القواعد الفقهية : رقم القاعدة: 20
نص القاعدة: حِفْظُ المَصَالِحِ يَكُونُ مِنْ جَانِبِ الوُجُودِ وَمِنْ جَانِبِ العَدَمِ [1]
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيلِ المفاسد وتقليلها [2]
2 – الرسل بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها, ودرءِ المفاسد وتقليلها [3]
3 – المصلحة ترجع الى جلب منفعة أو دفع مضرة [4]
قواعد ذات علاقة:
1 – وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل [5] /قاعدة أصل
2 – درء المفاسد مقدم على جلب المصالح [6] /قاعدة متفرعة
3 – دفع الضرر أولى من جلب النفع [1] /قاعدة متفرعة –
4 – فعل المأمورات أصل مقصود لذاته, وتركُ المنهيات فرع تابع له [2] /قاعدة مبيِّنة
5 – اقتضاء الشارع لفعلِ المأمور به أعظمُ مِنِ اقتضائه لترك المنهي عنه [3] /قاعدة متفرعة
… شرح القاعدة:
… هذه القاعدة مكملة ومبينة للقواعد السابقة المتعلقة بالمصالح المقصودة للشرع, وخاصة القاعدة الأم في هذا الباب, وهي قاعدة (وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل).
وهي تعني أن حفظ الشريعة للمصالح, يتم من وجهين متكاملين لا غنى له عن أي منهما:
… الوجه الأول, هو ما يتحقق به وجود المصلحة أو إيجادها, وهو المراد بعبارة (من جانب الوجود د).
… والوجه الثاني, هو ما يمنع من إتلافها وتعطيلها وإعدامها بعد وجودها, وهو المراد بعبارة (من جانب العدم م).
وهذان الوجهان هما المعبر عنهما بالعبارة الشهيرة “جلب المصالح ودرء المفاسد”, وبصيغة “المصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة” [4] , أو كما في عبارة ابن تيمية “تحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها” [1]
الصيغة المعتمدة لهذه القاعدة مأخوذة من كلام الشاطبي في قوله: “والحفظ لها (أي للمصالح) يكون بأمرين: أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها, وذلك عبارة عن مراعتها من جانب الوجود, والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها, وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم” [2]
… وقال أيضا: “أصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود, كالإيمان والنطق بالشهادتين والصلاةِ والزكاة والصيام والحج وما أشبه ذلك.
… والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا, كتناول المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات وما أشبه ذلك.
… والمعاملات راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود, وإلى حفظ النفس والعقل أيضا, لكن بواسطة العادات.
… والجنايات – ويجمعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- ترجع إلى حفظ الجميع من جانب العدم … ” [3]
… وبالنظر والتأمل في كلام الشاطبي , وغيره مما تقدم أو سيأتي, يظهر أن الوجهين المذكورين لحفظ المصالح, يتضمنان في الحقيقة وجوها ومستويات متعددة لحفظ المصالح.
… فجانب الوجود, أو الحفظ الوجودي للمصالح, يتضمن (ما يقيم وجودها) , وأيضا (ما يثبت أركانها). فهاهنا: إقامة, وتثبيت.
وجانب العدم, أو الحفظ العدمي للمصالح, يتضمن ما يدرأ عنها الاختلال الواقع, وكذا الاختلال المتوقع.
… وفي الصيغة الأخرى من صيغ القاعدة, وهي ” الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها ” [1] , نجد وجوها وعناصر أخرى لحفظ المصالح. ففي الجانب الوجودي هناك تحصيل وتكميل, وفي الجانب العدمي هناك تعطيل وتقليل.
… وبهذا تظهر الصورة الكاملة لمفهوم ” حفظ المصالح “, وأنه ليس قاصرا على مجرد الصون والحماية للمصالح القائمة, والزجر عما يفسدها, كما يتبادر إلى كثير من الأذهان.
… فصَونُ المصالح القائمة ليس سوى حلقة واحدة من حلقات الحفظ, التي تتضمن:
– أولاً تحصيل أسباب المصالح ووسائلها.
– ثم إعمال تلك الوسائل والأسباب للتحصيل الفعلي للمصلحة المقصودة.
– ثم تكثير المصلحة وتتميمها.
– ثم صيانتها واستبقاؤها.
– ثم درء ما هو واقع وقائم من عوامل إتلافها وإفسادها.
– ثم الاحتياط بدرء ما هو محتمل ومتوقع من أسباب فسادها وضياعها في المستقبل.
فهذه ستة من وجوه حفظ المصالح, بعضها من جانب الوجود وبعضها من جانب العدم….
وقال الزركشي: “وهي خمسة (يقصد الضروريات):
أحدها: حفظ النفس بشرعية القصاص, فإنه لولا ذلك لتهارج الخلق واختل نظام المصالح.
ثانيها: حفظ المال بأمرين: أحدهما إيجاب الضمان على المعتدي فيه, فإن المال قوام العيش. وثانيهما بالقطع بالسرقة.
ثالثها: حفظ النسل بتحريم الزنا وإيجاب العقوبة عليه, فإن الأسباب داعية إلى التناصر والتعاضد والتعاون الذي لا يتأتى العيش إلا به عادة.
رابعها: حفظ الدين بشرعية القتل والقتال, فالقتل للردة وغيرها من موجبات القتل لأجل مصلحة الدين, والقتال في جهاد أهل الحرب.
خامسها: حفظ العقل بشرعية الحد على شرب المسكر, فإن العقل هو قوام كل فعل تتعلق به مصلحة, فاختلاله مؤد إلى مفسدة عظمى”…