الصحيح المسند بَابٌ فِي الْأَسِيرِ يُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ
607 – قال أبو داود رحمه الله (ج 7 ص 344): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَعْنِي السِّجِسْتَانِيَّ ح وحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَهَذَا لَفْظُهُ ح وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ} .
قَالَ أَبُو دَاوُد: الْمِقْلَاتُ الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ.
هذا حديث صحيحٌ على شرط الشَّيخين.
……………………
[حكم الألباني] : صحيح
بوب عليه أبو داود:
بَابٌ فِي الْأَسِيرِ يُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ
بوب عليه الشيخ مقبل في الجامع:
52 – لا إكراه في الدين ولكن تطلب الجزية إن لم يقبل الإسلام
82 – أمر بني النضير
57 – قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}
قال الطبري:
القول في تأويل قوله: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار- أو في رجل منهم – كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام.
* ذكر من قال ذلك:
5812 – حدثنا محمد بن بشار، قال: عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا ” الحديث
وعن سعيد بن جبير، قال: كانت المرأة تكون مقلى ولا يعيش لها ولد – قال شعبة. وإنما هو مقلات – فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهودنه. قال: فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”. قال: من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب .
عن عامر، قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا! وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم! فنزلت:”لا إكراه في الدين”، فكان فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام، فمن لحق بهم اختار اليهودية، ومن أقام اختار الإسلام.
وعن عامر بنحوه : إلا أنه قال: إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر .
وعن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”، قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك .
وعن أبي بشر، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” قال: نزلت هذه في الأنصار، قال: قلت خاصة! قال: خاصة! قال: كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود، تلتمس بذلك طول بقائه. قال: فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير قالوا: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال: فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره:”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم” قال: فأجلوهم معهم .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يكره أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يقرون على دينهم. وقالوا: الآية في خاص من الكفار، ولم ينس منها شيء….
[تفسير الطبري 5/ 407 ط التربية والتراث]
قال الخطابي:
قلت المقلات هي المرأة التي لا يعيش لها ولد وأصله من القلت وهو الهلاك قال الشاعر:
بغاث الطير أكثرها فراخا … وأم الطير مقلات نزور
وفيه دليل على أن من انتقل من كفر وشرك إلى يهودية أو نصرانية قبل مجيء دين الإسلام فإنه يقر على ما كان انتقل إليه وكان سبيله أهل الكتاب في أخذ الجزية منه وجواز مناكحته واستباحة ذبيحته. فأما من انتقل عن شرك إلى يهودية أو نصرانية بعد وقوع نسخ اليهودية وتبديل ملة النصرانية فإنه لا يقر على ذلك، وأما قوله سبحانه {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] فإن حكم الآية مقصور على ما نزلت فيه من قصة اليهود، فأما إكراه الكفار على دين الحق فواجب ولهذا قاتلناهم على أن يسلموا أو يؤدوا الجزية ويرضوا بحكم الدين عليهم.
[معالم السنن 2/ 286]
قال ابن القيم:
وكان النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس في الدعوة مراتب: فإنه أُمِر أولًا أن يقرأ باسم ربه، ثم أُمر ثانيًا أن يقوم نذيرًا، فأُمِر بإنذار عشيرته وقومه ودعوتهم إلى الله تعالى، ثم أُمِر بإنذار الناس والصبر والعفو والهجر لمن آذاه، ثم أُمر بالهجرة، ثم أُمر بقتال من قاتله، ثم أُمر بالجهاد العام، ثم بضرب الجزية على أهل الكتاب، فضَربها عليهم وأَلحق بهم المجوس، وكانت العرب من عبّاد الأوثان قد دخلوا كلهم في الدين، وكان صلى الله عليه وسلم يُقِرُّ الناس على ما هم عليه حتى يأتيه الأمر من الله بما يأخذهم به ويفعله معهم. فلما جاءه أمره بالهجرة بادر إلى امتثاله، ثم جاءه الأمر بالجهاد فقام به حقَّ القيام، ثم جاءه الأمر بالتفريق بين المؤمنات والكفَّار في النكاح، ثم جاءه الأمر بصلح الكفار بتوادعهم، ثم جاءه الأمر بأخذ الجزية منهم وإقرارهم على دينهم ولا يتعرَّض لهم ما لم ينقُصوه شيئًا مما شرط عليهم، فلم يكن قبل الهجرة والجهاد يمنع من أراد التهوُّد أو التنصُّر من أهل الأوثان، فلما علَتْ كلمة الإسلام وصار للمسلمين الغلبةُ والقهر منع من أراد منهم التهوُّد أو التنصُّر بعد أن أقرَّ بالإسلام، وأمر بقتله إن لم يراجع دينَ الإسلام، ولم يمنع يهوديًّا من نصرانيةٍ، ولا نصرانيًّا من يهوديةٍ كما منع المسلم منهما.
