ” (9/ 460) ، وقال : ” هذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد . وأبو نصر هذا أحسبه حميد بن هلال ولم يسمع من أبي ذر “.
وقال الجورقاني : “حديث منكر ” انتهى من ” الأباطيل ” (1/200) ، وكذا قال ابن الجوزي في ” العلل المتناهية ” (1/12)
وقال ابن كثير في ” تفسيره ” (4/303) : ” في إسناده نظر ، وفي متنه غرابة ونكارة “.
وهكذا لم نقف على إسناد يصح في تحديد المسافة بين السماء والأرض أنها مسيرة خمسمائة عام.
يقول محمد الحوت رحمه الله :
” لم يصح من ذلك شيء ، ولا مقدار ما بين كل سماءين ، ولا بين السماء والأرض ، من كون ذلك خمسمائة سنة ، أو ثمانين سنة ” انتهى من ” أسنى المطالب ” (ص/164)
فليس فيه تصحيح حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث السابقة ، فيه عن عبد الله بن مسعود ، ولا يخفى على طالب العلم أن أثر الصحابي ليس كحديث النبي صلى الله عليه وسلم . فهو محل بحث ونظر إذا اشتمل على الغريب أو عارض ما هو أقوى منه .
والله أعلم .
تنبيه : قال الحاكم
٦٧٧٧ – حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ الْعَدْلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ دَاودَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِر ، قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، تَقُولُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ” أَنَا أَعْظَمُ نِسَائِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، أَنَا خَيْرُهُنَّ مَنْكَحًا وَأَلْزَمُهُنَّ سِتْرًا وَأَقْرَبُهُنَّ رَحِمًا، ثُمَّ تَقُولُ: زَوَّجَنِيكَ الرَّحْمَنُ عزوجل مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عليه السلام هُوَ السَّفِيرُ بِذَلِكَ، وَأَنَا ابْنَةُ عَمَّتِكَ وَلَيْسَ لَكَ مِنْ نِسَائِكَ قَرِيبَةً غَيْرِي «قَدْ ذَكَرْتُ فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ أُمَّ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَهِيَ عَمَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم »
[التعليق – من تلخيص الذهبي]٦٧٧٧ – سكت عنه الذهبي في التلخيص
المستدرك على الصحيحين للحاكم – ط العلمية ٤/٢٧
وعزاه ابن حجر للطبري قال الاعظمي ولم أجده في تفسيره وإنما أخرجه الحاكم
نبه ابن باز على اختلاف الروايات والطبعات :
(الشَّيخُ): كَذَا عِنْدكُم كُلّكُم «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَلِيمُ الحَلِيمُ»؟
(الطَّلبَةُ): إِي نَعمْ.
قَالَ ابْنُ بَازٍ : فِي الرِّوايَةِ الأُخرَى: «العَظِيمُ الحَلِيمُ»
شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري – ابن باز ١/١٢٥
قال الحكمي رحمه الله:
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غَافِرٍ: ٣٦-٣٧] فَفِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَذَّبَ مُوسَى فِي أَنَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبَّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا هُوَ اللَّهُ، الَّذِي فِي السَّمَاءِ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ مُبَايِنٌ لَهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ فَكُلُّ جَهْمِيٍّ نَافٍ لِعُلُوِّ اللَّهِ عز وجل فَهُوَ فِرْعَوْنِيٌّ وَعَنْ فِرْعَوْنَ أَخَذَ دِينَهُ. وَكُلُّ سُنِّيٍّ يَصِفُ اللَّهَ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَهُوَ مُوسَوِيٌّ مُحَمَّدِيٌّ مُتَّبِعٌ لِرُسُلِ اللَّهِ وَكُتُبِهِ.
[معارج القبول بشرح سلم الوصول ١/١٧٢]
هناك بحث عن السدي قرر الباحث أنه حسن الحديث لكن الكلام في تفسير السدي :
ومن هذا الباب تكلِّم في نسخة التفسير التي يرويها عنه أسباط بن نصر، فيقول: عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ساق بها نسخة من التفسير ولم يبيّن ويفصّل، وهذه أسانيد، منها المقبول ومنها المردود، فاختلط الصحيح بالضعيف، فتكلم الأئمة لهذا السبب في هذه النسخة. خاصة وقد وردت فيه جملة من الغرائب.
