السيرة في نضرة النعيم:لجأت قريش إلى ترويج الاتهامات الباطلة لصد الناس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن ذلك أنهم اتهموه بالجنون.
وفي ذلك نزل قول الله تعالى: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ «2» . وقد أجابهم الله في سورة القلم ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ «3» ، وحكى ذلك عنهم في قوله وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ «4» . واتهموه بالسحر وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ «5» ، وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً «6» .
وقد تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن. فعندما أوشك دخول موسم الحج جمع فريقا من عتاة المعاندين، فقال لهم: «يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا … » وعلى الرغم من استبعادهم أنه كاهن أو شاعر أو ساحر إلّا أنهم اتفقوا على أن يقولوا للناس إنه ساحر، لأنه يفرق بين الأقارب، فأنزل الله في الوليد ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً … «7» ثم أخذوا يتلقون الناس يحذرونهم من أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم وشاء الله أن تصدر العرب من ذلك الموسم وقد شاع بينهم أمر الدعوة وأخبار الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها «8» وكان مثل هذه المواقف سببا في إسلام الناس في المواسم.
واتهموه بالكذب، وفي ذلك يقول الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ «9» .
واتهموه بالإتيان بالأساطير. قال تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «1» .
واتهموا المؤمنين بالضلالة.. وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ «2» .
أذى المشركين للرسول صلّى الله عليه وسلّم:
واجهت قريش الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالسخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي عليه صلّى الله عليه وسلّم وعلى المؤمنين….
قال حسين بن محمد بن الحسن الدِّيار بَكْري [ت 966 هـ]:
(ذكر بعض ما لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ايذاء المشركين)
* ولما خرج المسلمون الى الحبشة ومنع الله تعالى نبيه بعمه أبى طالب ورأت قريش أن لا سبيل لهم عليه رموه بالكهانة والسحر والجنون والشعر ثم بالغوا فى أذاه فمن ايذائهم ما روى أن نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو بفناء الكعبة اذ أقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه فى عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم* وروى عن عائشة أنها قالت عاد أبو بكر وقد صدعوا فرق رأسه مما جذبوه بلحيته وكان رجلا كثير الشعر* وفى معالم التنزيل لما بزق عقبة بن أبى معيط فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه فى وجهه فاحترق خدّاه وكان أثر ذلك فيه حتى الموت* وعن عبد الله أنه قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد فانه كان يصلى ورهط من قريش جلوس وسلا جزور قريب منه فقالوا من يأخذ هذا فيلقيه على ظهره فقال عقبة بن أبى معيط أنا فأخذه فألقاه على ظهره فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فألقته عن ظهره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهمّ عليك بالملأ من قريش اللهمّ عليك بعتبة بن ربيعة اللهمّ عليك بشيبة بن ربيعة اللهمّ عليك بأبى جهل بن هشام اللهمّ عليك بعقبة بن أبى معيط اللهمّ عليك بأبىّ بن خلف أو أمية بن خلف* قال عبد الله فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا ثم سحبوا الى القليب غير أمية فانه كان رجلا ضخما فتقطع ولما كثر أنواع الاذى من المشركين استتر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فى دار الا رقم بن أبى الارقم بن أسد وأقاموا فى تلك الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا* وفى الصفوة أرقم بن أبى الارقم أسلم بعد ستة نفر وكان داره بمكة على الصفا فيها استتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا الناس فيها الى الاسلام وتصدّق بها الارقم على ولده فلم يزل المنصور يرغب ولده فى المال حتى باعه اياها ثم أعطاها المهدى الخيزران وقد يقال هى بأصل الصفا ويقال عند الصفا فالكل واحد وهى التى تسمى الآن بدار الخيزران* وفى كتاب الغزى كان صلى الله عليه وسلم مستترا فيها فى بدء الاسلام وكان بها اجتماع من أسلم من الصحابة وبها أسلم عمر وحمزة وغيرهما ومنها ظهر الاسلام قاله العقبى* وفى هذه السنة ولد أسامة بن زيد وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبة الثقيفى وأبو موسى الاشعرى وزيد بن خالد الجهنى وحبيب بن مسلمة الفهرى كذا فى سيرة مغلطاى* وفى هذه السنة توفيت سمية بنت حباط مولادة أبى حذيفة بن المغيرة وهى أمّ عمار بن ياسر أسلمت بمكة قديما وكانت ممن يعذب فى الله عز وجل لترجع عن دينها فلم ترجع فمرّ بها أبو جهل فطعنها فى قلبها فماتت وكانت عجوزا كبيره فهى أوّل شهيدة فى الاسلام وفى السنة السادسة من النبوّة أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب وقد قيل أسلما فى سنة خمس كذا فى المنتقى وكان اسلام حمزة قبل اسلام عمر بثلاثة أيام بعد دخول النبىّ صلى الله عليه وسلم دار الارقم كذا فى الصفوة*
[تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس 1/ 292]