وقد علم صلى الله عليه وسلم أن من أبناء الأنصار من دخل في اليهودية بعد النسخ والتبديل، كما روى أبو داود في “سننه” عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المرأة تكون مِقلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولدٌ أن تُهوِّده، فلما أُجلِيتْ بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا نَدَعُ أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 254].
قال أبو داود: المِقْلات التي لا يعيش لها ولدٌ.
وهو يدلُّ على أن من تهوَّد وإن كان أصله غيرَ يهودي فإنه مثلهم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع قبل فرض الجهاد ولا بعده وثنيًّا دخل في دين أهل الكتاب، بل ولا يهوديًّا تنصَّر أو نصرانيًّا تهوَّد أو مجوسيًّا دخل في التهوُّد والتنصُّر. بل جمهور الفقهاء اليوم يُقِرُّونه على ذلك كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وعنه رواية ثانيةٌ: لا يُقبل منه إلا الإسلام، وعنه رواية ثالثةٌ: لا يُقبل منه إلا الإسلام أو دينه الأول إن كان دينًا يقرّ أهله عليه.
[أحكام أهل الذمة – ط عطاءات العلم 1/ 101]
قال ابن رسلان:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت أمرأة) من اليهود قبل مجيء دين الإسلام (تكون مقلاتا) بكسر الميم آخره تاء ممدودة، وهي المرأة التي لا يعيش لها ولد فتكاد تهلك نفسها من موت الأولاد، وأصله من القلت، وهو الهلاك (فتجعل) لله (على نفسها) نذرًا (إن عاش لها ولد) ذكر أو أنثى أو خنثى (أن تهوده) أي: تعلمه اليهودية وتحمله عليها، وقيل: تكون سببًا لإجراء حكم اليهودية عليه ما دام في الدنيا صغيرًا (فلما أجليت) أي: أخرجت من أوطانهم يهود (بنو النضير) حين غدروا بالنبي صلى الله عليه وسلم لما هزم المسلمون يوم أحد وأظهروا العداوة بعد أن كانوا صالحوه (وكان فيهم) أي: في بني النضير (أبناء من الأنصار) المسلمين (فقالوا: ) يعني الأنصار الذين أسلموا (لا ندع أبناءنا) الذين هودوا قبل مجيء الإسلام يذهبون معكم وهو على حكم اليهودية، بل نكرههم على حكم دين الإسلام ونأخذهم (فأنزل الله عز وجل هذِه الآية: ({لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}) أي: لا يكره على الدخول في الإسلام من دخل في اليهودية قبل مجيء دين الإسلام، بل يقر على ما كان انتقل إليه، وتجري عليه أحكام أهل الكتاب في أخذ الجزية منه وجواز مناكحتهم، ولكن يكره على الإسلام من انتقل إلى اليهودية أو النصرانية بعد نسخهما؛ لأنه ({قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}) أي: الحق من الباطل، فالحق هو الإسلام، والباطل ما عداه، فلفظ الآية عام مخصوص بمن نزلت فيه من اليهود.