قال العقيلي رحمه الله تعالى:
” حدّثنا الخضر بن داود قال: حدّثنا أحمد بن محمّد قال: قلت لأبي عبد اللّه: السّدّيّ كيف هو؟ قال: أُخْبرك أنّ حديثه لمقارب، وإنّه لحسن الحديث إلّا أنّ هذا التّفسير الّذي يجيء به أسباط عنه فجعل يستعظمه، قلت ذاك إنّما يرجع إلى قول السّدّيّ، فقال: من أين؟ وقد جعل له أسانيد ما أدري ما ذاك ” انتهى. “الضعفاء الكبير” (1 / 88).
وجاء في “اكمال تهذيب الكمال” (2 / 188):
” وفي كتاب الساجي عنه [أي عن الإمام أحمد]: أنه ليحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به، قد جعل له إسنادا واستكلفه ” انتهى.
فالكلام في هذه النسخة ليس راجعا إلى الكلام في السدي ذاته، وإنما راجع إلى عدم إمكان تمييز الصحيح من مرويات هذه النسخة، بسبب اختلاط أسانيدها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
” وقد ذكر في أول تفسيره أنه أخذه عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هو ينقله بلفظه ويخلط الروايات بعضها ببعض، وقد يكون فيها المرسل، والمسند، ولا يميز بينهما، ولهذا يقال: ذكره السدي عن أشياخه، ففيه ماهو ثابت عن بعض الصحابة: ابن مسعود وابن عبس وغيرهما، وفيه مالا يجزم به
” انتهى. “تفسير آيات أشكلت” (1 / 165 – 167).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
“ومنهم إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّيّ: وهو كوفي صدوق، لكنه جمع التفسير من طرق منها: عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة بن شراحيل عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة وغيرهم. وخلط روايات الجميع، فلم تتميز رواية الثقة من الضعيف ” انتهى. “العجاب في بيان الأسباب” (1 / 211).
ولهذا وقعت غرائب ومنكرات في مرويات هذه النسخة.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
“هذا الإسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة، وكأن كثيرا منها متلقى من الإسرائيليات ” انتهى. “البداية والنهاية” (1 / 33).
وقد دافع الشيخ عبد الرحمن المعلمي عن السدي في هذه المسألة ورأى أن الحمل فيها على من بعد
السدي، فقال رحمه الله تعالى:
” والّذي يقع لي: أنّ هذه كانت نسخة عند السُّدي، لم يكن فيها إسناد، فأخذها أسباط، وسأله عن إسنادها، فقال: “عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم “.
يريد السُّدّي أنّ في النسخة ما سمعه من أبي مالك من قوله، وفيها ما سمعه من أبي صالح عن ابن عباس، وفيها ما سمعه من مرّة عن ابن مسعود، وفيها ما بلغَ السديَّ عن بعض الصحابة…
والذي يدلّ على هذا اتفاق لفظ الإسناد في السياق في جميع المواضع، كما في “تفسير ابن جرير”، ولو كان السُّدّي هو الذي يذكر السند في أول كل أثر، لاختلف سياقه حتما؛ كما تقضي به العادة.
ثم لا أدري، أسباط؟ أم مَن بعده؟ مزج هذه النسخة ببقية تفسير السُّدّي، مما يقوله هو، أو يرويه، ممّا
ليس في النسخة؛ فعمد إلى هذا السند، فأثبته في أوّل كل أثر من الآثار التي كانت في النسخة.
فقد يكون الأثر في الأصل عن أبي مالك، من قوله فقط. وقد يكون عن أبي صالح فقط. وقد يكون ممّا بلغ السُّدّيّ عن بعض الصحابة، وقد يكون مما سمعه من مُرّة عن ابن مسعود. فمن هنا جاء الضعف والنكارة فيما يروى بهذا السند …
فالسدي بريء من نكارة ذلك، وإنّما يضرّه لو جاء منكر يرويه عن مرّة عن ابن مسعود، وهذا لم يثبت، لأنّنا لا ندري أنّ تلك الآثار هي في نفس الأمر عن مرّة عن ابن مسعود ” انتهى. “فرضية الجمعة وسبب تسميتها – ضمن آثار المعلمي” (16 / 330 — 332).
والله أعلم