القواعد الفقهية :رقم القاعدة: 24
نص القاعدة: مَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ مِنَ التَّشْرِيعِ تَغْيِيرٌ وتَقَرِيرٌ [1]
قواعد ذات علاقة:
1 – وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد. [2] قاعدة أصل
2 – الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد. [3] قاعدة أصل
3 – عوائد الأمم متى اشتملت على مصلحة أو مفسدة ضرورية أو حاجية, حُكم عليها بما يناسبها من وجوب أو تحريم. [4] قاعدة متفرعة
4 – أنكحة الكفار محكوم بصحتها قبل الإسلام. [5] ضابط متفرع
5 – تقرير النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز. [6] قاعدة مكمِّلة
6 – الأصل في الأشياء الإباحة. [7] قاعدة مكمِّلة
7 – شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ [8] قاعدة متفرعة
شرح القاعدة:
الشارع لا يلغي ويغير جميع الأحوال التي يكون عليها الأفراد والشعوب والأمم قبل الإسلام, وإنما يلغي ويغير فقط ما كان فاسدا منها, ويبقي ما كان صالحا على حاله, إذ الإلغاء والإبقاء والتقرير والتغيير مرتبط بالصلاح والفساد, فما كان صالحا فإنه يُقرّ ويبقى, وما كان فاسدا فإنه يُغيَّر ويُلغى؛ وذلك لما تقرر في قواعد مقاصدية مستقلة أن ” وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد” , وأن ” الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد ”
قال الشاطبي: ” واعلم أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس, وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق واتصاف بمحاسن الشيم, فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه, وأبطلت ما هو باطل, وبينت منافع ما ينفع من ذلك, ومضار ما يضر منه” [1]
[1] الموافقات للشاطبي 2/ 71.
أدلة القاعدة:
أقوى أدلة هذه القاعدة هو استقراء تفاصيل الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده, حيث يجد المتتبع لها أن قصد الشارع فيها هو تغيير الأحوال الفاسدة وتقرير الأحوال الصالحة, وسيظهر هذا من خلال التطبيقات. وثمة أدلة عامة من القرآن والسنة ترشد إلى هذا المعنى أيضا, ومن ذلك مثلا:
1 – قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف – 157].
إذ بينت هذه الآية الكريمة مضامين رسالة الإسلام على وجه العموم والإجمال من حيث ما فيها من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر, وإباحة للطيبات وتحريم للخبائث, وإن الأمر بالمعروف يستوعب تقرير جميع الأحوال الصالحة التي عرفها الناس بفطرهم السليمة أو توارثوها من الشرائع الصحيحة, كحسن العدل والصدق والأمانة, وغيرها من مكارم الأخلاق, فإنها جميعها من المعروف الذي يقره الشرع ويأمر به, قال ابن عطية: ” وكل معروف من جهة المروءة فهو معروف بالشرع, فقد قال صلى الله عليه وسلم: بعثت لأتمم محاسن الأخلاق. ” [1] والنهي عن المنكر يشمل تغيير جميع الأحوال الفاسدة, كفعل الفواحش وأخذ الربا وأكل أموال الناس بالباطل. [2]
2 – قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [سورة المائدة-103].
حيث أرشدت هذه الآية الكريمة إلى بعض أعمال الجاهلية التي أبطلها الإسلام وغيّرها, مثل البحيرة – وهي كما فسّرها سعيد بن المسيب – الناقة التي يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس , والسائبة الناقة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء, والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر, والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي.