ومعنى الآية: لا يكره أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى على الدخول في دين الإسلام؛ لأنهم تهودوا قبل ظهور الإسلام، لكن يكره من تهود أو تنصر بعد ظهور الإسلام بأن يقال له: أسلم وإلا قتلناك، فإن أسلم حكم بإسلامه ويكون حكم من تهود أو تنصر مخصصًا لقوله {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، وإنها من العموم المراد به الخصوص {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.
(قال أبو داود: المقلات التي لا يعيش لها ولد) ومنه الحديث: “المسافر وماله على قلت”. والقلت بفتح القاف واللام، وهو الهلاك.
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 11/ 511]
قال العباد:
أورد أبو داود [باب في الأسير يكره على الإسلام] أي أنه لا يكره، فالأسير لا يكره فيقال له: إما أن تسلم وأما أن نقتلك، ليس هذا من حكم الإسلام، وإنما يوثق ويصير عبداً بين مسلمين يشاهد أحكام الإسلام وأعمال الإسلام، فيكون ذلك سبباً في إسلامه، فما دام أن المسلمين قد تمكنوا منه فإنه يصير تحت إمرتهم وتحت سلطتهم وتحت تصرفهم، فيكون رقيقاً مملوكاً يتصرفون فيه كيف يشاءون، ثم يكون وجوده بين المسلمين سبباً في إسلامه، فالمقصود هو الهداية وليس المقصود القتل.
ولكن كون المسلمين يذهبون إلى بلاد الكفار ويغزونهم ويقاتلونهم على أن يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية ويكونوا تحت حكم الإسلام هذا هو حكم الإسلام، ومعنى هذا أن فيه جهاداً وفيه انتقال المسلمين من بلادهم إلى بلاد الكفار يغزونهم، فيدعونهم إلى الإسلام، وإلى أن يدخلوا تحت لوائه أو يعطوا الجزية ويكونوا تابعين للمسلمين يعاملهم المسلمون المعاملة التي جاء بها الإسلام.
وأما أن يكون عندهم كافر أسير فيخيرونه بين القتل أو الإسلام فليس الأمر الشرعي كذلك؛ لأنه ما حصل إلزام الأفراد الذين عاشوا تحت حكم الإسلام مأسورين، وكذلك الذين أعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون، فهؤلاء ما أكرهوا على الإسلام بحيث يلزم الإنسان منهم بأن يسلم وإلا قتل، بل إن أسلم فالحمد لله، وإلا فإنه يعطي الجزية ويكون تحت حكم الإسلام، وإعطاؤه الجزية وبقاؤه تحت حكم الإسلام ومشاهدته أحكام الإسلام من أسباب دخوله في الإسلام.
فإكراه الأسير على الإسلام لا يجوز.
وهنا أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه في سبب نزول قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} [البقرة:256] أن الأنصار كانوا في المدينة ومعهم اليهود، وكانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فتنذر أنَّه إن جاءها ولد فإنها ستهوده، أي: تجعله يهودياً.
والأنصار الذين كانوا في المدينة من الأوس والخزرج أصلهم من أزد اليمن من العرب.
فكانت المرأة تنذر بأن تهود ابنها، فيكون يهودياً وينشأ على أنه يهودي، واليهود كانوا معهم في المدينة، فلما أجلي بنو النضير قال الأنصار: لا ندع أبناءنا الذين قد هودوا بسبب هذا النذر الذي يحصل من المرأة المقلاة.
فأنزل الله: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) يعني أنه لا يكره الشخص على الإسلام وعلى أن يدخل في الإسلام.
