القواعد الفقهية:الباب الثالث
قواعد المقاصد العامة
رقم القاعدة: 15
نص القاعدة: وَضْعُ الشَّرَائِعِ إِنَّمَا هُوَ لِمَصَالِحِ العِبَادِ [1]
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – الرسل بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها ودرءِ المفاسد وتقليلها [2].
2 – الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها [3].
3 – مقصود الشرع: جلب المصالح ودرء المفاسد [4].
4 – مصلحة الدين والدنيا مراد الشرع [5].
5 – الشريعة كلها مصالح [6].
6 – الشريعة مبناها على الحِكَم ومصالح العباد [7].
7 – لا تشريع إلا لمصلحة [8].
8 – في كل حكم وجه مصلحة للعباد [9].
قواعد ذات علاقة:
1 – الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد [1] /قاعدة متفرعة.
2 – التحريم يعتمد المفاسد والوجوب يعتمد المصالح [2] /قاعدة متفرعة.
3 – الأحكام تتبع المصالح [3] /قاعدة متفرعة.
4 – الشريعة تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة وعلى مصلحة كلية في الجملة [4] /قاعدة مفسِّرة.
5 – تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة [5] /قاعدة متفرعة.
…
شرح القاعدة:
هذه القاعدة هي أم القواعد المقاصدية, لأنها أعمها وأوسعها. وقد وصفها ابن عاشور بأنها ” قاعدة كلية في الشريعة ”
ومعناها أن هذه الشريعة المباركة وما في ثناياها من أحكام, إنما مقصودها ومضمونها نفع العباد, بتحصيل المصالح لهم ودرء المفاسد عنهم, لدنياهم وآخرتهم.
والمصالح التي جاءت الشريعة بتحصيلها وحفظها, وكذلك المفاسد التي جاءت بدرئها والوقاية منها, شاملة لكل نفع ولكل ضرر [1] , سواء كان في الدنيا أو في الآخرة, وسواء كان ماديا حِسِّيا في الأموال والأبدان وما يتبعها, أو كان معنويا نفسيا, في الأديان والأخلاق وما يدخل فيها, وسواء كان جليلا عظيم الشأن, أو كان صغيرا قليل الشأن. بمعنى أن الشريعة جاءت باجتلاب المصالح واجتناب المفاسد على التمام والكمال والعدل والتوازن. فهي – كما قال ابن القيم رحمه الله – ” عدل كلها, ورحمة كلها, ومصالح كلها, وحكمة كلها … ” [2]. فلأجل هذا أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ووضعت الشرائع.
من الإدلة:
فقوله تعالى: {أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون – 115] {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران – 191] {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الدخان – 39].
قال الشاطبي: ” والإجماع على أن الشارع يقصد بالتكليف المصالح على الجملة ” [1]. وقال أيضا: ” الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق”.
قال ابن تيمية:
ومعلومٌ أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيلِ المفاسِد وتقليلها، وأنها تقدِّر خيرَ الخيرين بتفويت أدناهما، وتدفع شرَّ الشرين باحتمال أدناهما، والفساد في ذلك أعظم مما يُظَنُّ من حصولِ ضررٍ ما لأحدِ المتعاوضين، فإن هذا ضررٌ كبير محقَّقٌ. وذاك إن حَصَلَ فيه ضررٌ فهو يسير قليل مشكوك فيه.
[جامع المسائل – ابن تيمية – ط عطاءات العلم 6/ 416]
قال ابن القيم:
ومن أسمائه سبحانه العدل والحكيم الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه وفي كل ما وضعه في محله وهيأه له وهو سبحانه له الخلق والأمر فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده
[شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل – ط المعرفة ص180]
وقال ابن القيم:
[الشَّرِيعَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ]
فَصْلٌ فِي تَغْيِيرِ الْفَتْوَى، وَاخْتِلَافِهَا بِحَسَبِ تَغَيُّرِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَحْوَالِ وَالنِّيَّاتِ وَالْعَوَائِدِ
الشَّرِيعَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ
هَذَا فَصْلٌ عَظِيمُ النَّفْعِ جِدًّا وَقَعَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ أَوْجَبَ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَتَكْلِيفِ مَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ مَا يُعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْبَاهِرَةَ الَّتِي فِي أَعْلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ لَا تَأْتِي بِهِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى الْبَعْثِ؛ فَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ؛ فَالشَّرِيعَةُ عَدْلُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَرَحْمَتُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَظِلُّهُ فِي أَرْضِهِ، وَحِكْمَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَتَمَّ دَلَالَةً وَأَصْدَقُهَا، وَهِيَ نُورُهُ الَّذِي بِهِ أَبْصَرَ الْمُبْصِرُونَ، وَهُدَاهُ الَّذِي بِهِ اهْتَدَى الْمُهْتَدُونَ، وَشِفَاؤُهُ التَّامُّ الَّذِي بِهِ دَوَاءُ كُلِّ عَلِيلٍ، وَطَرِيقُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنْ اسْتَقَامَ عَلَيْهِ فَقَدْ اسْتَقَامَ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.
فَهِيَ قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَحَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَلَذَّةُ الْأَرْوَاحِ؛ فَهِيَ بِهَا الْحَيَاةُ وَالْغِذَاءُ وَالدَّوَاءُ وَالنُّورُ وَالشِّفَاءُ وَالْعِصْمَةُ، وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْهَا، وَحَاصِلٌ بِهَا، وَكُلُّ نَقْصٍ فِي الْوُجُودِ فَسَبَبُهُ مِنْ إضَاعَتِهَا، وَلَوْلَا رُسُومٌ قَدْ بَقِيَتْ لَخَرِبَتْ الدُّنْيَا وَطُوِيَ الْعَالَمُ، وَهِيَ الْعِصْمَةُ لِلنَّاسِ وَقِوَامُ الْعَالَمِ، وَبِهَا يُمْسِك اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ سبحانه وتعالى خَرَابَ الدُّنْيَا وَطَيَّ الْعَالَمِ رَفَعَ إلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ رُسُومِهَا؛ فَالشَّرِيعَةُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ هِيَ عَمُودُ الْعَالَمِ، وَقُطْبُ الْفَلَاحِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
[إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/ 11 ط العلمية]
قال السعدي:
… وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة
وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية
ومنها أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه
[تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن ص389]
قال باحث:
وعموم الشريعة الإسلامية وبقاؤها وعدم قابليتها للنسخ والتبديل والتغيير بالتنقيص أو الزيادة كل ذلك يستلزم عقلًا وعدلًا أن تكون قواعدها وأحكامها ومبادئها، وجميع ما جاءت به على نحو يحقّق مصالح الناس في كل عصر ومكان، ويفي بحاجتهم ولا يضيق بها، ولا يتخلف عن أي مستوى عالٍ يبلغه المجتمع البشري، إن هذا والحمد لله متوافرٌ في الشريعة الإسلامية؛ لأن الله تعالى وهو العليم الخبير إذ جعلها عامة في المكان والزمان، وخاتمة لجميع الشرائع، جعل قواعدها وأحكامها صالحةً لكل زمان ومكان، ومهيئة للبقاء والاستمرار لهذا العموم.
والدليل على ذلك أن الله تبارك وتعالى شرع الأحكام لكل ما يحتاجه الناس من الضروريات والحاجيات والتحسينيات، فمدار الشريعة كلها على تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل؛ أي: في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والأضرار عنهم في العاجل والآجل أيضًا، حتى إن بعض الفقهاء قال وقوله حق: إن الشريعة كلها مصالح إما درء مفاسد أو جلب مصالح.
[أصول الدعوة – جامعة المدينة ص117]