السيرة في نضرة النعيم:لجوء المشركين إلى المطالبة بالمعجزات:
وطالبت قريش أن يريهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم معجزات أو مزايا ليست عند البشر العاديين: من ذلك قولهم … مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً* أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها «3» فرد عليهم الله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «4» .
وقولهم: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً* أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ. ولذا قال لهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم كما جاء في الآية نفسها قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا «5» .
وسألوه أن يسيّر لهم جبال مكة، ويقطع لهم الأرض ليزرعوها، ويبعث لهم من مضى من الآباء الموتى أمثال قصي ليسألوه عن صدق محمد، ورد الله عليهم في قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً «6» ، ولقد كان طلبهم على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدى والرشاد. قال تعالى:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ «7» وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ «8» . وقال تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ … «9» . اهـ
قال المراغي:
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها) أي وأقسم هؤلاء المشركون المعاندون بأوكد الأيمان وأشدها مبالغة، لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية ليؤمنن بأنها من عند الله وأنك رسول من لدنه.
وفى هذا إيماء إلى أنهم بلغوا غاية العتو والعناد، إذ هم لم يعدّوا ما يشاهدونه من المعجزات من نوع الآيات ومن ثم اقترحوا غيرها، وما كان غرضهم من ذلك إلا التحكم فى طلب المعجزات، وعدم الاعتداد بما شاهدوا من البينات.
(قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) أي قل أيها الرسول إنما الآيات عند الله وحده، فهو القادر عليها والمتصرف فيها يعطيها من يشاء ويمنعها من يشاء بحكمته وقضائه كما قال:
«وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» فلا يمكننى أن أتصدى لإنزالها بالاستدعاء والطلب.
روى «أن قريشا اقترحوا بعض آيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟ فقالوا نعم وأقسموا لئن فعلت لنؤمنن جميعا، فسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها طمعا فى إيمانهم، فهمّ عليه الصلاة والسلام بالدعاء فنزلت الآية» .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: «كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فقالوا يا محمد: تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أىّ شىء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا تحوّل لنا الصفا ذهبا، فقال: فإن فعلت تصدقونى، قالوا نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال:
إن شئت أصبح الصفا ذهبا، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم (أي عذاب الاستئصال) وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فقال صلى الله عليه وسلم: أتركهم حتى يتوب تائبهم، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) » .
(وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) الخطاب للمؤمنين الذين تمنّوا مجىء الآية ليؤمنوا والنبي صلى الله عليه وسلم منهم بدليل همه بالدعاء ورغبته فى ذلك.
والمعنى- إنه ليس لكم شىء من أسباب الشعور بهذا الأمر الغيبى الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب وهو أنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية.
[تفسير المراغي 7/ 215]
قال الصوياني:
إذا كان هذا وصفهم للقرآن وإنه ليس من كلام البشر .. ولا من كلام الجن فماذا يريدون إلا العناد .. ومعه شيء آخر هو العناد .. لذلك فقد سلكوا طرقًا عديدة .. يحاولون النفاذ من أحدها نحو نصر ما، وكان أحد هذه الطرق الملتوية: طلب المعجزات .. اجتمعوا يومًا حوله صلى الله عليه وسلم ثم طالبوه بأن يقدم لهم معجزة .. فأراهم:
انشقاق القمر
يا له من طلب غريب .. لا يراد منه سوى التعجيز ليجدوا لأنفسهم عذرًا للتكذيب .. ومع ذلك فقد تحققت المعجزة .. وأراها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء فهل غيَّرَ ذلك من موقفهم؟
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه:
(سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية، فانشق القمر بمكة مرتين) (2).
(فقال كفار قريش أهل مكة:
هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم، فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به.
فسئل السفار – وقدموا من كل جهة. فقالوا: رأينا) (1). وقالوا هم أيضًا: (محمَّد لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم) (2). وكان الناس ينظرون إليه من مواقع مختلفة، فهناك من رأى (الجبل من بين فرجتي القمر) (3)، وهناك من رأى (فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه) (4). وهناك من رأى (فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل) (5).
وسبب هذا الاختلاف في الوصف .. هو الاختلاف في الأماكن التي يقفون فيها أثناء الحدث .. فهذا أمام جبل .. وهذا خلف جبل .. وذاك هناك و .. ولا شك أن للمسافرين الذين قدموا وصفًا آخر .. لكنهم أحمعوا على أن الشق قد حدث .. وخسرت قريش أمام هذه المعجزة .. لتلجأ للاتهام مرة أخرى فتقول كما قال الوليد عن القرآن: سحر مستمر .. سحر ذاهب ومضمحل. وفي ذلك أنزل الله سبحانه: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ..} (1). وبعد هذا التكذيب وهذه المكابرة العارية المخيبة للآمال لم يترك الله نبيه صلى الله عليه وسلم دون:
مواساة
بعد هذا التكذيب المفضوح .. يقص سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم قصصًا ماضية .. لأقوام قد مرت ودمرت .. يا محمَّد لم يكن قومك أول من كذب وعاند .. فلقد: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} (2) ثم يقص عليه كيف شرقوا بالاء وغرقوا .. كذلك {كَذَّبَتْ عَادٌ} (3) و {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} (4) ومثلهم {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ} (5) ويختم هؤلاء الطغاة بأعتاهم إنهم آل فرعون: {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} (6).
ثم يتوجه السياق من الماضي المدفون إلى الحاضر الحي .. إلى قومك أهل مكة المشركين وإلى غيرهم ما دامت السماوات والأرض: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (1). لكن المشركين يدفنون الحق في أعماقهم .
[السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة 1/ 152]