وأنزل الله عز وجل: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} [البقرة:256]، فهذا هو معنى الآية، وليس معناها أن الكفار لا يُجَاهدون ولا يُغزون في بلادهم، وعلى هذا فلا تنافي بين ما جاء في القرآن من الأمر بقتال الكفار، كقوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39]، لا تنافي بين ذلك وبين هذه الآية التي هي قوله تعالى: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، وتكون الآية محمولة على مثل من نزلت فيهم، وهم الذين كانوا أبناء مشركين ولكنهم تهودوا، فلا يكرهوهم على الإسلام فيلزموهم بالإسلام أو القتل؛ لأنهم لو أكرهوهم فيمكن أن يظهروا الإسلام علناً وهم يبطنون الكفر، فلا يكون هناك فائدة من وراء هذا الإكراه.
فتكون الآية محمولة على مثل من نزلت فيهم، وآيات الأمر بالقتال للمشركين على ما هي عليه، وهي أن المسلمين يذهبون إلى بلاد الكفار فيغزونهم ويقاتلونهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله).
فتحمل الآيات والأحاديث التي في القتال على غزو الكفار والذهاب إليهم ليدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ويحكم الإسلام بلادهم، ويكون الإسلام ظاهراً عالياً على الأديان، ويكونون تحت لوائه، فيشاهدون أحكام الإسلام وفضله، فيكون ذلك سبباً في إسلامهم، والآية ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) تكون في مثل هؤلاء.
وليس الأمر كما يفعله بعض الناس في هذا الزمان حين انهزموا في نفوسهم، فأرادوا أن يعتذروا للإسلام أمام الكفار بأنَّ الإسلام ليس فيه هجوم وليس فيه ذهاب إلى الكفار من أجل دعوتهم إلى الإسلام، وإنما الجهاد في الإسلام للدفاع! هكذا يقول بعض الناس في هذا الزمان، فكثير من الناس يقولون: الجهاد للدفاع.
ونقول: كيف يكون الجهاد للدفاع والصحابة كانوا يذهبون إلى الكفار في بلادهم ويغزونهم في بلادهم، وكذلك من بعدهم، والرسول صلى الله عليه وسلم جهز الجيوش وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله)، والصحابة ذهبوا إلى الفرس والروم، مع أن الفرس والروم ما هاجموا المدينة وما جاءوا إلى المدينة حتى يدافع الصحابة عن أنفسهم، وإنما ذهبوا إليهم في بلادهم لإخراجهم من الظلمات إلى النور بأن يسلموا، أو يدخلوا تحت حكم الإسلام فيشاهدون أحكام الإسلام فيكون ذلك سبباً في إسلامهم؟! وهل يُظن أن الذين ذهبوا إلى إفريقيا حتى وصلوا إلى المحيط الأطلسي ذهبوا ليدافعوا عن الإسلام أو ليدافعوا عن المسلمين؟! إنما كانوا يذهبون إلى الكفار ويدعونهم إلى الإسلام، لكن لما ضعف المسلمون في هذا الزمان وصار الكفار متغلبين صار بعض المسلمين يزعم أن الجهاد إنما هو للدفاع فقط، وأن الكفار لا يغزون ولا يذهب إليهم في بلادهم، ولا إكراه في الدين، فصارت آية (لا إكراه في الدين) هي عندهم كل شيء، والآية إنما جاءت في مثل هذه الصورة التي ذكرت، وهي أن المرأة كانت تكون مقلاة، فتنذر إن عاش لها ولد فإنها ستهوده، ثم لما أجلي بنو النضير وكان أبناء الأنصار اليهود معهم كانوا يكرهونهم على الإسلام حتى يبقوا معهم، فنزلت الآية: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)).
إذاً الآية لها معنىً يخصها، وتلك الآيات لها معانٍ، ولا تنافي بين ما في آيات قتال الكفار حتى يكون الدين كله لله وبين آية ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))؛ لأنها في مثل من نزلت فيهم، فالمسلمون إذا كان تحت أيديهم كافر فإنه لا يجوز لهم أن يقولوا له: إما أن تسلم وإما أن نقتلك، فهذا إكراه ممنوع وغير جائز، وإنما يغزى الكفار في بلادهم ويقاتلون، فإن دخلوا في الإسلام فالحمد لله، وهذا هو المطلوب، وإن لم يدخلوا طلب منهم إعطاء الجزية ويتولى عليهم المسلمون، ويكون ذلك سبباً في إسلامهم بأن يشاهدوا أحكام الإسلام وتعاليم الإسلام.