من السنة النبوية:
1 – قوله صلى الله عليه وسلم: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ”
2 – قوله صلى الله عليه وسلم: ” شهدت حلف بني هاشم, وزهرة, وتيم , فما يسرني أني نقضته ولي حمر النَّعم, ولو دعيت به اليوم لأجبت: على أن نأمر بالمعروف, وننهى عن المنكر, ونأخذ للمظلوم من الظالم. ”
تطبيقات القاعدة:
أقرت الشريعة الكثير من العقود التي يتعامل بها الناس ومن شأنها تحقيق مصالحهم؛ كعقد البيع والإجارة والشركة والرهن والقرض والمضاربة, وأبطلت العديد من المعاملات الأخرى التي كانت سائدة آنذاك؛ كالربا والقمار وبيع النجش وبيع الغرر وبيع الملامسة وبيع الحاضر للبادي نظرا لما فيها من المفاسد الكثيرة. كما غيَّرت الشريعة ما كان مستقرّا في معاملات الناس من أن المدين إذا عجز عن أداء دينه الذي عليه فإن للدائن أن يسترقه, وأمرت بإنظار المعسر إلى حين ميسرة, قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}… اهـ
قال القرافي:
إنَّ الْأَوَامِرَ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ وَالنَّوَاهِي تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ وَكُلُّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ إنْ كَانَ فِي أَدْنَى الرُّتَبِ كَانَ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ النَّدْبَ وَعَلَى الْمَفْسَدَةِ الْكَرَاهَةَ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي أَعْلَى الرُّتَبِ كَانَ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْوُجُوبَ وَعَلَى الْمَفْسَدَةِ التَّحْرِيمَ ثُمَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ مَصْلَحَةِ النَّدْبِ وَمَفْسَدَةِ الْكَرَاهَةِ تَتَرَقَّى فَيَرْتَقِي النَّدْبُ بِارْتِقَاءِ مَصْلَحَتِهِ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى مَرَاتِبِ النَّدْبِ يَلِي أَدْنَى مَرَاتِبِ الْوُجُوبِ وَيَرْتَقِي الْمَكْرُوهُ بِارْتِقَاءِ مَفْسَدَتِهِ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمَكْرُوهُ يَلِي أَدْنَى مَرَاتِبِ التَّحْرِيمِ فَالْمَصْلَحَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلنَّدَبِ لَا تَصْلُحُ لِلْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ النَّدْبُ فِي الرُّتْبَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الشَّرْعَ خَصَّصَ الْمَرْتَبَةَ الْعُلْيَا مِنْ الْمَصَالِحِ بِالْوُجُوبِ وَحَثَّ عَلَيْهَا بِالزَّوَاجِرِ صَوْنًا لِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ عَنْ الضَّيَاعِ كَمَا أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْمَكْرُوهِ لَا تَصْلُحُ لِلتَّحْرِيمِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَكْرُوهُ فِي الرُّتْبَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الشَّرْعَ خَصَّصَ الْمَفَاسِدَ الْعَظِيمَةَ بِالزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْوُجُودِ تَفَضُّلًا مِنْهُ تَعَالَى عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَا وُجُوبًا عَقْلِيًّا كَمَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرَتِّبْ ذَلِكَ
[الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق 3/ 113]
قال أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي الشيرازي (ت 476 هـ):
وَاحْتج من قَالَ بِالْإِبَاحَةِ بقوله عز وجل {قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق} فَدلَّ على أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة
[التبصرة في أصول الفقه ص535]
قال بهاء الدين المقدسي:
[كتاب الأطعمة]
(وهي نوعان: حيوان وغيره، فأما غير الحيوان فكله مباح) لأن الأصل في الأشياء الإباحة بقوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] (إلا ما كان نجسًا) فإنه حرام الأكل بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحمر الأهلية: ” «اكفئوها فإنها رجس» (رواه البخاري) وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ} [المائدة: 90] والرجس اسم لما استقذر، والنجس مستقذر، وقد أمر في أثناء الآية باجتنابه بقوله {فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] فدل على تحريمه (والمضر حرام أيضًا لضرره كالسموم) ونحوها.
مسألة 1: (والأشربة كلها مباحة) لأن الأصل الإباحة (إلا ما أسكر فإنه يحرم) قليله وكثيره من أي شيء كان لقوله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواه ابن عمر، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» رواهما أبو داود والأثرم وغيرهما
[العدة شرح العمدة ص485]
قال جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد:
استصحاب الإباحة الأصلية، وهذا الذي يقال فيه: «الأصل في الأشياء الإباحة»، فكل شيءٍ مباحٌ ما لم يرد دليلٌ ينقله من تلك الإباحة إلى غيرها من الأحكام التكليفية، فلا يدعى وجوبٌ أو استحبابٌ أو تحريمٌ أو كراهةٌ إلا بدليلٍ ناقلٍ إليها من الإباحة.
[جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد 1/ 321]