[شرح سنن أبي داود للعباد 317/ 15 بترقيم الشاملة آليا]
دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال الطبري: (اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم من الأنصار، أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هوَّدوهم أو نصَّروهم فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه فنهاهم اللَّه عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام). اهـ.
وقال ابن كثير: (يقول تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه، وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار وإن كان حكمها عامًا). اهـ.
* النتيجة:
أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به والله أعلم.
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة ١/٢٩١
——
قال ابن جزي رحمه الله : ” ( لا إكراه في الدين ) المعنى : أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته ، بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه ، دون إكراه ويدل على ذلك قوله : ( قد تبين الرشد من الغي ) أي قد تبين أن الإسلام رشد وأن الكفر غي ، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه ” انتهى من “التسهيل” (ص 135) . وقال السعدي رحمه الله : ” هذا بيان لكمال هذا الدين الإسلامي، وأنه لكمال براهينه، واتضاح آياته، وكونه هو دين العقل والعلم، ودين الفطرة والحكمة، ودين الصلاح والإصلاح ، ودين الحق والرشد ، فلكماله وقبول الفطرة له ، لا يحتاج إلى الإكراه عليه ؛ لأن الإكراه إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب ، ويتنافى مع الحقيقة والحق ، أو لما تخفى براهينه وآياته ، وإلا فمن جاءه هذا الدين ، ورده ولم يقبله ، فإنه لعناده . فإنه قد تبين الرشد من الغي ، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة ، إذا رده ولم يقبله ، ولا منافاة بين هذا المعنى، وبين الآيات الكثيرة الموجبة للجهاد ، فإن الله أمر بالقتال ليكون الدين كله لله ، ولدفع اعتداء المعتدين على الدين ، وأجمع المسلمون على أن الجهاد ماض مع البر والفاجر، وأنه من الفروض المستمرة الجهاد القولي والجهاد الفعلي ، فمن ظن من المفسرين أن هذه الآية تنافي آيات الجهاد، فجزم بأنها منسوخة فقوله ضعيف، لفظا ومعنى، كما هو واضح بين لمن تدبر الآية الكريمة ، كما نبهنا عليه ” انتهى من “تفسير السعدي” (ص 954) . وقال أيضا : ” ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) يعني : وإذا تبين هذا من هذا لم يبق للإكراه محل ، لأن الإكراه إنما يكون على أمر فيه مصلحة خفية ، فأما أمر قد اتضح أن مصالح وسعادة الدارين مربوطة ومتعلقة به ، فأي داع للإكراه فيه ؟. ونظير هذا قوله تعالى: ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) الكهف/ من الآية29 ، أيْ هذا الحق الذي قامت البراهين الواضحة على حقِّيَّته فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” انتهى من “القواعد الحسان” (ص 119) .
وقال الزرقاني رحمه الله : ” أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس ، ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة ، ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده ، وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ” . انتهى من “مناهل العرفان” (2 /406) .
وذهبت طائفة من أهل العلم أن هذه الآية خاصة بأهل الكتاب ومن في حكمهم كالمجوس ؛ فإنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام ؛ لقول الله عز وجل : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) التوبة/ 29 . وقال ابن قدامة رحمه الله : ” وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن ، فأسلم : لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا ” انتهى من “المغني” (10 /96) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” فلا يصح كفر المكره بغير حق ، ولا إيمان المكره بغير حق ؛ كالذمي الموفى بذمته ، كما قال تعالى فيه ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) بخلاف المكره بحق ، كالمقاتلين من أهل الحرب ، حتى يسلموا إن كان قتالهم إلى الإسلام ، أو إعطاء الجزية ، إن كان القتال على أحدهما ” انتهى من “الاستقامة” (2 /320) .